الكاتب والكتاب

ليس الفيلسوف أفضلَ مَن يكتب عن تاريخ الفلسفة، مثلما أن الفنان ليس خيرَ من يحكم على فنِّ الآخرين؛ فللفيلسوف موقفه الخاص الذي تتلوَّن به أحكامه على الفلسفات الأخرى، وهو في أغلب الأحيان لا ينظر إلى التاريخ السابق للفلسفة إلا على أنه مجموعة من علامات الطريق التي تُشير إلى فِكره هو، أو التي تتلاقى كلُّها في نقطةٍ واحدة؛ هي ما يدور في رأسه من أفكار. هذا ما فعله أرسطو مع الفلاسفة السابقين، وهو أيضًا ما رآه الفيلسوف الألماني الكبير «كانت» في المذاهب التي سبَقَته، كما أنه تَمَثَّل بأكثر الصور وضوحًا وصراحة في ذلك العرض الطويل الذي قدَّمَه هيجل، فيلسوفُ المثالية الأكبر، لتاريخ الفلسفة، فضلًا عن عشَرات الأمثلة لدى فلاسفة آخرين لهم أهميتهم، وإن لم تكن لهم تلك المكانة العليا التي كانت لهؤلاء الثلاثة.

ومع ذلك فإن كتابة الفيلسوف عن تاريخ الفلسفة تَجرِبة فكرية شيقة، تحتشد باللمحات الذكية والملاحظات المتعمقة، والقدرة على كشف الروابط والعلاقات التي يعجز عن إدراكها الذهنُ العادي. وعلى هذا النحو يبدو لنا بالفعل هذا الكتاب الذي نُقدِّمه ها هنا مترجمًا إلى العربية، والذي ألَّفه شيخ الفلاسفة المعاصرين، برتراند رَسل؛ فهو رؤية شاملة للفلسفة الغربية منذ بداياتها الأولى في العصر اليوناني حتى النصف الثاني من القرن العشرين. وهو يَزيد كثيرًا عن أن يكون عرضًا منهجيًّا للأفكار؛ لأنه يحرص على وضع الأفكار في سياقها التاريخي والاجتماعي، وقد بلغ حرصه هذا حدًّا جعل رَسل يُعبِّر عن هذا المعنى بوصفه عنوانًا فرعيًّا للكتاب بأكمله، ولقد كان هذا الحرص على الربط بين الفكر الفلسفي والإطار الذي ظهر فيه هو الذي يميز هذا الكتاب عن كتاب رَسل المشهور في الموضوع نفسِه، والذي كان قد ألفه قبل الكتاب الحالي، وأعني به «تاريخ الفلسفة الغربية»؛ إذ كان الكتاب الأخير، الذي تبلور خلال محاضرات ألقاها رَسل في مؤسسة بارنز Barnes في فيلادلفيا بالولايات المتحدة فيما بين عامَي ١٩٤١ و١٩٤٣م، مَعنيًّا بالتاريخ الفلسفي البحت، أكثرَ مما كان مهتمًّا بتقديم السياق العينيِّ الذي تظهر فيه الأفكار الفلسفية.

وفي اعتقادي أن أهم ما تتميز به شخصية مؤلف هذا الكتاب هو أنه قد يكون الفيلسوفَ الوحيد الذي عاش قرنًا كاملًا أو كاد (١٨٧٢–١٩٧٠م). هذه الحقيقة الرقمية البسيطة يمكن أن تُفسِّر لنا الكثير عن برتراند رَسل، وعن تقلباته وتحولاته التي وصلَت في رأي البعض إلى حد العشوائية والمزاجية، مع أنها كانت في واقع الأمر نتيجةً طبيعية لتلك الحياة النادرة في طولها؛ ذلك لأن الإنسان الذي يعيش قرنًا كاملًا في فترة حاسمة من فترات التاريخ البشري، ويظل فيه محتفظًا بوعيه وحِدَّة ذهنه وروحه النقدية كاملة؛ لا بد أن تكون تَجرِبته في فكره وحياته أخصبَ وأشدَّ تلوُّنًا وتنوعًا بكثيرٍ مما يستطيع الذهن العادي استيعابه، لقد بدأ رَسل حياته في النصف الثاني من العصر الفكتوري الإنجليزي، في وقتٍ كانت فيه الإمبراطورية البريطانية في أوج مجدها وطموحها، وكانت سيدةَ العالم بكل ما تحمله الكلمة من معنًى، وانتهت حياته في وقتٍ كانت فيه صورةُ العالم قد تغيرت تغيرًا حاسمًا، وانقسم إلى مُعسكرَين أيديولوجيَّين تحتل إنجلترا مكانةً غير رئيسية في واحدٍ منهما. وحين بدأت حياة رَسل كان الناس لا يزالون يَستخدمون الخيول في اتصالاتهم، وفي حروبهم، وحين انتهت كان العالم قد دخَل عصر الذَّرة والعقول الإلكترونية، وقبل عام من وفاته كان الإنجليزي قد وصل إلى القمر. وحين يشهد هذه التحوُّلاتِ الضخمةَ فيلسوفٌ ناقد حادُّ الذكاء، ظل محتفظًا بيقظته الذهنية وحاسته العملية حتى اللحظة الأخيرة من حياته؛ فلا بد أن تكون النتيجةُ تَجرِبة شديدة الخصوبة لا تكاد تتكرر في تاريخ الفكر الإنساني.

وعلى هذا النحو نستطيع أن نُفسِّر تلك التقلبات الهائلة التي طرأت على حياة رَسل وأفكاره؛ فقد كان كل شيء في حياته الأولى يؤهله لأن يكون سياسيًّا مرموقًا يتولى مناصبَ تنفيذية هامة في بلاده؛ إذ كان ينتمي إلى واحدةٍ من أعرق الأسر البريطانية يحمل الكبارُ فيها لقب «إيرل»، وكان جده رئيسًا للوزراء في الثلث الأول من القرن، كما كان يقصد بيته عددٌ من المشاهير، على رأسهم جون استورت مل، الذي كان صديقًا حميمًا لوالِدَيه، ولكن ربما كان الشيء الوحيد الذي تأثر به رَسل من بيئته المنزلية، إلى جانب إعجابه العقلي بمِل، هو تلك النزعة التحررية الجريئة، التي تكاد تقترب من الفوضوية، والتي كان يتصف بها أبوه. وقد تلقى رَسل تعليمًا خاصًّا راقيًا، ثم التحق بكلية ترينيتي في جامعة كيمبردج، وأحرز فيها تفوقًا ملحوظًا في الرياضيات وفي العلوم الإنسانية. وكان أول كتاب له، بعد أن عمل فترة في السلك الدبلوماسي في ألمانيا، عن «الحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا» (عام ١٨٩٦م). ومنذ ذلك الوقت المبكِّر اطلع رَسل على الأعمال الرائدة في المنطق الرمزي عند العالم الإيطالي «بيانو Peano» والعالم الألماني «فريجه Frege»، ثم ألف وهو في الثامنة والعشرين (عام ١٩٥٠م) كتابًا عن ليبنتس يُعَد من أهم ما كُتِب عن هذا الفيلسوف.

وقد بدأت حياة رَسل الفلسفية بفترةٍ كان فيها متأثرًا بالمذهب المثالي، الذي كان مزدهرًا في إنجلترا بفضل أعمال الفيلسوفَين برادلي وماكتجارت، ولكن هذه الفترة لم تَطُل، وسرعان ما تخلى رَسل عن المثالية، وعادت الفلسفة الإنجليزية كلها معه إلى التراث التجريبي المميز لها، وكان أهم عوامل تحوله هو تأثره باتجاه ج. أ. مور، أبو الواقعية الإنجليزية وعدو المثالية اللدود.

وكانت أهم المراحل الفلسفية في حياة رَسل هي الفترة الواقعة بين بداية القرن العشرين وعام ١٩١٦م، التي كان اهتمامه الأكبر فيها مُنصبًّا على بحث الأسس المنطقية للرياضيات، وإلى هذه الفترة ينتمي كتابه الأكبر، الذي اشترك فيه مع «وايتهد A. N. Whitehead»، وهو كتاب «المبادئ الرياضية Principia Mathematica» (١٩١٠–١٩١٣م). وبفضل هذا الكتاب أصبح رَسل واحدًا من أبرز الشخصيات الفلسفية في القرن العشرين، بل لقد وصَفه البعض بأنه أهمُّ المناطِقة منذ أرسطو.
وفي هذه الفترة نمَت صداقة قوية بينه وبين لود فيج فتجنشتين L. Wittgenstein الذي كان في البداية تلميذًا لرَسل، ثم أصبح زميلًا وصديقًا له، بل إن رَسل قد اعترف في المقدمة التي كتبها لمؤلف فتجنشتين: «دراسة منطقية فلسفية» أن هذا الأخير رغم كونه تلميذه، قد أفاده وأثر في تفكيره بقوة. ولما كان فتجنشتين واحدًا من أهم رواد الفلسفة التحليلية، ومؤسسًا للوضعية المنطقية، فإن من السهل أن يُدرِك المرء التأثير القوي الذي مارسه رَسل في هذه الاتجاهات المميزة لفلسفة القرن العشرين في العالم الأنجلوسكسوني، وفي بعض المدارس الألمانية والبولندية والإيطالية.

على أن نُشوب الحرب العالمية الأولى قد حوَّل اتجاه رَسل بقوة إلى التفكير في المشكلات السياسية والاجتماعية للإنسان؛ إذ كانت هذه الحرب، بما جلَبَته من دمار إنساني ومادي شامل، وبما أثبتته من نزوع إلى الهدم متأصِّل في النفس البشرية، صدمةً أليمة له، قلَّلَت من رغبته في متابعة المسائل الأكاديمية التجريدية في الوقت الذي كان يرى فيه ملايينَ البشر يُساقون إلى المجزرة. وهكذا وقف رَسل يدافع بقوة عن السلام ويُهاجِم الحربَ في وقتٍ كانت فيه بلاده متورطةً في تلك الحرب بكل ما تملك من طاقات. وهكذا حُوكم رَسل على نزعته السلامية، وحُكم عليه بالسجن ستة أشهر في عام ١٩١٨م.

وتوزَّعَت اهتمامات رَسل بعد الحرب الأولى بين المشاكل الفلسفية ذات الطابع الأعم، وخاصة مشكلة المعرفة، وبين المسائل الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، وقد أبدى في هذا المجال الأخير آراءً غيرَ مألوفة أثارَت عليه غضب الكثيرين من ذوي الميول المحافظة، ولكنه من جهةٍ أخرى أعلن عداءه للبلشفية إثر زيارة قام بها للاتحاد السوفيتي بعد سنواتٍ قليلةٍ من ثورته الشيوعية، وقابل خلالها لينين وتروتسكي وجوركي، وعاد لِيَعيب على النظام الجديد شموليته وتسلطه. أما في ميدان التربية فقد تبنَّى رَسل اتجاهاتٍ تحرريةً جديدة، حاول تطبيقها عمليًّا، فأنشأ لهذا الغرض مدرسة حرة في عام ١٩٢٧م، بمساعدة زوجته (الثانية)، ثم أُغلِقَت المدرسة بعد بضع سنوات عندما انفصل عن زوجته بالطلاق.

وفي عام ١٩٣٨م انتقل رَسل إلى الولايات المتحدة، حيث قام بتدريس الفلسفة في عدة جامعات في وسط أمريكا وغيرها، وعندما انتقل إلى التدريس في نيويورك هبت ضده عاصفة عاتية أثارتها آراؤه الاجتماعية والأخلاقية غير المألوفة، وشاركت فيها الصِّحافة والأجهزة السياسية والكنيسة، ولكنه كسَب في النهاية حكمًا قضائيًّا ضد المعترضين عليه.

ولقد كان موقف رَسل من الحرب العالمية الثانية مُضادًّا لموقفه من الحرب الأولى؛ فقد كان يرى أن هذه حرب تستحق التضحية؛ لأنها مُوجَّهة ضد قُوًى شريرة لا إنسانية. غير أنه أعرب بعد الحرب مباشرةً عن رأي لا يتمشى مع الاتجاهات التي ظل يدافع عنها طيلة حياته؛ إذ ألح على الولايات المتحدة، خلال الفترة التي كانت فيها محتكرة للسلاح الذري، أن تستخدم القنبلة الذرية ضد الاتحاد السوفياتي.

ولكن رَسل سرعان ما تراجع بعد عام ١٩٤٩م عن آرائه المتطرفة هذه، وأصبح منذ ذلك الحين من دعاة نزع السلاح النووي في العالم كلِّه. وازداد اقتناعًا بالموقف الجديد، حتى أصبح يَشتهر عالميًّا بالدور الإيجابي الذي يلعبه من أجل ضمان عالم متحرر من سباق التسلح الجنوني، وعندما نَشِبَت حرب فيتنام، لم يتردد رَسل، حتى بعد أن تجاوز عمره التسعين، في أن يَسير في مظاهرات، ويَعقد اجتماعات شعبية حاشدة، ويُؤلِّف لجانًا عالمية للتفاهم بين الشرق والغرب، ويقيم محكمة للضمير العالمي، تُحاكِم مُجرمي الحروب في كل مكان، وما زالت موجودة إلى يومنا هذا تحمل اسم مؤسسها العظيم، ولا أدلَّ على إيجابيته الهائلة من أنه دخل السجن عام ١٩٦١م، وهو في التاسعة والثمانين، لمدة أسبوع بسبب نشاطه في محاربة التسلح النووي. وبموت رَسل في عام ١٩٧٠م، انتهى عهد أحد النماذج النادرة في تاريخ الفلسفة، وطُوِيَت صفحة قرن كامل من الكفاح الفكري والعَملي الذي لا يمَل.

ماذا تبقَّى لنا أن نقوله عن هذا الفيلسوف الكبير؟ لقد كان نمطًا فريدًا في ذاته؛ نشأ أرستقراطيًّا، ولكنه عمل الكثير من أجل الجماهير. وبدأ أكاديميًّا، ولكنه اندمج في نشاط عمَلي لا يُجاريه فيه كبار الساسة المحترفين، وحارب أقوى المؤسسات القائمة في عصره، ولكنه فرض نفسه على ثقافة عصره إلى الحد الذي مُنِح فيه جائزة نوبل للآداب عام ١٩٥٠م، وهي الحالة الأولى التي تُمنَح فيها هذه الجائزة لفيلسوف (باستثناء كامي Camus الذي كان أديبًا بقدر ما كان فيلسوفًا)، وتربى تربية محافظة، ولكنه تزوج أربع مرات، واستفز مشاعر الناس بآرائه في الحب والزواج، وكتب أعظم المؤلفات المنطقية والرياضية وأشدها صعوبة وجفافًا في العصر الحديث، ولكنه كان يؤلف بكل اليسر والسلاسة والأسلوب المرح والجذاب في المسائل الاجتماعية والتربوية والسياسية والأخلاقية.

لقد كان أفلاطون، أعظم الفلاسفة أجمعين، هو الذي بدأ أسطورة فيلسوف البرج العاجي، حين سخر من ذلك الفيلسوف الذي يسير في الطريق مُحلقًا بعيونه في السماء، فيسقط في أول حفرة تصادفه على الأرض، ولو تأمل المرء في نظرة واحدة شاملة حياةَ رَسل الخصبة وكتاباته الشديدة التنوع، لبدت له من بدايتها إلى نهايتها، محاولةً جبارة لتفنيد هذه الأسطورة.

بقيَت لنا كلمةٌ عن الكتاب الذي نُقدِّم ها هنا ترجمته؛ ففي الطبعة الإنجليزية لهذا الكتاب بُذِلَت محاولة لتقديم عدد كبير من الصور والأشكال التي اختارها أحد زملاء رَسل من أجل تقديم إيضاح ملموس لأفكاره الفلسفية. ولم يكن رَسل ذاته على ثقة من أن هذه المحاولة ستنجح، ولذا أشار إليها في المقدمة على أنها تجربة أولى فحسب، وفي رأيي الخاص، الذي يَرتكز على سنوات طويلة من الخبرة في تعليم الفلسفة، أن هذه المحاولة لا تستحق الجهد الذي بُذِل من أجلها، وأن الكتاب قادر على توصيل أفكاره دون الاستعانة بمثل هذه الرسوم الملموسة، ومن هنا فقد آثرت الاستغناء عن الجانب الأكبر منها، وحذف السطور التي أشارت إليها في مقدمة المؤلف.

ولا بد أن يضع القارئ في ذهنه أن الكتاب يحمل عنوان «حكمة الغرب»، أي إنه يتحدث عن الفلسفة أو الحكمة كما ظهرت في الحضارة الغربية. وهذه الحقيقة تُفسِّر بعض السمات التي تُميِّز هذا الكتاب، والتي قد يعترض عليها الكثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور.

ذلك لأن رَسل يُمجِّد الحضارة اليونانية تمجيدًا مفرطًا، ويُرجع ظهور الفلسفة والرياضيات ومنهج الفكر المنطقي الاستدلالي إلى عبقرية الشعب اليوناني وحده. ولا شك أن المقام لا يتسع هنا لمناقشة تلك المشكلة المتشابكة؛ مشكلة العلاقة بين الحضارة اليونانية والحضارات الشرقية السابقة لها، ولكن رَسل يميل إلى الإقلال من أهمية ما تعلمه اليونانيون من الشعوب السابقة، على الرغم من أن كثيرًا من الأبحاث الحديثة، المبنيَّة على آخر ما وصل إليه علم الآثار والتاريخ القديم، تؤكد على نحوٍ متزايد ضخامةَ الدَّيْن الذي كان يَدين به اليونانيون للحضارات القديمة، مع عدم الإقلال بطبيعة الحال من عظمة الإنجاز اليوناني، وخاصة في الميدان النظري.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن موضوع الكتاب نفسه قد فرض على المؤلف ألا يَعرِض بأي قدر من التوسع للفكر العربي الإسلامي، فاكتفى بإشارات موجزة تخدم أغراضه في التركيز على «حكمة الغرب»، ولكن مما يُحمَد له أن هذه الإشارات جاءت منصفة لهذا الفكر ومقدِّرة للدور الذي قامت به الحضارة الإسلامية إلى حدٍّ بعيد. وربما لمس القارئ من آنٍ لآخر قدرًا من التعاطف مع الجماعات اليهودية، ولكن هذا شيء لا مفر منه في الجيل الذي ينتمي إليه رَسل، والذي عانى من ويلات النازية، فكان رد الفعل الطبيعي لديه هو أن يتعاطف مع أعدائها، وعلى أية حال فإن المرء حين يقرأ ملاحظاته القليلة في هذا الصدد بتعمُّقٍ يُحِس بأن المسألة ليست في الواقع تعاطفًا مع اليهودية بقدر ما هي انتقاد لذلك الأسلوب الذي تكرَّر مرارًا في تاريخ الغرب، وهو اضطهاد الأقليات الدينية بوصفه وسيلةً لتنفيسِ عُقَد الحكام أو لإلهاء الشعوب.

وربما لاحظ المرء في بعض مواضع الكتاب اهتمامًا زائدًا بالجوانب المنطقية والرياضية في الفلسفة، ولكن تعليل ذلك أمر ميسور إذا تذكرنا أن علاقة رَسل الرئيسية بالفلسفة جاءت من جانب المنطق والرياضة، وعلى أية حال فإن هذا الاهتمام يؤدي إلى بعض الأحكام التي قد لا يوافقه عليها بعضُ مؤرخي الفلسفة، مثل تمجيده المفرط لأفلاطون وإقلاله من قيمة أرسطو؛ ذلك لأن رَسل يُبدي في هذا الكتاب انبهارًا بالجوانب الرياضية في فكر أفلاطون، على حين أن أرسطو لم يكن يهتم أصلًا بالرياضيَّات. وربما كان في هذا مثَل ملموسٌ لما قلته من قبل عن طريقة الفيلسوف في كتابة تاريخ الفلسفة، وكيف أن موقفه الخاص يتحكم أحيانًا في رؤيته للفكر الفلسفي السابق. وعلى أية حال فيبدو لي أن حكمه هذا يتناقض مع ما قاله في دراسته المشهورة «التصوف والمنطق» وهي أول دراسة في الكتاب الذي يَحمل هذا الاسم، حين صنف الفلاسفة إلى أصحاب ميول صوفية وأصحاب اتجاهات منطقية، وأدرج أفلاطون ضمن الفئة الأولى وأرسطو ضمن الفئة الثانية. ولكن يبدو أن رَسل قد اكتشف دلالاتٍ أعمقَ للتفكير الرياضي في محاورات أفلاطون في الفترة التي ألَّف فيها كتابه هذا، والتي يَفصِلها عن كتاب «التصوف والمنطق» عددٌ كبير من السنين.

كذلك قد يختلف كثير من مُؤرِّخي الفلسفة مع رَسل في رأيه القائل إن سقراط كان صاحبَ نظرية المثُل أو الصور، وإن محاورات أفلاطون التي كان سقراط هو المتحدثَ الرئيسي فيها كانت تُعبِّر عن أفكار سقراط بالفعل، وإن أفلاطون لم يهتدِ إلى نفسه ويُعبرْ عن فكره بطريقة مستقلة إلا في المحاورات الأخيرة التي لا تَحتلُّ فيها شخصيةُ سقراط مكانة رئيسية، أو لا تظهر فيها على الإطلاق، فهذا رأي لم يُدافِع عنه إلا قلةٌ من مُؤرِّخي الفلسفة، على رأسهم «برون بيرنت J. Burnet» الذي يبدو أن رَسل كان متأثرًا به في هذه المسألة إلى حدٍّ بعيد.

تلك بعض النقاط الخلافية في هذا الكتاب، الذي كان مؤلفه ذاته من أكبر الشخصيات الخلافية في هذا القرن، ولكن يظل من الصحيح مع ذلك أن كتاب رَسل هذا عن تاريخ الفلسفة، بكل ما يتضمنه من لمحاتٍ ذكية وأحكامٍ عميقة ودعاباتٍ لاذعة، هو نِتاجٌ فكري ناضج يُعبِّر عن آخر مراحل تفكير رَسل في هذا الموضوع (طُبِع الكتاب لأول مرة في عام ١٩٥٩م، حين كان رَسل في السابعة والثمانين). وإذا كان الجزء الأول يُقدِّم عرضًا للفكر اليوناني وفكر العصور الوسطى الغربية في سياقهما الحضاري والاجتماعي، فإن الجزء الثانيَ الذي نأمُل أن تظهر ترجمته في هذه السلسلة قريبًا، يكمل الصورة بعرضٍ لأهم ملامح الفلسفات الغربية الحديثة والمعاصرة، وبذلك يَكتسب القارئ العربي رؤية ناضجة شاملة لأهم معالم تلك المغامرات الفكرية الشيقة التي امتدت عبر خمسة وعشرين قرنًا.

الكويت، سبتمبر ١٩٨٢م
أ.د. فؤاد زكريا

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢