الفصل التاسع عشر

مدينة وان – تركيا ١٨٩٧م

كيف يمكن أن ينتصر الضَّعف على القوة، والقلة على الكثرة؟ هل الإيمان بالقضية أم العزيمة والإصرار عليها؟ ثَم مَن يقول إن أصحاب القوة والكثرة لا إيمان لهم ولا إصرار لديهم على قضيتهم؟! كل الأمم مؤمنة بقضيتها وترى أنها عادلة فيها وتدافع عن الحق من وجهة نظرها؛ إذ إن الحق حمَّال أوجه. يُذكر في الموروث العربي أن رجلًا تخاصم مع جاره فجاء شاكيًا إلى جحا الأذى الذي ألحقه جاره به، بعد سماع شكواه قال له جحا: «الحق معك.» وما إن خرج الرجل حتى دخل خَصمه على جحا فأخبره بالقصة من وجهة نظره، فقال له جحا: «الحق معك.» خرجت زوجة جحا إليه وقالت مستغربة: «كيف يكون الخصمان على حق؟!» فردَّ عليها جحا: «وأنتِ أيضًا على حق.» على الرغم من الطرافة الموجودة في القصة فإن فيها مدلولًا عميقًا في مفهوم الحق؛ إذ نستطيع الجزم أن الأرض تكاد تخلو من أمةٍ على باطل، الكل على الحق وإن ظلموا وإن قتلوا واستباحوا ما ليس لهم؛ فلديهم مبرِّرات وتفسيرات منطقية أو دينية تخصُّهم لكل شيء.

كانت الأفكار المكسوة باليأس تدور في خَلد أرتين بعدما فشلت الثورة في «وان»، وانسحبت جميع الفصائل منها إلى الجبال والقرى الأرمنية الموالية للثورة .. ولم تنجح خطة التضحية البلغارية مرة أخرى، لم تتدخَّل روسيا عسكريًّا ولا الدول الأوروبية، وساءت أحوال الأرمن في المدينة. كان أرتين يحدِّث نفسه عن النتيجة التي خرجوا بها من الثورة وخسارة عشرات المقاتلين، ويقول: «دخلنا المدينة لنصرة أبناء شعبنا ولم نستطِع الصمود، ولا الوصول إلى هدف العملية، ومن ثَم فررنا منها وتركنا الأرمن وراءنا يلاقون جريرةَ أفعالنا، وأصبح حال الأرمن في المدينة، إذا خرجوا إلى السوق خرجوا على شكل مجموعاتٍ خشيةَ الوقوع فريسة الأعمال الانتقامية الفردية، وكل ذلك لم يحصل لولا الثورة الفاشلة، لا أدري ماذا نفعل نحن؟! أحيانًا أظن أحلامنا أكبر بكثير مما نعمل من أجل الوصول إليه، وأننا نرتكب الحماقات ضد شعبنا الذي لا يعلم من أين يتلقَّى الضربات الموجعة.»

كان الطبيب يعالج إصابةَ بانوس في الغرفة المقابلة حيث يجلس أرتين، وغريغور قد تجمَّع حوله خمسة مقاتلين في باحة الدار يتكلم بحماسٍ شديد عن بطولاته في الثورة، وأنه لم يرضَ بالانسحاب، كان بإمكانه ردُّ العثمانيين لو حصل على العتاد الكافي وبعض المقاتلين الأشداء؛ فالانسحاب بنظر غريغور جبنٌ لا يليق بالرجال، كان يتكلَّم متحسِّرًا على ذلك القرار غير الموفَّق حسب رأيه، لكنه يعود ويبتسم وبحركةٍ مضحكة يمثِّل لهم كيف انقضَّ على الجندي الذي حاول التسلل إلى الحي الأرمني في الليل، ثم أمسك من رأس أحد الجالسين ليبيِّن لهم كيف كسر رقبة ذلك العثماني، كان المقاتلون لا يحلو لهم السَّمر إلا مع غريغور، فحديثه شيِّق ومليء بالبطولات التي تهفو نفوسُهم إليها، وهو لا يتكلم دون فعْل؛ فالجميع يشهدون بشجاعته وإقدامه. كان غريغور يحمل في جوفه قلبَ طفل ببساطته ووجهه الدائم الابتسامة والمرح حتى في أشد الأوقات لا يصيبه اليأس ولا يهتز حماسه، لا يفكِّر كأرتين وبانوس بالنجاحات والإخفاقات، فهو يحارب لأجل أن يحارب؛ لأنه يجد نفسه بتلك الأجواء القتالية.

•••

كان ديكران يجري نحوهم على ظهرِ فرسه الأسود اللامع كالريح وكأنه يحمل خبرًا مصيريًّا في جَعبته، وما إن وصل مشارفَ القرية التي احتمَوا بها بعد فشلِ الثورة حتى خرج إليه أحد المقاتلين، أخذ اللجام من يده، ثم ولج هو على عجلٍ عند القائد فارتان بعدها استدعي أرتين إلى الداخل.

حينما ولج الغرفةَ رأى فارتان قد وضع أحجارًا متفرقة على سجادٍ فارسي أحمرَ منقوشٍ عليه طاووس كبير يغطي الجزء الأكبر منه، يشرح الخطة للحضور، جلس قرب ديكران ليستمع.

– الطريق من هنا يمر خلال نتوءات صخرية وأخاديد رسمتها مياه الأمطار الغزيرة على جانبيه، وفيه يضعف أي قوة مهما كان عددهم وعُدتهم، يحتمي المقاتلون خلف الصخور ونطوِّق هذه النقطة ويكون القنَّاص هنا في أعلى نقطة.

كان اختيار المكان دهاءً كبيرًا من قائد العملية «فارتان» ودليلًا على معرفته الجيدة بكل تضاريس المنطقة.

كانت العملية تستدعي الكثيرَ من المقاتلين لأجل نصب كمينٍ كبير لقافلة زكي باشا القادمة من أرضروم مقرِّ قيادة الفرسان الحميدية نحو مدينة وان، ثأرًا لقتلى الثورة.

في صباح يوم العملية انطلق أرتين على صهوة جواده خلفَ قائده المباشر ديكران إلى الوادي الذي سيمر منه موكب زكي باشا، وأخذ كلُّ مقاتل موقعَه في المهمة كما خطَّط فارتان، تركز مواقع القناصة في أعلى نقطة على جانبي الطريق، وانتشر المقاتلون خلف الصخور متأهبين للعملية، كانت مهمة أرتين هي التركيز بالتصويب على الحراس القريبين من زكي باشا، لفتح باب الرؤية للقنَّاص في الأعلى على الهدف حسب الخطة المرسومة.

كانت منطقة صخرية جرداء فيها منحدراتٌ شاهقة، وعلى الحافة وقف طائرٌ بري رمادي اللون يصدِر صوتًا متقطعًا، ثم يطير من قمةِ صخرة إلى أخرى، انتبه أرتين على يساره فإذا بحرباء أخرجت رأسها من ثقبٍ صغير على الصخرة تراقبه بصمتٍ وحذر متلونةٍ بلون الصخور لا يمكن تمييزها إلا إذا دقَّقت النظر فيها، ابتسم بوجهها أرتين وقال لها اطمئني لم نأتِ هنا لقتلك، فقط سنزعجك قليلًا بأصوات البنادق، ولأجل ذلك سنترك لك جثةَ زكي باشا بعدما نقتله هو وجنوده، ستكون وجبة دسمة لك ذلك الدود الذي ينهش لحمه.

سُمعت أصوات أحصنة تقترب من المكان، بدأ المقاتلون يشيرون بأيديهم ملوِّحين بأيديهم أنهم قد وصلوا، كان نظام الحراسة العثمانية للقادة والشخصيات الكبيرة في الدولة مشابهًا تمامًا في جميع المواكب؛ ففي المقدمة كانت هنالك أربعة فرسان بزيِّهم العثماني الخاص للحرس على صهوة جوادهم، يليهم فارسان أمام عربة «زكي باشا» وفارسان خلفها، وفي النهاية أربعة فرسان أيضًا، والجنود المشاة على جانبي العربة قد جعلوا طوقًا مستطيلًا حول العربة.

عندما وصلت العربة إلى منتصف الكمين رفع «فارتان» يده وأنزلها إشارةً ببدء إطلاق النار.

في الطلقات الأولى أصاب أرتين أحدَ الفرسان الأماميين فسقط من على جواده، وبدأ تبادُل الإطلاقات النارية، فتوجَّه جزءٌ من المشاة إلى العربة لحماية «زكي باشا»، واشتبك الباقون مع المهاجمين، كان الحرس يسقطون قتلى تباعًا لكنهم يستبسلون بالدفاع عن زكي باشا حتى بعد إصابتهم، يقفزون بأجسادهم إليه لكيلا يصيبه أذًى وهم على وشْك الموت! ثم كانت المفاجأة، صاح ديكران: احذروا هنالك هجومٌ من الخلف!

ارتبك المقاتلون، أدار وجهه أرتين، وإذ بجنودٍ يلبَسون نفس زي حرس زكي باشا يطلقون النار من الخلف، سقط القنَّاص من أعلى المنحدر، كانوا يعلمون بخطورةِ المكان، فتمَّ إرسال جزء من حماية الموكب خلف الوادي تحسُّبًا لتعرضهم إلى كمينٍ محتمَل، حينها تحوَّل حالهم من أصحاب الكمين والمسيطرين على المكان إلى فرائس كمينٍ آخر، لكن كثرة عددهم وتمركزهم الجيد خلف الأحجار الكبيرة ووجود الأخاديد ساعدتهم في الاختباء.

تحوَّل القتال نحو الوراء، ولم يكن بمقدور حماة الباشا المهاجمة؛ لأن الكثير منهم قُتلوا في بداية الهجوم. كان ديكران قرب أرتين حين أتت طلقة برأسه فأردته قتيلًا على الفور، صرخ أرتين بأعلى صوته ديكرااااان! ثم وضع رأسه المخضَّب بالدماء في حِضنه وتكوَّر عليه، كان الدم يتدفَّق من رأسه وكأنه نبعُ ماء لا ينضب، صرخ أرتين: ديكران أرجوك لا تمُت، ديكرااان!

ضمَّه أرتين إلى حِضنه والدموع تذرف من عينيه دون إرادة، مرَّ على مخيِّلته اللقاء الأول بينهما يومَ أردفه على الحصان بعد عملية الاغتيال الفاشلة لبحري باشا، تذكَّر ابتسامته، مواقفه، إقدامه، شجاعته في ثورة وان، إخلاصه للثورة حتى وهب أغلى ما يملك لأجلها، أقسم أرتين أن ينتقم له، قبَّل جبينه وأغلق عينيه بمَسحةٍ من كفِّه ثم وضعه متكئًا على الصخرة وحمل بارودته وهو يصيح بأعلى صوته وكأنه يزأر كالأسد المجروح ويدِب الحماسة في قلوب المقاتلين، إلى أن أمرهم فارتان بالانسحاب ولم تلحق بهم الفرسان الحميدية؛ لأن غايتهم كانت حماية الباشا.

كان تأثير فشل العملية وخسارة ديكران والمقاتلين معه شديدًا في أنفسهم فأغاروا على قرية كردية في طريقهم ثأرًا للقتلى، كانت القرية مشابهة تمامًا لقرية أرتين اشتبكوا مع درك المخفر، حتى ألقَوا أسلحتهم واستسلموا، فتم اقتيادهم مع بعض رجال القرية إلى الساحة، كانوا يرتجفون من الخوف ويبكون كالنساء.

– أرجوكم لا تقتلونا، لدينا أطفال ونساء.

– هيا، هيا تحركوا.

تم رصُّهم وسط الساحة، جهَّز المقاتلون بنادقهم، ركَّعوا الدَّرك مع رجال القرية على ركبهم ووجوههم نحو البعيد، صوَّب ثلاثة من المقاتلين فوَّهة بواريدهم إليهم، رفع القائد فارتان يده، ثم أنزلها مشيرًا بتنفيذ الإعدام، فانهالت الطلقات على أجسادهم، فبدءوا يتساقطون كأوراق الشجر الصفراء في يومٍ خريفي عاصف.

كان أرتين في تلك اللحظة يعيش صراعًا نفسيًّا مريرًا في داخله، فكلُّ ما في تلك القرية يذكِّره بقريته وبالعصابات الذين تسبَّبوا في انضمامه للثوار جرَّاء الظلم الذي كان يلحق بهم، وها هو يفعل ما كانت تفعله تلك العصابات فيلين قلبه ويشعر بالذنب تُجاه هؤلاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل بالذي حصل، لكنه يعود ويتذكَّر لحظة سقوط ديكران جثةً هامدة بقربه وتدفُّق الدم من رأسه، ودموع والده المختار وانكساره في ذلك اليوم، فيقسو قلبه ويدفعهم بشدة إلى الموت.

كان أرتين قد صدَّ وجهه عنهم أثناء التنفيذ وهو يصلي للرب بأن يغفر لهم ما فعلوه؛ ففي كل مرة يتم محاسبة الأشخاص الذين لا علاقة لهم بما حصل، لا يمكن السيطرة على روح الثأر عند المقاتلين بعد خسارة أصدقائهم في الاشتباكات، فيتحول كلُّ مَن في الطرف الآخر إلى عدوٍّ يجب قتله، وهكذا بالنسبة للفرسان الحميدية في قتل الأرمن الأبرياء.

رفع الصليب إلى جبهته وأغمض عينيه، ثم بدأ يناجي الرب أن يغفر لهم عن كل دمٍ بريء سفكوه أو شاركوا بسفكه دون حق: «أيها السيد الرب يسوع المسيح، الابن الوحيد وكلمة الله الأب، الذي غفر كل خطايانا، بآلامه المخلصة المحيية، الذي نفخ في وجه تلاميذه القديسين ورسله الأطهار قائلًا: اقبلوا الروح القدس، مَن غفرتم خطاياه تُغفر له، ومَن منعتم عنه الغفران، يُمنع عنه. نسألك يا محبَّ البشر، من أجلي أنا الخاطئ، ومن أجل إخوتي وأخواتي، نحن المنحنين أمام مجدِك القدوس، ارحمنا واغفر خطايانا، التي ارتكبناها، بالفكر، والقول، والفعل، والإهمال. اغفرها لنا، بالسلطان الذي أعطيته لكنيستك المقدَّسة، الرسل الأطهار. باسم الثالوث القدوس، الأب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢