الفصل السابع والعشرون

معسكر أوشفيتز – بولندا ١٩٤٢م

كانت البرودة تتسلَّل إلى جوفه شيئًا فشيئًا، بعدما تجمَّد جسده من الخارج وبات لا يستطيع تحريك أطرافه من شدة البرد، نزعوا ثيابه وقيدوا يديه وقدميه بالسلاسل الحديدية، ثم رموه في الساحة قُرب الباب الرئيسي للغيتو تحت المطر والرياح الشمالية العاتية. كانت تلك عقوبةَ ما ألحقه مايكل بذلك الخنزير اللعين الذي اعتدى على أمِّه، بقي كالجثة الهامدة ينظر إلى السماء ودموعه تُذرف دون إرادة، وتختلط مع قطرات المطر المنهمرة على وجهه، كان يقول في نفسه: يا إلهي، ما هو الذنب العظيم الذي اقترفته في حياتي حتى تحل كلُّ هذه المصائب على رأسي. انتزِع هذه الروح الشقية من جسدي وأرحني يا إلهي، أرحني منها إلى الأبد .. أرحني من هذا الشقاء.

مرَّت تلك الليلة كأنها دهر. ومع بزوغ الفجر وتغاريد العصافير القادمة من أعلى السور، ركله الحارس الذي مضى ليلته معه ينظر إليه من محرسه الدافئ بين الفينة والأخرى على بطنه الفارغ منذ البارحة حتى قطع أنفاسه، وراح يضحك ويبتعد وهو يقول: «إنها هدية الوداع أيها القذر.» أتى زميله في الحراسة مزهوًّا قد نام ليلته كلها ليأخذ مكان الأول، حمله من ياقته وأجلسه.

– ما الحقارة التي فعلتها أيها القذر؟

– هل لديك أمٌّ؟

صفع مايكل وقال ما لك ولها، سألتك فأجبني ما هي جريمتك؟

– ماذا تفعل لو رأيت أحدهم يعتدي عليها؟

– هل اعتدى أحدهم على أمك؟

أومأ مايكل برأسه.

– ماذا فعلت به؟

– أدميته، حتى فقد وعيه.

ترك ياقته وبقي صامتًا ينظر في وجه مايكل، ثم توجَّه إلى محرسه، جلب نصفَ رغيفِ خبزٍ ملفوفٍ على قطعة جبنٍ وكوبَ ماء، التفت يمينةً ويسرة فلم يرَ أحدًا، أطعم مايكل بيده وسقاه على عجلٍ ثم ربَّت على كتفه مع ابتسامة صغيرة.

– أحسنت صنعًا.

ثم عاد إلى محرسه، بقي مايكل مدهوشًا يتساءل، أيُعقل هذا منهم وهو يحمل كل تلك الغيرة والشهامة حتى خاطر بنفسه فأطعمني وسقاني؟ لا بد أن دمه لم يخالطه لحم الخنزير كما أولئك السفلة العديمي الشرف، كيف يُعتقل ويُهان مَن يدافع عن أمه؟

بزغت الشمس وراح ضوءُها القرمزي يحدِّد على الساحة نهاياتِ الأبنية والبيوت وشرفاتها بكل دقة متناهية، ويضفي على المكان الذي يقع فيه بريقًا لامعًا مُظهرًا جمالَ المطر الذي غسلت الساحة والأزقة والحارات وأحجارها السوداء المستطيلة المصفوفة قُرب بعضها البعض كأنها قطعة كعكة مقسَّمة بسكين طباخ ماهر. التفت يمنةً فرأى ثلاثة من الشرطة قادمين نحوه، حرَّك جسده محاولًا ضمَّ ركبتيه إلى صدره، وقف اثنان منهم على رأسه وتوجَّه الثالث نحو المحرس، تكلَّم مع ذلك الحارس الشهم ثم توقَّفا عن الكلام، قدَّم لهم شرابًا ساخنًا شعر مايكل أنهم ينتظرون شيئًا من أجله، فلو لم يكن الأمر يخصه لما أتى الاثنان قربه، بل لذهبا إلى المحرس مباشرة مع زميلهما، بدأ يفكر ما الذي سيفعلونه بي؟ هل مات ذاك الرجل؟ ما عاقبة القاتل في الغيتو؟ ليتني سألت السيد مارك عن ذلك .. ثم ما الذي حلَّ بأمي، ليتني استطعت إخبار ذلك الحارس عن عنوانها لعله يعتني بها إذا ما تم إصدار أوامر بقتلي أو زجِّي في السِّجن؟

السِّجن! حاول كتم ضحكةٍ ساخرة ما كانت إلا تجيء بآخرته لو خرجت، وهل أنا حرٌّ حتى أُسجَن؟ وهل يُسجن المسجون أصلًا؟ لن أكلِّفهم سوى طلقة في الرأس وينتهي الأمر كله، كلب مات وفطس، ما المهم في الأمر؟!

اقتربت العربات العسكرية المعروفة من أصوات عوادمها التي تصدر دخانًا أسودَ كثيفًا، وحال وصول العربات خلف الباب، توجَّه الحارس حاملًا مفتاحًا حديديًّا كبيرًا، وضعه في قفل الباب وأداره بكلتا يديه بقوة، أمسك مقبض الباب وراح يسحبه إليه، دخل أحد ضباط النازية بزيِّه الزيتوني الباهت وقبَّعته المرتفعة من الأمام بشعار النسر على الصليب المعقوف المصنوع من المعدِن. كان طويلَ القامة، نحيل الجسد ذا نظرة ثاقبة، يمشي بخطوات ثابتة ورزنة، حاملًا بيده ورقة صفراء، تكلم مع مَن أتَوا قبل قليل ووقفوا عند المحرس، فأشار أحدهم إلى مايكل وأكمل الحديث معه، ثم وقَّع على الورقة، عصبوا عيني مايكل بقماشٍ صوفي أسودَ وحملاه إلى الصندوق الخلفي لإحدى العربات، ثم سارت نحو المجهول.

شعر مايكل بالدفء قليلًا، الأرضية مكسوَّة بطبقةٍ من الخشب والسقف مغطًّى يمنع تسرُّب الماء والهواء إليه، تذكَّر هذه العربات منذ أيام معسكر داخاو، لم يكن بحاجةٍ لأكثر من هذا الدفء البسيط الذي أنقذ جسده من زمهرير الليلة الفائتة. ولم يَعُد يُخيفه الأمر حتى إنه لم يرتجف من الخوف للمرة الأولى، قال في نفسه: «فليفعلوا بي ما يشاءون، أكثر ما يخشاه الإنسان في الحياة هو الموت، وأنا أصبحتُ أتمنَّاه، لعلي تجاوزت عتبةَ الألم وباتت الأشياء لا تفرق عندي كثيرًا، تعذيب أم سجن أم حتى قتل وتنكيل لا شيء يفرق، الأهم أن عالم الأموات ليس فيه هؤلاء، هي لحظة، لحظة فقط ويتغيَّر كل شيء مهما كان سيئًا ومفاجئًا سيكون بالتأكيد أفضلَ من جحيم الحياة هذه.»

مرَّ وقتٌ طويل ولم تتوقَّف العربات، حرَّك يديه المكبَّلتين فلمس قدمَ أحدهم، كان حافيًا مثله، أدرك أنه ليس وحده، هنالك معتقلون آخرون معه أو على الأقل معتقل واحد يتقاسمه الشعور ويخفِّف عنه لمجرد وجوده معه.

توقَّفت العربة فجأة فدفعت الاستمرارية جسده إلى الأمام وارتطم رأسه بنهاية صندوق العربة، عض شفته السفلى من شدة الألم. سمع صوت جنود وبوابة كبيرة تُفتح بعدها تحركت العربة مرة أخرى، ثم استدارت وتوقَّفت.

فتحوا العِصابة من عينيه والقيود من يديه وقدميه، وأنزلوه على مهلٍ، كان معه أربعة معتقلين آخرين في العربة نفسها، تم سوقهم إلى إحدى الثكنات في المعسكر لم يكن يعلم ماهية المكان، الطريق إلى الثكنة كان مبلطًا بالحصو والأحجار الصغيرة السوداء المتكسرة التي كانت تقرص قدميه فتجعله يمشي بأطراف أصابعه متمايلًا، أدخلوهم ثكنةً تبدو أنها مخزن ملابس كبير جدًّا، وقد تم رصُّ الملابس فيها داخل أكياس ورقية بُنيَّة اللون مفتوحة النهاية وظاهرة جزء منها للعِيان في الزاوية اليسرى للثكنة، كان المشهد مشابهًا كثيرًا ليوم دخل معسكر داخاو لأول مرة.

عاد هوس المثلثات ذات الألوان المختلفة على صدور المعتقلين إلى مخيِّلته، كان لون المثلث على صدر أحد الذين معه مثل اللون الذي على قميصه «أصفر»، واثنان آخران يحملان مثلثًا أسودَ والأخير يحمل مثلثًا بنفسجيًّا، شعر بضيقٍ نفَسٍ شديدً، قال في نفسه: «الجحيم مرة أخرى يا مايكل نجوت منه مرة ولن تتكرر النجاة منه مرة أخرى، الفرص في الحياة لا تتكرر، ومن لا يستغلها لا يجدي بعد زوالها ندم ولا حسرة. ماذا لو تركنا هذه الأرض الملعونة ورحلنا إلى فلسطين حال خروجي من داخاو؟! ما حجم العناد الأحمق الذي كنت أحمله يومها وآثرت البقاء إلى نهاية أيام التعهُّد! سامحيني يا سارة، وأنتِ يا أمي سامحوني كلكم أنا السبب بما حصل لكم.»

في الليل كان المعتقلون قد عادوا إلى الثكنة وتوزَّعوا إلى مخادعهم منهكين من يومٍ شاق، وجوههم شاحبة، عظام وجناتهم بارزة، والبعض قد نحل جسده حتى تدلَّت ملابسه البالية كأنه هيكل عظمي، أبصر الوجوه وكأنه رأى فيها مستقبل أيامه، وفجأة وقعت عينه على أحدهم كان يحمل على صدره مثلثًا أخضرَ اللون «لا بد أنه من الغجر»، نصف وجهه الظاهر من زاويته يبدو ليس غريبًا عنه تساءل: «أين رأيتَ هذا الوجه من قبلُ يا مايكل؟ أين؟» اقترب منه، كان فكره منشغلًا سارحًا بعيدًا جدًّا خارج الأسوار الكهربائية التي تحيط بالمكان، واضعًا كفيه تحت رأسه وقد أرخى جسده بطول السرير، كلما اقترب مايكل منه أكثرَ بانت ملامحه وزادت ظنونه يقينًا بأنه يعرفه، عندما وقف على رأسه صُدم!

– روبرت!

التفت إليه مدهوشًا ولم يحرِّك ساكنًا، اختلجت عيناه وهز رأسه: أوه مايكل، صديقي العزيز!

تعانقا عناقَ الأحبة بعد غياب طويل.

– كم أنا مشتاق إليك، هكذا تركتنا ورحلت فجأة حتى لم تودعنا .. يومها كنت أتمنى رؤيتك لكن في غير هذا الجحيم يا عزيزي.

أجلس مايكل بقربه وسأله: هل تم نقلكم هنا من معسكر داخاو يوم أبقوكم في الثكنة؟

– ما بك يا روبرت، حينها لم تكن بولندا محتلة من قِبَل الألمان، كيف يتم نقلنا إلى هنا؟

– ومن أين أعلم بذلك، أنا معتقل منذ سنوات، ولا أدري ماذا يجري خارج المعتقلات.

قصَّ له مايكل ما جرى له يومها، وأخبره عن حماقته بعدم مغادرة البلاد خلال تلك الأشهر الثلاثة من التعهد، إلى أن نشبت الحرب وتغيَّرت كل الموازين، ومن ثَم تم سوقهم إلى بولندا بقطار خاص لنقل المواشي.

– يااه يا مايكل! كيف فعلت ذلك؟ مَن يجازف بالبقاء هناك بعد ما رأى كل ذلك العذاب؟! لو أتتني فرصتك لكنت الآن في أبعد مكان عن هذه البلاد الملعونة.

– دعك من ذلك وأخبِرني، أين بيتر؟ ما الذي حلَّ به؟

صمت هنيهةً وأطرق يقول بحسرة: إيه يا بيتر، ما الذي فعلته بنفسك؟

– أخبِرني ماذا حصل له؟

– ما لبث يذكر يهوا ويتنقَّل بين المعتقلين يبشرهم إلى معتقده ويقول الموت قادم لا محال، موتوا على الطريق الصحيح، لا تخسروا يهوا، إنه ينتظركم بعد الموت، سيكافئكم بما تحملتم من عذاب وصبرتم في الدنيا، ويصدون عنه ويصر عليهم ويذكرهم بيهوا هكذا حتى وصل خبره إلى النازية، تخيَّل يا مايكل هو معتقل لأنه كان يبشِّر الناس بعقيدته ويتنقَّل بين بيوتات الألمان يبشِّرهم ثم يجازف هنا أيضًا ويبشِّر المعتقلين الذين لا طاقةَ لهم لسماع أي شيء من التعب والمشقة.

– ماذا فعلوا به؟

– أُعدم.

– أحقًّا ما تقول؟!

– نعم، أُعدِم أمام الجميع في الساحة وهو يصيح: آمنوا بيهوا، آمنوا به، إنه المنقذ سأنتظركم هناك، مصيري اليوم هو مصير جميعكم غدًا … ولم يكمل كلماته الأخيرة حتى حالوا بينه وبينها، فانهمر الرصاص من فوَّهات البنادق على جسده فسقط جثة هامدة.

– أووه يا بيتر! لروحه السلام، لقد كان يحمل إيمانًا كبيرًا بيهوا، علَّه هناك في السماء الآن في نعيم عنده.

– ربما .. أنا لا أومن بهذا كله.

– دعك من ذلك، وأخبِرني أنت لماذا نُقلت إلى هنا؟

– لم يتم نقلي أنا فقط، بل قاموا بنقل جميع مَن في الثكنة، وتم توزيعنا على المعسكرات المتفرقة بكل أنحاء سيطرة ألمانيا، وكان نصيبي هنا في هذا الجحيم الأكثر قسوة من داخاو.

– في أي معسكرٍ نحن؟

– في أوشفيتز، أكبر معسكر اعتقال في بولندا، حسب قول السجناء هنا، مساحته أكثر من ٤٠ كيلومترًا مربعًا، وقد بُني فوق قاعدة عسكرية سابقة جنوب بولندا قرب مدينة كراكوف، وخلال إنشاء المعسكر أُغلقت جميع المعامل فيها، وتم إجبار سكان المناطق المجاورة على إخلاء منازلهم لغرض هدمها. الأمر المضحك أنه مكتوب في أعلى بوابة الدخول للمعسكر: «العمل يجعلكم أحرارًا!» والعمل هنا جعلنا عبيدًا!

ساد الصمت بينهما، ثم سأله مايكل: كيف تحمَّلت هذه السنين في المعتقلات يا روبرت؟ فالذي يلاقيه السجناء في المعتقلات من نقص الغذاء والعمل المنهِك للجسد لساعات طويلة دون توقُّف لا يمكن تحمُّله لمدة طويلة، لكل شيء حد وللقدرة البدنية حدٌّ أيضًا.

– أليست معجزة أنني حي إلى يومنا هذا؟

قالها مبتهجًا وكأنه هزم النازية بعزيمته.

– إنها كذلك وأكثر.

– أتعلم أن ثلث عمري قضيته في السجون؟

– هل سجنت من ذي قبل؟

– نعم، حُكم عليَّ عشر سنوات مع الأعمال الشاقة، قبل وصول هتلر للحكم بعشر سنوات.

– ماذا فعلت؟

– كان في قريتنا رجلٌ غني جدًّا يمتلك ثلثي أراضي القرية، يبتز الفقراء ويستغلهم، يتَّفق معهم على أجورٍ للعمل في أراضيه ورعي مواشيه وتنظيف الحظائر والاسطبلات، ثم لا يدفع أجورهم أو يأكل نصفها ويؤخِّر دفعها، متكئًا على السلطة في القرية، ولا أحد يستطيع تقديم شكوى ضده، أو حتى إن قُدِّمت شكوى ضده لا تحرِّك السلطة ساكنًا؛ فهو الآمر الناهي والمتسلط على رقاب أولئك المساكين. لا أدري لسوء حظه أم لسوء حظي أنا، كنت بحاجةٍ إلى المال حتى أسدِّد بعض الديون المترتبة علي، فاضطررت للعمل عنده، كنت شابًّا حينها في مطلع العشرين من عمري، مفتول العضلات شديد البأس لا أهاب أحدًا في الدنيا، ولا أحسب لأي إنسان حسابًا وأفعل ما أريد حتى ولو كان جنونيًّا.

– كفاك تمدُّح بنفسك، أخبِرني الآن لماذا حُكم عليك عشر سنوات؟

– آتيك بالكلام، عملت عنده مدة ثلاثة أشهر في الأرض أحرثها وأزرعها وأسقيها، وبعد كل ذلك التعب والإرهاق اليومي، لم يدفع لي سوى أجرةِ نصف شهر، وكلما ذهبت لأطلب منه الباقي زجرني وقال إنك لا تستحق أكثرَ مما أعطيتك، الأرض لم تُحرث جيدًا، والزرع قد جفَّ، إن شئت ابقَ وسأعطيك أجور الأشهر المقبلة إن صلح الزرع، وإلا فاذهب في سبيلك، هنالك العشرات مَن يقبِّلون شسع نعلي حتى أُشغِّلهم عندي، قالها بتكبُّر رافعًا رأسه إلى السماء، وقبل أن يدير ظهره لي لم أتمالك أعصابي إلا وأخرجت الخنجر من خَصري وطعنته في بطنه عدة طعنات ثم وليت هاربًا، لم أستطِع الخلاص من رجاله الذين هبُّوا أمامي من كل حدَب وصوب، أمسكوا بي وأشبعوني ضربًا، وتم تسليمي إلى مركز الشرطة في القرية.

– وهل مات؟

– ليته!

– وكنت تتمنى موته؟ أنت مجنون حقًّا.

– ولماذا طعنته إذًا؟! هل كنت ألاعبه مثلًا؟ موت مثل أولئك الكلاب خيرٌ للإنسانية جمعاء.

– ماذا حصل بعد ذلك؟ أكمِل!

– نقلوني إلى المدينة وتمَّت محاكمتي خمس عشرة سنة مع الأعمال الشاقة، ثم تم تخفيف الحكم إلى عشر سنين بعد الطعن، وتقديم أدلةٍ أنه لم يعطني أجورَ عملي عنده منذ أكثر من شهرين. وقد شهد بعض أهل القرية بذلك وأخبروا القاضي باستغلاله لهم وإهانته لكرامتهم.

– قضيتَ عشر سنوات مع الأعمال الشاقة؟

– قضيتُها نعم، وتعوَّد جسدي على التعب وتحمُّل المشقة، لعل تلك السنين كانت مقدمةً بسيطة لهذه الأيام التي سأقضيها هنا إلى نهاية العمر.

•••

في فجر اليوم التالي تم سَوق المعتقلين حفاةً إلى الساحة على شكل طابور طويل، المسافة بين معتقل وآخر شبرٌ واحد، الجميع مطأطئ الرأس وقد وضع كفيه على كتفي الذي أمامه، إلا الذي في المقدمة منسدل الذراعين ينظر إلى الأمام ويقود السير والحراس الألمان يحيطون بهم من كل جانب وفوَّهات بنادقهم مصوبة تجاههم، الطريق قد صار معبَّدًا من وطأة أقدام المعتقلين عليه يوميًّا، كان العمل مقسمًا إلى مجموعات، فالمعتقل الجديد يوكل إليه مهمة تنظيف المراحيض، وإذا حدث أن بعضًا من البراز قد تناثر إلى وجهه أو ثيابه وتقزَّز منها أثناء نقله عبر طريق وعر وأظهر انزعاجه من ذلك فكان يَلقى العقاب مباشرةً بالسوط من أحد الحراس. أما بقية المعتقلين فيتم توزيعهم بين حفْرِ نفقٍ لممر مائي تحت طريقٍ من الطرق، أو قطع الأشجار ونقلها إلى مكان العمل في البناء وترميم البيوت. في اليوم الواحد كان يسقط العديد من المعتقلين ويُغشى عليهم من التعب، فيتم حملهم وتكويمهم فوق بعضهم البعض على العربات التي تجرُّها الدواب في الأماكن الوعرة، وأحيانًا في عرباتٍ عسكرية حسب موقع العمل، ويتم نقلهم للكشف عن حالتهم، والويل لمن يقع مغشيًّا عليه كذبًا لغرض الاستراحة، على الفور يتم نقله إلى قسم التجارب الطبية وتكون أعضاء جسده أمام مشرحة الأطباء كجرذان المختبرات.

كان مايكل يحمل دلوًا مليئًا بالقذارة، ويتحاشى الأحجار أمامه لكيلا يتعثَّر بها ويسقط أرضًا، فيكون من نصيبه سوط يرسم خطًّا مستقيمًا محمرًّا على ظهره، عند موضع جمع القذارة، انتبه من بعيد إلى أعمدة دخان أسودَ يتصاعد من أربع مداخن عالية تحيطها عدة ثكنات، قال في نفسه لربما مصنع للبلاستيك أو حرق للفحم بغيةَ صهر المعادن وإعادة تشكيلها. عاد أدراجه نحو المراحيض اللعينة وهو يفكِّر في حال مَن يعملون هناك وتذكَّر تلك الحادثة التي حصلت في معسكر داخاو يوم حمل ذلك المسكين قطعة حديدية ساخنة بالخطأ واحترق باطن كفه ولم يتم إسعافه فبقي يتلوى على الأرض من شدة الألم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤