الفصل الرابع

قرية أنجرلك – تركيا ١٨٩٥م

كانت الأدخنة الرمادية الباهتة تعرج إلى السماء من المداخن التي تعلو البيوت الحجرية، والديكة تتنافس في صياحها وهي تعتلي السور الخشبي الذي يحيط ببعض منازل القرية، والنساء في الحظائر يحلبن الشياه ويضعن الحليب في أوعيةٍ خاصة، والرعاة يتجهَّزون لسَوْق القطعان إلى المرعى، وفي أقصى القرية أربع عربات خشبية تجرُّها البغال تتجهَّز للرحيل إلى مدينة وان لبيع محاصيل مُزارعي القرية من الخضار والفواكه والحليب.

مع بزوغ الشمس خلف التلة البعيدة انسلَّت أشعَّتها من خلال فتحات النافذة إلى فناء الغرفة. شعر أرتين وكأن لمسات يدٍ دافئة توقظه من نومه في ذلك النهار الربيعي البارد، فارتسمت على وجهه ابتسامةٌ صغيرة قبل أن يفكَّ جفون عينيه، وتملَّكه شعور قوي بالبقاء هكذا دون أيَّة حركة، مستمتعًا بالدفئين .. دفء الشمس، ودفء السرير، لكنه فجأةً بادر إلى سمعه صيحاتُ نساء وبكاءُ أطفال أعقبتها إطلاقات نارية. هُرع نحو بارودته المعلَّقة على جدارِ مضافةِ أبيه مختار القرية «تلمكيان» حملها ثم اعتلى سطح البيت من السلَّم الخشبي على عجل .. ألقى نظرةً من إحدى الزوايا، فإذا هم عصابات الحيدرانلي التي لا تفتأ تهاجم القرية وتنهبها وتقتل مَن يعترضها منذ انتهاء الحرب بين روسيا والدولة العثمانية التي أدَّت هزيمة العثمانيين فيها إلى ضَعف سلطة الحكومة على تلك المناطق، وانتشار العصابات وقطَّاع الطرق فيها.

صوَّب أرتين فوَّهة بارودته نحو أحد الخيالة المهاجمين وأطلق النار عليه فأصابه على كتفه اليمنى وأوقعه أرضًا، وما إن اكتشفوا مكان أرتين حتى انهالت الإطلاقات النارية صوبه، استند إلى جدار السطح؛ ليتلافى الطلقات التي كانت ترتطم بالجدار وتتطاير من فوق رأسه، اقتربت الخيَّالة من منزل أرتين ليثأروا لصاحبهم، لكن طلقات بارودة غريغور المباغتة من الخلف جعلتهم يفرُّون هاربين خارج القرية.

تجمَّع رجال القرية في مضافة المختار تلمكيان؛ للحديث عن مواقفهم في الدفاع عن القرية ضد المهاجمين، كان أرتين حينها من أشد المتحمسين للانضمام إلى حزب الطاشناق الذين كانوا يوفِّرون الأسلحة لمؤيديهم من الأرمن، لكنه في كل مرة لا يستطيع طرْح فكرة انضمام شبَّان القرية إلى الحزب خشيةَ أبيه الذي كان يعارض ما يقوم به الثوار ضد الحكومة، لكنه لم يتمالك نفسه هذه المرة، فخرج ما كان يكتمه لسنوات ككتلة متدحرجة من قمة جبل.

– أبي إلى متى سنبقى هكذا نخسر رجالنا ومواشينا أمام هذه العصابات، إلى متى؟

التفت الحاضرون إليه وهم في نظرة ذهول؛ لأنه تكلَّم مع المختار بصوت مرتفع! نظر تلمكيان إليه، وقال بحزم: إن الثوار طموحهم أكبر من حجمهم؛ فالعِداء الذي سينتج من هذا الحزب وهذه الثورة أخطر علينا من عِداء هذه العصابات، أنتم تعلمون أن قادتهم متعاونون مع الروس وهم أعداء حكومتنا، إنك لا تدرك مدى خطورة الوقوف أمام الدولة يا بني.

– لكن القرى المنضمَّة إليهم لا يستطيع مهاجمتهم أحد.

– مهما يكن حالهم فلن أقبل أن تنضمُّوا إليهم، سأذهب غدًا إلى والي مدينة وان «بحري باشا»، وأطلب منه زيادة عدد الدَّرك في القرية.

– وماذا سيفعلون؟! ها هم اليوم قد اختبئوا في المخفر كالفئران في جحورها، ولم يطلقوا رصاصة واحدة حتى في الهواء خوفًا من عصابات الحيدرانلي!

– سأنقل للوالي ما حدث اليوم وأطلب منه تغييرهم، لكن فكرة الانضمام إلى الحزب لن تتم وأنا حيٌّ.

سكت الجميع، ولم يعلِّق أحد على كلامهما، ثم تفرَّقوا إلى بيوتهم .. لحِق أرتين بصديقيه غريغور وبانوس اللذَين يؤيدان الثوارَ الأرمن وأخبرهما أن هناك أمرًا ضروريًّا يجب التحدُّث فيه.

•••

تحت ظل شجرة الجوز الكبيرة الموجودة على سفح الجبل شمال القرية، سأله غريغور: تحدَّث! ما الأمر الضروري الذي تود إخبارنا به؟

– لقد نفِد صبري من حالنا البائس هذا، إلى متى نبقى ضعفاء هكذا ننتظر الموت كالخِراف عند باب المجزرة؟

في كل مرة يقتلون رجالنا وينهبون أموالنا ومواشينا، ويفسدون زرعنا، ونحن لا نفعل شيئًا سوى الدفاع عن أنفسنا بثلاث بواريد قديمة وصَدِئة، كفانا هوانًا كفانا!

– ما الذي تفكِّر به يا أرتين أخبرنا، نحن معك في أيِّ شيءٍ تريده.

– لا حلَّ أمامنا سوى الانضمام إلى الثوار.

– لكن كيف؟

– يجب أن نسافر إلى مدينة «وان» فننضمَّ إلى الثوار هناك.

تساءل بانوس: ولمن نُبقي القرية؟! العصابات ما لبثوا يهاجمونها منذ سنوات طويلة.

– في القرية رجال كُثُر، سأعطي بارودتي لأحدهم، وأنت يا غريغور أعطِ بارودتك إلى أخيك أغوب، نحن الثلاثة لا نؤثِّر على قوة القرية، «هذا إن كنا نُعتبر قوةً بالأصل»؛ قالها متهكِّمًا.

– أنا موافق؛ قال غريغور.

– وأنت يا بانوس؟

بدا أنه يفكِّر بالأمر. كان «غريغور» حماسيًّا من الدرجة الأولى ويأخذ قراراته بسرعة دون تفكير إذا أعجبته الفكرة، أما بانوس فيفكر في كل خطوة يخطوها، ودائمًا ينظر إلى عواقب الأمور قبل كل شيء.

– قُل يا بانوس، ما الذي يدور في خَلَدك؟ لا تُحرج نفسك، بإمكانك رفض الفكرة.

– فلننتظر بماذا يعود والدك من عند الوالي، فإن جاء ببعض الدَّرك وغيَّر هؤلاء الجبناء، عندها سنرحل عن القرية مطمئنين على أهلها.

– وإن لم يستجِب الوالي للمختار، ماذا سنفعل؟

– إن لم يستجِب له، لا أظن أن قرار سفرنا إلى «وان» صحيح، نحن ندافع عن أهلنا هنا وسندافع عن أبناء جِلدتنا من الأرمن هناك، ما الفرق في ذلك؟ لا، بل أهل القرية بحاجتنا أكثر من غيرهم.

– إذن، ننتظر ما يعود به أبي من عند الوالي، بعدها نقرِّر السفر من عدمه.

على طول الطريق المتعرِّج التي تؤدي إلى القرية من جهة الجبل كان أرتين يفكِّر بالأمر وهو عائد إلى المنزل مع صاحبيه، ماذا لو جيءَ بالدَّرك واستطعنا ردَّ هجمات العصابات دون خسائر؟ لِمَ السفر إلى وان بعدها وقد تحقَّقت الغاية؟ أعلم أنَّ أبي يستطيع إقناع الوالي بما يريد؛ لأن مكانته كبيرة عنده؛ إذ لم يمتنع يومًا من دفْع الجباية للحكومة، فهو يؤمن أن هذه دولته ويجب عليه الولاء لها وطاعة أوامرها.

لكن هل الغاية هي الدفاع عن قريتنا فقط؟

ماذا عن بقية القرى الأرمنية التي تتعرَّض للسلب والنهب والقتل، مَن يدافع عنهم؟

حكومة والدي تدافع عن القرى القريبة من مراكز المدن، وحتى أحيانًا لا تستطيع ذلك؛ ففي قرية «كيفاش» التي لا تبعُد عن المدينة سوى عدة أميال هاجمتها العصابات المسلحة وقتلوا اثنين من الرعاة وسرقوا المواشي، ثم أغاروا على البيوت ونهبوها، وبعد مرور نصف ساعة من فرارهم وصل الدَّرك هناك! ولا أستبعد اتفاق بعض الضباط مع العصابات ليتقاسموا المسروقات مقابل عدم التعرُّض لهم.

الحياة في هذه الأراضي أصبحت كالغابة، القوي يأكل الضعيف، المزارعون وأصحاب المواشي والحرفيون والباعة المتجوِّلون كلهم يدفعون الجبايات الكبيرة للدولة، ولا يَلقون بالمقابل الحمايةَ الكافية، فيعطون الإتاوات إضافةً إلى ذلك لبعض العشائر التي تمتلك الأسلحة بغية حمايتهم من العصابات، والناس هنا بالكاد يجدون قوتَ يومهم! كل هذا يحصل بسبب ضعف الدولة هنا؛ لذا يجب علينا أن ننضمَّ للثوار؛ قالها بصوتٍ عالٍ.

فنظرا إليه وحدَقات أعينهما ظهرت كاملة، قال غريغور: لا تقلق سننضمُّ إليهم مهما حصل.

•••

عاد المختار من عند الوالي محمرَّ الوجه من الفرح، تجمَّع أهل القرية عند الساحة ليستقبلوه وهو على جواده العربي الأصيل ذي اللون البني الغامق واللامع، الذي اشتراه من حلب في إحدى زياراته التجارية، وبارودته على ظهره، وقد لفَّ شريط الطلقات من كتفه اليسرى إلى خَصره اليمنى. وكان أهل القرية يحيُّونه وهو يشير بيده إليهم مع ابتسامة صغيرة، وخلفه سيمون وبوغوز من شجعان القرية اللذان يرافقانه دومًا في زياراته خارج القرية.

عندما وصل المختار تلمكيان وسط الناس رفع يده إلى الأعلى، ثم ضمَّ أصابعه مشيرًا للأهالي بالسكوت حتى يبدأ بالكلام .. فقال: لقد تكلمت مع الوالي «بحري باشا» وأخبرته بحال قريتنا التي تتعرَّض لها العصابات، وأن الدَّرك الموجودين فيها في آخر مرة قد اختبئوا في المخفر ولم يقوموا بواجبهم بالدفاع عن الأهالي.

فانتفض الوالي ونادى حاجبه فورًا، وأبلغه أمامي أن يعاقب الدَّرك، ويتم نقلهم إلى القرى المتاخمة مع الحدود الروسية، وإبدالهم بدركٍ أكثر شجاعة، وزيادة العدد إلى الضعف وإرسالهم غدًا إلى مركز عملهم الجديد.

ابتهج الأهالي فرحًا بما سمعوه، وتعالت الأصوات باسم المختار واسم الوالي: «فليحفظكم الرب .. فليحفظكم الرب.»

أتت الرياح بما تشتهي سفن أفكار أرتين؛ فالشرط الذي وضعه بانوس لرحيلهم قد تحقَّق، وها قد اطمأنوا على أهل القرية.

ثم فجأةً دفعه أحدهم بكتفه حتى أوقعه أرضًا وهو يضحك ويرقص: سنرحل .. سنرحل.

استشاط أرتين غضبًا.

– غريغور المجنون، أيها الثور الهائج كدتَ أن تكسر ذراعي!

لم يبالِ غريغور وظل يرقص ويرقص وكأنه في عرس.

– أعلم أنك لستَ فرحًا بالرحيل بقدرِ فرحك بسبب بانوس الذي أصبح لا يملك عذرًا لعدم المجيء معنا.

– نعم، إنه لا يريد ترك القرية من أجل «باتيل».

– يا لك من ماكر! لن أصرَّ عليه بالمجيء معنا، فليبقَ في القرية، لا أريد أحدًا يُبقي قلبه وعقله هنا، ويأتي معي بجسده فقط .. الهدف الذي أنوي الوصول إليه يحتاج منَّا التركيز عليه فقط.

– لكن بانوس لا يستطيع تركنا «لقد ابتلاه الرب بصديقين مجنونين، وهو العاقل المسكين».

قالها غريغور وهو مغمض العينين ويحرِّك يديه كالشعراء عند إلقائهم القصائد .. أثناء ذلك أقبل بانوس، وهو يبتسم.

– ما بال المجنون يحرِّك يديه كالشعراء، هل يظن نفسه «نرسيس شنورهالي»؟!

– لا، إنه يدعو الرب لأجلك.

-فليدعُ الرب بأن يخلصه من جنونه.

– بانوس، اسمعني جيدًا، بعد الأخبار السارَّة التي أتى بها والدي من عند الوالي، أنا وغريغور قد عزمنا الرحيل، أما أنت فلست مضطرًّا لذلك، تستطيع البقاء هنا لا أريدك أن تُحرَج، القرارُ لك.

– دعاني أفكِّر بالأمر جيدًا.

– فكِّر كما تشاء، لديك ثلاثة أيام فقط، بعدها لن تجدنا في القرية.

•••

مرَّت الأيام الثلاثة سريعة، تجهَّز أرتين للسفر، وكالعادة كان أول تنبيه له من قِبل المختار ألا يغرر به هناك وينضم للثوار، وشدَّد على ذلك، قال أرتين في نفسه: «لا أدري هل كان بالفعل محقًّا أنَّ خطرَ الثوارِ على الأرمن أكبرُ من خطر العصابات، أم إنه كان خائفًا من نقمة الوالي عليه إذا سمع أن ابن المختار «تلمكيان» قد أصبح مع الثوار، أو ما يسميهم الحكومة العثمانية ﺑ «المتمردين»، كان هذا التساؤل يشغل ذهن أرتين دائمًا.»

حلَّ فجر يوم الرحيل، حضر غريغور وقد ارتدى أجملَ ما لديه من الثياب، نظر إليه أرتين مبتسمًا: يبدو أن بانوس قد قرَّر عدم المجيء؛ فمنذ ذلك اليوم لم نرَه.

– أنا كنت متأكدًا أنه لن يأتي لأنه «جبان».

– لا تظلمه يا غريغور.

تحركتِ العربة مبتعدة عن القرية شيئًا فشيئًا إلى أن سمعوا أحدهم ينادي: توقَّفوا.

توقَّفوا! سآتي معكم.

-وقف غريغور على العربة ووضع كفه فوق عينيه علَّه يعرف مَن المنادي.

– إنه بانوس!

ابتهج أرتين وضرب كفه بكفِّ غريغور من الفرح، ثم صاح:

– أيها السائق، توقَّف قليلًا، هنالك مَن يريد المجيء معنا.

توقَّفت العربة، فوصل بانوس وهو يلهث، سحبه أرتين من يديه وأجلسه قرْبَه على العربة، ثم مضَوا في طريقهم.

– أخبِرنا ما الذي حدث معك في الأيام الثلاثة التي لم نرَك فيها؟ حسبنا أنك لن تأتي معنا وتخجل من قول ذلك.

– كنتُ أفكِّر في ماذا سأقول لباتيل، أبي أخبرته بالأمر وقلت له إنكما معي فلم يمانع، لكن المشكلة كانت عندها هي، البارحة ليلًا بالكاد استطعت إخبارها بالأمر، عندما سمعت بالسفر بدأت تبكي، قلت لها سآتي كلَّ شهر وأراكِ فيه لا تقلقي، وأجلب لكِ هدايا جميلة من هناك، لكنها لم تكفَّ عن البكاء.

رفع غريغور رأسه إلى السماء وقال: لماذا أنا لا أشعر بهذا؟! جميل أن تبكي فتاة من أجلك، سأجرِّب الحب هناك مع فتياتِ وان الجميلات، نعم سأجعلهنَّ يولولن على فراقي.

– أنت؟ إن كنَّ بنات القرية لم يعجبنَ بك، هل تريد بنات المدينة يبكينَ من أجلك أيها الفتى الوسيم؟

– دعكم من هذا الهراء، أكمِل يا بانوس، كيف أقنعتها بالمجيء معنا.

– لم تقتنع إلى أن قلت لها سأذهب هناك للعمل وأجمع ما يكفي من المال لأجل زواجنا، هنا سكتت ومسحت دموعها وقالت: أحقًّا ما تقول؟ قلت لها أجل؛ فهناك أجور العمال كبيرة، سأجمع المال بوقت قصير وأرجع إليكِ، اطمئني.

هكذا استطعت إقناعها، كان الوقت متأخرًا حينها ولم أستطِع إخباركما أني سآتي .. وشكرًا للربِّ الذي جعلني ألحَق بكما قبل فوات الأوان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢