الفصل الأول

العهد الفينيقي

١٢٠٠–١٤٦ق.م
«إنَّ الأمة إذا غُلبت وصارت في مُلك غيرها أسرع إليها الفناء.»١
ذلك قانون تاريخي؛ بل بديهة حضارية تصير إليها كل أمة أو دولة نشأت في محيطها الطبيعي واشتد عضدها فيها، ثم توسَّعت لأسباب ذاتية على حساب غيرها من الشعوب لتنهب خيراتها، وتحتل أراضيها، وتعتدي على مقوماتها الوطنية. ينتسب الفينيقيون إلى العنصر الكنعاني السامي الذي ينتمي إليه العرب، «كانت لغتهم عربية محرَّفة قليلًا عن العربية الفصحى، وتشبه كثيرًا العامية المستعملة في بلادنا اليوم.»٢

(١) التعايش الأمازيغي الفينيقي

هاجرت الأصول الأولى للفينيقيين من شبه الجزيرة العربية، واستقرت في مدينتي صيدا وصور،٣ وسُمِّيت الأراضي التي استقرَّت بها ﺑ «فينيقيا». أبْحَر الفينيقيون بأعداد كبيرة من فينيقيا، واستقروا بسواحل البحر الأبيض المتوسط من واجهة شمال إفريقية في القرن ١٢ق.م، وأسسوا الموانئ في بادئ أمرهم على طول الساحل البحري، وطوَّروا نشاطهم التجاري، وأنجزوا ورشات لصناعة السفن وإصلاحها. لم يكن استقرار الفينيقيين بشمال إفريقية استعماريًّا مضطهدًا لسكانه الأصليين بقدْر ما كان استقرارًا له طابع اقتصادي وتجاري، استطاع الفينيقيون من خلاله توطيد علاقاتهم بالسكان وإدماجهم في الحركة التجارية. ولم يسجل التاريخ أي حملة ضد السكان المحليين مفادها اضطهاد الأمازيغ وتصفية قياداتهم مثلما فعل الرومان من بعدهم، ولعل ذلك يرجع إلى الأصل المشترك بين الفينيقيين والأمازيغ، وأنَّ اللهجة السامية تشملهما، ولا ريب وأنَّ هذه اللغة القرطاجنية قد مهَّدت السبيل إلى سيادة اللغة العربية بهذه الديار.٤
كان أول ما أسَّس الفينيقيون من المدن قرطاجة أو قرطاجنة سنة ٨١٤ق.م. وهي في لغتهم «قرت حدشت» ومعناها: القرية الحديثة، وبمصطلح عصري: المدينة الجديدة.٥ ونظرًا للطابع الاستراتيجي في الميدان التجاري لبعض المناطق النوميدية، أنشئوا بها مدنًا، مثل: عنابة Rigius، وسكيكدة Risicada، وقسنطينة Cirta، وجيجل Ighilgili، وبجاية Saldae، والجزائر العاصمة Icosium، وإيول Iol (شرشال).

أسَّس الفينيقيون مدينة الجزائر (إيكوسيم) حوالي القرن ٦ق.م، وينسب بعض المؤرخين تسميتها للدلالة على العشرين من حاشية هرقل، وقيل: نسبة إلى «جزيرة النورس» عندما حوَّلها الفينيقيون إلى ميناء تجاري هام باقتراح من «هارودين» تحت حكم يوبا الأول.

بولوغين إن صانها فيرموس
وحازت إكوسيوم أقصى المرام
تعود تسمية النوميديين إلى الكتابات التاريخية الأولى لديودور الصقلي التي ذكر فيها أن النوميديين شاركوا في حروبٍ جرَت في نهاية القرن الخامس وبداية القرن الرابع قبل الميلاد، وهي نسبة إلى «رحل» Numidae.٦ ولقد قطعت قرطاجنة صلاتها بفينيقيا في الوقت الذي تدهورت فيه تلك الجمهورية الآسيوية، وسقطت فيه مدينة صور تحت ضربات بختنصر الفاتح الكلداني (٦٠٤–٥٦١ق.م).٧
توجَّس الفراعنة المصريون خِيفةً من النظام القَبَلي الذي عُرف به الليبيون قديمًا فأعدوا له عُدة المواجهة والتصدي؛ فقد سجل التاريخ حملة في حوالي ١٢٥٠ق.م لرمسيس الثالث ضد هذه القبائل من الماشواش والتيمحون والزوتمار والتاحنون والكلاك لما حاولت غزو مصر. قُيدت بعض أحداث هذا الصراع في شكل رسوماتٍ جداريةٍ في معبد مدينة «هابو» لأسرى الشعوب الليبية تقدِّم قرابين للإله آمون، وقد ظهروا بضفائرَ طويلةٍ مائلةٍ على العنق، وحسب هيرودوتس كانت قبائل الأوزاس Auses   والماكسياس Maxyes ذوو ضفائر على الجانب الأيمن من رءوسهم.٨ ارتبطت قرطاجة بروما بمعاهدتين: الأولى في سنة ٥٠٩ق.م، والثانية سنة ٣٤٨ق.م تعطي لقرطاجة الحقَ في احتكار التجارة للحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، وألزمت الرومان وحلفاءهم بعدم تعاطي التجارة على شواطئها قبل أخذ إذنٍ من قرطاجة.٩

(٢) ثورة النوميديين على قرطاجة

لم تستمر العلاقة الحميمة بين السكان المحليين والفينيقيين طويلًا؛ فبعدما تأسَّست قرطاجة وانفصلت عن فينيقيا وأصبحت قوة عسكرية في المنطقة ومركز إشعاع فكري وثقافي واقتصادي وسياسي، ظهرت بوادر الغلظة على السكان الأصليين وسوء معاملتهم وإثقال كاهلهم بالضرائب، فثار النوميديون على قرطاجة وقاموا بثورات أبرزها التي وقعت سنة ٣٩٦ق.م و٣٧٩ق.م تحت إمرة الإغريق تمهيدًا للحروب البونيقية الأولى (٣٦٣–٢٤١ق.م).

خلال الحرب البونيقية الثانية ٢١٨–٢٠٢ق.م، وكردةِ فعلٍ ضد القائد القرطاجي حنبعل، عيَّنت روما القائد العسكري سكيبيون الإيميلي Scipion Emilien قنصلًا عامًّا لروما سنة ٢٠٦ق.م، وشنَّ حملة عسكرية واسعة للبحث عن حلفاء بتفويضٍ من مجلس الشيوخ الروماني ضد قرطاجة، حاول على إثرها، في بداية الأمر، كسب مودة سيفاكس Syphax ملك نوميديا الغربية سنة ٢٠٦ق.م١٠ أو المازيسيليا: نسبة إلى قبائل المازيسيل الذين ظهروا كقوة في إفريقية منذ أواخر القرن الثالث ق.م١١ غير أنه رفض العرض، وفضَّل التحالف مع قرطاجة بسبب العلاقة الأسرية التي تربطه بالبونيقيين، استطاعت روما مدعومة بملك نوميديا الشرقية١٢  ماسينيسا Massinissa هزيمةَ الجيش القرطاجي بزاما، أُلقي القبض فيها على سيفاكس سنة ٢٠٣ق.م، تُوفي بعدها سيفاكس بحوالي ثلاث سنوات؛ أي سنة ٢٠٠ق.م.
وخلوا سفاكس يحكي لروما
مدى الدَّهر كيف كسبنا الرهانا
وكيف غدا ظافرًا ماسينيسا
بزامة لم يرضَ فيها الهوانا

(٣) ماسينيسا الملك النوميدي (وُلد سنة ٢٣٨ق.م، وتوفي سنة ١٤٨ق.م)

كان ماسينيسا أعظم ملوك البربر شأنًا وأكبرهم سلطانًا، من العائلة الماسيلية حكمت أربعة أجيال، واشتهر بالقوة ورجاحة العقل وسداد الرأي في الحكم.

فسَّر مارسيي معنى كلمة ماسينيسا بعد تقسيمه إلى مقطعين هما «ماس» و«إناس» فقال: إنَّ معناهما باللغة البربرية: «سيد» «القوم».١٣
دعوا ماسينيسا يردِّد صدانا
ذرُوه، يخلِّد زكى دمانا
وكم ساوموه، فثار إباء
وأقسم أن لا يعيش جبانا
وألهمه الحبُّ نيلَ المعالي
وقد كان مثلي يهوى الحسانا
كان تحالف ماسينيسا تحالفًا استراتيجيًّا مع روما بدافع الاستقلال عن قرطاجة والحيازة الكاملة على نوميديا بما فيها الشرقية والغربية، لكن ما خبأته روما لماسينيسا من دسائس هو ما جعله زعيمًا أمازيغيًّا حرًّا. أراد ماسينيسا أن تكون استعادة سيرتا استعادةً سلميةً بعد أسرِ سيفاقس، فتأتَّى له. وقد رفض ماسينيسا أن تُؤسر زوجة سيفاكس سوفونيزيا القرطاجية من قِبَل الجيش الروماني. و«سوفونيزيا» هذه هي ابنة أزدروبعل، وقد قام أبوه جسكون بتزويجها إلى سيفاكس بدون علمه حسب رواية «ديوكاسيوس».١٤
ومَن صنعتْ روحه سوفونيزيا
جديرٌ بأن يتحدَّى الزَّمانا
تغذيه حبًّا وفنًّا وعلمًا
وتنبيه ما قد يكون، وكانا
لكن سرعان ما قتلها بدسِّ السُّم لها تعبيرًا منه لكسب ثقة الرومان، ودليلًا لقطع كل الأوصال التي قد تحُدُّ من طموحه في استرجاع ممتلكاته،١٥ وفي روايةٍ أخرى، أن «سوفونيزيا انتحرت بتجرُّعها السُّم، وموت الشرف خير من حياة المذلة والعار.»
استطاع ماسينيسا بعد معركة زاما أن يوحِّد نوميديا، وأصبح بموجب العهد الذي كان بينه وبين روما مَلِكًا على كامل نوميديا في سنة ١٥٢ق.م، وعُقدت على إثرها معاهدة تمَّ بموجبها التنازل عن قرطاجة لروما سنة ٢٠١ق.م. من العيوب التي تُحسب على ماسينيسا، تحالفه مع روما مقابل «إعطائه الأراضي القرطاجنية التي كانت متاخمة لدولة نوميديا».١٦

ازدهرت نوميديا الموحَّدة في عهد ماسينيسا وأصبحت أنموذجًا في الصناعة الحربية وفي التمويل الذاتي من المحاصيل الزراعية، وأضحت تصدِّر القمح والشعير وموادَّ أخرى لروما، وامتد نفوذها من طبرقة شرقًا حتى نهر ملوية غربًا. ازدهرت الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية في ظل النظام السياسي الذي رسمه ماسينيسا لنوميديا، وتعزَّز استقلالها، مما أثار هواجس ومخاوف روما، وأجبرها على التخلُّص من ماسينيسا. تُوفي ماسينيسا سنة ١٤٩ق.م بسيرتا قسنطينة.

أسفرت الحروب البونيقية الثالثة (١٤٩–١٤٦ق.م) عن سقوط قرطاجة سنة ١٤٦ق.م، واستطاعت روما بذلك احتلال إفريقية.

١  عبد الرحمن بن خلدون، مرجع سابق، الجزء الأول، ص١٨٥.
٢  أحمد توفيق المدني، «كتاب الجزائر»، المطبعة العربية، ١٩٣١م، ص٦.
٣  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٩.
٤  أحمد توفيق المدني، «قرطاجنة في أربعة عصور: من عصر الحجارة إلى الفتح الإسلامي»، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ١٩٨٦م، ص٣٥.
٥  عمار بوحوش، مرجع سابق، ص١٠.
٦  فتيحة فرحاتي، «نوميديا من حكم الملك جايا إلى بداية الاحتلال الروماني، الحياة السياسية والحضارية (٢١٣–٤٦ق.م)»، منشورات أبيك، الجزائر، ٢٠٠٧م، ص٢١.
٧  أحمد توفيق المدني، «قرطاجنة في أربعة عصور: من عصر الحجارة إلى الفتح الإسلامي»، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ١٩٨٦م، ص٢٨.
٨  فتيحة فرحاتي، مرجع سابق، ص٢٧.
٩  عمورة عمار، «موجز في تاريخ الجزائر»، دار ريحانه للنشر والتوزيع، الجزائر، الطبعة الأولى، ٢٠٠٢م، ص١٥.
١٠  فتيحة فرحاتي، مرجع سابق، ص٦٩.
١١  محمد الهادي جارش، «التاريخ المغاربي القديم السياسي والحضاري منذ فجر التاريخ إلى الفتح الإسلامي»، المؤسسة الجزائرية للطباعة، الجزائر، ١٩٩٢م. ص٩٨.
١٢  محمد الهادي جارش، مرجع سابق، ص١٠٠.
١٣  فتيحة فرحاتي، مرجع سابق، ص٨١.
١٤  فتيحة فرحاتي، مرجع سابق، ص٧٨.
١٥  أحمد توفيق المدني، مرجع سابق، ص٦١.
١٦  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص١٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠