الفصل الأول

الفتح العربي الإسلامي

٢٢ﻫ/٦٤٣م

قام العرب بالفتح الإسلامي في شمال إفريقية سنة ٢٢ للهجرة، فوجدوا الأمازيغ مقيمين لنظام اجتماعي وأمني مبني على التأهُّب للتصدي لكل ما هو غزو خارجي، كيف لا وقد عانى السكان المحليون من ويلات الاحتلال طيلة العصور القديمة، وتربَّت في مُخيَّلتهم الجماعية أنَّ أي دخيل أجنبي إلا وله مقاصد استعمار واستدمار، لكن لم يلبث الأمازيغ أن دخلوا في دين الله أفواجًا وتمسَّكوا بالعروبة إلى جانب الأمازيغية، وجُنِّد العديد منهم في جيوش الفاتحين في بلاد المغرب.

وُهِبنا العروبة جنسًا ودينا
وإنا بما قد وُهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحِّد صفًّا
ويجمع شملًا رفعنا الجبينا
وإن كان يَعرُب يرضى الهوان
ويلْبس عارًا أسأنا الظنونا

(١) بداية الفتح الإسلامي

الموطن الأصلي للعرب هو الجزيرة العربية، وينقسمون إلى عرب بائدة وقد اندثرت، تشتمل على قوم عاد وثمود والعمالقة والأحقاف؛ وعرب عاربة من بني قحطان من سبأ وحِمْيَر؛ وعرب مستعربة، وهم: العدنانيون من بني إسماعيل.

استقر العرب في بلاد شمال إفريقية بأعداد كبيرة بعد الفتح الإسلامي، خاصة في عهد عثمان بن عفان — رضي الله عنه. في سنة ٢٧ﻫ/٦٤٧م أمر الخليفة والي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري بفتح إفريقية، وكان في جيشه من الصحابة — رضوان الله عليهم — من أهل الشجاعة والدهاء، مثل: عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، وعقبة بن نافع.١
بدأت معالم الشقاق بين المسلمين تظهر بعد مقتل عثمان — رضي الله عنه — وولاية علي بن أبي طالب — رضي الله عنه — للخلافة كان لها الأثر البالغ في وحدة الصف الإسلامي. استعمل الخليفة معاوية بن أبي سفيان عقبةَ بن نافع الفهري — رضي الله عنهما — على إفريقية سنة ٤٦ﻫ/٦٦٨م، وعزله وولَّى مكانه مسلمة بن مخلد الأنصاري — رضي الله عنه. وفي سنة ٥٥ﻫ/٦٧٦م عَهِد مسلمة بن مخلد الإمارةَ على إفريقية إلى أبي المهاجر دينار. استطاع الانتصار على عمالة قسنطينة سنة ٥٩ﻫ، وجعل مركز قيادته مدينة ميلة فابتنى فيها دار الإمارة، ومكث فيها سنتين، وقد تقدَّم أبو مهاجر في الجزائر حتى تلمسان.٢ في خلافة يزيد بن معاوية، ردَّ الاعتبار لعقبة ونصَّبه واليًا على إفريقية بداية من سنة ٦٢ﻫ/٦٨٢م، وبعد إعادة تأهيله للقيروان، بدأ حملته الشهيرة فاتحًا وغازيًا للأمازيغ والروم بعدما تيسَّر له أسر أبي مهاجر وكسيلة بن لزم القائد الأمازيغي الذي اعتبر العرب غزاةً في بداية فتحهم، وكان ذا وجاهة في قومه.
وقلنا: كسيلة كان مصيبا
وكاهنة الحي أعلم منَّا!
فأهلًا وسهلًا بأبناء عم
نزلتم جزائرنا فاتحينا
ومرحى لعقبة في أرضنا
ينير الحجى ويشيع اليقينا
ويُعلي الصوامع في القيروان
ويرفعها للدفاع حصونا
يبثُّ المراحل في كل فج
فراعت أساليبه العالمينا

على هامش المقطع الخامس والعشرين من الإلياذة، تطرَّق الأستاذ مولود قاسم — رحمه الله — إلى استراتيجية عقبة الحربية في مسيره من مصر إلى المغرب، وكيفية الحفاظ على جيشه من خلال إنشاء المخيمات على طول المسار، ومدى اقتباس الألمان من خطة عقبة العسكرية، كما أشار إلى التبادل التجاري للسلع الذي تم بمقايضة ملح فزان بفضة إفريقية السوداء من أجل تجهيز الجيش.

وبادله السمر تبرًا بملح
وما كان عنه فزان ضنينا

(٢) المواجهة الأمازيغية للفتح الإسلامي

عند عودة عقبة من المغرب، توجَّه تلقاء تهودة، فسرَّب كسيلة المأسور إرسالًا يطلب فيه النجدة، ويعطي فيه تفاصيل جيش المسلمين. انقض البربر على الجيش فألحقوا به خسارة شنيعة، وقُتل عقبة وأبو مهاجر ومعظم جند المسلمين في تلك المعركة في أواخر ٦٣ﻫ/٦٨٢م، وقد سجَّل التاريخ موقفًا جليلًا لكلٍّ من عقبة وأبي مهاجر، قال عقبة لمهاجر: «الحق بالمسلمين وقم بأمرهم، وأنا أغتنم الشهادة.» فأجاب مهاجر: «وأنا أيضًا أغتنم الشهادة.»٣

بعد انتصاره في معركة تهودة، استطاع كسيلة أن يجلي جُلَّ العرب الوافدين على إفريقية وتوطَّن بالقيروان، وأقام مملكة لمدة ثلاث سنوات بداية من سنة ٦٨–٧١ﻫ/٦٨٧–٦٩٠م.

وما إن عين الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان سنة ٦٩ﻫ/٦٨٨م زهيرَ بن قيس البلوي واليًا على إفريقية وأمدَّه بجيش قوامه ٤٠٠٠ مقاتل حتى سار في طلب كسيلة وجنوده، ووقعت معارك بين جنود المسلمين والبربر قُتل على إثرها كسيلة في موقعة «ممش»، وفرَّ بقية جيشه.٤ استُشهد زهير سنة ٧١ﻫ/٦٩٥م في معركة ضد الروم.
أمر الخليفة عبد الملك بن مروان بتشكيل جيش تعداده ٤٠ ألفًا، وعيَّن قائدًا له حسان بن النعمان الغساني.٥

لم تستسِغ دهيا بنت تابت بن تيفان الشهيرة باسم الكاهنة أمرَ انتصارات المسلمين، فأعلنت الحرب على حسان، واستطاعت الانتصار عليه في معارك عدة، كان أهمها معركة وادي «نيني» بالأوراس سنة ٧٦ﻫ، لكنها لم تصمد كثيرًا؛ فقد تمكَّن من إحكام السيطرة على معاقلها مستغلًّا ما كان يرد إليه من خالد بن يزيد الأسير لدى الكاهنة الذي صوَّر له وضعية جيش البربر المنقسم على نفسه. تُوفِّيت الكاهنة، وقيل قُتلت ببئر العاتر سنة ٨٢ﻫ/٧٠١م. لقد دلَّت بعض الروايات التاريخية أنَّ الكاهنة لما أدركت حقيقة الإسلام وهدف الفتوحات أوصت أبناءها وقبيلتها الأمازيغية بالدخول فيه واعتناقه.

تفطَّن حسان لخلفيات التعامل مع مقتضيات الانتماء العربي والأمازيغي، فقام بتعريب الدواوين، وطوَّر أساليب التعليم ونظم الخراج والأسواق.

كسب حسان بن النعمان مودةَ الأمازيغ ففتح لهم التجنيد الطوعي في الجيش وأصبحوا قادة فيه. توسَّعت رقعة الإسلام في بلاد البربر وحملوا رايته في إكمال الفتح تحت إمرة موسى بن نصير وطارق بن زياد، ووصلت رسالة الإسلام إلى كامل الشمال الإفريقي وبضعٍ من إفريقيا والأندلس. أصبح الأمازيغ دعاةً لهذا الدين، حاملين تعاليمه وجاهدين من أجل نشر هديه الرباني. «لما أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز إسماعيلَ بن عبيد الله واليًا على المغرب أرسل معه عشرة من التابعين يعلِّمون البربر الدين ولغته، فعم الإسلام البربر ولم يقف دون قلوبهم.»٦
في سنة ٨٥ﻫ/٧٠٤م، أقال الوالي عبد العزيز بن مروان حسان بن النعمان وعيَّن موسى بن نصير واليًا على شمال إفريقية، «ثم تُوفي حسان — رحمه الله — أواخر ٨٥ﻫ أو أوائل ٨٦ﻫ؛ لأنَّ ولاية موسى بن نصير على المغرب بدأت أواخر حكم عبد الملك بن مروان سنة ٨٥ﻫ.»٧
في استعداداته لخوض غمار الفتوحات الإسلامية في الأندلس، قام موسى بن نصير سنة ٨٩ﻫ/٧١٠م بتجهيز جيش من البربر يبلغ تعداده ٧٠٠٠ مقاتل تحت قيادة طارق بن زياد.٨

(٣) التوافق العربي الأمازيغي

والملاحظ تاريخيًّا أنَّ توافقًا كبيرًا بين العرب والبربر بدأ يتأسَّس منذ إمارة حسان بن النعمان. يورد مبارك الميلي قولًا عن البيروني يبرِّر فيه سرعة انسجام العرب مع البربر، فقال: «احتار كل المؤرخين من سرعة تأثير العرب على البربر في ديانتهم وعاداتهم وأخلاقهم، ويوجِّه ذلك بعضهم بأن العرب والفينيقيين متقاربون في اللغة، ومتحدون في الأصل الذي ينشأ عنه تقارب في الطبائع.»٩ غير أنَّ هذا الانسجام، رغم أصوله التاريخية، إلا أنه لا يرقى إلى درجة الجزم؛ بل يرجع إلى التعاليم الإسلامية الناصَّة على الإخاء والمحبة بين المسلمين. يقول الله تبارك وتعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ …١٠

بدأت الانشقاقات والانقلابات تنخر السكينة في بلاد المغرب بين العرب والبربر في زمنٍ عصيبٍ مرَّت به الأمة، كانت دوافع الشقاق داخلية لكن الجانب الخارجي وما يحمل من دسائس ومكر بالمسلمين كان حاضرًا.

تصدَّع الصرح واستقرت في نفوس المسلمين الشكوك والظنون فيما بينهم. قال الحاكم العسكري لبجاية إدوارد لبان Edouard Lapène في بداية الاستعمار الفرنسي في كاتبه «ستة وعشرون شهرًا في بجاية»، إنَّ عقبة بن نافع قتل سكان مدينة صالداي (بجاية فيما بعد) سنة ٦٦٦م، بالرغم من أنَّ عقبة لم يمر في حملته إلى تلك المناطق. واعتبر غوتييه كسيلة والكاهنة كرمز لبطولة البربر في سبيل استقلالهم زمن «الغزوة» العربية.١١

(٤) النزعة الانفصالية عن الإمارة الإسلامية

وتعود ثورات البربر لتطفو على سطح بلاد المغرب، وتتأثَّر بها الجزائر في نظام حكمها ومذهب سكانها، لم تكن الحرب هذه المرة حربًا ضد الإسلام والفاتحين؛ بل حرصٌ، في اعتقادهم، على الحفاظ عليه من نظام التوريث الذي اعتمده الحكم العربي في تسييره للشأن العام، وظهرت بوادر بؤر الفتن تنخر جسد هذه الأمة بالركون إلى مبدأ الخروج عن الحاكم الذي أقرَّه وأسَّسه «الخوارج».١٢ اتخذت العصبية للقبيلة وللمذهب منحنًى خطيرًا، وتناسى المؤجِّجون لنار الفتنة من العرب والبربر تعاليمَ السَّماحة التي جاء بها الدين الحنيف، وثارت في نفوسهم دواعي النقمة. وفي بادرة لثورة البربر على الإمارة الإسلامية، تمذهب الناس بداية من ١٢٢ﻫ/٧٤٠م على الصفرية، وانتقل الصراع في الجزائر، أو بالأحرى في المغرب، من سجالٍ مذهبيٍّ إلى حروبٍ طاحنةٍ بين المسلمين.
١  مبارك بن محمد الميلي، «تاريخ الجزائر في القديم والحديث»، الجزء الثاني، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ١٩٨٩م، ص٢٢.
٢  عبد الحليم عويس، «دولة بني حماد: صفحة رائعة من التاريخ الجزائري»، دار الصحوة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩١م، ص٣٣.
٣  عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، «تاريخ الجزائر العام»، الجزء الأول، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ١٩٦٥م، ص١٧٣.
٤  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٢٨.
٥  هو حسان بن النعمان بن عدي بن مغيث بن عمرو مزيقياء بن عامر بن ماء السماء بن الأزد (صالح بن قربة، وسامية بوعمران، وخالف محمد نجيب: «تاريخ الجزائر في العصر الوسيط من خلال المصادر»، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر ١٩٥٤م، الجزائر، ٢٠٠٧م، ص٢٣).
٦  مبارك بن محمد الميلي، «تاريخ الجزائر في القديم والحديث»، الجزء الثاني، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ١٩٨٩م، ص٣٨.
٧  صالح بن قربة، وسامية بوعمران، وخالف محمد نجيب، «تاريخ الجزائر في العصر الوسيط من خلال المصادر»، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر ١٩٥٤م، الجزائر، ٢٠٠٧م، ص٦٥.
٨  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٣٠.
٩  مبارك بن محمد الميلي، مرجع سابق، ص٤٢.
١٠  سورة الفتح (الآية: ٢٩).
١١  علاوة عمارة، «دراسات في التاريخ الوسيط للجزائر والغرب الإسلامي»، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ٢٠٠٨م، ص٤٨–٥٠.
١٢  الخوارج في التاريخ اسمٌ لطائفة أو طوائف كانت بايعت علي بن أبي طالب بالخلافة ثم خرجت عنه ونقضت بيعتها في قضية التحكيم المشهورة (عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، الجزء الأول، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ١٩٦٥م، ص٢٠١).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠