الفصل الثالث

الحركة الوطنية الجزائرية

في عام ١٨٨١م أنشأت فرنسا نظام «الإنديجينا» الذي يحدِّد القوانين السارية المفعول على السكان الجزائريين. تقرَّر تعيين متصرف إداري Administrateur لضبط تنفيذ هذا النظام.

حركة محمد البدوي

سلوا ساحة الشهداء أمَا
بها قرَّر البدوي المآل؟
ودوَّى بشرشالَ صوت النفير
وإن كان يبدو بَعيدَ المنال

بالرغم من الإغراءات للحصول على الجنسية الفرنسية، فإن معظم الشعب الجزائري رفض هذا التجنُّس، وفضلوا حياة القهر بالجنسية الجزائرية على حياة الرفاهية في ظل الجنسية الفرنسية.

وهذا ما أكده الحاكم العام الفرنسي «فيوليت» في إحصاءٍ قدَّمه بين ١٩١٩م و١٩٢٥م بأنه لم يتقدم لطلب الجنسية إلا ٦٤١ فردًا.١

(١) النضال السياسي والإصلاحي

في خضم تعتيم وقهْر الجزائريين، نهض تيارٌ سياسيٌّ من المتعلمين في المدارس الفرنسية وتشكَّلوا في حركة «الشبان الجزائريين» للمطالبة بحق التمثيل والاعتراف بالشخصية الجزائرية، وشكَّلوا سنة ١٩٠٤م جريدة «المشعل». اتخذت النخبة الجزائرية موقفًا إزاء قانون التجنيد الإجباري الصادر في ١٩٠٨م والمطالبة بإلغاء قانون الإنديجينا.

في سنة ١٩١٣م ضم قادة حركة «الشبان الجزائريين» بقيادة الشريف بن حبيلس جهودهم إلى الأمير خالد ابن الهاشمي — حفيد الأمير عبد القادر — لتصعيد احتجاجاتهم المطالِبة بالحقوق الكاملة لكل الجزائريين، وحق التمثيل في البرلمان الفرنسي.

وراودَ صدق الضَّمير الأمير
فقام يلاحقُ طيف الخيال
ويعدو ﺑ «فرساي» خلف الوعود
يُناشد «ولسون» فرض المحال

في سنة ١٩١٧م، شارك الأمير خالد في مؤتمر رابطة حقوق الإنسان الذي نُظِّم بفرنسا من قِبَل بعض المثقفين الجزائريين والتونسيين. لم يدُم نضاله السياسي طويلًا بسبب العراقيل التي وضعتها الإدارة الفرنسية أمامه، ثم الانتقال إلى مرحلة تزوير الانتخابات المحلية التي فاز بها سنة ١٩٢٢م. كان هذا العامل الأساسي الذي أدرك فيه الأمير خالد أنَّ فرنسا ليست راعية عهود، وأن الاندماج سياسةٌ ماكرة وخاطئة، ليست سبيلًا لحصول الجزائريين على حقوقهم المشروعة، وأنَّ الركود وراء تصريحات الرئيس الأمريكي «ولسون» في تقرير المصير سراب؛ بل وهمٌ لم يكن ليتحقق في ضوء التكتلات الغربية. رغم ذلك، نجد شاعر الثورة مفدي زكريا يرتِّب نضال الأمير خالد ضمن التجارب السياسة الممكنة للتعامل مع الاستعمار دون أن يبخس حقَّه في جهده من أجل حصول الجزائريين على حقوقهم.

تجاريبُ خالد مهما تكن
فلم نكُ نغمط قدْر الرجال

قرَّر الأمير خالد ترك النضال السياسي الذي طالما نادى به وانسحب من الحياة السياسية. استقرَّ بسوريا، وعاش بها إلى أن تُوفي — رحمه الله — في ٩ يناير ١٩٣٦م، ودُفن بها.

فرضت فرنسا سياسة التمييز العنصري، وبدأت تظهر نتائج تطبيق قانون الإنديجينا على الشعب الجزائري في صور انتشار الفقر وعموم الجهل، وتفشي الأمراض المعدية. فضَّل الكثير من الجزائريين الهجرة إلى الخارج. لم تفتُر نار الاحتلال على الشعب الجزائري رغم دور شُبَّانه الذين جُنِّدوا قهرًا في صفوف الجيوش الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى في إطار ما يُسمَّى بالتجنيد الإجباري.

(١-١) الذكرى المئوية للاحتلال

قرَّرت السلطات الاستعمارية الاحتفالَ بمرور قرنٍ من الزمان لاحتلال الجزائر، فجهَّزت لذلك عُدةً وعتادًا، وحظرت وفودًا أجنبيةً أخرى، وأُرغم الشعب الجزائري إرغامًا على المشاركة في تمويلها.

جزى الله عنَّا الشدائد خيرًا
وذكرى احتلال الجزائر شكرا
وإن ننسَ … هلَّا نسينا الجراح
وما تزال الجراحات حمرآ
وإن آلمونا بمائة عام
حفلنا بعيد الجزائر دهرا
وإن رقصوا فوق أشلائنا
وأحيوا على مذبح الشعب ذكرى
رقصنا على نغمات الرصاص
ورحنا نبث المقادير سرَّا

كانت الحركة الإصلاحية نشيطة في مواجهة تيار التغريب بقيادة زعماء جزائريين استطاعوا باندماجهم في الحركة الفكرية العربية المنتشرة في بلاد المشرق أن يُؤسسوا لنهضة فكرية شاملة، ولعل أبرز مناصر للقضية الجزائرية من زعماء الإصلاح السياسي الأمير شكيب أرسلان.

يقول مفدي زكريا:

وصوت شكيب يهزُّ الدُّنا
فترجف منه النفوسُ السقيمة

تتلمذ الأمير على يد الشيخ محمد عبده سنة ١٨٨٦م. كان على علاقة بعائلة الأمير عبد القادر بسوريا. تحدَّث عن الأمير في كتابه «حاضر العالم الإسلامي»، كان نائبًا عن حوران في المجلس العثماني ببرلمان اسطنبول. وفي اضطهاد جمال باشا لبعض زعماء العرب، علَّق أرسلان أنَّ جمال باشا لم يرعِ حرمة جهاد والد الأمير علي — أي الأمير عبد القادر — وتشفَّع في الأمير عمر ابن الأمير عبد القادر فلم يُصغِ إليه وحكم بشنقه. وقال عن الأمير خالد إنَّه «على رأس الحركة الوطنية الحاضرة في الجزائر» وكان أرسلان على صلة بالأستاذ توفيق المدني منذ ١٩٢٣م.

أنشأ جريدة «الأمة العربية» باللغة الفرنسية في جنيف في مارس ١٩٣٠م، وكان على علاقة وطيدة بين الشيخ عبد الحميد بن باديس والطيب العقبي والحاج بنونة وسعيد الزاهري ومصالي الحاج، وكان يناضل من أجل الوحدة العربية.٢
الشيخ أحمد سحنون — رحمه الله — أول مَن أبَّنَ شكيب أرسلان، وذكر نضاله من أجل العروبة والإسلام ومساهمته في القضية الوطنية.٣ أُقيم حفل تأبين في ذكرى وفاة أرسلان بنادي الترقي سنة ١٩٤٧م، وحضر المناسبة الأستاذ محمد الحسن فضلاء — رحمه الله.٤

لم يتوقَّف النضال السياسي بفشل الأمير خالد، ولم تتلاشى سياسة الاندماج من مخيَّلة الجزائريين. حرك خيوط فكرة الاندماج، هذه المرة، بن جلول، ولكن سرعان ما تصدَّى له حزب «نجم شمال إفريقيا» وقرَّر عزله سنة ١٩٣٦م.

لئن مجَّ صوت السيوف الصقال
وأغفى صريرَ الرماح العوالي
فحربُ اليراع أعاد الصراع
يقود سراياه نجم الشمال
بأرض فرنسا يدُك فرنسا
وينذرُ ساستَها بالوبال

أخذ النضال السياسي بُعدًا آخر في التعامل مع الوضع الاستعماري. وكان للإبداع الفني دور هام في رفع الهمة للجزائريين من خلال نظم أول نشيد وطني للجزائر، نظمه بكل اعتزاز شاعر الثورة مفدي زكريا في ١٧ نوفمبر ١٩٣٦م عندما كان مناضلًا في «نجم شمال إفريقيا» ومطلعه «فداء الجزائر، روحي ومالي.»

وقال الألى: ناصروا حزبنا
سنقضي على لعنة الاحتلال
وقال الذي خلَّدوا شِعره
فداء الجزائرَ روحي ومالي

أخذ «حزب الشعب الجزائري» بعد ذلك، بزعامة مصالي الحاج، زمامَ الريادة والقيادة ووقف ضد مشروع «بلوم فيوليت» المنادي بالاندماج:

إذا ما فيوليت ضلل قومًا
وغرَّ ضعاف العقول وأغرى
وخدَّر قومًا بمؤتمرات
فظنَّت سرابَ المتاهات نهرا
فللشعب حزبٌ يصون المبادئ
وشعبُ الجزائرِ بالناس أدرى

(١-٢) جمعية العلماء المسلمين

جمعية جزائرية أخذت على عاتقها إصلاح الأمة، والتفكير في الخروج من مأزق الاستعمار الذي بات يقوِّض أركانَ الشعب الجزائري، ويهدم مقوماته ومقدَّساته. ترأَّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقاد حركتها الإصلاحية، واتخذت الجمعية الشيخ البشير الإبراهيمي نائبًا له.

وُلد الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة ١٨٨٩م بقسنطينة، تتلمذ على يد الشيخ حمدان الونيسي والتحق بجامعة الزيتونة. أصدرت الجمعية أول جريدة (المنقذ) في ٢ يوليو ١٩٢٥م، صُودرت من قِبَل السلطات الاستعمارية بدعوى المساس بأمن فرنسا وإثارة الفوضى. كانت المصادرة تلاحق كلَّ جريدة لها طابع إصلاحي، ومن ذلك جريدة «السنة» و«الشريعة المطهرة» و«الصراط».

تأسَّست جمعية العلماء المسلمين في ٥ مايو ١٩٣١م بالجزائر العاصمة، استقطبت جهود العديد من علماء ومفكري الجزائر، فازدادت قوةً إلى قوَّتها، وكان من بين أعضائها المؤسسين: الشيخ المبارك الميلي (أمين المال)، والشيخ إبراهيم بيوض (نائب أمين المال)، والطيب العقبي (أمين عام مساعد)، والشيخ الأمين العمودي (أمين عام)، والأستاذ أحمد توفيق المدني. ونورد على سبيل الذكر لا الحصر بعض رسائل الشيخ مبارك الميلي إلى الأستاذ توفيق المدني؛ لنستشف درجة التمسُّك بالوطنية والحرص على حماية مقوماتها.٥

أصدرت جمعية العلماء جريد «الشهاب»، ثم «الدفاع» في «البصائر»، وحاصرت سلطات الاحتلال الفرنسي نشاط الجمعية بدعوى التخفي وراء الدين من أجل مقاصد سياسية، وبث العداوة لفرنسا، والتحريض والتخابر مع قوًى أجنبية، كانت إشادة الإلياذة بها في المقطع ٤٤:

وفي الدار جمعية العلماء
تُغذِّي العقول بوحي السماء
وتهدي النفوس الصراط السوي
وتغرس فيها معاني الإباء
تواكب نجم الشمال اندفاعًا
وتغمر أكوانه بالسَّناء
ويَعْضُد باديسَ فيها البشيرُ
فتزخر بالخلَّص الأصفياء
وتغزو الضلالات في التائهين
مع الوهم في موكب الأغبياء
وتُرسي جذور الأصالة في الشَّعـ
ـبِ تمحو بها وصمة الدخلاء
وتَبني المدارس عرض البلاد
فيُعلي ابن باديس صرح البناء
طلب الشيخ عبد الحميد بن باديس بتاريخ ٢٥ يونيو ١٩٣٧م في رسالة إلى شيخ الأزهر مصطفى المراغي يطلب فيها منه قبول وفد جمعية العلماء المسلمين للتكوين في الأزهر.٦

تُوفِّي الشيخ عبد الحميد بن باديس — رحمه الله — في ١٦ أبريل ١٩٤٠م، واتخذت الجزائر من ذكرى وفاته محطةً تاريخية لتثمين العلم وترقية المعارف والعلوم.

وختم مفدي زكريا المقطع ﺑ:

كذا عبَّد العلماءُ الثنايا
بوحي السماء، ووحي الدماء

لم يقتصر نشاط جمعية العلماء على الجانب الدعوي والإصلاحي؛ بل تمدَّد إلى غاية النضال السياسي في خطوة منها لتكامل الجانبين، وأن كليهما يكمل الآخر، ومن ذلك استنكار الجمعية لقانون التجنُّس ومقاطعة البضائع اليهودية.

انعقد بالجزائر العاصمة مؤتمرٌ يوم ٧ يونيو ١٩٣٦م، خرج بجملة من التوصيات والمطالب تمحورت جلها حول وجوب إلغاء القوانين الاستثنائية والولاية العامة، كما طالبت السلطات الاستعمارية بالحفاظ على الدين الإسلامي باعتباره مرجعًا لا بديل عنه للجزائريين، وضمان حرية تعليم اللغة العربية، وتعميم التعليم لكل شرائح المجتمع الجزائري، كما رفع المؤتمر مطلبًا يضمن تمثيل الجزائريين في البرلمان الفرنسي … انتقل وفد عن المؤتمر برئاسة بن جلول إلى باريس، ورُفعت المطالب إلى رئيس الحكومة الفرنسية «ليون بلوم» يوم ٢٣ يوليو ١٩٣٦م،٧ كانت تلك المطالب سرابًا يحسبه الظمآن ماء، وصدق مفدي زكريا إذ يقول:
وخدَّر قومًا بمؤتمرات
فظنَّت سرابَ المتاهات نهرا
فللشَّعب حزبٌ يصون المبادئ
وشعبُ الجزائر بالناس أدرى

سبق انتقال وفد المؤتمر إلى باريس، بأيام قليلة تصريح مصالي الحاج خلال تجمُّع شعبي بالملعب البلدي للجزائر بتاريخ ١٤ يوليو ١٩٣٦م:

ويوليُوز والملعب البَلدي
وأحمد يعلن فيه الأذان
ويصعق فيه بصوت جديد
فيصعق منه العُتل الجبان

كانت الإدارة الاستعمارية وراء اغتيال مفتي الجزائر «كحول» في شهر أغسطس من سنة ١٩٣٦م، وأُلصِقت التهمة في عقب الشيخ الطيب العقبي بحكم انتمائه إلى جمعية العلماء المسلمين، وسوَّقت فرنسا لدعوى العداوة التي كانت بين المفتي والجمعية بهدف اعتقال الشيخ الطيب العقبي، وتصدُّع وحدة الصف الوطني. واعتبر مصالي أن هذا الاغتيال سذاجة من الجمعية، وقد تنسف ﺑ «إنجازات النضال السياسي».

ولاذت فرنسا بأصنامها
تحاول بالدَّس كسبَ الرهان
فتغتال كحول تلقي دماه
على الطيب الواسع الصولجان
لئن خاننا الدهرُ في طيب
وأصغى مصالي لغدرِ الزمان
فلن يجحد الفضل تاريخنا
وهذي الدُّنا للرجال امتحان

انعقد مرةً أخرى مؤتمرٌ كذلك في ٧ يوليو ١٩٣٧م لكنه لم يحقِّق أي نتيجة.

بدأت فكرة إنشاء دولة مستقلة بعيدة عن أي طرح إدماجي تراود التيار الوطني. قال فرحات عباس لمصالي الحاج: «لقد كنت ضدك، أدافع بحرارة عن الاندماج ووقفت ضدك، لقد أثبتت الأحداث أنك كنت على صواب، وكنت أنا على خطأ، اليوم أعترف لك بأنني سأتبع خطاك.»٨

اعتبر الحاكم العام «كاترو» فكرة استقلال الجزائر إهانةً لفرنسا، وقال: إنَّ الجزائر «جزء لا يتجزأ عن فرنسا، وأنه لا يقبل أن تكون النقاط المقترحة من طرف الجزائريين قواعد للعمل والتفاوض.» وكان جوابه على موقف فرحات عباس والسائح عبد القادر اللذين قاطعا رفقة زملائهما مداولات المجلس المالي، استصدار أمر القبض عليهما بتهمة العصيان والتحريض.

أفاق من الوهم حزب البيان
فأسلم للمخلصين العنان
وزايله الشَّكُ في أصله
فمدَّت لحزب البيان اليدان
وأوحى اندماج فرنسا اندماجًا
لحزبين مرماهما توأمان
فبارك باديسُ جمعَ الصفوف
ودشَّن باديسُ عهد الأمان

فور إفراج السلطات الاستعمارية عن فرحات عباس في ديسمبر ١٩٤٣م، التحق مجددًا بالنضال السياسي وأنشأ حركة «أصدقاء البيان والحرية» في ١٤ مارس ١٩٤٤م، ضمت كلًّا من جمعية العلماء المسلمين، والحزب الشيوعي الجزائري، وحزب الشعب، ولاحت في الأفق بوادر مطالبة بإنشاء حكومة مؤقتة، وتحرير دستور جزائري، وإلغاء نظام الاستعمار، وإنشاء نقد وطني جزائري.

كان الظرف الذي ساد الحكم الفرنسي آنذاك مساعدًا لطرح بدائل في صالح الجزائريين، اهتدى «البيان» فيها إلى كسب مودة فرنسا واستعطافها السعي لمساعدة الجزائريين للقوات الفرنسية في حربها ضد الألمان.

(١-٣) مجازر الثامن مايو ١٩٤٥م

انتصر الحلفاء فخرج الشعب الجزائري عن بكرة أبيه مبتهجًا بالنصر الذي اعتقد فيه وفاء فرنسا بوعدها في حصول الجزائر على استقلالها، لكن كانت الفاجعة أكبر مما تصوَّر العالم؛ مجازر رهيبة لم يسبق للبشرية أن شهدتها، جرت بداية من ٨ مايو ١٩٤٥م، تحوَّلت فيها المسيرات السلمية إلى مجزرةٍ بكل مقاييس الجبن والحماقة في حق الشعب الجزائري، استُشهد فيها ٤٥ ألفًا من الجزائريين، ثم حلَّت على إثرها كلَّ الأحزاب السياسية، وألقت القبض على الزعماء السياسيين.

ولم ننسَ في أربعين وخَمس
ضحايا المذابح في يوم نحس
طربنا مع الحلفاء اغترارا
وقمْنا نصفِّق في غير عرس
فكانوا مع الغدرِ عونًا علينا
ودرسًا لقادتنا أي درس
وكانت مجازرهم بسطيف
وقالمة للشعب، دقَّات جرس

بات يقينًا بعد هذه المجاز أنَّه لم يَعُد للمراوغات السياسية سبيلٌ يخلص هذا الشعب من قيد الاستعمار، وأن كل نضالها السياسي لم يَعُد إلا وهمًا وحلمًا.

وكانت تلاحق أقلامُنا
سرابَ الضياعِ فباءت ببخس
وكانت تُكافح أحزابُنا
مع الوهم، بين صراخٍ وهمس
فعطَّل صوت الرصاص اللُّغى
وأنطق ألسنةً غير خُرس
فقامت تعبِّد أكبادُنا
طريقَ التخلُّص من كل رجس

اعتُقل الشيخ البشير الإبراهيمي عقب المجزرة، ثم أُطلق سراحه بموجب عفوٍ عام.

استمرت جمعية العلماء في نشاطها بنضال ومؤازرة من الأستاذ الفضيل الورتلاني، والشيخ العربي التبسي، والشيخ محمد خير الدين، والأستاذ أحمد توفيق المدني.

(٢) العمل المسلح … التنظيم، الانطلاقة ثم التفاوض

في ١٥ فبراير ١٩٤٧م خلال المؤتمر الأول لحركة انتصار الحريات الديمقراطية، تقرَّر تكوين «المنظمة الخاصة»، وهي منظمة شبه عسكرية بقيادة محمد بلوزداد أُوكلت لها مهام جلْب الأسلحة والتحضير للعمل المسلح، شارك فيها كلٌّ من السادة: حسين آيت أحمد، بلحاج جيلالي، أحمد بن بلة، محمد بوضياف، رجمي الجيلالي، أحمد محساس، محمد ماروك.٩
وما الانتصار دخول انتخابٍ
وضرْب الموائد، ضربًا شديدا
ولا كلمات على جدرانٍ
هل الحِبرُ في الحرب كان مفيدا؟
ولا بالهُتافات عاش ويحيى
فما حرَّر القولُ يومًا عبيدا
ولا بالوفود … وسمع فرنسا
أهال عليه الغرُور الصَّديدا
ولن يغسل العارَ إلا الدما
وعاش الحديد … يفل الحديدا

كان تأسيس المنظمة الخاصة نهايةً حتميةً لأي حسم عن طريق الخطابات والتنديدات والانتخابات، وبدايةً لعهد جديد لا يفلح فيه إلا النفير والدخول في ثورة عارمة ضد المستعمر الغاشم. غير أن انكشاف هذا التنظيم سنة ١٩٤٩م بالمنطقة الشرقية من البلاد، أدَّى إلى تقييدِ العمل المسلَّح، ووضعِ كل الناشطين تحت الرقابة البوليسية.

وطالت خرافات حرب الكلام
وما بلغ الشعبُ فيه المرام
فآمن بالنار مَن عرفوها
ومَن كاشفتهم بسرِّ النظام
إلى أربعين وتسعٍ سلامي
وقد بلغ الشعب فيها الفطام
فكانت شرارة حرب الخلاصِ
وإن أخفتوها بلغوِ الكلام

أشاد مفدي زكريا في الإلياذة بذلك الرعيل الأول من المجاهدين والمناضلين في الأحزاب السياسية والشهداء، في التفاتةٍ طيبة مباركة لتضحياتهم الجسام في سبيل إنهاء الاحتلال ونيتهم للحصول على الاستقلال، وذكرَ منهم: عمر عيمش، أرزقي كحال، رابح موساوي، إبراهيم غرافة، حسين عسلة، محمد طالب، محمد دوار …

رعى الله عيمش في الخالدين
وكحَّال في السَّابقين الكرام
ورابح تَعْبَق أنفاسهُ
وغرَّافة الوطني الهمام
وعسْلة يندبهُ طالبٌ
فيلحقه بعد مرِّ السقام
ودوَّار يستقبل الشهداء
ومَن أخلصوا للوفاء والذمام
هُم الثائرون الألى ولدوا
نوفمبر من صلبهم فاستقام
متى نزلت ثورةٌ من سماء
نزول المسيحِ عليه السلام؟

بعد وفاة محمد بلوزداد — رحمه الله — في ١٤ يناير ١٩٥٢م خلَفه السيد حسين آيت أحمد. ولتفادي عزلة العمل الثوري على العالم، قام زعماء المنظمة بتأسيس مكاتب اتصال بالقاهرة وتونس وبغداد والرياض؛ لإيجاد متنفَّس تتفادى به الثورة خطر الاختناق.

بغية إسماع صوت الجزائر في الأمم المتحدة قام الشيخ البشير الإبراهيمي بزيارةٍ إلى محمد فاضل الجمالي في سنة ١٩٥١م عندما كان شاغلًا لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة. كان هدف الإبراهيمي وضعَ القضية الجزائرية في جدول أعمال منظمة الأمم المتحدة، ولم يكن بيان جمعية العلماء المسلمين إلى الجامعة العربية في ٦ يناير ١٩٥٤م إلا قيمةً مضافة لحصول الجزائر على مساندةٍ تقيها خطورة العزلة.

(٢-١) التحضير لاندلاع الثورة

شهدت الساحة السياسية بين المناضلين انشقاقًا بين المركزيين والثوريين لحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، أسفرت في بادرة للمِّ الصفوف عن إنشاء «اللجنة الثورية للحرية والعمل» في شهر مارس ١٩٥٤م. وفي ٢٥ يونيو ١٩٥٤م، اجتمع الأعضاء اﻟ ٢٢ من المناضلين الذين آلوا على أنفسهم عناء الثورة المسلحة.

(٢-٢) المنظمون الرئيسيون

ديدوش مراد، والعربي بن مهيدي، ومحمد بوضياف، ومصطفى بن بولعيد، ورابح بيطاط.

(٢-٣) الممثلون لمنطقة العاصمة

محمد مرزوقي، وعثمان بلوزداد، والزبير بوعجاج، وغلياس دريش.

(٢-٤) الممثلون لمنطقة البليدة

سويداني بوجمعة، وأحمد بوشعيب.

(٢-٥) الممثلون لمنطقة وهران

عبد الحفيظ بوصوف، ورمضان بن عبد المالك.

(٢-٦) الممثلون لمنطقة قسنطينة

زيغود يوسف، ولخضر بن طوبال، ومحمد مشاطي، وعبد السلام حباشي، وعبد القادر العمودي، ورشيد ملاح، والسعيد بوعلي، وعمار بن عودة، ومختار باجي.

انتُخب محمد بوضياف مسئولًا وطنيًّا، وخلصت المشاورات بين أعضاء لجنة اﻟ ٢٢ وبين كريم بلقاسم إلى ضرورة تضافر الجهود، وتوحيد العمل المسلح وتنظيمه عبْر كامل التراب الوطني، وتقرَّر إلغاء كل الأحزاب والتكتلات الوطنية، والانضواء تحت «جبهة التحرير الوطني» الناطقة الوحيدة والرسمية باسم الشعب الجزائري، وتسمية المنظمة العسكرية ﺑ «جيش التحرير الوطني».

جمعنا لحرب الخلاصِ شتاتًا
سلكنا به المنهج المستبينا

تقرر أيضًا تحديد تاريخ انطلاق الثورة التحريرية في الفاتح من شهر نوفمبر، وتوزيع المهام عبْر مناطق الوطن، ولتفادي تداخل الصلاحيات، أُعطيت أولوية الداخل على الخارج والعمل السياسي على العسكري في اتخاذ القرارات السيادية. أُذيع بيان أول نوفمبر عبْر أمواج «صوت العرب» من القاهرة.

ضبط الأستاذ أحمد توفيق المدني لقاء مع الشيخ عمر دردوز١٠ في أكتوبر ١٩٥٤م، تم التحضير فيه لاجتماع المجلس الإداري لجمعية العلماء المسلمين، وعليه تم الإعلان عن مساندة الجمعية لاندلاع ثورة التحرير تحت قيادة جبهة التحرير الوطني، ودعوة كل الجزائريين للمشاركة فيها، كان يومها الشيخ البشير الإبراهيمي في القاهرة، فقام بمعية الفضيل الورتلاني بإصدار بيان للشعب الجزائري حثَّ فيه الشعب الجزائري للانضمام إلى الثورة، استمر الوضع متأزمًا إلى أن قامت ثورة أول نوفمبر ١٩٥٤م وفق القواعد والمبادئ المنصوص عليها في بيان أول نوفمبر.١١
تأذَّن ربك ليلة قدرٍ
وألقى السِّتار على ألف شهر
وقال له الشعب: أمرك ربي!
وقال له الرب: أمرك أمري

وقال:

نوفمبر غيَّرت مجرى الحياة
وكنتَ نوفمبر مطلع فجر!
وذكَّرتنا في الجزائر بدرًا
فقمنا نضاهي صحابة بدر

وقال:

نوفمبر جلَّ جلالك فينا
ألست الذي بثَّ فينا اليقينا؟
سَبحنا على لُججٍ من دمانا
وللنصر رُحنا نسوق السفينا
وثرنا، نفجِّر نارًا ونورًا
ونصنعُ من صلبنا الثائرينا!
ونُلهم ثورتَنا مُبتغانا
فتلهم ثورتُنا العالمينا
وتسخر جبهتُنا بالبلايا
فنسخر بالظلم والظالمينا

كان أثر العمليات العسكرية الدقيقة على ثكنات العدو والاستيلاء على أسلحة وجلبها من تونس والمغرب والقاهرة، قويًّا على فرنسا، أربك قوَّاتها وزاد من عزيمة صفوف الثورة الجزائرية.

لم يكن رد القوى الاستعمارية على اندلاع الثورة، وانتشار الهجمات العسكرية غريبًا من فرنسا؛ فلقد أعلن رئيس الحكومة الفرنسية منديس فرانس أمام الجمعية الوطنية بتاريخ ١٢ نوفمبر ١٩٥٤م توعُّده بالقضاء على هذا «التمرُّد» ورفضه لأي تفاوض مع «المتمردين». أما وزير الداخلية الفرنسي فرانسوا ميتران، فقد وصف إعلان الثورة ﺑ «العمل الإرهابي» وهدَّد الجزائريين يوم ٥ نوفمبر ١٩٥٤م بإعلانه الحرب عليهم.

استعملت فرنسا في قمعها للثورة الجزائرية، القتل الجماعي والاغتيالات والتدمير الشامل للقرى والمداشر، والاعتقالات العشوائية والمحاكمات الجائرة، وسلَّطت القهر والتعذيب والتنكيل بكل فئات الشعب.١٢ صدر قانون الأحكام العرفية بتاريخ ٣ أبريل ١٩٥٥م، وتم بموجبه نقل السلطات القضائية والتنفيذية إلى الجيش.

(٢-٧) هجوم ٢٠ أغسطس ١٩٥٥م

كان لهجوم ٢٠ أغسطس ١٩٥٥م الذي قاده زيغوت يوسف على الشمال القسنطيني الأثرُ البالغ على قوات الاستعمار وعلى سياسات القمع والاندماج، وأعطى دفعًا للثورة الجزائرية.

سكِيكَدة الثائرينَ أعيدي
علينا فضائح باغٍ حقودِ
أغسطس عشرون … لم يَنسَها
ويذكرها ألفُ ألف شهيدِ
وخمسٌ وخمسون في الذكرياتِ
جلالٌ … يهدهد صدر الوجودِ
وعطرٌ للمذابح في ساحِها
نوافِج تُلهم سِفر الخلودِ
أما سياسة «سوستيل» التي أراد بها فصل الثورة عن الشعب فلم تُجدِ نفعًا، وإنشاؤه في ٢٦ سبتمبر ١٩٥٥م «أقسامَ العمل المتخصص» SAS في الأرياف لاحتوائها، لم يزد الشعب الجزائري إلا تمسكًا بثورته.
أَنَنسى ثلاثة أيام نحسٍ
وسوستالُ يندب في النائحين
وأخضرُ يحصد حُمْرَ الحواصـ
ـلِ فيها، ويقطع منها الوتين

(٢-٨) مؤتمر الصومام ٢٠ أغسطس ١٩٥٦م

استضافت الولاية الثالثة مؤتمر الصومام، وقام العقيد عميروش بتجنيد ٣٠٠٠ جندي لحماية المؤتمرين من أي هجوم فرنسي مفاجئ،١٣ وانتهت أشغاله يوم ٥ سبتمبر ١٩٥٦م. خرج المؤتمر بترتيبات استراتيجية وهامة في مسار الثورة، كان أهمها: إنشاء تنظيم قائم على تقسيم التراب الوطني إلى ست ولايات، كل ولاية إلى مناطق، وكل منطقة إلى نَواحٍ ثم قسمات، وتنظيم الجيش في شكل كتائب وفرقٍ وأفواج.

وُضعت اللبنات الأولى لمجلس وطني للثورة الجزائرية، كما تعزَّز اعتبار جبهة التحرير الوطني الهيئة السياسية الرسمية الوحيدة المخولة لأي تخطيط أو قرار يخص الشأن الوطني.

تباركَ واديك صُومَامُ إنَّا
حفظنا عهودكَ أيَّان ثُرنا
أصُومَامُ باسمِك، صمَّم شعبٌ
سياسةَ ثورته فانطلقنا
وجلجل صوتُك بين الجبالِ
يباركُ وحْدتنا، فالتحمْنا
كأنَّ لخمسٍ وخمسينَ نجوى
لسِتٍّ وخمسينَ يومَ اجتمعنا
وأصغى لنا المجمعُ الدوليُّ
الأصمُّ، وأرهف للسمع أُذنَا
رأينا السياسة دربًا طويلًا
فلذْنا بساح الوغى، فاختصرنا
وقرَّر صومامُ أهدافنا
فسِرْنا على هديها، فانتصرنا

انتشرت الثورة الجزائرية في ربوع التراب الوطني، واتخذت فرنسا من سياسة عزل الثورة أسلوبًا لقطع الدعم وتكميم الأفواه. زرعت حكومة «بورجيس مونوري» الأسلاك الشائكة المكهربة والملغمة على الحدود الغربية والشرقية فأوقعت ٦٠٠٠ شهيد والعديد من الإصابات المؤدية للبتر والإعاقات.

اعتُقل في سنة ١٩٥٦م الشيخ العربي التبسي، ولم يُعرف إلى يومنا هذا مكان اعتقاله أو دفنِه — رحمه الله.

وتقفو تبسةُ آثارها
تباركها هبوات العصُورِ
ويدفعها العربيُّ التِّبَسِّي الشَّـ
ـهيد، فتحتلُّ عرش النسورِ
ويُجري العلومَ بأوصالها
حيَاة أصالتها في الجذورِ
على العربي الشَّهيد، صلاةٌ
مضَرَّجةٌ بدماءٍ، ونُورِ

بتاريخ ٢٣ أكتوبر ١٩٥٦م، حوَّلت الطائرة المغربية المقلَّة للزعماء الخمسة المتوجهين لحضور مؤتمرٍ بتونس؛ حيث أُودعوا السجن بفرنسا إلى غاية مارس ١٩٦٢م.

تعددت أطياف الثورة وتنوَّعت أساليب احتجاج الشعب الجزائري، وبات ضروريًّا رفع درجة الضغط على فرنسا الاستعمارية بالإضراب سنة ١٩٥٧م.

قال مفدي زكريا:

وجُنَّت فرنسا لإضراب شعبٍ
فعاثت بعرض البلاد فسادَا
بكت، فضحكنا … وقال الزمانُ:
تبارك شعبٌ تحدَّى العنادا

وقال أيضًا:

وكم عاش طلابُنا حربنا
وقاسم تجارنا خطبنا
وعمَّ النِّضالُ وفاض النَّوالُ
فَشِدنا بهذا، وذاك، البنآ
ومن عَرق الكادحين صنعنا
مصائرنا، فبهرنا الدُّنا
ومن نَصَب الزارعين غرسنا
مشاتلنا، فقطفنا الجَنَى

صادق البرلمان الفرنسي في ١ يونيو ١٩٥٨م على تعيين ديغول رئيسًا للحكومة الفرنسية، وخوَّل له كامل السلطات وركَّزها بيده، دون إخضاع سياسته المسلطة على رقاب الجزائريين لأي رقابة شعبية.

انتُخب رئيسًا لفرنسا في يناير ١٩٥٩م، وصار من الأكيد بعد عدم قدرته على إخماد الثورة البحثُ عن سبلٍ ودية للمصالحة والتفكير في أي مشروع يؤدي إلى وقف التصعيد. أعلن ديغول، لتحقيق ذلك مشروعًا اجتماعيًّا في ٣ أكتوبر ١٩٥٨م أطلق عليه مشروع قسنطينة لكسب ثقة الشعب الجزائري ومحاولة عزله عن الثورة.

بدأ الصف الفرنسي يتصدَّع وظهرت أزمةٌ بين «سالان» وديغول، وتكتَّلت ضد ديغول كل التيارات الداعمة لفكرة «الجزائر فرنسية».

(٢-٩) مظاهرات ١١ ديسمبر ١٩٦٠م

كان لإلقاء الثورة في الشارع واحتضانها من طرف الشعب الأثرُ البالغُ على السياسة الاستعمارية، وفضْح جرائمها أمام الرأي العالمي. إثر المطالب المتعددة لتقرير المصير، خرجت مسيرات حاشدة للجزائريين في مظاهرات بتاريخ ١١ ديسمبر ١٩٦٠م، فقُوبلت بقمع المشاركين والتنكيل بالداعين إليها.

فيَا عامَ ستِّين قُصَّ علينا
فضائح جيشٍ يذوب غليلَا
ويا زارعَ الموتِ في أرضهم
هُمو زرعوا، فأقمْنا الدَّليلا

(٢-١٠) مظاهرات ١٧ أكتوبر ١٩٦١م

وكم ألحقوا بالمهاجر ذُلًّا
فذاق العذاب الأليم الوبيلا
سَل السينَ كم قذفوا من ضحايا؟
وكم صنعوا المذهل المستحيلا
وسَل في المناجمِ كم من قتيلٍ
أهالوا عليه التراب الثقيلا
وكم في سجون فرنسا بريءٌ
من الدَّاء والغدرِ عاشَ عليلا
هو الحقدُ طيَّر صبر الرَّصاصِ
فألهب منه القصاص الفتيلا

بعد استفتاء شعبي ٨ يناير ١٩٦١م في فرنسا والجزائر كان لصالح تقرير المصير في الجزائر بدأت المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني، وهو نفس التاريخ الذي حُلَّ فيه الاتحاد العام للطلبة المسلمين واعتُقِل أعضاؤه.

(٢-١١) المفاوضات

٢٠ مايو ١٩٦١م مفاوضات بين الوفد الجزائري: «كريم بلقاسم، وأحمد بومنجل، وسعد دحلب، وأحمد فرنسيس، وقايد أحمد، ومحمد الصديق بن يحيى، وعلي منجلي»، والوفد الفرنسي: «لويس جوكس، وبرنارد تريكو». وقد شهدت «منظمة الجيش السري» سنة ١٩٦١م اغتيالات في صفوف مناضلي جبهة التحرير والمتعاطفين مع ديغول.

بعد مصادقة المجلس الوطني للثورة بطرابلس في ٢٧ فبراير ١٩٦٢م على أرضية المفاوضات بين الوفدين الجزائري والفرنسي، تقرَّر الشروع في المفاوضات يوم ٧ مارس ١٩٦٢م بإيفيان، توصَّل الجانبان إلى اتفاقٍ يسري مفعوله بداية من يوم ١٩ مارس ١٩٦٢م:١٤
  • إطلاق سراح المساجين خلال ٢٠ يومًا من اتفاق وقف إطلاق النار.

  • يبقى الجيش الفرنسي في الجزائر لغاية يوم تقرير المصير.

  • إنشاء حكومة تنفيذية.

  • يختار الجزائريون بين الاستقلال التام أو الارتباط بفرنسا.

  • احتفاظ الفرنسيين الذين يريدون البقاء في الجزائر بين الجنسية الفرنسية والجنسية الجزائرية.

  • احتفاظ الأوروبيين بأملاكهم في الجزائر.

  • مصالح فرنسا في الصحراء تبقى مضمونة لمدة ٥ سنوات.

  • تبقى القاعدة العسكرية بمرسى الكبير مؤجرة لفرنسا لمدة ١٥ سنة.

أتى أمرنا صارخًا فانطلقنا
ولُذْنا بوحدتنا فانعتقنا
وفاوضَنا القومُ في أمرنا
وأمْرِ سيادتنا … فرفضنا
وقالوا: سنُجري عليها اقتراعًا
بلا ونعم — خدعة — فاعترضنا
فرنسا … تناسيتِ ما ليس يُنسى
أمَا في نوفمبر … كنا اقترعنا
وأجرى علينا الرصاص انتخابًا
وخضَّب أوراقنا فانتخبنا؟
وقلنا وقالت لنا الكائنات
خذوا حِذْركم واثبتوا فثبتنا
فلم نكُ نرضى بنصفِ الحلول
ولا بالدومنيون نحن انخدعنا
وديغول ألقى بيادقهُ
فطاولها رُخُّنا فانتصرنا
وخاف الحواجز تحمي الغلاةَ
وتبكي فرنسا لها فضحكنا
وفكَّر ديغول في حمقهم
وفي صدْقنا … ثم قال: «فهمْنا»
في يوم ١ يوليو ١٩٦٢م أُجري الاستفتاء، عبَّر ٦ ملايين جزائري عن رأيهم في الاستقلال التام:٥٩٥١٥٨١ صوتًا بنعم، و٥٣٤١٦ معارضًا.١٥

(٢-١٢) التفاتة طيبة لدور الحيوان إبان ثورة التحرير

سخَّر الله تبارك وتعالى الحيوان للإنسان في حِله وتَرحاله وحمل أثقاله، يقول تعالى في سورة النحل: والْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ومَنَافِعُ ومِنْهَا تَأْكُلُونَ * ولَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ * وتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً ويَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الآيات: ٥–٨).

على نهج القرآن الكريم، عدَّد مفدي زكريا مناقب الحيوان إبان الثورة التحريرية، ودوره الدقيق في نقل السلاح، وحرق مزارع المعمرين، وتضليل العدو، وفي السكوت عن إصدار أصواته إذا تعلَّق الأمر بسلامة المجاهدين.

إذا الشِّعر خلَّد أُسْد الرهان
أَينْسى مغامرةَ الحيوانْ؟
أينسى البغال أينسى الحميرَ
وهل ببطولاتها يُستهان؟
سلامٌ على البغل يعلو الجبال
ثقيلًا فيكبره الثقلان
وعاش الحمار يُقلُّ السلاح
ويغشي المعامع ثبتَ الجنان
وبارك فأرًا يوزِّع نارًا
فيخْلعُ بالرعب قلب الجبان
ويلقى الشهادةَ شهمًا كريمًا
وقد عاف ذلَّ الشقا والهوان
وطُوبى لعنزٍ يضلل جندًا
ويخدعُ أحلاسهُ بالأمان
وللكلب يهجر طبع النباحِ
ويهوى النَّميمةَ بالطيران
فلولاك يا حيوان الفدا
لما أحرزَ الشعبُ كسبَ الرهان
بذكراكَ تعتزُّ إلياذتي
فأزكى التحيات يا حيوان
ومن طرائف الشاعر مفدي مع الحيوان، هجاؤه لحِمار الشيخ البشير الإبراهيمي الذي أسقطه من على ظهره بنظمه لأبياتٍ في مأدُبةٍ أُقيمت على شرفِ المشاركين في المؤتمر الخامس لطلبة شمال إفريقية المسلمين بتاريخ ٨ أكتوبر ١٩٣٥م:١٦
يا حمارَ الشيخ لا نلْتَ المنى
أُبْتَ بالجوعِ والضربِ الوجيع
كيف أسقطتَ على الأرض امرأً
وهو ذو قدْرٍ على الأرضِ رفيع
تتمنَّى الشمسُ لو تغدو لهُ
كحمار هادئ الظهر وديع

(٣) الاستقلال الوطني

ويُعلن الاستقلال مدويًا في سماء الجزائر معلنًا الخلاص من ربقة الاستعمار، ومبشرًا بغدٍ ينعم به الجزائريون في كنف الحرية على مبادئ مقومات الأمة الأساسية الني ضحت من أجلها القوافل من خيرة هذا الشعب الأبي، يقول الله تبارك وتعالى: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وهُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الأنعام: ١١٥) اقتبس صاحب الإلياذة من هذه الآية الكريمة حقيقةً أزلية وسُنَّة كونية، مفادها أنَّ بعد العسر يسرًا، وأن مَن جدَّ وجَد، وأنَّ مَن قام دون حقِّه مدافعًا ومطالبًا ومضحيًّا كان على الله نصره على أعدائه.

فرضنا إرادتنا الفارعه
ولم تخْبُ نيراننا الدالعَه
وصُغنا مصائرنا بالرَّصاصِ
وبالرأي والحجةِ القاطعه
وتمَّت بها كلماتُ الإله الَّـ
ـتي وقعت باسمها الواقعه
ولاحَ الخلاصُ بحُلم الليالي
ترفرف أعلامه اللامعَه
ودوَّى نشيد الجزائر يغزو الدُّ
نا قسمًا بالدمَآ الناصعَه١٧

بدأت ثورة البناء والتشييد مستلهمةً قواعدها وسياساتها وأهدافها الاستراتيجية من بيان أوَّل نوفمبر الذي أسَّس لمشروع دولةٍ مستقلة تُحفظ فيه الحقوق وتُصان الواجبات، ويُحقق فيها النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

وقمنا نُشيد صرحَ البلادِ
ونبني سيادتنا الطالعه
١  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٢٠١.
٢  أبو القاسم سعد الله، «أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر»، الجزء الرابع، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٦م، ص١١٦.
٣  العدد الأول من جريدة البصائر ٢٣ يوليو ١٩٤٧م بعنوان «حارس الشرق».
٤  أبو القاسم سعد الله، مرجع سابق، ص ١٣٥.
٥  انظر الملحق رقم ١٠.
٦  انظر الملحق رقم ٨.
٧  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٢٦٠.
٨  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٢٣٧، عن بن جامان ستورا في كتابه «مصالي الحاج» الصادر بفرنسا سنة ١٩٨٢م.
٩  عمار بوحوش، التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٣٢٠، عن «جبهة التحرير الوطني: السراب والحقيقة» لحربي.
١٠  الشيخ عمر دردور، عالمٌ ومجاهدٌ عضوٌ في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وُلد سنة ١٩١٣م في قرية حيدوس بدائرة ثنية العابد، نشط في منطقة الأوراس، لُقِّب بنبراس جبال الأوراس وباديسها، تُوفي — رحمه الله — سنة ٢٠٠٩م، ودُفن في تازولت (على سبيل الإشارة، رسالة الشيخ البشير الإبراهيمي إليه في الملحق رقم ٩، ص١٦١).
١١  انظر الملحق رقم ١١، ص١٦٥.
١٢  صورة فوتوغرافية لمشهد من مشاهد الإهانة والتعذيب، الملحق رقم ١٥، ص١٦٩.
١٣  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٣٩٣.
١٤  انظر الصفحة الرئيسية لجريدة «الفيقارو» الفرنسية: الملحق رقم ١٣، ص١٦٧.
١٥  عمار بوحوش، «التاريخ السياسي للجزائر من البداية ولغاية ١٩٦٢»، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٩٧م، ص٤٦٠. ورقة التصويت، الملحق رقم ١٤، ص١٦٨.
١٦  مفدي زكريا، «أمجادنا تتكلم»، مؤسسة مفدي زكريا والوكالة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، الجزائر، ٢٠٠٣م، ص١٣٦.
١٧  النشيد الوطني الجزائري. انظر الملحق رقم ١٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠