خاتمة

نظرية المعرفة والعلم

إن الفلسفة — من غير شك — في حاجة إلى عملية إعادة تقويم أساسية لحدودها وقدراتها، حقًّا إن محاولات كثيرة كهذه قد ظهرت خلال تاريخ الفلسفة، ولكن هذه المحاولات كانت تنطوي في معظم الأحيان على قدر من المبالغة في مهمة الفلسفة لا يقل عما استهدفت هذه المحاولات ذاتها انتقاده، وها نحن أولاء — بعد خمسة قرون من التقدم العلمي المستقل بدرجات متفاوتة عن الفلسفة — نعالج في الفلسفة موضوعات مشابهة إلى حد بعيد لتلك التي كانت تعالجها الفلسفة اليونانية مثلًا، والأغرب من ذلك أننا نعالجها بنفس الروح التي كان يعالجها بها الفيلسوف اليوناني، فحين يأتي فيلسوف في عصرنا الحديث بنظرية جديدة في المعرفة، أو في طبيعة العالم مثلًا، نظن فعلًا أن هذه نظرية جديدة، بالمعنى الذي نقول فيه عن التطورية: إنها نظرية، أو عن النسبية: إنها نظرية، ويعرض الفلاسفة المحترفون هذه النظرية كما لو كان شيء جديد قد كُشِفَ، وكما لو كانت إضافة جديدة إلى علوم الإنسان قد حدثت.

ونستطيع أن نلتمس للمفكرين القدماء كل العذر حين كانوا يقدمون فلسفاتهم على هذا النحو، ففي ذلك الحين كان الخلط بين التفكير العلمي والتفكير الفلسفي شائعًا دون أن يتنبه إليه أحد، بل كانت الفلسفة هي ذاتها العلم، وهكذا كان الفيلسوف يخوض ميدان الرياضة مثلًا، فيأتي فيه بآراء تُعَد مساهمة حقيقية في العلم، ويبحث في «الأنتولوجيا» فيأتي بآراء لا تزيد من العلم ولا تنقصه، ويبحث في الفلك فتكون بعض نتائجه إضافات إلى العلم وبعضها الآخر لغوًا لا قيمة له، كل ذلك وهو يعتقد أنه في جميع هذه الحالات يقوم بنشاط فكري «مطرد» و«من نوع واحد»، أي إنه يساهم في معارف البشر حين يبحث — على سبيل المثال — في الأنتولوجيا مثلما يساهم فيها حين يأتي بنظرية رياضية أو فلكية ذات طابع علمي.

ونستطيع أن نقول: إن هذا الخلط ما زال قائمًا في الفلسفة إلى حد بعيد حتى في وقتنا الحالي، على الرغم من الانفصال الواضح الذي حدث منذ أمد بعيد بين مجال الفلسفة ومجال العلم، ويتمثل هذا الخلط في عدم إدراك الطبيعة الحقيقية للتفكير الفلسفي، فما زال الفلاسفة حتى اليوم لا يدركون دلالة ذلك الانفصال الأصيل بين حياة الإنسان الفعلية وبين مضمون معظم النظريات الفلسفية، وما زالوا — في اللحظات القليلة التي يتنبهون فيها إلى مجرد هذا الانفصال — يعزونه إلى نوع من التفاهة أو السطحية لتلك الحياة العملية، التي تُسمى ﺑ «اليومية» أو العقيمة أو الساذجة، ثم يظن الفيلسوف أنه قد تخلَّص بهذه التسمية من تلك الهوة العقيمة التي وضعها تفكيره بين آرائه النظرية وحياته الفعلية.

ولن يتسنى التخلص من هذا التناقض الأساسي بين التفكير الفلسفي وبين العالم الفعلي إلا بإدراك الطبيعة الحقيقية للتفكير الفلسفي، وقد تضمن هذا البحث محاولة لتحليل هذه الطبيعة في مجال من أهم مجالات الفلسفة، وهو نظرية المعرفة، وفي هذا التحليل انتهينا إلى أن المثالية التي تمثل أكثر الاتجاهات الفلسفية شيوعًا في هذا المجال، والتي أثرت آراؤها حتى في كثير من خصومها الظاهريين، هي مذهب تفسيري فحسب، فالنظرية الجديدة في المعرفة لا تضيف شيئًا إلى محتوى المعرفة البشرية، ولا تؤدي إلى تغيير في تصرف الإنسان أو سلوكه إزاء العالم الخارجي، ومع ذلك فكم من المفكرين ينظرون إلى مهمة الفلسفة في هذا المجال على هذا النحو؟ وكم منهم لا يعرضون نظريات المعرفة على أنها فعلًا «نظريات» وعلى أنها تتضمن فعلًا «معرفة» جديدة؟

إن هناك أسسًا عديدة شائعة للتفرقة بين الفلسفة وبين العلم، ولكن هذه الأسس في نظرنا تغفل مسائل رئيسية تتحدد بها العلاقة بين الفلسفة والعلم بصورة أوضح، وهذا الإغفال راجع — قبل كل شيء — إلى الاعتقاد بأن النظريات الفلسفية التفسيرية — التي تكتفي بوصف العالم بلغة أخرى دون أن تغير من محتوى معرفتنا له أو سلوكنا فيه شيئًا — هي نظريات بالمعنى العلمي لهذه الكلمة، ولا بد أن يعدل هذا الفهم لطبيعة نظريات الفلسفة، وبالتالي مشكلاتها، على نحو يزيد من إيضاح الفارق بين التفكير الفلسفي والعلمي، ولنُشِرْ هنا إلى بعض العناصر الرئيسية لطبيعة النظريات والمشكلات الفلسفية في علاقتها بالنظريات والمشكلات العلمية كما تُسْتَخْلَص من هذا البحث:
  • (١)

    تتميز المشكلات الفلسفية بنوع من الثبات لا يمكن أن يتمثل في مشكلات أي فرع من فروع العلم، ولو تأملنا قائمة المشكلات الرئيسية، التي يحاول كلٌّ من العالم والفيلسوف الإجابة عنها في عصور مختلفة، لوجدنا الفارق هائلًا بين تغير الأولى وثبات الثانية، فالأسئلة الرئيسية التي كانت تحير العلم أيام نيوتن مختلفة عنها أيام لافوازييه أو أيام دارون، بل هي اليوم تختلف من عقد إلى آخر، وفي بعض الأحيان من سنة إلى أخرى، أما أسئلة الفلسفة فتكاد تظل كما هي، إذا استثنيا إضافة مبحث فلسفي جديد — كالبحث في القيم أو علم الجمال — من آن إلى آخر، وإن تكن الأسئلة الرئيسية في هذه المباحث الجديدة تظل بدورها متماثلة، فالفلسفة تنفرد بتلك الظاهرة الغريبة، وهي أن الأسئلة التي كان يتساءلها أفلاطون وأرسطو منذ أكثر من ألفي عام لا تبدو غريبة في نظر دارسيها المعاصرين، بل إنها تؤلف جزءًا كبيرًا — وفي نظر البعض الجزء الأكبر — من المشكلات التي تحاول الفلسفة اليوم إيجاد حل لها، بل إن نفس إجابات القدماء على هذه الأسئلة ما زال لها احترامها، وما زالت تُعَد إجابات قابلة للمناقشة في الأوساط الفلسفية، وهذا وضع غريب تنفرد به الفلسفة عن جميع علوم البشر وأبحاثهم، والمهم في هذا الوضع هو أن نحاول تعليله؛ إذ إنه — مع كونه معترفًا به لدى الأغلبية الكبرى من الفلاسفة — لا يعلل تعليلًا شافيًا على الإطلاق.

    وفي رأينا أنه إذا كان هناك ما يُسَمَّى بالعنصر الثابت في الفلسفة، فإنه راجع إلى ارتباط الفلسفة بالموقف الطبيعي لا العلمي، فكل المعارف التي ترتبط بالموقف العلمي تتطور مع العلم في تاريخه الذي سار في تغير مطرد كان بطيئًا أول الأمر، ثم أصبحت سرعته الآن لا تكاد تسمح بملاحقته، أما الموقف الطبيعي فلا تغير فيه: فإدراك الإنسان للعالم الخارجي هو هو لم يتغير، ولا نستطيع أن نقول: إن الإنسان كان يدرك الجبل أيام أفلاطون بطريقة تختلف عن طريقة إدراكه له اليوم، أو كان يستخدم قدميه في تسلقه بطريقة مغايرة، وكما قلنا من قبل، فإن الفلسفة قد اتخذت من هذا الموقف الطبيعي موضوعًا لتفكيرها، وإن تكن في معظم الأحيان قد أتت «بنظريات» تخالفه (على المستوى الفكري لا العملي)، وفي رأينا أن هذا الارتباط بين موضوع التفكير الفلسفي وعناصر الموقف الطبيعي هو الذي أضفى على المشكلات الفلسفية هذا الثبات، وإذا كانت الفلسفة هي المبحث الوحيد الذي لم يطرأ عليه تغير يناظر أو يقترب من تغير أبطأ العلوم تطورًا؛ فذلك راجع أيضًا إلى أنها هي المبحث الوحيد الذي لا يملك من المنهج ومن الأساليب أو الوسائل ما يمكنه من النظر إلى موضوعاته من الزاوية العلمية، وإنما يضطر إلى اتخاذ نقطة بدايته من عالم الإنسان كما يحيا حياته اليومية، فما حدث عندما قال باركلي — مثلًا — بلا مادية العالم الخارجي، لم يكن تجربة علمية توصل منها إلى أي شيء، ولم يكن نظرة إلى موضوعات إدراكنا بوسائل غير الوسائل التي ندركها أو نفكر فيها بها، وإنما قال: «إن نفس هذه المنضدة التي أدركها في موقفي الطبيعي على أنها مادية لا بد أن تكون غير مادية؛ لأن استدلالاتي المنطقية التي طبقتها عليها تؤدي إلى هذه النتيجة.» ولما كانت هذه المنضدة ذاتها — أو «الأشياء» المحيطة بنا — هي نفسها موضوع تفكير أفلاطون وأرسطو وديكارت وكانت (مع اختلاف النتائج التي وصلوا إليها بشأنها)، فليس من الصعب عندئذ أن نفسر ثبات موضوعات التفكير الفلسفي.

    والذي يحدث هو أن الباحثين في نظرية المعرفة — من الفلاسفة — كانوا يعملون على تحليل الطريقة التي يعرفون بها هذا العالم المحيط بنا — وهو نفس العالم على الدوام — عن طريق ما يمكن أن نسميه ﺑ «الاستبطان المعرفي»: أي إن كلًّا منهم كان يرقب ما يحدث في نفسه حين يقول إنه يعرف، وعلى أي نحو تكون علاقته بالموضوعات عندئذ، ثم يطلع علينا بنظريته، ولا شك في أن اتجاه ونتيجة هذه النظرية — ولا سيما من حيث مخالفتها أو موافقتها للموقف الطبيعي — يتوقف على العامل «المعنوي» الذي أشرنا إليه في الفصل السابق، ولكن المنهج الذي يتبعه الفيلسوف، والوسائل التي يبرر بها نتائجه، لا تعدو أن تكون ملاحظة ووصفًا لما يحدث بالفعل خلال تلك العملية التي يسميها بعملية المعرفة، وهنا أيضًا نجد مبررًا لثبات الأبحاث الفلسفية في هذا الميدان الذي لا يمكن أن يطرأ على الوسائل المتوافرة لدى الفلاسفة فيه تغير.

    وإذن، ففي وسعنا أن نجد تعليلًا لثبات الأبحاث الفلسفية — في ميدان نظرية المعرفة — بتأمل «موضوع» تلك الأبحاث، وهو الذي يتخذ نقطة بدايته من عالم الأشياء كما تتبدى للإنسان في موقفه الطبيعي، وبتأمل «وسيلة» أو «منهج» تلك الأبحاث، وهو تحليل الفيلسوف لتجربته في المعرفة، وهي تجربة قد يتغير محتواها ولكن شكلها وإطارها الرئيسي لا يتغير، وإذن فالتعليل الوحيد لثبات الأبحاث الفلسفية — في الميدان الذي نتناوله في هذا البحث — هو ارتباطها بالموقف الطبيعي، وصحيح أن النتائج التي ينتهي إليها معظم الفلاسفة تخالف هذا الموقف، ولكن المهم في الأمر هو أنه يمثل نقطة بداية الأبحاث الفلسفية، والمعيار الذي تُقاس به الخلافات بين المذاهب.

  • (٢)

    وتؤدي الصفة السابقة مباشرةً إلى صبغ التطور الفلسفي بصبغة تختلف تمامًا عن التطور العلمي، فالتطور العلمي في أساسه تراكمي، يستفيد فيه الجديد من القديم ويكمله ويدمجه — في معظم الأحيان — في نسق أوسع، ومهما حدث من طفرات في العلم فإنها تكون دائمًا متأثرة بالتطورات السابقة، وباعثة لسلسلة جديدة من التطورات، أما الفلسفة فإن مسارها ليس تراكميًّا على الإطلاق، ولا يمكن أن يُقال: إن التطور فيها من القديم إلى الجديد يتم بانتظام حسب تسلسل منطقي، وليس معنى ذلك أن التاريخ لا قيمة له في تطور الفلسفة، فتأثر الفيلسوف بعصره وبالتيارات السابقة عليه أمر لا يُنكَر، ولكن النتائج والحلول التي يتوصل إليها الفلاسفة ليست متكاملة بالضرورة، بل إن أي فيلسوف يستطيع أن يتخلى تمامًا عن جميع السوابق، ويأتي بحل — أو على الأصح بتحليل — جديد للمشكلة دون أن يلومه أحد على تجاهل الحلول السابقة، كذلك فإن دارس الفلسفة يستطيع أن يرفض رأي أي فيلسوف حديث في مشكلة ما، ويفضل عليه رأي فيلسوف قديم، دون أن يجد أحد في هذا أية غرابة، وهكذا رأينا «هويتهد» مثلًا يقول: إن أحدًا لم يفق أفلاطون، وهي عبارة لا تطلق بمعنى أن أفلاطون متفوق على غيره نسبيًّا فحسب، بل قد تُسْتَخْدَم كذلك بمعنى مطلق، أي بمعنى أننا نستطيع أن نجد لدى أفلاطون حلولًا للمشاكل الفلسفية تفوق كثيرًا من الحلول الحديثة، أو على الأقل استباقًا لمعظم المشاكل التي انشغلت بها الفلسفة حتى الآن، وهكذا أيضًا كنا نجد في الفلسفة حركات إحياء لاتجاهات فكرية قديمة يُنْظَر إليها على أنها هي التي أتت بالحل الصحيح لمشاكلنا الحالية: فالكانتية الجديدة تظهر بعد قرن من وفاة الفيلسوف الذي انتسبت إليه، بل إن «التومية الجديدة» تظهر بعد «توما الإكويني» بسبع مئة عام، وتتخذ من فلسفته مرجعًا، دون أن تضيف إليها سوى بعض التفسيرات أو التفصيلات التي لا تؤدي إلى تغيير جوهري في الأصل.

ولقد كان كانت من الفلاسفة القلائل الذين لم يكتفوا بإدراك هذا الفارق بين تطور الفلسفة وتطور العلم، بل رأوا أنه يمثل نقصًا في الفلسفة، وأخذوا على عاتقهم تدارك هذا النقص، ففي مستهل تصدير الطبعة الثانية ﻟ «نقد العقل الخالص» ينعى كانْت على الفلسفة افتقارها إلى الدقة العلمية، ويرى أن معيار هذا الافتقار إلى الدقة هو توقف المعرفة بعد جهود متواصلة متكررة، وبعد أن يبدو أنها قد اقتربت من هدفها، ثم اضطرارها إلى الرجوع والبدء من جديد، وعدم اتفاق المشتركين فيها على أية خطة مشتركة للعمل، وهذه الصفات كلها في رأي كانت تتجمع في الميتافيزيقا، وهكذا حدَّد كانت هدفه منذ البداية بأنه جعل الميتافيزيقا تسير في «طريق العلم المأمون» الذي تستطيع فيه التخلص من عيوبها القديمة هذه وتسير في الطريق الذي تقدمت العلوم بفضل سيرها فيه، أي أن تصبح الميتافيزيقا معرفة يكمل الجديد فيها القديم ويستفيد منه، ولا يحاول الحلول محله وإخراجه تمامًا من الميدان.

وإذن، فها هو ذا فيلسوف أدرك بكل وضوح ذلك الفارق الذي أشرنا إليه بين تطور الفلسفة وتطور العلم، وركز جهده في محاولة إزالة ذلك الفارق وجعل الفلسفة تقتدي بالعلم في تطوره، ولكن إلى أي حد نجح ذلك الفيلسوف في تحقيق هذا الهدف؟

إن فلسفة كانْت قامت على بضع دعائم أساسية: أولها إمكان الأحكام التركيبية الأولية، ثم رأيه في الزمان والمكان، ولوحة الأحكام وما تؤدي إليها من المقولات، فإذا انهارت هذه الدعائم الأساسية المرتبطة فيما بينها كان في ذلك انهيار للبناء كله، وهذا بالفعل ما حدث بعد فترة وجيزة من وفاة كانت: ففكرة الأحكام التركيبية الأولية ذاتها قد نُقِدَت نقدًا عنيفًا، ونفى كثير من علماء الطبيعة والرياضة أن أحكامهم من هذا النوع، وكان مجرد ظهور الهندسة اللاإقليدية عاملًا على هدم معظم آراء كانت في طبيعة الرياضة، وبالتالي في «الحساسية الترنسندنتالية»، أما لوحة الأحكام التي بُنِيَت عليها آراؤه في التحليل الترنسندنتالي ومعظم تقسيماته وتصنيفاته الفلسفية، فقد كانت لوحة عتيقة سرعان ما ثار عليها المنطق الحديث ولم يعد يربط بينها وبين التركيب الضروري للذهن على الإطلاق.

وهنا يكون من المفيد إلى حد بعيد أن نقارن بين تفكير كانت وتفكير نيوتن: فصحيح أن آراء نيوتن لم تعد هي المسيطرة على العلم اليوم، غير أنها كانت — بلا شك — عاملًا ممهدًا لكل التطورات التالية التي لا يمكن أن تُفْهَم بدونها، وما زالت فيها إلى اليوم عناصر صالحة في ميادين خاصة، ولا سيما الميكانيكا، أما آراء كانت فإن نقد فكرة القضايا الأولية التركيبية هو وحده كفيل بهدمها من أساسها.

وإذن فمن الممكن أن ينهار المذهب الفلسفي من أساسه دون أن يبقى منه شيء إذا كانت مقدماته باطلة، ويظل التطور الفلسفي يتم عن طريق «الاستبدال»، أي سعي كل مذهب إلى الحلول محل الآخر بدلًا من تكملته، وهكذا لم يستطع كانت على الإطلاق أن يوجه الميتافيزيقا في «طريق العلم المأمون»، وظلت الفلسفة من بعده تبدأ على الدوام بدايات جديدة كلما بدا لها أنها اقتربت من هدفها.

•••

هكذا كان طابع الفلسفة النظرية منذ بدايتها إلى اليوم: مجموعة من المشاكل التي لا يطرأ عليها تغير أساسي، ومذاهب تأتي بحلول «استبدالية» لا «تراكمية» لهذه المشاكل، وكم تضمن تاريخ الفلسفة من محاولات مستمرة للاقتداء بالعلم، كانت تروح على الدوام هباءً نتيجة للاختلاف الأساسي بينها وبين العلم في المنهج والوسائل المتوافرة وطريقة التطور، وكم تضمن كذلك من محاولات للتقريب بينها وبين المبحث الأدبي البحت، ولكن هذه المحاولات كانت تتعثر دائمًا إزاء ادعاء الفلاسفة أنهم يساهمون إيجابيًّا في توسيع نطاق «محتوى» المعرفة البشرية.

ولو نظرنا إلى أهم المسائل التي كانت موضوعًا للبحث الفلسفي حتى اليوم لوجدنا أنها تتعلق بالتساؤل عن أمور يعدها الموقف الطبيعي حقائق مسلمًا بها، وهو تساؤل كان في معظم الأحيان ينتهي إلى التشكيك في هذه الحقائق أو إنكارها، وهكذا يتساءل الفيلسوف عن وجود الذات أو وجود العالم الخارجي وعن إمكان المعرفة … إلخ، ولهذا النوع من الأبحاث نتيجتان ممكنتان: فإذا انتهى الفيلسوف من أبحاثه إلى نتيجة إيجابية — وهذا يتمثل في فئة قليلة من الفلاسفة — فكل ما يفعله هو الرجوع إلى النقطة التي يبدأ منها الإنسان العادي، والتي يسلِّم فيها بأن لديه معرفة، وبأن هناك عالمًا خارجيًّا وذوات أخرى … إلخ، أما إذا انتهى الفيلسوف إلى نتيجة سلبية فإن النتيجة هي التشكيك في أبسط وقائع الموقف الطبيعي، والانتهاء إلى تلك الحالة التي يتناقض فيها التفكير النظري مع السلوك العملي أشد التناقض، وهكذا تنفرد الفلسفة بأنها ذلك المبحث الذي يقضي فيه أناس متخصصون حياتهم كلها في التأمل والتفكير، وينتهون آخر الأمر إلى أن العالم الخارجي غير موجود، أو أن وجود الذوات الأخرى أمر مشكوك فيه، في الوقت الذي لا يكفون فيه عن التعامل مع موضوعات ذلك العالم الخارجي أو مع الذوات الأخرى على نفس النحو الذي يتعامل به معهما مَنْ يكتفي بالموقف الطبيعي.

وأعترف هنا في خاتمة هذا البحث — كما اعترفت في مقدمته — بأن دهشة «الإنسان العادي» واستنكاره لمحاولة التشكيك في «وجود العالم أو وجود الذوات الأخرى» لم تفارقني لحظة واحدة طوال دراستي الفلسفية، وإني لأعتقد أن مثل هذا «الإيمان الطبيعي» — بما يتميز به من قوة شديدة، وبفضل عملية التحقيق المستمرة التي يثبت بها سلوكنا العملي أن الموقف الطبيعي هو الوحيد المتسق مع نفسه في مجاله الخاص — كفيل بأن يؤدي بالمرء إلى رفض المواقف المثالية دون أي تأثر بحججها البارعة، ومع ذلك، فإن هذه الحجج قد نوقشت بشيء من التفصيل في هذا البحث الذي لم نلجأ فيه — كما يفعل الكثير من خصوم المثالية — إلى مجرد الإهابة بذلك الإيمان الطبيعي واستنكار المثالية على هذا الأساس وحده؛ ذلك لأن الحجج المثالية قائمة، وكثير منها قوي لا يسهل التخلص منه، ولكن الإيمان الطبيعي كفيل من ناحية أخرى بأن يقنع المرء بضرورة وجود خطأ أو مغالطة في هذه الحجج، وهكذا تبدأ محاولة التفنيد.

إن من العسير إصدار أحكام على المستقبل في ميدان من ميادين المعرفة فريد في بابه كالفلسفة، ولكني أستطيع أن أقول: إن يومًا سيأتي على الفلاسفة يكفون فيه عن إثارة مثل هذه المشاكل المتعلقة بالتشكيك في الموقف الطبيعي أو إنكاره، حقًّا إن الفلسفة ظلت تناقش مثل هذه المشاكل منذ خمسة وعشرين قرنًا، غير أن العصر الحاسم الذي نعيش فيه، والذي تتغير فيه وقائع أقدم عهدًا من ذلك التاريخ، سيشهد حتمًا تغييرًا مقابلًا في ميدان الفلسفة، وسيجيء اليوم الذي ينظر فيه الفلاسفة أنفسهم بدهشة إلى كل مَنْ يخطر بباله سؤال مثل: هل الأشياء الخارجية أو الأذهان الأخرى، موجودة؟ أجل، سيجيء اليوم الذي يعرف فيه الفلاسفة حدود الموقف الطبيعي وحدود الموقف العلمي، ولا يخلطون كلًّا بالآخر، والذي يدركون فيه أن هذا الموقف الطبيعي هو الوحيد الممكن في حدوده الخاصة وبالنسبة إلى أغراضه الخاصة، وعندئذ لن يصبح للفلسفات المثالية — بالمعنى الذي استخدمناه هنا — أي مبرر، ولن يظهر ذلك النمط من المفكرين الذين يقضون حياتهم في سبيل إثبات فكرة يكذبها سلوكهم العملي نفسه في كل لحظة، ولا تؤدي — حتى إذا أخذ بها — إلى أي تغيير في هذا السلوك، أو إلى إضافة أي شيء إلى «محتوى» المعرفة البشرية أو حذف أي شيء منه.

ومما لا شك فيه أن مجال الفلسفة — كما نعرفها اليوم — سيضيق كثيرًا إذا حدث مثل هذا التطور؛ إذ إن معظم المسائل التي تُثار اليوم في الفلسفة تتخذ من رفض الموقف الطبيعي نقطة بداية لها، ولكن سيظل للفلسفة مع ذلك مجالها الخاص، في حدود جديدة يختفي فيها التنافس القديم بينها وبين العلم، ذلك التنافس الذي جعل الفلاسفة يظنون حتى اليوم أنهم يأتون فعلًا بنظريات جديدة عن العالم، وأن آراءهم تؤدي إلى تغيير فعلي في محتوى المعرفة، وسيتحدد مجال الفلسفة بوصفها مبحثًا إنسانيًّا humanistic يتضمن تعميمات «مستمدة» من عدة مجالات أخرى، ومحاولة لتنظيم التجارب البشرية في شتى الميادين، واستخلاص أحكام عامة منها و«تاريخًا» لتطور الفكر البشري في اجتهاداته الصائبة والباطلة، وسجلًّا للانتقال التدريجي البطيء من التفكير الخرافي القديم إلى التفكير العلمي الحديث، ولسنا ندَّعي أن هذا تعريف أو تحديد للمجال الوحيد الذي يمكن أن يدور في نطاقه التفلسف، وكل ما في الأمر هو أن الفلسفة لو سارت في هذا الطريق فستكون فرص بقائها في عالم المستقبل أعظم كثيرًا منها لو ظلت تؤكد أن الأشياء الخارجية غير موجودة، وأن أحدًا لا يوقن بوجود الآخرين أو بوجود الذات، وأن أولى خطوات التفلسف هي رفض الموقف الطبيعي للإنسان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١