الحرية الدينية والاجتماعية بين جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين

أما حرية جمال الدين، فكانت حرية عقل، وحرية سياسية ولغوية.

كان يرى أن أولى الأمور بالتحرير، تحرير العقل من الخرافات والأوهام، بل كان يرى أننا ما لم نحرر العقل، فالمجالس النيابية عمل ضائع، ومجهود فاشل.

فقيمة المجالس النيابية برجالها، ويقول: «هبوا أن مجلسًا نيابيًّا أنشئ من قوم جامدين فستجدون أن حزب الشمال لا أثر له، وسيفر الأعضاء كلهم إلى حزب اليمين «المناصر للحكومة»، وسيكونون كلهم آلة صماء، وسيرى كل عضو أن مناقشة الحاكم الحساب قلة أدب وسوء تدبير وتهور لا محل له، لذلك يجب تحرير العقول والنفوس قبل إنشاء المجالس، ولذلك كانت أكثر دروسه وأحاديثه في المجالس دعوة إلى تحرير العقول.

وأما حريته الدينية فتظهر في أنه لم يفهم من الحرام ما فهمه الناس فقط، من ترك الصلاة، وأكل الربا ومال اليتيم، ولحم الخنزير، بل رأى الحرام أكبر من ذلك، وأن هناك أيضًا أشياء تحرم لأنها تضر الوطن، فعدم الجهاد لتحرير البلاد، والاستكانة للأجنبي المحتل، والشح بالمال عما ينفع الوطن، والرضا بحكم الحاكم الظالم، وعدم الثورة عليه، كل ذلك أيضًا حرام دينًا، كحرمة أكل الربا ومال اليتيم، ولذلك هب في الناس يدعوهم إلى الثورة على الظلم، وخطب فيهم يقول: «إنكم — معاشر المصريين — قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون وأنتم تحملون عبء نير الفاتحين، وتحتملون وطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتكم الحيف والجور، وتُنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون، بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم الذي يجمع من عرق جبينكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم صامتون، فهل أنتم صخرة ملقاة قي الفلاة، لا حس لكم ولا صوت؟!».

بل من أجل ذلك انتسب إلى حزب الماسونية؛ لأنه يدعو إلى الحرية والإخاء والمساواة، فلما دخل فيه رآه يحرم الكلام في السياسة، فقال لهم: «أول ما شوقني للعمل معكم عنوان كبير خطير، حرية وإخاء ومساواة، وإعلان أن غرض الماسونية منفعة الإنسان وسعي لدك صروح الظلم وتشييد معالم العقل، ولكن راعني أنها تقول: إنها لا تتدخل في السياسة، وإذا كانت — وبين أعضائها كل بناء حر — لا تستعمل آلاتها في هدم القديم وبناء الجديد على أساس من الحرية الصحيحة، فلا كانت الماسونية، ولا حملت يد الأحرار مطرقة، ولا قاموا ببناء».

ومن اجل ذلك استقال من هذه الجمعية، وأسس جمعية ماسونية جديدة على مبادئه، ومن أجمل ما صنع أن خصص جماعة لكل مرفق من مرافق الحياة العامة، فقوم يشرفون على الحقانية، وقوم على المالية، وقوم على الأشغال العمومية، وقوم على الجهادية، إلخ.

وكان كل قوم مخصصين لمرفق من المرافق عليهم أن يدرسوه، ويعرفوا نقائصه، ويطالبوا بإصلاحه حسبما يتبين لهم من دراستهم.

ورأى أنه لا بد أن يدعم كل ذلك برأي عام متنور، وأنه إذا تم ذلك من تكون دارسين للمسائل، ورأي عام يسندهم أمكن المجلس النيابي حينئذ أن يتكون، وأن يكون له صوت مسموع، وكان محتويًا على أعضاء اليمين وأعضاء اليسار، وأمكن أن يفهم أن له حقًّا في الرأي وحقًّا في الحكم وحقًّا في التنفيذ، ومن غير ذلك، يكون مجلس النواب لا قيمة له … ضعيف اليقظة، قليل الشجاعة.

•••

وكان يرى — رحمه الله — أن الدين لا قيمة له إلا إذا علم أتباعه ثلاث خصال: «الحياء، والأمانة، والصدق» وأن هذه الأسس هي علة العمران، وعليها تتوقف سعادة الإنسان.

وكان يرى أن واجبه أن يشيع بين المصريين الأمل في النجاح، وأن يزيل ما حل بهم من اليأس، وأن يكونوا على استعداد دائم لصد من هاجمهم، وطرد من احتلهم أو استعمرهم، فلا حياة مع الذل، ولا سعادة مع اليأس.

وكان يرى أن موقف المسلمين من حيث اللغة يجب أن يكون حرًّا أيضًا، فكان يرى أنه إذا جاز للبدوي العربي أن يخلق كلمات، وأن يحور كلمات، فلماذا لا يجوز له هو ذلك، وهو متعلم أكثر من البدو، ومتحضر لا كالبدو …؟! ولذلك قال: «ما المانع من أن أقول: بقروت، كما قال العربي: جبروت»، ومن كلماته البديعة قوله: «اللغة العربية وسعها البدو في البراري والقفار، وضيقها الحضر في المدن والأمصار» وقال له رجل — وجمال الدين ينطق بكلمة لم ترد على لسان العرب: «إن هذه الكلمة لم تسمع» فهز كتفه؛ استهزاءً به.

•••

وأما قاسم أمين فكانت حريته من نوع آخر: حرية اجتماعية، لا سياسية ولا دينية، وذلك بفضل نوع تعليمه؛ فقد تعلم في مصر تعليمًا عصريًّا، وتعلم في أوربا تعليمًا مدنيًّا، والذي يعيش في أوربا — ولو زمنًا قصيرًا — يدرك ما للمرأة فيها من أهمية، ويكاد أن لا فرق بين الشرق والغرب إلا المرأة، فالمرأة هي التي تربي أبناءها وبناتها وهي بهجة حياتهم، وعماد شؤونهم كلها.

وليس هناك ما يمنع المرأة المصرية من أن تكون كالمرأة الأوربية، فهي جميلة ذكية مرحة خفيفة الروح، ليس يصدها عن تبوُّء مكانتها إلا الجهل والحجاب، وكلاهما يمكن التغلب عليه، فلأدعُ إلى السفور، ولأدع إلى تعلم المرأة، فإذا نجحت في الدعوة خطوت بمصر وبالعالم العربي خطوة كبيرة، ليست قاصرة على النساء، بل هي للرجال أيضًا، فالرجل ابن المرأة، فدعا دعوته المشهورة في كتابه «المرأة الجديدة»، وكم لاقى من عناء، وكم سُبَّ وكم أُهينَ، وكم رد عليه الجامدون ردودًا شديدة، ولكنه تحمل كل ذلك في ثبات، حتى نجحت دعوته، وبدأ نجاحها في حياته، واستمر نجاحها بعد مماته، وسيتطور السفور من حسن إلى أحسن.

جزى الله جمال الدين الأفغاني وقاسم أمين عن النداء بالحرية بأنواعها أحسن الجزاء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠