جزيرة بلا سياسيين

كان الشيخ محمد عبده يقول: «لعن الله السياسة وساسَ ويسوس وسائس ومسوس، وكل ما اشتق من السياسة، فإنها ما دخلت شيئًا إلا أفسدته».

كل شيء في العالم يتغير حتى الأهرام، عريت بعد أن كانت مكسوة، وحتى «أبو الهول» كسرت الأيام أنفه وعلته الرمال، إلا السياسة الاستعمارية فإنها لم تتغير بوجه من الوجوه، وعقلية الساسة في القرن الثامن عشر هي عقليتهم في القرن العشرين، يظنون أن التهديد والوعيد يرهب الأمم ويقضي عليها وينفذ رغبة المستعمرين … وبعد ضرب الإسكندرية بسبعين عامًا ظلوا يفهمون أن ضرب الإسماعيلية أيضًا ينتج نفس النتيجة مع اختلاف المقدمات اختلافًا كبيرًا؛ فقد كان الرعب يستولي على النفوس، ولم يكن وعي قومي يفهم ألاعيب السياسة ولا شيء من ذلك، ولكن عقلية الإنجليز فهمت أن ما جرب أمس ونجح يجرب اليوم وينجح، أما الفوارق الكبيرة وخصوصًا الفوارق النفسية فقد أغمضوا أعينهم عنها.

كم أود أن أعيش في جزيرة مطمئنة هادئة ليس فيها ساسة، ولكن مع الأسف لا يمكن أن يعيش الإنسان من غير حكومة ومن غير ساسة يسوسون الناس، فكل مجتمع لا بد فيه من مجرمين وأشرار وطامعين ونهابين، فما لم تأخذ الحكومة على يدهم عاثوا في الأرض فسادًا، فلا يمكن لجزيرة أن تعيش من غير حكومة، وكل كتاب اليوتوبيا أو بعبارة أخرى المدن الفاضلة، وأفلاطون نفسه في جمهوريته، لم يُخْلُوا بلادهم التي عدوها مثلًا أعلى من ساسة ومن حكومة.

غاية الأمر أنهم أملوا أن تكون الحكومة فيها حكومة عادلة، حكومة ترعى الأمة ولا تستبد بها، وتأخذ بيدها ولا تمحقها، حكومة متسعة العقل مرنة تتطور مع الأحداث وتعلم أن ما صلح أمس لا يصلح اليوم لا كساسة الإنجليز والفرنسيين لا يتحولون عما في أذهانهم مهما تغيرت الظروف.

ومن أجل ذلك تمنى أفلاطون وأرسطو أن يحكم الأمم فلاسفتها، فهم أطيب نفسًا وأبعد نظرًا، ووجدت الآن حركة ترمي إلى طلب حكومة الفلاسفة، ولكن مع الأسف قد جربت حكومة الفلاسفة فلم تنجح كثيرًا؛ لأن الفيلسوف في العادة واسع النظر، شكاك بحكم فلسفته، وقد دلتنا الخبرة على أن بعيد النظر ضعيف الإرادة، وأن الشكاك عديم الحزم، فلو حكمت الأمم بالفلاسفة دلهم بعد نظرهم على الرحمة بالمجرمين، واعتقدوا أن إجرامهم نتيجة لبيئتهم، وقادهم شكهم إلى التردد في الحكم وعدم التصميم على العقوبة، فكانت الفوضى التي لا نرى مثلها في الساسة غير الفلاسفة، إنما نريد حكامًا لم تخربهم الفلسفة ولا أقعدتهم الصلابة، تنزهوا عن سعة عقل الفلاسفة فقومت إرادتهم، وبعدوا عن الشك فصحت عزيمتهم، وتنزهوا عن ضيق عقل ساسة اليوم فرأوا نتائج الغد على غير ما يرى ساسة اليوم، ولم يشكوا فعظم تصميمهم وكافأوا المجرم على إجرامه والمحسن على إحسانه، نريد ساسة يعلمون أن لكل زمان حكمًا ولكل تطور علاجًا، وقد قرأت أخيرًا كتابًا يدعو إلى علاج الأمور التي تحدث علاجًا مؤسسًا على العلم والدرس لا على البديهة ولا على التقاليد القديمة.

ويحكي هذا الكتاب أن إضرابًا حصل في أمريكا بين صانعي الأحذية مع أن كل المظاهر تدل على أن لا وجه للإضراب، فأجور العمال معتدلة وساعات العمل قليلة، والعمال في رخاء، وعندهم من أوقات الفراغ ما يكفي لمتعتهم ورفاهيتهم، فانتدب جماعة من العلماء القائلين بهذه النظرية للبحث في السبب العميق لهذا الإضراب فانتهوا إلى أن يبحثوا صناعة الأحذية من أساسها؛ ليعرفوا ما الذي سَبَّبَ الإضرابَ، فرأوا أن صانع الأحذية في القديم كان يمر على الناس في بيوتهم فيضيفونه أيامًا ليست بالقليلة ويكرمونه إكرامًا زائدًا، ثم يطلبون منه ما يشاءون من الأحذية فكان فخورًا بذلك، ثم تطور الأمر ففتح صاحب هذه الصناعة دكانًا، وكان يصنع أحذية الناس بيده وبعماله، ثم كان يفخر أيضًا بالحذاء الذي يصنعه، وبعد مرور أدوار طويلة حكاها المؤلف اخترعت الآلات التي تصنع الأحذية، فلم يبق للعامل شيء من فخره فساءت نفسيته وتألم من انحطاطه، فكان هذا هو السبب الحقيقي للإضراب.

•••

نتمنى أن يتعلم الساسة من هذا الدرس، فإذا نفرت أمة من الاستعمار فلا يمكن أن يفرض عليها بالإكراه، وهذا ما يقوله البحث العلمي، فالطفل إذا شب لم تعد تصلح له ثياب الطفولة، والأمة إذا وعت لم تعد تطيق الأساليب العتيقة التي كانت تتحملها من قبل، وخير للأمة المستعمرة أن تجري مع التيار من أن تقف ضده وأن تمرن طائعة من أن تتحول كارهة.

تريد فرنسا أن تستعين على استعمارها بلاد المغرب بالإنجليز المستعمرين لمصر؛ لأن الاستعمار في الأمم كلها نظام واحد، كالعقد إذا انفرطت منه حبة تداعت سائر الحبوب، ومهما كان هذا التعاون فلن يفيد شيئًا في الموقف الحاضر مهما سلحت الأمم المستعمرة بالطيارات والدبابات والمدافع الثقيلة والخفيفة؛ لأن هذه الآلات كلها إن أخمدت الأجسام فلن تخمد النفوس.

يقلد الإنجليز مثلًا في الاستعمار أمة الرومان في استعمارها القديم، ولكن يواجه ذلك أيضًا أن الأمم المغلوبة على أمرها تسلك نفس السبيل الذي سلكته الأمم التي نالت استقلالها، فهي تضحي كما ضحت، وتبذل الأموال كما بذلت، وتستهين بكل ما تبذل في سبيل حريتها.

لا … لا أريد جزيرة بلا ساسة، بل لا أريد جزيرة حكامها عقلاء مدربون، فإن هذه عيشة رخيصة لا يرضاها إلا الخاملون، إنما أريد أمة يحكمها الساسة المستبدون فأحاربهم ويحاربونني وأقاتلهم ويقاتلونني، وأنتصر عليهم وينتصرون عليَّ، وأبذل ما في وسعي من التضحية فإن مت مت موتة كريمة، وإن ظفرت عشت عيشة كريمة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠