الشيطان رجل الساعة

بني العالم على أساس أن الخير فيه ممزوج بالشر مزجًا تامًّا، فلا تكاد تجد خيرًا محضًا ولا شرًّا محضًا … فالنار التي تنضج تحرق، والماء الذي يروي يغرق، والسكين التي تقطع تذبح، وهكذا، وكل شيء في العالم فيه خير وشر، حتى الجمادات … فالزهر الناضر والربيع المنعش والشمس المدفئة والنجوم الزاهرة كلها خير، ولكن بجانبها الصواعق والزلازل والبراكين ونحو ذلك، فإذا انتقلنا إلى النبات، وجدنا الدواء النافع والسم الناقع، وفي الحيوانات الحمل الوديع والأسد الضاري، فإذا وصلنا إلى الإنسان كان ذلك أوضح، فالشرير والمجرم والشهواني بجانبه الراهب والولي والقديس، ولكن الرجل الصالح في العالم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، حتى لا يستطيع الرجل الطيب مهما بلغت طيبته أن يعيش هادئًا مطمئنًّا، ألا ترى إلى غاندي كيف زهد في أعراض الدنيا، وقنع من الحياة بكوب من الماء وكوب من اللبن، وعمل لمصلحة بلاده حتى أوصلها إلى الاستقلال وعمل عملًا صالحًا في الدعوة إلى العطف على المنبوذين والمسلمين … ماذا كان جزاؤه؟ كان جزاؤه القتل من يد شيطان رجيم، ولم ينفعه في الحياة كل ما قدم من خير.

ولما سمع برنارد شو بقتله قال: «إني كنت أقول دائمًا: إن الرجل الطيب عرضة للشر في هذا العالم، وهذا دليل جديد».

وانظر من جهة أخرى كيف أن الإنسان لم تكفه آلات الشر التي اخترعها في الحروب لسفك الدماء وتخريب المدن من غواصات ودبابات، حتى اخترع أخيرًا القنبلة الذرية التي لا تأتي على شيء إلا جعلته كالرميم، ولا يدري إلا الله ماذا سيكون من اختراعات لم تخطر بعد على بال، وبجانب ذلك كله رأسمالية تمتص الفقراء، وأقوال معسولة لا شيء وراءها إلا الشر، وسياسة تحتوي أنواعًا عديدة من الفساد، حتى العلم حوله الإنسان من خير إلى شر، فسخرته الحكومات لاختراع آلات الهلاك، وسخر الساسة التاريخ لخدمة الأغراض حتى قلبوا الحقائق وجعلوها محشوة بالأباطيل … فإلى أي جهة ننظر نرى الشيطان باسطًا جناحيه، يغزو الخير دائمًا وينتصر عليه دائمًا، والناس عادة يقولون: لا بد من أن الحق ينتصر، ولكن أين ذلك، ونحن نرى دائمًا الحق للقوة، وقلما نرى خيرًا في القوة؟ إن كان ذلك حقًّا فصبر طويل جميل حتى يخمد صوت الشيطان وتضعف سلطته، وهيهات أن يكون ذلك.

•••

إن في استطاعة الإنسان أن يحول كل خير إلى شر، فهو يحول السكين إلى قتل، والقلم إلى سب وهجو، والنار إلى تدمير، والدين إلى تدجيل، وأي شيء في الوجود لم يفسده الإنسان؟ وآية ذلك أنك لا تستطيع إن سألتك أن تدلني في العالم على خير محض، بل كان من شرور العالم أنه في كثير من الأحوال لا ينال الإنسان الخير إلا بالشر، كالذي قال معاوية: «إنا لا نستطيع الوصول إلى الحق إلا بالخوض في كثير من الباطل».

ألا ترانا في هذه الأيام لا نستطيع الحصول على حريتنا إلا بضحايا كثيرة: من سفك دماء وتخريب وضياع أنفس وأموال، واستمرار في ذلك عهدًا طويلًا وأمدًا بعيدًا؟ وحتى الظالم الذي يظلم، والمستبد الذي لا يرحم، والمستعمر الظالم لا يتأتى له الوصول إلى غرضه إلا بقتل وتخريب وتعذيب، فهو أيضًا عرضة للقتل كالذي يدافع عن حريته، ونتيجة ذلك أن المطالب بحريته — وهي خير — لا بد له من شر، والكابت للحرية — والكبت شر — لا بد أن يكبتها بالشر، فالشر لا بد منه في الحالين.

والإنسان دائمًا تتعارك في نفسه دواعي الخير ودواعي الشر سواء كان خيِّرًا أو شريرًا … غاية المر أن الرجل الخيِّر من أجاب دواعي الخير أكثر مما يجيب دواعي الشر، والرجل الشرير من أجاب دواعي الشر أكثر مما يجيب دواعي الخير، فليس الإنسان ملَكا كريمًا ولا شيطانًا رجيمًا، بل أحيانًا يتصف بصفات الملائكة وأحيانًا يتصف بصفات الشياطين، ودواعي الشر هذه هي نوع مما اصطلح الناس على تسميتها بالشياطين، وهي أكثر أنواع الشياطين تلعب على الإنسان في كل حين وتضل العابد وتذل الراهب.

وعمل الأنبياء والمصلين دائمًا أن يقوّوا في الإنسان دوافع الخير ويضعفوا فيه دوافع الشر.

•••

وكما في الجن شياطين ففي الإنس شياطين، وعلى رأس هؤلاء الشياطين رجال السياسة في الأمم المستعمرة … فقد لبستهم شياطين الجن، فكانوا إنسًا في الظاهر شياطين في الباطن، وبذلك كانوا أسوأ من شياطين الجن، لا بأس عندهم أن يسخروا أفراد أمتهم للعسف والقتل ويزهقوا أرواحهم في التنكيل بالأمم الأخرى، وهم متربعون على كراسيهم غارقون في ترفهم ومتعهم … فحفنة قليلة من قادة الساسة تلعب بملايين البشر وتضحك على عقولهم بالنياشين والرتب والألقاب، وأحيانًا بما يسمونه الوطنية، وقد قدروا بذلك على التنكيل بالناس أكثر مما قدر شياطين الجن، والناس بعدُ لم يفهموا أن قادتهم السياسيين يضلونهم ويسممونهم بالأفكار، ولو عقلوا لالتفتوا إليهم قبل أن يتجهوا إلى الأمم المستعمرة، فينكلوا بهم ويطيحوا برؤوسهم ويستريحوا منهم، ونحن على الآن سننتظر أن يحل محلهم ساسة تتقمصهم الملائكة فيدعون إلى الإنسانية لا إلى الوطنية، ويستخدمون الذرة في العمران لا في التخريب، ولكن مع الأسف قد يطول انتظارنا طويلًا وطويلًا جدًّا.

•••

وليس عصرنا هذا ببدع، فالعالم دائمًا تتنازعه هاتان القوتان وتغلب فيه قوة الشر، وقد كتب بديع الزمان الهمذاني رسالة لطيفة أبان فيها أن الناس من عهد آدم كانوا أشرارًا حتى نسبوا إليه أنه قال:

تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الأرض مغبر قبيح

وبعد ذلك قال الشاعر:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ويوم فتح مكة، قالت امرأة لأخرى: «اسكتي يا فلانة؛ فقد ذهبت الأمانة»، ولا زال يتتبع حوادث الشر في العالم جيلًا بعد جيل بأسلوب جميل، ولو عاش في عصرنا لتمثل بشرور الحرب العالمية الأولى والثانية، ولتمثل بقتل الناس لرجل كبير داع إلى الخير واقف في وجه الشر محرر للبلاد من الأعداء … ولعجب أن يقتل مثل هذا وينعم داعي الشر محب الفساد ناشر الضلالة في العباد، ثم ختم رسالته البديعة بقوله: «والله ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس».

•••

كم أتمنى أن يبعث إلى الأرض سليمان من جديد فيحبس الشياطين في القماقم، ويسخرهم في الأعمال الشاقة، ويطلق الملائكة من عقالها فتسرح في الأرض وتمرح، وتميت دوافع الشر وتحيي دوافع الخير، وتهدم الاستعمار من أساسه، وتقضي على الرأسمالية ومفاسدها وتدعو دعوات جديدة ليست بهذه ولا بتلك.

إن الناس المتفائلين قد أملوا ذلك ورجوا أن يأتي يوم يغلب فيه الخيرُ الشرَّ، ولكن هل يتحقق أملهم، ويسود ظنهم إن قريبًا وإن بعيدًا، أو سيكون الأمر كما قال بديع الزمان، فيستمر فساد الناس ويطرد القياس؟! علم ذلك عند الله …!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤