الدنيا رواية

نعم … إنها رواية، ولكن مسرحها كبير جدًّا، هو وجه الأرض كله، ولسعة المسرح أمكن أن نمثل عليه عدة روايات في وقت واحد، ففي جانب منه قد تمثل كوميديا «ملهاة»، وفي جانب آخر قد تمثل تراجيديا «مأساة»، والذي يجعلنا نعتقد أن الدنيا رواية هو الشبه التام بين ما يجري في الدنيا، وما يجرى في الروايات، فنحن نشهد في الرواية التمثيلية في ساعتين أو ثلاث، ثم ننفعل لها انفعالًا قويًّا أو ضعيفًا، ضاحكًا أو باكيًا، ثم ننصرف وننسى كل شيء، وكأنه لم يكن.

والدنيا كذلك … ملك، أو غني، يتمتع مدة محدودة، ثم يزول عنه غناه أو ملكه، فيعيش بائسًا أو فقيرًا، أو يدركه الموت، فيبكي عليه أَهله لحظة أو لحظات، ثم ينسى وكأنه لم يكن، أو فقير بائس يتضور جوعًا وبؤسًا، ثم يدركه الموت وكأنه لم يكن بؤس ولا بائس، ورجل وجيه تذل له النفوس وتخضع له الرقاب، ثم لا جاه ولا ذكرى … فأي فرق بين هذا كله وبين الرواية؟

وأكثر خطأ الناس يأتي من نسيانهم أن هذه الأشياء التي يرونها في الدنيا رواية، ويحسبون أنها حقائق واقعة، وأنها أبدية لا تزول، فيظنون أن الضحك يبقى ضحكًا أبدًا، مع أنهم يشاهدون كل يوم تغيرًا طارئًا، فغني يفتقر، وفقير يغتني، وكل هذا شأن الروايات لا شأن الحقائق.

والفيلسوف الذي يؤمن بأن الدنيا رواية لا ينفع كثيرًا، ولا يلتذ كثيرًا، ولا يتألم كثيرًا؛ لأنه يؤمن أن كل ما في الدنيا مسائل اعتبارية، كالذي في الروايات تمامًا، فالملك على مسرح الرواية التمثيلية ليس ملكًا حقيقيًّا، ولا العامل الحقير في الرواية يبقى عاملًا حقيرًا، بل متى انتهت الرواية تغير كل شيء، والناس في الحياة شأنهم شأن الممثلين … قد ينجح الممثل، فيمثل دوره أحسنَ تمثيل فيصفق له الناس، ويشتهر وينال الحظوة، وقد يفشل في التمثيل فيشمئز منه الناس ويحتقرونه ويهزأون به.

كذلك الحياة الواقعية … من الناس من يكون عالمًا ناجحًا، أو تاجرًا ناجحًا، أو أديبًا ناجحًا، فيصفق له الناس ويحظى عندهم، وقد يكون فاشلًا، فيهزأ به الناس ويسخرون منه، وينصرفون عنه، ثم ينسى الناجح والفاشل، سواء في الرواية أو في الدنيا.

لو أدرك الناس هذه الحقيقة الصغيرة ما تخاصموا هذه الخصومات الشديدة، ولما أقاموا الدنيا وأقعدوها على توافه الأمور، ولجأوا إلى المحاكم، وسخروا المحامين والقضاة وقوة التنفيذ ظانين أن ما ينالونه قد نالوه أبدًا، وما خسروه قد خسروه أبدًا، وما ذلك كله إلا رواية، لكل شيء فيها حين.

ألا يستسخف الناس ممثلًا غضب من ممثل آخر لشيء تافه، يعيش ساعتين أو ثلاثًا ثم يزول؟!

•••

وهناك درس عميق نستطيع أن نتعلمه من أن الدنيا رواية، وهو أننا في الروايات لا نقدر الشخص بمركزه الروائي إنما نقدره بأداء ما عهد إليه به على خير وجه، فإذا كان في الرواية ملك أو صعلوك، فلسنا نقدر الملك تقديرًا كبيرًا؛ لأنه ملك في الرواية، ولا نحتقر الصعلوك؛ لأنه يمثل دور الصعلوك، إنما نقدر كلًّا من الملك أو الصعلوك بحسب إتقانه للدور الذي يلعبه، بل إننا نقدر الصعلوك الذي أتقن دوره أكثر من الملك الذي لم يتقن دوره، هكذا ينبغي أن يكون الشأن في الدنيا؛ فكناس الشارع الذي يؤدي واجبه على أحسن وجه ينبغي أن يكون خيرًا من رئيس المصلحة الذي لا يؤدي واجبه على الوجه الأكمل، والجندي الذي يقف في مفترق الطرق ينظم حركة المرور، ويراعي في إتقان مسير الحوادث، خير من ملك يفرط في كل شيء.

بل إن الدنيا بدولها لا بأفرادها قد تمثل كذلك رواية، دولة مجدها إلى السماء، ولا تغرب الشمس عن أملاكها، ثم تأتي عليها الحوادث التي لا قِبَلَ لها بها، فإذا هي لا شيء، ودولة ضعيفة لا حول لها ولا طول يبسم لها وجه الزمان، فتأخذ في القوة شيئًا فشيئًا، حتى تصبح أعز أمة على وجه الأرض، إن شئت فانظر إلى الرومان والفرس مع العرب، لقد كانت الدولتان الأوليان تقتسمان سيادة العالم، وتهزآن بالعرب وحركتهم، بل كان العرب أنفسهم يستصغرون حالتهم بجانب الفرس والروم، ثم فتحهما العرب وأخضعوهما لحكمهم، أو إن شئت فانظر في العصر الحاضر إلى اليابان كيف كانت، وإلى أين صارت، وقديمًا قالوا: «الدنيا دول»، وقالوا: «من سره زمن ساءته أزمان».

وهكذا الشأن في الرواية التمثيلية، جماعة يبلغون الأوج، وجماعة ينزلون إلى الحضيض في ساعات محدودة، بل لو وسَّعنا نظرنا لوجدنا رواية الدنيا يمثل فيها الحيوان والنبات أيضًا، فنبات سرعان ما يفنى ولا يستطيع أن يصبر على حوادث الزمان، ونبات جلد صبور، يواجه الأحداث بقوة وثبات، ونمل ونحل يمثلان الجد والعمل المتواصل إلى بلوغ الغاية، وطاووس يزهى بنفسه، وكل زينته في جمال ذيله، فاجمع كل ذلك: نباتًا وحيوانًا وإنسانًا، وبرًّا وبحرًا، وروضة وقفرًا، وسمكًا وأسدًا، ووردًا وشوكًا، وعسلًا وحنظلًا، تجد كل ذلك رواية أو روايات تمثل على مسرح الدنيا الواسع، فتبًّا للمتزمت الجاهل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠