ما نعلم وما لا نعلم

وقف مرة الأستاذ آيْنشتاين العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبته، وقال: «إن نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي» ولو أنصف لقال: إنه أقل من هذه النسبة. فإنا لا نعلم أي شيء هو؟ إنا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء هي؟ وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها ونزاول شئوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟! نقول: إن العالم مكوَّن من ذرات، ونقول: إن الذرة من إليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة، ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئًا، نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة والبرودة والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها، ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئًا، وإنما نعلم كيف تستخدم، بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه، وبعبارة أخرى نعرف «كيف» ولا نعرف «ما» و«لماذا».

ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟ كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئًا، وكل ما يستطيعه العقل أن يعرف صفاتها، ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات.

قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم أجزاءها ومضاعفاتها، أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها ولا نعرفها، وكأنَّا منحنا عقلًا ليس من طبيعته أن يعرف شيئًا عن الحقائق وكل الذي يعرفه الإنسان — لو كان ذكيًّا — أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها، ولذلك أنصف أصحاب مذهب البَرَاجْمَاتِزم إذ أنكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات.

والذين يشتغلون بالعلوم ويقولون: إنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحًا للحقائق، ولكن شرحًا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة، إنك تقول: إن فلانًا يحبني وفلانًا يكرهني، ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف! قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى: أسهل من معرفة الحقيقة؛ لأن الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل أقدر منا على فهم الحقائق، ولذلك سهلت الحياة؛ لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق؛ لأنها علم، إنك تستطيع أن تعلم أنك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم، ولا تخرج عجلاته، وتستطيع بقدر الإمكان أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرًا حسنًا؛ لأن هذه كلها فن لا علم، وحتى أنت في هذه عرضة للخطأ؛ فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب، ويصدم بجاموسة مرت عرضًا في الطريق، وتصطدم سيارتك بما لم تقدِّر مطلقًا أنها تصطدم به، فكيف الحقائق المجهولة؟!

إن كان ذلك كذلك، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس وحقيقة الشعور وما إلى ذلك، كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء، وتشدق سخيف، لا حقيقة وراءه، ولو أنصف مؤلفو المعاجم، ومحاولو التعريفات، لكفوا عن ذلك؛ لأنهم لا يصلون إلى حقيقته، وإنما يدورون حول أنفسهم، ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفًا بالمثل لا تعريفًا بالحقيقة، وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لا يدرك حقيقة ما حوله؟! إن كان هذا حقًّا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ إنه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المرّيخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم، فحاولوا أن يعرفوا ما فوقهم.

ويعجبني ما ينسب إلى الإمام علي — كرم الله وجهه — في الله تعالى: «إنه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بِذي عِظَم تناهت به الغايات، فعظَّمته تجسيدًا، ولا بذي كِبَر امتدت به النهايات فكبَّرته تجسيمًا».

كما يعجبني قول ابن أبي الحديد:

والله لا موسى ولا
عيسى المسيح ولا محمد
علموا ولا جـبريل وهـ
ـو إلى محل القدس يصعد
كلا، ولا النفس البسـ
ـيطة لا، ولا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنـ
ك واحديُّ الذات سرمد
فلتخسأ الحـكماء عن
حرم له الأفلاك سُجَّد
من أنت يا رسطو ومن
أفـلاطُ قبلك يا مُبـلّد
ومن ابن سينا حين مرّ
د ما بنيت له وشيـد
هـل أنتم إلا الفرا
ش رأى الشهاب وقد توقد
فَـدَنَا فأحرق نفسـه
ولو اهتدى رشـدًا لأبعد

•••

وقوله أيضًا:

فيك يا أعجوبة الـكو
ن غـدا الفـكر قليلا
أنت حـيرت ذوي اللبْـ
ـبِ وبلبلت العقـولا
كلما أقـدم فـكري
فيك شـبرًا فرَّ ميلا
تاكصـا يخبط في
عمياء لا يهـدي السبيلا

وفي مثل ذلك من الحيرة — أقرَّ — ابن سينا بعد طول ما أجهد نفسه في فلسفته، وفخر الدين الرازي بعد ما أطال في تأملاته، بالعجز عن معرفة الموجود الواجب الوجود، بل أَقرّا مع هذا بالعجز عن معرفة حقائق هذا الوجود، وأسفا أنْ صرفا حياتهما في غير طائل، ورجع كل منهما بعد طول السفر خاوي الوفاض، وقالا: إنهما لو استقبلا من أمرهما ما استدبرا، لما صرفا حياتهما في شيء باطل، ووهم واهم.

ما أعجز الإنسان! يجهل كل ما حوله، ثم هو يؤلف كل هذه الكتب التي لا عداد لها، ثم يفتخر بها، ولو أنصف لخجل منها، وحرق أكثرها، والأعجب من ذلك هذا الغرور الذي يستولي على بعضهم، فيزعم أنه العالم النحرير، والفيلسوف الكبير، أو يزعم أن عقيدته التي اعتقدها حق لا باطل فيها، وعقيدة غيره باطلة لا حق فيها، فما هذا الحق الذي يتباهون به، ويتعصبون له، ويملؤون الدنيا فخرًا به، ويعيبون غيرهم بالصد عنه؟! كلا ليس في أَيديهم حق بحت وليس يعلم الحق إلا الله، يعلم ما ظهر وما بطن، ويعلم السر والعلن، أما غيره فلا يعلم إلا سرابًا بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠