الأدب الشـعبي بين الحرفشة والفصحى

من قديم اشتهرت مصر بالأدب الشعبي، حتى ليمكن تحديد سلسلة من الأدباء الشعبيين، وذلك من شعر خفيف لطيف، كشعر الجزار، والبها زهير، أو زجل ظريف، أو نكت رائعة، كالذي اشتهر به ابن دانيال الموصلي، وابن سودون، والشربيني، والمسرحيات والقصص الشعبية التي كانت تمثل في خيال الظل.

هذا كله قديمًا، وفي الحديث اشتهر الأدب الشعبي بالزجل أيضًا، وبالنكت الظريفة، وكان الشيخ حسن الآلاتي رجلًا كفيفًا من أصل تركي، يلبس العمامة، ولها عدبة على قفاه، وله قهوة في حي السيدة سكينة تسمى المضحكخانة، يقصد إليها العظماء والأمراء؛ ليضحكوا من نكته، وكان يحضرها عبد الله (باشا) فكري، وغيره من العلماء، وكانت أكثر نكته من قبيل المفارقات، مثل: «البردان يقلع عريان»، واشتهر بعده عبد الله نديم وكان ماهرًا في الزجل، وكان يخرج مجلتي الأستاذ، والتنكيت والتبكيت، بعضهما باللغة العامية، وبعضهما باللغة الفصحى، وكان إذا نازل الأدباتية غلبهم، وأقيمت بعض الحفلات للمبارزة الزجلية، كالمبارزة بالعصي والسلاح، وحكى هو نفسه، منازلة كانت بينه وبينهم في طنطا، وانتصر فيها على حد قوله، واستمرت هذه السلسلة، فجاء بعده توفيق صاحب «حمارة منيتي» وكان الشعب يتلقفها لخفة روحها، ثم كانت الصاعقة لأحمد فؤاد، والسيف لحسين شفيق، رحمهما الله.

•••

والذي يقارن بين هذه المجلات ومجلات اليوم يرى أن المجلات القديمة كانت تميل إلى الفحش والأدب المكشوف، ثم ارتقى الذوق، فمالت إلى الأدب المستور، وقلة الفحش، وظاهرة أخرى هي أن المجلات القديمة تهتم بالنكت اللفظية، ثم صارت تميل إلى النكت الغامضة التي تدل على الذكاء.

وفرق ثالث وهو أنها كانت تصرح بالأسماء ولا تخشى جرح عواطف أصحابها ثم سترت الأسماء، واكتفت بالنكت نفسها، أو برموز حرفية، وكانت اللغة الشعبية مملوءة بما يسميه ابن خلدون «الحرفشة» وهي الجفاف والخشونة والابتذال، ثم ترقت اللغة الشعبية برقي أصحابها من جهة، وبالإذاعات السهلة التي تناسب عقول الشعب، وأحيانًا بالإذاعات العامية، كما يفعل الأستاذ فكري أباظة، وما زالت اللغة الفصحى تسهل، واللغة العامية ترقى وتصفو من الحرفشة حتى كادتا تتقاربان، ويكاد لا يكون من فرق بينهما إلا الإعراب.

ونلاحظ أن اللغة العامية أحيى؛ لأنها تستعمل في البيوت وفي الشوارع، وفي الأحاديث العادية، وهذه أمور تكسبها حياة وقوة، وهي ألطف في النكت، فإذا حولت النكتة العامية إلى لغة فصحى سمجت، كما تنبه إلى ذلك الجاحظ من قبل.

ومن ظرف اللغة الشعبية تهزيئها للنحو والصرف تهزيئًا ظريفًا، وأقدم من عرفناه في ذلك الشيخ حسن الشربيني في كتابه «هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف» فهو مملوء بهذا النوع، وجرى على أثره الأستاذ الههياوي — رحمه الله — في كتاباته في الكشكول وغيرها.

والناس عادة يتقبلون ما يكتب باللغة الشعبية قبولًا حسنًا؛ لأن النبوغ فيها أبرع، وهي لهم أنسب.

ولا يزال هناك أبواب من أبوابها حية مستعملة، كالزجل الظريف، والأغاني، وخصوصًا ما يؤلفه الأستاذ أحمد رامي، والأستاذ محمود بيرم التونسي، والأستاذ صالح جودت، وما تغنيه لهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، فإن لأقوالهم معاني رائعة.

•••

ولكل أمة لغة شعبية تخالف لغة الأمة الأخرى، فلغة مصر تخالف لغة الشام، وهما تخالفان لغة العراق، وربما كانت اللغة المصرية أظرف وأرق، كما يدل على ذلك المقارنة بين المجلات الهزلية في الأمم المختلفة …

ومن دليل إقبال الشعب على اللغة الشعبية أن الرواية إذا مثلت باللغة الشعبية أقبل عليها الجمهور إقبالًا شديدًا، على حين أنها إذا مثلت باللغة الفصحى لم تجد لها مثل هذا الإقبال، ومن الدلائل على ذلك أن بعض الكتاب يتكلمون باللغة العامية، أو باللغة الفصحى التي لا يميزها عن العامية إلا الإعراب، فيقبل عليهم الجمهور، ويستلذون حديثهم.

ومن مظاهر ذلك أيضًا ما نشاهده من فتح ركن للفلاحين في الإذاعة يذاع باللغة العامية.

•••

على كل حال نشاهد السير إلى الأمام في تقرب اللغة العامية من العربية، وتقرب العربية من العامية، وذلك بفضل الإذاعة ونشر التعليم، وكثرة قراءة الصحف، ومشاهدة السينما، والمنتظر أن يتم التوافق قريبًا فتكون لدينا لغة واحدة، هي لغة فصحى ليس فيها شيء من الغريب، ولغة عامية خالية من الحرفشة، لا يميزها من العربية إلا الإعراب، وهذا الإعراب مشكلة لا بد من حلها، خصوصًا ونحن قادمون على عهد يطلب فيه مكافحة الأمية، وتعميم التعليم، ولا شك أن من أكبر العقبات في ذلك الإعراب، فما يمكن نشره من التعليم في سنتين من غير إعراب، لا يمكن نشره إلا في خمس مع الإعراب.

ونحن نشاهد أن طلبة الجامعة — وقد أمضوا ثلاث سنوات في رياض الأطفال، وأربعًا في التعليم الابتدائي، وخمسًا في التعليم الثانوي، وأربعًا على الأقل في الجامعة — لا يحسنون القراءة والكتابة باللغة الفصحى، فما لم تعالج هذه المشكلة نظل متعثرين في الطريق.

والتاريخ يخبرنا أن اللغات البدائية تبتدئ معربة، وتنتهي في تطورها إلى الإسكان، وما جرى عليها يجري على لغتنا، فالقانون الطبيعي يحارب أي استثناء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠