جمهوريتنا الأولى

من كان يظن أن مصر التي حكمت آلاف السنين من عهد الفراعنة إلى اليوم بالملوك المستبدين — إلا قليلًا منهم — تستطيع أن تتخلص منهم في عشية أو ضحاها وتنقلب جمهورية؟ لقد حكمها الملوك واستبدوا بأهلها وأذلوهم واستغلوهم، وكانوا كما قال أبو العلاء المعري:

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

كانوا ينعمون فيها بكل مظاهر الترف والنعيم ويستغلونها بكل أنواع العسف ويعدون مزارعها وقصورها من أملاكهم الخاصة، كما يعدون الناس عبيدًا لهم، وكانوا يختارون من تخضع لهم رقابهم ويقبلون أيديهم وأرجلهم، ثم هم يحكمونهم في رؤوس الناس جزاء خضوعهم لهم، وأشاعوا أن الدم الذي يجري في عروقهم غير دماء الناس، وأنه دم إلهي اختاره الله لهم، واستحثوا العلماء على وضع الأحاديث التي تؤيدهم مثل: «السلطان ظل الله في أرضه»، ووجهوا خطباء المساجد أن يدعوا لهم على المنابر ويشيدوا بذكرهم، ويكفي الملك أن يتظاهر أمام الناس بصلاة الجمعة وباللعب بحبات السبحة حتى يلقبوه بالملك الصالح مهما يرتكب بعد ذلك من الآثام، ويكفي أن يمنحهم منحًا قليلة ليسبحوا بحمده ويشيدوا بذكره، وما دروا أنه إنما يمنحهم عرق جبينهم أو عرق جباه أمثالهم، ومما استغله من أموالهم، حتى لقد أسسوا ملكهم على مدى الأيام وأصلوا سلطتهم على مدى الزمان فما كان أعظم ألقابهم وأروع نعوتهم، وأفسدوا الأدب واللغة فكان الأديب الكبير هو من تملقهم، والخطيب البارع من أشاد بذكرهم، وملئت اللغة بألفاظ الضخامة والفخامة ونعوت الذلة والخضوع … ولذلك تأصلت في الأمة كل هذه الآثار، وبرغم إلغاء الألقاب والرتب، لا تزال تجري على ألسنة الناس، ولا بد من أجيال طويلة حتى تختفي «سعادتك وعزتك».

وقلدهم الأغنياء فخضعوا للملوك ليستذلوا بقية الرعية، وبذلك انقسم الناس إلى طبقات يستعبد بعضها بعضًا … فحملت الجمهرة الكبرى من الشعب ممن فوقهم أثقالًا فوق أثقال.

وجاءت أخيرًا الجمهورية التي لا عهد للناس بها … والجمهورية في أسمى معانيها ترمي إلى أن يكون الناس سواء، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وأن يقال للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، وأن تقدر الناس بالكفاءات لا بالرتب، وهي تتطلب مطالب عسيرة لا عهد لنا بها، تتطلب انتباه الوعي القومي حتى يميز جيدًا بين الحسن والسيئ، وتتطلب تغيير العلاقة بين الحاكم والمحكوم: لقد كان المحكوم ينظر إلى الحاكم كما ينظر الطير إلى صائده، وينظر الحاكم إلى المحكوم كما ينظر الصائد إلى الطير والمستغل إلى الغلة، والجمهورية تتطلب أن يزول كل ذلك، وتحل محله نظرة الأخ إلى الأخ، وتتطلب أن يؤدي كل واجبه في أمانة وإخلاص، وأن ينظر الحاكم إلى أن الوظيفة تكليف لا تشريف، وأنها عبء ثقيل عليه يتمنى لو حمل عبئها غيره واستراح، وأن يكون من تنبه الوعي القومي ما يستطيع معه الرجل الصغير أن يقول للرجل الكبير: أسأت أو أحسنت في أدب ولباقة، ومن لنا بكل ذلك بعدما عانيناه آلاف السنين إلا بمشقة كبيرة وتربية جهيدة.

•••

وعلى ذكر ذلك نرى أن الجمهورية في أشد الحاجة إلى تغيير مناهج التربية وأساليبها وتعاليمها … فقد تعودنا أن نبني التاريخ على الملوك، وأما الشعب فمهمل في كتبه، ولذلك نقلب صفحات التاريخ فلا نرى إلا ملوكًا يسالمون أو يحاربون، ويقتلون أو يصادرون، ولا يرتفع صوت لتنبيههم إلى أَخطائهم، وبين جملة من الصفحات نرى فلتة من الفلتات تشير إلى الشعب … فما أحوجنا إلى كتب تعلم الشعب أنه هو كل شيء والحاكم ليس إلا خادمًا له، أو كتب في التربية تنشئ التلميذ من الصغر على أنه إنسان ذو حقوق وواجبات يطالب بحقوقه ويثور لها إذا أهملت، ويؤدي واجباته على أكمل وجه، لقد سمعت أن أميرًا قريب العهد أراد أن يجرب مدفعًا وأمر بإطلاقه، فقيل له: إنه إذا أطلق هكذا قتل بعض الناس، فقال: «وهل نحن استلمناهم بعدد؟!» كأنهم سلع لا قيمة لها!

لقد بلغ من ذلنا واستبداد الملوك بنا أن ضاعت نفوسنا في الداخل وصغرت قيمتنا في الخارج، فكان المسافر منا يذكر أنه مصري في ذلة وخضوع، ويحس كأن وصمة علقت به، فسيكون من أثر الجمهورية الصالحة عزة النفس وارتفاع الرأس والإحساس بأنه إذا قال: أنا مصري، كان ذلك فخرًا له وعزة لنفسه.

إن الجمهورية حرية، ولكنها حرية مقيدة بالعمل للمصلحة لا فوضى يفعل الإنسان فيها ما يشاء.

لقد كان الملوك يظنون أنهم ملوك إلى الأبد، وأنهم إن أدركهم الموت خلفهم أبناؤهم وأبناء أبنائهم إلى القيامة، وأنهم لا يُسألون عما يفعلون، وأنهم ليسوا في حاجة إلى حكم الشعب رضي أم سخط، أما الجمهورية فمن أهم فضلها أن رئيسها يعتقد أنه من الشعب، وأن بقاءه رهن برضا الشعب … لأنه يعرف أن الناس إن سخطوا عليه لم ينتخبوه ثانية، وإنما ينتخبون من يظنون أنه يحقق مطالبهم وينشر العدل بينهم — والعدل يراعى من الجانبين: الحاكم والمحكوم — فهو لا يستند إلى أسرة عريقة تصعب إزالتها وإنما يستند إلى رضا الشعب الناشئ من العمل الصالح.

•••

والعالم سائر من الملكية إلى الجمهورية، وكل يوم نسمع أن ملكية سقطت، وحلت محلها جمهورية بسبب تعسف الملوك وتنبه الرعية، وحتى ما احتفظ منها بالملكية كإنجلترا إنما احتفظت بها؛ لأن الملك فيها يملك ولا يحكم، فهي ملكية في الظاهر جمهورية في الحقيقة.

وأسخف أنواع الحكم حكومة تتسمى بالجمهورية وتتصف في الباطن بالملوكية، فتعسف وتظلم وتجور وتستبد، ولا يبقى لها من الجمهورية إلا اسمها، وما فرحنا بالألفاظ إذا ساءت المعاني؟!

إنا لنود مخلصين أن تكون جمهوريتنا الأولى واضعة الأساس الأول، وأن تكون جمهورية لفظًا ومعنًى … إن الجمهورية تحتاج إلى سند قوي متين كما كان الملوك يحتاجون إلى سند قوي متين، إن الملوك استعانوا بالمنافقين من رجال الدين يسبحون لهم ويكبرون، واستعانوا برجال الحكم يخضعون لهم ويقبلون أيديهم نظير نشوب أظافرهم في أعناق الناس، والجمهورية الصحيحة تحتاج إلى مساعدة من الصحافة، تقف موقف المحامي النزيه والقاضي العدل، فتخطئ ما رأت من الخطأ، وتؤيد بشجاعة ما ترى من صواب، وتنقد في قوة ونزاهة، كما تحتاج إلى معونة رجال الفكر والقلم يوجهون رجال الحكم في الجمهورية الوجهة الصحيحة، ويخذلون تصرفاتها السقيمة.

•••

لم تقم الحكومة من الحكومات في أي شكل من أشكال الحكم إلا بالاعتماد على الرأي العام، ولا قيمة للرأي العام إلا إذا كان حرًّا نزيهًا لا يطبل ولا يزمر لكل حاكم في دولته، بل يقول لا، في موقف لا، ونعم في موقف نعم.

أظن أننا لا نحتاج في تعودنا حكم الجمهورية إلى زمن كالذي اجتزناه في الخضوع للملكية؛ فقد أصبح الزمن أسرع والأمم أوعى وأصبح العالم كوحدة من سرعة التنقلات والإذاعات … فكل ما يجري في أمة يعلمه العالم ويؤيده أو ينقده ويشجع على بقائه أو فنائه، وهذا ما يجعلنا نحس مسئوليتنا، فلسنا في جانب منعزل نعمل كما نشاء وننتظر حكم الزمان كما يشاء، إنما أمورنا مكشوفة لنا ولغيرنا معرضة للحكم منا ومن غيرنا، ولا قيمة في ذلك للألفاظ الجوفاء والعبارات الصماء إنما القيمة للعملِ، فالعملَ العملَ، والله الموفق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠