غيروا مناهج الفن والتاريخ يتحقق لكم السلام

جرى العالم إلى الآن شرقيه وغربيه على أن يكون الفن في خدمة الحرب، فمن قديم استخدمت الموسيقى في الجيش لتعزف أمام الجنود تحمسهم للقتال وتنسيهم أنفسهم في المعارك، علمًا منهم بأن الموسيقى تفعل في العواطف ما لا يفعل غيرها، فالموسيقى — كما فعل الفارابي — في يد الفنان قادرة على أن تضحك وتبكي وتوقظ وتنيم … كما فعل في مجلس سيف الدولة؛ إذ عزف على قانونه — كما يروون — فأضحك، ثم عزف فأبكى، ثم عزف فأيقظ، ثم عزف فأنام، ثم خرج وترك سامعيه نائمين، ونحن إلى الآن نشاهد ذلك، فموسيقى مرحة كالجاز باند، وموسيقى حزينة كأنغام الصبا، وليس هذا شأن الموسيقى وحدها … بل كل الفنون من آداب وشعر وخطب وتصوير ونحت، قادرة على خدمة الحرب وقادرة على خدمة السلام.

فالمصور يستطيع أن يصور عينا تبكي فتبكي، وعينًا تضحك فتضحك … وقد حكوا عن ابن نباتة أنه كان في الحروب الصليبية يهيئ الناس للحرب فيحاربون، وكان عبد الملك بن مروان مترددًا يومًا بين أن يحارب وألا يحارب، فما هو إلا أن خطر على باله بيتان من الشعر فتحمس وخرج يدعو للقتال … ومثل هذا روي عن أبي جعفر المنصور، والشواهد كثيرة على أن الفن ظل قرونًا في خدمة الحرب ونجح في ذلك.

واليوم أدعو إلى استخدام الفن في خدمة السلام، فبدلا من إثارة الموسيقى لعواطف الحرب، تثار لعواطف السلم … وكذا الأدب والتصوير، وهي نظرية لم تجرب إلى اليوم، فالدعوة السياسية للسلم لا تفيد إلا إذا دعمت بالفنون، ولو أراد العالم السلم الحقيقي لأمكنه ذلك بشيء واحد، وهو تغيير برامج التعليم وتغيير المناهج في التاريخ والفن … فبدل إشعال نار الوطنية في نفوس الطلبة وحكاية الانتصارات والانكسارات في الحروب وتعويد الأطفال الفرح بالمدافع في العيد والفرح بالمفرقعات، تحكى الأعمال العظيمة التي عملت لنشر المدنية وحمايتها، وكذلك الأدب والفنون، وتأسيس العلاقات بين الأمم على أساس إنساني لا على أساس قومي.

ولا شك في أن رؤية المناظر الطبيعية التي تشعر بالضعف الإنساني، كمنظر غروب الشمس في البحر أو منظر الجبال العالية المكسوة بالثلج تجعل الإنسان أقرب إلى السلم منه الحرب، وما علينا إلا أن يتعاون علماء الموسيقى وعلماء النفس على تقييد النغمات التي تبعث على السلم وتعليمها وإذاعتها … ولا شك أن الأمة التي تشيع فيها النغمات السلم تكره الحرب، ولكن إذا أنت ضربت على الطبل نغمة قوية مثيرة هاج الناس بالقتال.

•••

إن الموسيقى السلمية ترهف العاطفة وترقق الذوق، ومن به ذوق سليم وعاطفة صحيحة ينفر من الحروب ويعدها قلة ذوق، حتى في الحياة العادية يكلمك إنسان بصوت غليظ فيستثير عاطفتك الحربية، ويكلمك إنسان بصوت وديع رقيق فيثير عندك عاطفة الرحمة والإنسانية، ومن أجل هذا كان صوت النساء أدعى إلى الرأفة والعطف من صوت الرجال.

ومثل الموسيقى الفلسفة … ألا ترى أن الفيلسوف إذا دعوته للحرب تخاذل؛ لأنه يوازن بين أثرها في الأرواح وبين مكسب الحرب فلا يجد شيئًا يساوي قتل الأنفس؟ وهو يرى ببصيرته العواقب الوخيمة للحروب فيتراجع، كما قالوا: من أطال النظر في العواقب لم يتشجع.

وكذلك الشأن في الأدب … استثر الأمة بقولك: إن العدو يهين كرامتك ويستغل ثروتك ويفسد عليك حياتك وأمثال هذه المعاني، تجد الأمة ثائرة مندفعة إلى الحرب، وقل لهم: إن العدو لا يريد من عمله هذا إلا الخير، تهدأ نفوسهم وتطمئن مشاعرهم، وأكبر مثل على ذلك الأناشيد؛ فقد اعتاد الناس أن يؤلفوا الأناشيد، دائرة حول التضحية بالدم والذود عن البلاد بإراقة الدماء فعملت عمل السحر، ولو ألفت الأناشيد بألفاظ ومعان رقيقة وموسيقى رخيمة لأنتجت العكس.

إن الفنون كلها تعتمد على الجمال، والذوق المؤسس على الجمال يرى في الحرب قبحًا وفي السلم جمالًا، والمعاني عادة تلبس أَثوابًا من النغمات، ومن الممكن إلباس المعاني الهادئة ثوبًا هادئًا يطمئن النفس ويهدئها، ويمكن إلباسها ثوبًا جافًّا غليظًا يشعل النار في النفوس ويهيجها.

وقد يقول قوم: إن كل أمة لها فنها الذي يختلف عن فنون الأمم الأخرى، ولكن ما ضرر هذا وكل فن يطلب منه أن يكون داعيًا للسلم تفهمه أمته، والأمم جميعها تفهم فنونها السلمية.

لقد آن الأوان أن يدعو اليونسكو إلى شيئين: دعوة لاستخدام العلم في الإسعاد دون الإشقاء وفي البناء دون الهدم، ودعوة إلى استخدام الفنون في حب السلم دون الحرب، وفي إنماء العواطف الإنسانية لا القومية … فإن لم يفعل ذلك حكم عليه بالفشل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠