لماذا كفر الشباب بالزعماء؟

الشباب دائمًا عماد كل زعيم في القديم والحديث؛ لأنهم كما قال أبو العتاهية: رائحة الجنة؛ قويت عضلاتهم، واشتدت سواعدهم، وتفتحت آمالهم، ولأنهم من ناحية أخرى لم يتحجروا كما تحجر الشيوخ، فهم أقبل للدعوة الجديدة وأحرص عليها، وأسخى تضحية في سبيلها؛ لذلك كانوا عماد الزعيم في كل عصر.

وكلما كان الزعيم شابًّا مثلهم كانوا له أطوع؛ لأنه إذ ذاك يشعر بشعورهم ويحس بآلامهم ويأمل آمالهم، أما إن كان شيخًا هرمًا فله جيله ولهم جيلهم، وله تعاليمه ولهم تعاليمهم، إلا إن كان سابقًا لزمنه كما هو الحال في بعض الزعماء فيكون قد جمع بين بعد المدى وسعة العقل وكثرة التجارب، فهم مع مناسبتهم لجيلهم أكثر اندفاعًا، فإن كان الزعيم تقدميًّا استطاع أن يحمسهم ويقلل من اندفاعهم ويكون جامعًا بين المزيتين اللتين تأوه منهما إسماعيل صبري؛ إذ قال:

أواه لو عرف الشباب
وآه لو قدر المشيب

وبذلك استطاع مصطفى كامل وقد كان في ريعان شبابه أن يصرخ في الشباب أمثاله فيحمسهم وينفخ فيهم من روحه ويخلق منهم وطنيين بعد أن لم يكونوا.

أما الهرم فتنقصه عوامل كثيرة تقلل من زعامته، مثل تبلد شعوره غالبًا وحذره من العواقب غالبًا وعدم فهمه جيلًا غير جيله غالبًا … وبذلك يكون في الأغلب مقودًا في شكل قائد، ومتخلفًا في شكل زعيم … أتيحت له ظروف الزعامة ولكن لم يتصف بصفتها.

ثم إن الشباب في زماننا حائر كل الحيرة مضطرب أشد الاضطراب، يتحمس ولكن لا يعرف أين يتجه، ويطمح إلى تغيير ما هو فيه ولا يدري ماذا يجب أن يكون فيه، وإذ ذاك يصح جدًّا أن يكون عنده الاحتراق بالنار خيرًا من الحيرة التي تستولي عليه، فمن حسن حظه أن يوفق إلى زعيم ينفي حيرته ويهدئ اضطرابه ويوجهه الوجهة الصالحة.

وهو في حاجة إلى عقل يقوده، ويحتاج أيضًا إلى شعور يحمسه، وعاطفة تلهبه، وفي العادة يكون الشيوخ أكبر عقلًا وإن كانوا أقل شعورًا وعاطفة، فلا يفلحون في قيادته؛ لأن الشباب عادة يصغى إلى العاطفة أكثر مما يصغى إلى العقل، وتستهويه الخطب الرنانة أكثر مما تستهويه الحكم الهادئة.

•••

ومن الأسف أن زعماء العالم اليوم يسيرون حذو زعماء الأمس؛ لأنهم مؤمنون بأساليب السياسة القديمة ويخضعون لتعاليم الوطنية التي هي إرث من القرن الماضي، وهذه كلها غير صالحة اليوم؛ لأنها تكشفت عن عصبيات بغيضة وعن سفك للدماء من غير حساب، وعن حروب متوالية متتابعة، تتدرج تدرجًا تصاعديًّا وتتضاعف ويلاتها كما تتضاعف عملية الربح المركب، وهذا كله غير صالح لزماننا.

إنما يصلح لزماننا زعماء يؤمنون بالإنسانية بدل القومية ويقودون الشباب لخدمة المجتمع الإنساني كله.

والفرق بينهما كالفرق بين تعاليم المسيح ومحمد من جهة، وتعاليم هتلر من جهة أخرى، إن هذه الزعامة بحق هي التي تناسب العصر، وليست تنجح هذه الدعوة إلى الإنسانية إذا أحيطت بدعوات قومية؛ لأنها تكون كرجل أعزل بين مسلحين، فهو معرض دائمًا لخطرهم، إنما تجدي هذه الدعوة عند ما يتعاون الزعماء كلهم على نشر الأمن والدعوة إلى الإنسانية.

وقد كان الزعماء السياسيون يؤمنون بألفاظ جوفاء كالاستعمار والانتداب والمحافظة على النظام، وكانت الشعوب تبيع أنفسها بيع السماح لمثل هذه الدعوات!

أما اليوم فأصبحت الشعوب أرقى من قادتها وأعقل من زعمائها، لا يسمحون لأن يقادوا قيد الأغنام وهم اليوم لا يحبون أن يسموا رعية ويسمى الزعيم راعيًا، بل يريدون أن يسموا مواطنين وزعيمهم مواطنًا أيضًا … لذلك وجدنا في كل شعب شبانًا يخرجون على الزعماء ويدعون للسلام؛ كي يروا العالم آمنًا مطمئنًّا لا يروعه شبح الحرب، ويكرهون أن يروا حكامهم ينصرون الرأسماليين ويخضعون لأوامر صانعي الأسلحة.

هذه الحركة ما زالت في بدئها ولكن من المحتم أنها ستقوى ثم تقوى حتى تكتسح العقلية القديمة والزعماء القدماء وتنصب عليهم زعماء جددًا من جنس ميولهم.

إن زعماء اليوم في غفلة من أمرهم يقادون من ذقونهم بتعاليم موظفي وزارة خارجيتهم وهي تعاليم قد تعفنت ولم تعد صالحة لزماننا … وإلا فلو سأل كل زعيم نفسه: ماذا تجني من الحرب، وماذا تخسر؟ ولماذا نستعمل السلاح حيث يمكن أن نستعمل الحجج المنطقية؟ ولماذا نتحارب وقد كان يمكننا أن نلجأ إلى هيئة تحكيم تنصف المظلوم؟

لو سأل كل زعيم نفسه هذه الأسئلة لم يتردد في أن يرى أن الحرب وخيمة العواقب للغالب والمغلوب بل للغالب أكثر منها للمغلوب … وأن دم إنسان واحد يسفح على الأرض أعز من الدنيا وما فيها …

ثم كيف نطمئن إذا كان هناك دولتان متحاربتان إلى أن الغالبة منهما هي المظلومة لا الظالمة؟ بل كثيرًا ما يحدث العكس.

ولقد مر على الناس هذا الدور بالنسبة للأفراد، فكان من أخذ حقه يستعيده بالقوة، إما بسفك دمائه أو مصارعته أو نحو ذلك، ثم تقدم الناس فلجأوا إلى المحكمة بدل أخذ الحق باليد، علمًا بأن المحكمة تقضي بالعدل ولا تغلو في سلطتها فتأخذ من الظالم للمظلوم أكثر من حقه، فما بالنا لا نفعل ذلك بين الأمم؟!

لقد بدأ الناس يفهمون ذلك؛ إذ أسسوا محكمة العدل في لاهاي وهيئة الأمم في أمريكا، ولكن ظلت الهيئتان بدائيتين تنتظران أن تسندهما الشعوب فيكون لهما من السلطان ما لمحاكم الأفراد على الأفراد.

•••

مما يؤسف له أن الشباب قد كفر بكل شيء: كفر بالدين، وكفر بالدنيا، وكفر بالزعماء، والسبب في كفرهم بالدين أن زعماء الدين شوهوه ولم يمكنهم عرضه عرضًا يوافق عقل الشباب، وكفرهم بزعماء الدنيا يرجع إلى أنهم لم يستطيعوا أن يملأوا عقله وقلبه، وخير الزعماء من ملأهما، إنما ملأوه خداعًا ونفاقًا وكذبًا، وهذه الأشياء كلها قصيرة العمر كما قيل:

ثوب الرياء يشف عما تحته
فإذا ارتديت به فإنك عاري

وإذا كشف الرياء في الزعيم سقط إلى لا رجعة وتبين الشباب أنه مخدوع، وأن الزعماء إنما يريدون أن ينهضوا على كتفيه إلى الحكم لا إلى الإصلاح، فإذا وصلوا إليه تنكروا له وعبسوا في وجهه، فأخذوا حذرهم وصاروا يريدون من الزعيم التضحية لا الاستغلال، ومنفعة الشعب لا الانتفاع، وسيظلون في اضطراب وقلق حتى يصلوا إلى غرضهم …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠