شعورنا الوطني لا تطفئه المدافع الرشاشة

كان الشعور عند الناس في عهد عرابي شعورًا بدائيًّا، لا يتحمس كثيرًا لدفع عدو أو جلب منفعة عامة، وكن من صفاته الغرور … فالناس كانوا يعتقدون أن العدو مهما قوي، فالمصريون قادرون على صده، وأن البيرق النبوي لو نشر كان كافيًا لدحض كل قوة، يظهر ذلك عند حروب مراد بك لنابليون، وما قاله مراد بك من ألفاظ استهتار … يضاف على ذلك محاربتهم بالأدعية والخرافات، فكان علماء الأزهر، كما قال الجيرتي، يحاربون بقراءة البخاري، وامتلأ الناس عقيدة بانتصار المصريين؛ لأن فرخة باضت بيضة زعموا أنه مكتوب عليها: «نصر من الله وفتح قريب».

وأهديت لعرابي باشا ثلاثة مدافع خشبية، زعموا أن أحدها للسيد البدوي، والثاني لإبراهيم الدسوقي، والثالث لسيدي عبد العال … وأنها قادرة على أن تزلزل أقدام إنجلترا بمدافعها وقنابلها، وعرابي باشا نفسه لم يكن يكترث بهذه الحروب اكتراثًا كبيرًا بدليل أنه لم يحصن البلاد تحصينًا كافيًا، والوعي القومي كان مغفلًا … فمثلًا كان عبد الله النديم يزعم أن الأسطول الإنجليزي كان محاصرًا بين قبرص التي هي في مملكة الأتراك والإسكندرية المصرية، وأنه إذا أطلقت القنابل من قبرص والإسكندرية فتكتت بالأسطول البريطاني، والناس يصدقونه في قوله.

وعلى كل حال كان الوعي القومي محصورًا في عدد قليل إلى أن حلت كارثة الاحتلال بسهولة، وفضلًا عن ذلك، كانت حيل الأوربيين ودسائسهم تجوز عليهم وتؤثر فيهم، فإذا أرادوا أن يحركوهم ويهيجوهم هاجوا، وإذا أرادوا أن يهدئوهم هدأوا، نعم قوبل الاحتلال بشيء من المقت والبغض، ولكن لَطَّفَ منه اعتقادُهم أنه قدر سلطه الله عليهم؛ لذنوبهم.

•••

ومن الغريب أنهم أتعبوا الفرنسيين عند احتلال بلادهم، وكانت كل يوم تقوم ثورات حتى لم يهدأ للفرنسيين بال إلى أن خرجوا، ولم يكن ذلك عند الاحتلال الإنجليزي، ولعل السبب في ذلك دهاء الإنجليز ونعومة استعمارهم، وتفريقهم بين ما يجرح الإحساس وما لا يجرح، وتركهم المصريين أحرارًا في عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ونحو ذلك، فلما جاء البطل الثاني مصطفى كامل وسع موجة الشعور الوطني من خاصة الخاصة إلى رجل الشارع، وبصر المصريين بألاعيب الأوربيين وخصوصًا إنجلترا، وكان سيئ الظن بكل حركة يتحركونها، وجاهد في سبيل ذلك جهادًا عظيمًا، فلما مات نبض بموته قلب كل مصري، كما يقول قاسم بك أمين.

وجاء سعد زغلول فزاد الشعور القومي التهابًا … ولم يقتصر التهاب الشعور على سكان المدن كالقاهرة والإسكندرية، بل تعداه إلى الفلاحين وأصحاب الجلاليب الزرقاء، وتجاوب سعد مع المصريين؛ إذ كان فلاحًا مثلهم وخطيبًا بليغًا يعرف مواطن القول وأفانين الكلام، ويعرف نفوس الشعب وما يؤثر فيه.

ودرس آخر علَّمه للمصريين، وهو ألا يكترثوا بالتهديدات وألا يعبأوا بها، وقد هددته إنجلترا بالنفي فقبله عن رضا واطمئنان، وأطلقت المدافع الرشاشة وغير الرشاشة فكان يحمس الشعب ويدعوهم إلى الاستهانة بكل هذه التهديدات، على حين أنه كان وجود مركب واحد من الأسطول الإنجليزي في المياه المصرية كافيًا لحل عقدة، مع أن وجود الأسطول كله في المياه المصرية أصبح في عهده لا يحل أي مشكلة! ولو دمرت البلاد كلها!

وأكثر من ذلك أن الشعب أصبح يفهم في وضوح أساليب الاستعمار، فإذا أراد الاستعمار أن يدخل وسط المصريين ليفرق بين قبطييهم ومسلميهم، فهم هذه الألعوبة بوضوح وقضى عليها، ونادى الأقباط بالاستقلال كما نادى المسلمون، وإذا أرادوا أن يستغلوا حادثة اعتداء على أجنبي ويكبروها ويهللوا لها، قضى على استغلالهم وقاوم ضجيجهم ونادى بحرمة دم الأجنبي وماله، وهكذا … فما وصلنا إليه اليوم ليس إلا نتيجة لتوالي الأحداث وتربية الشعور القومي على يد هؤلاء وأمثالهم ومرور الحوادث الكثيرة عليهم حتى فهموا أساليب الاستعمار وألاعيبه.

واليوم أصبح المصريون لا يقدمون على عمل ثم يقولون: لتكن النتيجة ما تكون! بل هم لا يقدمون على عمل إلا قدروا نتائجه ودرسوا احتمالاته وقرروا لكل احتمال نتيجة، ووضعوا خطة لحلها، نعم إن الشعور القومي المصري لم يكتمل تمامًا، ففيه عيوب … ومن عيوبه زيادة القول على العمل، وعدم المعرفة الواسعة لحالات الدول الأجنبية وعلاقاتها وتصرفاتها، ومنها المغالاة في الحزبية، وعدم سعة الصدر للوطني المخالف مهما أتى من جيد الأعمال إلى غير ذلك، ولكن على العموم نحن اليوم أنضج من أمس وستعلمنا الأحداث أن نكون غدًا أنضج من اليوم، وقد صرنا لا نهاب الموت إذا كان، ولا نتفرق إذا دعت الحال للاتفاق، ولا نخاف مهما كان التهديد.

•••

ونغتبط كل الاغتباط إذا قارنَّا بيننا اليوم وبيننا أيام عرابي، ولكن لا يمنعنا اغتباطنا من أن ننظر إلى من تقدمونا في الوطنية فنحذو حذوهم ونسير سيرهم، وأذكر أن برنارد شو — رحمه الله — سئل يومًا: «ماذا يفعل المصريون لنيل استقلالهم؟» فقال: «يجب عليهم أن يعملوا كما عملت إرلندا»، هذا والإرلنديون بريطانيون بالمعنى الواسع … فما بالنا ونحن أمة نختلف في الجنس والدم والدين واللغة؟ وحقنا أوضح من حقهم!

كل الذي يلجئنا إلى هذه التضحيات وما نناله من كوارث إنما سببه أن عقلية قادة السياسة المستعمرين من إنجليز وفرنسيين وأمريكيين لا تزال جامدة على أساليب القرن التاسع عشر، لم تتغير بتغير الأزمان، ولا يزالون يفهمون أن القوة الحربية هي كل شيء، وأنهم متى قدروا عليها استطاعوا أن ينكلوا بالأمم المغلوبة، وأن العدل والإخاء والمساواة ألفاظ جوفاء لا تقال إلا ضحكًا على الذقون أو عندما يريدون الانتفاع من المستعمر أو عندما تتأزم الأمور، فإذا زالت هذه الظروف فلا عدل ولا مساواة، إنما هو تنمر، وظلم واستبداد! لا فرق عندهم بين حزب المحافظين وحزب الأحرار، ولا فرق بين سياسي قديم وسياسي جديد!

ولذلك نرى أن أساليب الاستعمار قد تعفنت وحمضت، ولم تعد صالحة لسياسة الأجيال الجديدة، ولا معدى الآن من أن يغيروا سياستهم إلى سياسة جديدة وفقًا للأجيال الجديدة.

ألا ترى أن المرأة اليوم إذا لبست ثياب القرون الوسطى بل ثياب القرن الثامن عشر كانت أضحوكة!

فما تعمله السيدات لتجاري الأزمان، فتقص شعرها بعد أن كان طويلًا، وتغير أزياءها من حين إلى حين، يجعلها أعقل من أولئك السياسيين … لأنها فهمت ما لم يفهموا وتأقلمت أكثر مما تأقلموا.

إن الثورات الحديثة الكثيرة، سببها عدم الانسجام بين عقلية الناس وعقلية الساسة! … يريدون أن يركبوا جملًا أو حمارًا والزمن زمن سيارات وطائرات، ويريدون أن يخيفوا بجعجعتهم من لم يخافوا بالسيوف والمفرقعات.

•••

والواجب — منعًا لهذه القلاقل الدائمة — أن يغيروا المدارس التي تخرج السياسيين ككلية (إيتون)، ويضعوا من أول برامجها دروسًا في الأقلمة، فالجامعة السياسية كما قال قائلهم هي التي تكسب الحرب، ولكن نضيف إليها أنها هي أيضًا التي تخسر الحرب بجمودها وعدم مواجهتها للظروف، أيظنون أن تجريد الأسطول وإطلاق مدافع يحل المشكلة المصرية؟ هذه عقليتهم، ولكن الواقع أنها لا تحل المشكلة بل تعقدها، قد كانوا من قبل كما قال قائدهم يطفئون النار ببصقة، ولكن النار التي كانت تنطفئ قبل اليوم ببصقة لا تنطفئ اليوم بمدافع رشاشة ولا بطائرات نفاثة، وإنما تنطفئ بالحكمة، وهي مع الأسف ليست عندهم …

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠