عيدان الذرة

وقفت على حقل مزروع ذرة فرأيت عددًا قليلًا من العيدان قد نما وترعرع وفاق غيره في الطول وكثرة ما يحمله من الكيزان، ورأيت كذلك عددًا قليلًا من العيدان قصير القامة، ضعيف البنية، لا يحمل من الكيزان إلا قليلًا، أما أغلب الحقل فعيدان متوسطة لم تبلغ الدرجة الأولى في النضج ولا الثانية في الضعف.

أليس كذلك الإنسان؟

حفنة قليلة من الناس يعدون نوابغ وعظماء أو ما شئت فسمهم، وحفنة قليلة من الضعفاء، ضعف عقلهم وضعفت بنيتهم ولم يصلحوا للحياة إلا بشق الأنفس، وأما السواد الأعظم من الناس فأوساط لم يبلغوا ما بلغه الأولون ولا انحطوا كما انحط الآخرون.

ونراهم كذلك في كل جمعية بشرية، في المدن الكبيرة والمدن الصغيرة والقرى، وبمقتضى نبوغ النابغين، حملوا أكبر العبء وكانت في يدهم السيطرة وبمقتضى حقارة الحقيرين كان فيهم الذل والفقر والمسكنة، أما الباقون فهم جمهرة الناس.

وترى هذا في كل مرافق الحياة، في الفنون والأدب والموسيقى والتصوير، إن كان هذا عمل الطبيعة فكم من السخف أن ننادي بالمساواة؛ لأنها ضد الطبيعة، ولو سويت بين الناس في الرزق يومًا لاحتال الأقوياء على الضعفاء فسلبوهم مالهم بقدرتهم وذكائهم، وعادت الدنيا كما كانت غنى وفقر وسعادة وشقاء.

قد تكون المساواة في الحقوق معقولة: مساواة أمام القضاء وفي حق الحياة وفي حق الحرية، أما المساواة في الكسب والأجور والقدرة على الأعمال فمستحيل أن تكون، وإذا كانت فمستحيل أن تستمر.

والمهارة الكبرى في أن يكتشف أصحاب الأعمال مقدرة العمال ثم يضعوا كلًّا في موضعه، وأولياء الأمور أفراد الأمة فيضعوا كلًّا في موضعه المناسب، لذلك نادى علماء التربية بأن يقسموا التعليم أنواعًا: تعليمًا زراعيًّا وتجاريًّا وصناعيًّا ونظريًّا ثم يفحصوا حالة كل طالب فيعرفوا ميوله واستعداده، ثم يوجهونه إلى ما يلائمه، وبذلك تنمو ثروة البلاد، فمن الناس من كفاءته في يده ومنهم من كفاءته في قلبه ومنهم من كفاءته في عقله، فلو سيرت كلًّا في اتجاهه لنجح، ولذلك ترى في الحياة الواقعية كثيرين خابوا في أول حياتهم؛ لأنهم اتجهوا عكس استعدادهم، ثم نجحوا لما حولوا اتجاههم حسب كفايتهم.

ولو أنصف الناس فمدحوا أي عامل على إتقانه في عمله لا على نوع عمله؛ فقد كان من الطبيعي أن يمدح الكناس على إتقانه في كنسه كما يمدح الأديب على إتقانه في أدبه، والعالم على إتقانه في عمله؛ لأن كلًّا من الكناس والعالم والأديب يعمل حسب ما خلق له، ولا فضل في الطبيعة بين أحد وأحد، ولكن الناس مُدحوا على نوع العمل لا على طبيعة العمل.

•••

ثم من حين إلى حين تجد في حقل الذرة عودًا قد نما نموًّا شاذًّا لم تكن تراه منذ سنين، فكذلك الشأن في الإنسان يطلع على الأمة من حين لآخر فرد أو أفراد نبغوا نبوغًا عجيبًا لم يكن للأمة عهد به منذ سنين، وهؤلاء هم زعماء الأمة في سياستها أو علمها أو فنها.

ثم تبحث عن مسببات هذا النبوغ فتجد عجبًا، ليست الحبة التي نبت منها العود الكبير أكبر حبة، ولا طينتها أحسن طينة، ولا أم النابغة أحسن أم، ولا أبوه أحسن أب، ولا بيئته أحسن بيئة، ولكن صدق الله العظيم إذ يقول: اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠