النظام المالي في الإسلام

النظام المالي في كل أمة أساس عظيم لحياتها الاجتماعية، فإن رأيت أمة متقدمة في المدنية والحضارة، وفي العلوم والفنون، وفي المخترعات ووسائل النقل والمواصلات، وعلو مستوى المعيشة بين أفرادها، فاعلم أن ذلك ناتج من حسن نظامها المالي، وإن رأيت الفقر المدقع منتشرًا بين جمهورها، وهي منحطة في زراعتها وعلومها وفنونها، فاعلم أن ذلك يرجع أولًا إلى سوء نظامها الاقتصادي؛ ولذلك قوّمت المدنية الغربية الأمور الاقتصادية تقويمًا كبيرًا، بل جعلتها أساسًا يؤثر في نظامها السياسي، ونظامها الاجتماعي، ووُجَد المتخصصون في المسائل الاقتصادية والتعمق في بحثها، وإفرادها بعلم يسمى «علم الاقتصاد»، له الشأن الأول بين العلوم.

من أجل هذا كان من رأي كثير من المصلحين في الشرق، أن يوجهوا عنايتهم إلى حالته الاقتصادية، وأن يقدموا ذلك على الإصلاح الاجتماعي والسياسي، فلو أصلحت، أصلحت الحياة الاجتماعية والسياسية، ودليلهم على ذلك أن الشرق متأخر في زراعته، فليست مبنية على العلم بل هي مبنية على التقليد القديم والأوضاع الموروثة، وإذا سلط العلم على الزراعة أمكن أن ينتج الشرق من زراعته أضعاف ما ينتج الآن، وكذلك الشأن في معادنه المدفونة في أرضه وصناعته البدائية وما إلى ذلك، فالشرق غني ولكن لا يجد الرأس المفكر والهمة الحازمة والشركات الممولة واليد العاملة، ولو أنه أتيح له كل ذلك لكثرت أمواله وزاد غناه، فنشأ عن ذلك محو الفقر المدقع، وارتفع مستوى المعيشة، ثم نتج عن ذلك انتشار العلم وانتشار وسائل المدنية، ورقي الصناعة، بل لنشأ عن ذلك أيضًا إصلاح السياسة، فالرأي العام الفقير الجاهل ليس له من القوة ما للرأي العام الغني المثقف، وفي قولهم هذا كثير من الصحة، فإني أعتقد أن الأعداء الثلاثة وهي: الفقر والجهل والمرض تزول كلها بزوال الفقر، والفقر يزول بتنظيم الحياة الاقتصادية.

•••

والأرض التي خلقها الله تكفلت بتقديم الضروريات لجميع أبنائها إذا عقلوا، وقد كان الإنسان الأول مكفي الحاجة قليل الجهد في الحصول على ضروريات حياته، فهو يعتمد على ما يجده من أثمار الأشجار أو من الصيد، ويلبس ما ينتجه الحيوان، ويسكن الكهوف، ولا يحس أي إحساس بأزمة مالية، ولكن شاء الله أن يخلق الإنسان طموحًا إلى تحسين حاله، راغبًا بطبيعته في الحياة الاجتماعية، مضطرًّا إلى القرار ما أمكن بحكم تربية أولاده الذين يتطلبون في تربيتهم زمنًا أطول مما تقتضيه تربية الحيوان، إلى غير ذلك، فزَرَعَ الأرض وكلما تقدم الزمن زادت مطالب الحياته، وتأنق في مسكنه وملبسه ومأكله، وكان بحكم الطبيعة أن تفاوت الناس في القدرة على الكسب، فزكي وغبي، وماهر وأخرق، وبعيد النظر وسفيه، وفيلسوف ومغفل، إلى غير ذلك، فكان من ذلك اختلاف الثروات، ومن يعيش عيشة سعيدة، ومن يعيش عيشة شقية، ومن يجد فوق حاجته، ومن لا يجد حاجته، وكلما تقدمت المدنية زادت هذه الأمور تعقيدًا، وفُكِّرَ في الحلول لها، ووضعت المقترحات والنظم الاقتصادية لحلها وتنظيمها.

وكان أكبر العقبات الفروق الكبيرة في الثروة، واستبداد الغني بالفقير، والقادر بالعاجز، وصاحب رأس المال بالعامل، وعلى هذه الحلول والمذاهب الاقتصادية انقسمت الأمم الأوربية إلى رأسمالية وشيوعية وفاشية، ولكن مع الأسف ليس حلٌّ منها أراح الناس ولا حلَّ المشاكل، وأسباب فشلها كثيرة، منها: ان النظام الاقتصادي نظر إليه كأنه مستقل بنفسه، كأن الإنسان حيوان اقتصادى فقط، ليس له خلق ولا عقل ولا روح، فالذين يكتبون في الاقتصاد يوجهون كل همهم إلى المسائل الاقتصادية مجردة من النظرات الأخلاقية والإنسانية، ويحاولون حل مسائلهم من هذه الزاوية وحدها، فمثلهم مثل المهندس الذي يضع كل همه في إصلاح الحائط المائل من غير أن يلتفت أي التفات إلى بناء البيت كله، أو كالطبيب الذي يداوي المعدة من غير أن ينظر إلى علاقة المعدة بالجسم كله، فالإنسان منتج ومستهلك من حيث الاقتصاد، ولكن له بجانب ذلك ناحية خلقية، وناحية اجتماعية وناحية روحية، وكلها تنتج الإنسان كإنسان، فالنظر إليه من ناحية واحدة نظر لا يجدي، من أجل هذا كان سلوك الناس الخلقي ضربة مميتة للحياة الاقتصادية، فالأغنياء الذين تكدست عندهم الثروة لم ينظروا إلا إلى أنفسهم، فتوسعوا في وسائل الملاذ، وبحثوا كل يوم عن مصدر جديد للذة، وتفننوا كل التفنن في أثاث البيت ومطعمه وأدوات زينته تفننًا عز عن الوصف من غير التفاتة إلى إخوانهم الفقراء الذين لا يجدون ضروريات العيش، فنشأ عن ذلك الصراع الشديد بين طبقات الفقراء وطبقات الأغنياء، وكراهية كل لكل.

وقد حاولت الشيوعية أن تنظم هذه العلاقة وتقرب هذه المسافة، فنجحت في هذا، ولكن وقعت في الخطأ الذي وقع فيه غيرها من المذاهب الاقتصادية، فتصورت الإنسان كأن ليس له دين ولا عواطف ولا حرية شخصية، وإنما هو حيوان لا يسبح إلا في الدائرة المالية، وفيها عيب آخر وهو أن استبداد أصحاب رؤوس الأموال المتعددين تركز في النظام الشيوعي في يد الحكومة وأعوانها فأصبحت هي الوحيدة صاحبة رأس المال، وكان لها من التحكم في الأفراد وسلب حريتهم ما لم يستطعه أصحاب رؤوس المال المتعددون؛ إذ كان في تعدد الرأسماليين منفذ للعمال؛ إذ ينتقلون من صاحب رأسمال قاسي إلى أقل منه قسوة، وهم أنفسهم يتبارون في التودد للعمال؛ استجلابًا للانضمام إليهم والعمل معهم، وليس ذلك موجودًا في الشيوعية.

•••

نظام الإسلام المالي قد بني على أسس أخرى؛ من أهمها: ربط الحياة الاقتصادية بالحياة الخلقية، بالحياة الاجتماعية، بالحياة الدينية، فلم ينظر إلى الإنسان على أنه مجرد حيوان اقتصادي، بل شرّع الأمور المالية بحيث يمتزج الاقتصاد بالقانون بالأخلاق، فإذا كان الربا من الناحية الاقتصادية مباحًا، كالبيع إذا كان الربا في حدود معتدلة، فإن الأخلاق لا ترضى عنه من حيث سوء العلاقة بين معطي المال بالربا وآخذه، ولذلك حرمه الإسلام غير ناظر إلى الناحية الاقتصادية وحدها، ثم هو وضع التعاليم الأخلاقية التي تكرِّه الإنسان في اختزان الذهب والفضة من غير أن يعين إخوانه الفقراء من الناس كأن يقول: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.

وقد حارب الإسلام مشكلة المشاكل وهي الإفراط في الغنى، والإفراط في الفقر بوسائل شتى؛ منها: ما ذكرنا من تحبيب الناس بعضهم في بعض، وعطف الغني على الفقير، والنظر إلى الجانب الخلقي بجانب النظر إلى الجانب المالي، ووردت في ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث الكثيرة التي تشعر الإنسان بأخيه الإنسان وتحببه إليه وتحننه عليه.

ومن ذلك أيضًا أنه حرم الإفراط في الملاذ وطلب الاعتدال فيها، ناظرًا إلى أن الغني إذا لم يفرط في ملاذه ولم يجد منافذ للإنفاق الكثير في شهواته، ولم يجد المال نافعًا في الانغماس في نعيمه، تحول بالضرورة إلى النظر إلى الفقراء ومساعدتهم ومعونتهم، فمثلًا حرم على الرجال لبس الحرير والتحلي بالذهب، وكره الأناقة في المساكن والملابس، وحبب إلى المؤمنين التخشن حتى لا يفقدوا رجولتهم، وحرم الخمر والميسر والزنا، وكلها من قبل الإفراط في اللذات، حتى لا يستتبع ذلك الجشع في طلب المال، والحرص على اكتنازه.

ثم فرض الزكاة ويعجبني تسمية الإسلام الزكاة بهذا الاسم، فهو اسم خير من كلمة الضريبة ونحوها من كلمات؛ لأنها إلى أن إخراج الزكاة تطهير للمال الباقي، فكأن المال المكنوز نجس لا تطهره إلا الزكاة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا، وهذا القدر من الزكاة هو ٢٫٥٪ قد يكون قدرًا ضئيلًا ولكنه هو القدر القانوني، وبجانب ذلك، القدر الكبير الأخلاقي وهو الإحسان، وهذا لا حد له، وإنما هو موكول إلى ضمير الشخص وخلقه وعطفه وميوله الدينية والخلقية التي يحاول الإسلام أن يغرسها وينميها باستمرار.

ومن ذلك أيضًا نظام الإرث، فكثير من النظم الأوربية حصرت الإرث في الأبن الكبير أو نحو ذلك، فكانت الثروة مجموعة تنتقل من شخص إلى شخص وهي بعينها لا ينقص منها شيء، أما نظام الإسلام فوزعها وجعل لكل من الأولاد ذكورًا وإناثًا نصيبًا منها، وكذلك للأب والأم والزوج والزوجة، إلى غير ذلك، فكان هذا عاملًا كبيرًا في انقسام الثروة وتوزيعها على عدد كبير من الناس، وتقريبًا للمسافات البعيدة بين الغنى المفرط والفقر المفرط.

•••

فلو تصورنا مجتمعًا سادت فيه هذه التعاليم، وخضع فيه النظام الاقتصادي للسلوك الأخلاقي، وحُرّم فيه على الأغنياء أن يسرفوا في الملاذ والملاهي، وفرض عليهم جزء قانوني من المال يصرف في وجوه البر، والأخذ بيد الفقير، إلى مال لا حد له يصرفه الغني لمساعدة الفقير يسمى إحسانًا، إلى توزيع الثروة توزيعًا كبيرًا بين أفراد متعددين، لكان مجتمعًا قد تبرأ من حقد الفقراء على الأغنياء، وعسف الأغنياء بالفقراء، ولكان مجتمعًا تتقارب طبقاته، فلا فقير مدقع ولا غني جشع، ولكان مجتمعًا قد حل أهم المشاكل التي عجز الاقتصاد وحده عن أن يحلها، ولكن مع الأسف، مبادئ سليمة لم تجد من يطبقها، وآراء قويمة أهملت وسار المسلمون أنفسهم على ضدها.

الحق أن الإسلام خير من أهله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠