الإسلام والمدنية الحديثة

مما يؤسف له أن المسلمين لم يتابعوا النهضة الأوربية منذ نشأتها، ولم يكونوا يعرفون عنها شيئًا؛ إذ كانت البلاد الإسلامية مغلقة على نفسها، لا تتصل اتصالًا وثيقًا بالعالم الأوروبي إلا عن طريق تجارة ضئيلة، أو أحداث سياسية قليلة، أما ما يجري في أوروبا منذ نهضتها من حركة علمية وصناعية، ونهضة قومية، وثورات لمطالبة الشعوب بحقوقها، ونحو ذلك، فلم يكن المسلمون يعرفون عنه شيئًا، ولو أنهم عرفوا ذلك وجاروا الغربيين في نهضتهم لكان لهم شأن آخر.

إنما عرف المسلمون المدنية الغربية عن طريق سيئ جدًّا، وهو طريق الفتح والاستعمار، وعرفوا المدنية الغربية من صوت المدافع تفتك بهم، وتغزو بلادهم، فلا عجب إن كانوا قد قابلوا بكثير من الكره والبغض، وكان ذلك طبيعيًّا، ولو أن هذه المدنية تقدمت في شكل تقدم إنساني يصح أن يحتذى، لقابلها المسلمون بكل أنواع الارتياح وسعة الصدر، ولفتحوا قلوبهم كلها للاستفادة منها.

إنما أتتهم في شكل حديد ونار، واكتساح واستغلال، ففزعوا منها، وصدوا عنها.

نعم، إنهم استفادوا منها كثيرًا، فاستخدموا مخترعاتها، واقتبسوا كثيرًا من معارفها وعلومها وصناعاتها ونحو ذلك، ولكن كل هذا لا يساوي ما خسروه بسببها، لقد فقدوا بها حريتهم واستقلالهم وسيادتهم.

لقد كان طابع المدنية الحديثة طابعًا قوميًّا، فكل أمة ترى الخير في مصلحتها الخاصة بها، ولا تعترف بأي مصلحة لغيرها، وتزعم أنها أحق بالسيادة على الأمم الأخرى المستضعفة، وخدم العلمُ والأدب والتربية هذه النزعة القومية حتى بلغت القمة، ونشأ عن ذلك مقياس أخلاقي جديد، وهو أن ما كان في مصلحة الأمة فخير مهما ضر الآخرين، وما ضر الأمة فشر مهما نفع الآخرين، وساد في كل أمة أوربية الشعور بالكره لغيرها والخوف من غيرها، فإنجلترا تكره ألمانيا وتخافها، وألمانيا تكره إنجلترا وتخافها، وهكذا العلاقات بين الدول، فإن كان هناك مسالمة وتودد فأمر ظاهري فقط، ورياء ونفاق لا حب وإخلاص، وظل هذا هو الشان في المدنية الحديثة من عهد أن تكونت القومية إلى اليوم.

•••

وكل أمة أوروبية قوية تعبد المجد؛ ومعنى المجد حب العظمة والسيطرة والاعتزاز بالقوة، وكان من أثر هذا المجد عند كل أمة كبيرة رغبتها في أن تسيطر على أكبر رقعة من الأرض تستطيع السيطرة علبها، وفي أن يكون لها مستعمرات أو ممتلكات واسعة فسيحة، وهذا المجد القومي غير المجد الخلقي، فالمجد الخلقي هو العمل على وفق القوانين الأخلاقية العالمية من عدل ووفاء وإحسان ونحو ذلك، أما المجد القومي فهو سيطرة واستغلال وتسخير للأمم الضعيفة لمصلحة الأمم الكبيرة، ولو اضطرها ذلك إلى إسالة الدماء البريئة، وإذلال الأعزة، ورفع شأن الأذلة، وهذا ليس من الأخلاق في شيء، والسياسي الماهر في المدنية الحديثة هو من استطاع أن يذل الأمم المحكومة ويكبت صوتها، ويعلي من شأن أمته ويظهر سيطرتها.

ولما تغلبت الوطنية وحب المجد على أمم أوربا وأمريكا تنافست في السيطرة؛ طلبًا لهذه العزة الكاذبة، فتسابقوا جميعًا للاستعمار، وكان الاستعمار في نظرهم هو إخضاع الأمم المستعْمَرة وإذلالها ما أمكن، واستغلال مواردها، وفتحها سوقًا لتجارتها ومنافعها، ولا عبرة عندها بخلق أو فضيلة، حتى لو رأت الأمة الفاتحة أن تجارة الخمر، أو الأفيون، أو المخدرات عمومًا، أو الرقيق الأبيض، أو نحو ذلك مما يفيد استعمارها؛ لو لم تتورع عنه لأنها لا تقصد إلى سمو في الخلق، ولا نبل في الفضيلة، وإنما كل ما تقصد هو العزة القومية، والمجد الكاذب، بالمعنى الذي ذكرنا.

وليس هناك أي شعور إنساني، من الأخذ بيد الضعيف، وتعليمه علمًا نافعًا، وترقيته، حتى ينهض بنفسه أو نحو ذلك، فهذا المعنى الإنساني معدوم في نظر الاستعمار الغربي.

على هذه الأسس، استُعمرت البلاد الإسلامية، وتقسمتها إنكلترا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وغيرها، وكانت كلها سواء في هذين الأساسين، وهما تقويم المسائل حسب القومية، لا حسب الإنسانية، والعمل للمجد القومي والمنفعة القومية، بإذلال الأمم المفتوحة، واستغلالها وإضعافها، فليست تقدم لها علمًا إلا علمًا ضعيفًا لإخراج موظفين يخدمون الاستعمار، وليس هناك استغلال ثروة إلا لمصلحة الفاتح دون مصلحة المفتوح.

وهكذا أضعفت المدنية الأقطار الإسلامية، واستنزفت أموالها ودماءها وأخلاقها من غير مراعاة لأي شعور إنساني، أو إخاء إنساني، أو عطف كبير على صغير، أو مساعدة قوي لضعيف، وليس هناك من فرق بين هذه الأمم إلا في الأسلوب، لا في الجوهر والحقيقة.

ومما يستدعي العجب، أن المدنية الحديثة كرهت الإسلام والمسلمين أشد كراهة، بل إن كراهيتها للإسلام والمسلمين أشد من كراهيتها لسائر الأديان الأخرى، من يهودية وغيرها، بل أشد من كراهيتها للوثنية؛ فهي تكره المسلمين أشد مما تكره البوذيين وسائر الوثنيين، وتظهر هذه الكراهية في سوء المعاملة وحب الانتقام، وظلم ما يصدر عنها من أحكام؛ وإذا كان هناك نزاع بين مسلمين وغير مسلمين وتدخلت المدنية الحديثة فإنما تتدخل للإيقاع بالمسلمين والتنكيل بهم، يتجلى ذلك في حكم الإنجليز للهند وتمييزهم في المعاملة بين المسلمين والهندوكيين، وفي المظهر الحديث في النزاع القائم بين المسلمين واليهود إلى كثير من أمثال ذلك.

وعلة هذا تستوقف النظر؛ فليست المسألة مسألة خصومة بين الإسلام والمسيحية، ولو كان الأمر كذلك، لكان المعقول أن يكون الإسلام أقرب إلى المسيحية من أي دين آخر، وعلى الأقل أقرب إلى المسيحية من المسيحية إلى الوثنية، فليس الأمر أمر دين فحسب، ولكن يظهر أن هذه الخصومة والكراهية ترجع إلى أسباب أعمق من ذلك، منها ما خلفته الحروب الصليبية من الخصومة؛ فقد أراد الصليبيون أن يستولوا على الأقطار الإسلامية، وبذلوا في ذلك من الجهود الجبارة ما يعرفه التاريخ، واستعملوا للتغلب على المسلمين كل الوسائل الصادقة والكاذبة، فجمعوا كل قوتهم المادية، ونشر القساوسة كل ما استطاعوا من تضليل وكذب، وافتراء على الإسلام، حتى صوروا الإسلام وصاحبه أبشع صورة وأفظعها، فلما لم ينجحوا مع ما بذلوا من كل هذه الجهود عادوا وهم يحملون الحقد والضغينة على الإسلام والمسلمين، وأورث السلف هذا للخلف.

هذا سبب، وهناك سبب آخر، وهو أن الإسلام أنجح الأديان في منافسة النصرانية بين الشعوب الوثنية، على الرغم من ضعف التبشر في الإسلام، وقلة ما يبذل من جهد في نشره، ومع قوة التبشير في المسيحية، وما يبذل في سبيل ذلك من جهود وأموال، فهذا التنافس بين الإسلام القوي والمسيحية سبب كراهية ونفورًا؛ لأن الكراهية والنفور تشتد بين الأقوياء أكثر مما تشتد بين قوي وضعيف.

ومن الأسباب أيضًا أن الإسلام يبث في معتنقيه العزة، وأن تكون كلمة أهله هي العليا، وكلمة غيره هي السفلى، ويحث على مقاومة حكم الغير، وعدم الخضوع للأجنبي، وهذا ما يغيظ الاستعمار كل الغيظ، وهل أتاك حديث زعيم فرنسي يحمل على تعليم العلوم باللغة العربية في بلاد المغرب؛ لأن اللغة العربية وسيلة للإسلام، والإسلام يناهض الاستعمار، فإذا علمنا بالعربية فقد مكّنا من مناهضة حكم الأجنبي.

هذه الأسباب وغيرها هي التي حملت المدنية الحديثة على مناهضة الإسلام والمسلمين، والتنكيل بهم، وإقفال طريق الرقي أمامهم، وكان الواجب أن يشعر المسلمون بذلك كل الشعور، فيزيدوا قوتهم، ويبذلوا كل جهدهم في تكوين أنفسهم وإعلاء كلمتهم واستقلالهم بأنفسهم، وادخار القوة لمكافحة القوة.

لقد فَتح الإسلام كما فَتحت المدنية الحديثة، ولكن كان أساس فتحه نشر العدل والأخذ بيد المفتوحين، والرقي بهم في سلوكهم وأخلاقهم ودينهم، وأن لأهل الذمة من الحقوق ما للمسلمين، ولكن الفتح الغربي فتح جباية واستغلال، لا فتح سمو في الأخلاق، ولا نشر لمبادئ إنسانية، ولا أخوة عالمية، لا شيء من ذلك، إنما هو فتح لأسواق تجارية، واستعباد من القوي للضعيف، ومن العالم للجاهل.

فليفتح المسلمون أعينهم ليروا كل هذا وليبنوا خططهم على أن لا أمل إلا في أنفسهم، وإلا ببذل كل جهد في تقويتهم ماديًّا وروحانيًّا، وإلا بجمع كلمتهم ووحدتهم وهدم تفرقهم وتعاونهم التام للعمل أمام الخصم الذي يسعى للتنكيل بهم، ووضع العراقيل في سبيل تقدمهم، والله يوفقهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠