الجامعة الإسلامية

يعنون بها الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب، وقد كانت كلمة مفزعة لأوربا في القرن الماضي، وليس صحيحًا ما قاله المرحوم سعد باشا زغلول: «إن صفرًا وصفرًا يساوي صفرًا» بل الصحيح أن «ناقص خمسة في ناقص خمسة يساوي زائد خمسة وعشرين»، فكل دولة وحدها قد لا تساوي شيئًا ولكنها جميعًا تستطيع الوقوف أمام الاستعمار الأوربي، وإذا كان الأوربيون يتكتلون على الباطل لمحق المسلمين، فأولى أن يتكتل المسلمون على الحق لدفع كارثة الاستعمار.

وقد كان أول من نادى بها في هذا العصر الحديث السيد جمال الدين الأفغاني، وخلفه الشيخ محمد عبده والسيد عبد الرحمن الكواكبي، غير أن طريقة السيد جمال الدين كانت قوية عنيفة؛ إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء في الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هينًا لينًا يريد الجامعة الإسلامية من طريق التربية والتعليم، والسيد عبد الرحمن الكواكبي كان أقرب إلى السيد جمال الدين الأفغاني، وكان أشد في محاربة الأمراء، وألف في ذلك العهد كتاب «طبائع الاستبداد ضد السلطان عبد الحميد»، كما ألف أم القرى لرسم خطة الجامعة الإسلامية، ولم تطق أوربا صبرًا على جريدة العروة الوثقى التي كان يصدرها السيد جمال الدين في باريس، فأغلقتها بعد صدور العدد الثامن عشر، وكان السلطان عبد الحميد يحارب هذه النزعة أولًا، ثم أراد أن يحتضنها وأهلها أخيرًا، لما تبين له هو نفسه من نفعها، وكان الشيخ علي يوسف يبشر بهذه الدعوة في جريدة المؤيد؛ إذ كان ينشر فيها أخبار العالم الإسلامي والآراء في تكتله، وكذلك مجلة المنار؛ إذ كانت تعبر عن آراء الشيخ محمد عبده، والسيد رضا، ثم خفتت الدعوة بوفاة السلطان عبد الحميد الذي كان يحميها.

وأيما كان؛ فقد أحس الأوربيون بخطر هذه الدعوة، وحاربوها بكل قوتهم: بصحفهم ومؤتمراتهم وكل قوة لديهم، لما تبين لهم من قوتها وخطرها إذا تحققت، واستنجد بعض الأوربيين الشعوب المسيحية طالبين إعانة سنوية، والنهضة المبشرين، وتعيين بالمبشرين الكبار في الجهات التي يوجد فيها مسلمون، ونشر الرسائل، وإنشاء مجلة لمقاومة فكرة الجامعة الإسلامية، ونشر جريدة لبيان الأفكار التي تطبع مؤيدة للجامعة الإسلامية، وهكذا وكان من نتيجة ذلك أن اجتهد رئيس المبشرين وهو المستر «زويمر» في عقد مؤتمر للنظر في هذه الحالة، فانعقد المؤتمر في سبتمبر ١٩١١م، وكان هذا الموضوع، موضوع الجامعة الإسلامية وكيفية مقاومتها، من أهم موضوعاته، وخُصِّصَ لجنتان منه لهذا الغرض، وقد افتتح الرئيس زويمر المؤتمر بأن بدأ يدعوه للبحث في الوسائل التي يمكن بها مقاومة الإسلام، وكان يتبع المؤتمر غرفتان عرضت فيهما الغرائب المتعلقة بالإسلام مع مطبوعات جمعية التوراة التبشيرية، واشترك في هذا المؤتمر ١٦٨ مندوبًا و١١٣ مدعوًّا عن أربع وخمسين جمعية تبشيرية، وعلى رأس المؤتمرين القسيس زويمر الذي تصفه جريدة فرنسية بأنه لا يهزم، وبأنه درس الإسلام في شعوبه، ومُنع الصحفيون الإنجليز والأمريكان من شهود هذا المؤتمر، ولم توزع عليهم النشرات إلا بعد تنقيحها، وقد قال الرئيس في مجلة العالم الإسلامي: إن الإسلام تمخض في السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت مؤتمر مصر، عن حوادث خارقة لم يسبق لها نظير؛ ففيها حدث الانقلاب الفارسي، والانقلاب العثماني، وفيها انتبهت مصر لحرتها الحاضرة، وعني المسلمون بمد السكة الحديدية، وتأسست في الهند مجالس شورية، ودخلت الأمور الإسلامية في قالب يلائم العصر، ازداد به التمسك بمبادئ الإسلام، وانتشر الإسلام في أفريقيا والهند الغربية والجزائر الجنوبية.

وكل هذه الحوادث، تحتم على الكنيسة أن تعمل بحزم وجدٍّ، وتنظر في أمر التبشير والمبشرين بكل عناية، وعلى ذلك فسيوضع برنامج للأمور الآتية:
  • درس الحالة الحاضرة.

  • إنهاض الهمم لتوسيع نطاق تعليم المبشرين والتعليم النسائي.

  • إعداد القوات اللازمة ورفع شأنها.

وقد حز في نفس الرئيس ما صارت إليه حالة المسلمين وارتقاؤهم، وكان مما قاله: إن لفظة العالم الإسلامى ليست شيئًا اخترعه المبشرون، وإنما هو حقيقة موجودة، كلمة دقيقة تدل على موقف حقيقي، وقال: إن عدد المسلمين يزيد قليلًا على مائتي مليون، والتبشير فيهم يحتاج إلى نفقات طائلة، خصوصًا وأن الإسلام ينتشر بسرعة، والمبشرون المنتشرون على ضفتي النيل وشرقي أفريقيا وبلاد النيجر والكنغو، يشكون مُرَّ الشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء، ومع أن انتشار الإسلام في الهند يجد موانع من مجهودات جمعيات التبشير الهولندية والألمانية، فهو يتوطد هناك؛ لأن المسلمين أخذوا يستبدلون بالتقاليد القديمة عقائد ثابتة قوية، وانتقل الرئيس إلى وصف الانقلابات التي حدثت في البلاد الإسلامية، وحمد الله عليها، وأثنى على احتلال الجيش الفرنسي لمقاطعة «واداي» في إفريقيا، وقال:

إنه لم يبقَ الآن إلا ٣٧ مليون و١٢٨ ألف و٨٠٠ — آحاد، تحت سلطة حكومة إسلامية، وقال: إن الإسلام الإسلام بدأ يتنبه لحقيقة موقفه ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر، وهو يتمخض عن ثلاث حركات إصلاحية، الأولى: إصلاح الطرق الصوفية، والثانية: تقريب الأفكار من الجامعة الإسلامية، والثالثة: إفراغ العقائد والتقاليد القديمة في قالب معقول، وأشار إلى قول الدكتور و.شيد: إن الإسلام يتحكك في كل قطر بالمدنية العصرية ومبادئها، وقال: إنه ليس في الإمكان التقدم الاجتماعي والعقلي إذا خلوا من كل صبغة دينية. وانتقل زويمر بعد ذلك إلى استنهاض الكنائس لمقاومة المسلمين، ونشر التبشير بينهم، وختم القسيس كلامه بقوله: إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه، يظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد هي رمز لعنصر من المعضلة الكبرى؛ فمراكش في الإسلام مثال للانحطاط، وفارس مثال للانحلال، وجزيرة العرب مثال للركود، ومصر مثال لمجهودات الإصلاحات، والصين مثال للإهمال، وجاوة مثال للتغير والانقلاب، والهند مركز للتحكك بالإسلام، وإفريقيا الوسطى مكان للخطر الإسلامي، وهذه كلها مشاكل يحتاج الإسلام معها قبل كل شيء إلى المسيح.

•••

من المؤسف أن حاجة المسلمين إلى الجامعة الإسلامية هي اليوم كما كانت ولم تتقدم كثيرًا، ولم تكف أوربا عن مناهضتها، وكل حادثة من الحوادث الكبار تؤيد الرأي القائل بأن المسلمين لا تقوم لهم قائمة إلا بهذه الجامعة، وآخر حادثة كانت هي حرب فلسطين؛ فإن العالم العربي لم يتحد على مقاومة اليهود كما اتحدت إنجلترا وأمريكا على مناصرتهم، فضلًا عن عدم اتحاد العالم الإسلامي، ولو ظل الأمر على هذا النحو فلم يتعظوا بهذا ولم يلموا شملهم، فستضيع كل يوم بلاد إسلامية جديدة، فهل يتعلم المسلمون اليوم هذا الدرس، بما أصابهم من فشل! أو سيبقون كما هم حتى يلدغوا من جحر واحد مرتين وثلاثًا لا قدر الله؟!

إن الجواب عن هذا السؤال ملفوف بحجاب المستقبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠