خواطر

(١) مدرسة جديدة١

قرأت في إحدى الصحف الإنجليزية أن أستاذًا إنجليزيًّا اسمه مستر بلوم أنشأ مدرسة جديدة، وجعل أساسها عدم الخوف مطلقًا، من أي صنف كان، لا خوف من الأساتذة، ولا خوف من الامتحانات، ولا خوف من العقاب يؤدب به الطلبة، ولا غير ذلك من أنواع الخوف، وقد أرصد النتائج لذلك، فقال: إنها أنتجت نتائج باهرة، فالطالب إنما يعتمد على ضميره، وقد خرج من المدرسة شاعرًا بالحياة، مبتهجًا بها، بل جعل مجلس شورى للطلبة ومن الطلبة، يضع لهم مناهجهم، ويوجه نظرهم إلى ما يجب أن يعملوا، وما لا يعملوا.

وقد لفت نظري هذا، إلى أن من فكر هناك فكرة جديدة، مكن له أن يجربها في حرية، فإذا نجحت عممت، سواء في ذلك الأفراد والحكومات، أما عندنا فلا بد أن ينصب التعليم في قوالبَ معينةٍ، ومن نادى بفكرة جديدة أهمل، ولم يلتفت إلى فكرته.

وقبل ذلك نادى ابن خلدون في مقدمته بعدم التخويف وأبان أنه ضار بالمتعلمين، يقول: «إن الشدة على المتعلمين مضرة بهم؛ وذلك أن إرهاق الحد بالتعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب نشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث، وعلمه المكر والخديعة وصارت له هذه عادة وخلقًا، وفسدت عليه معالم الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن».

ونظرة ابن خلدون وتحليله تتفق مع نظرة الأستاذ بلوم، غير أن بيئة بلوم مكنته من نشر فكرته، وتحقيق رغبته، وأما بيئة ابن خلدون، فجعلت نظرته مدفونة في كتابه إلى يومنا هذا، وكم له من نظرات صائبة.

وإذا قرأت ذلك ذكرت ما لقيته في حياتي من تعذيب وتخويف من مبدأ صباي، كان أبي شديدًا قاسيًا، يضرب ويشتم حتى على ما لا يستحق الشتم، وذهبت إلى الكتاب، فكان فقيه المكتب قاسيًا شديدًا، يضربني حتى لأني لم أهتز وأنا أقرأ، وفي المدرسة الابتدائية كان لنا مدرسون يضربوننا ويعاقبوننا أشد العقاب، حتى لأتفه الأسباب، ولما ذهبت إلى مدرسة القضاء خوفونا من الامتحان، فكان من يسقط في الامتحان ولو في مادة واحدة، منعت عنه المكافأة التي يأخذها كل شهر … كل هذا جعل الحياة قاتمة، والنفس غير مبتهجة، تحزن لما يُحزن، ولا تفرح لما يُفرح، فإن بقيت بقية قليلة من التمتع بالحياة، فذاك من فضل الله، وإلا فأساليب التربية كفيلة بإماتتها، وكم في الأمة من نفوس ماتت من أساليب القسوة، وفقدت قيمتها، وكانت تكون مفتحة مشرقة، مصدرًا لخير كبير، لو عوملت معاملة حسنة.

وبعد: فلو فتحت مدرسة في مصر على هذا النمط، أتعيش وتنجح، أم تموت وتفشل؟ إن هذا محل تفكير طويل، فمدرسة الحرية التي تؤسس على عدم التخويف يجب أن تكون في بيئة مشبعة بالحرية، أما بلد ضيقت فيه الحرية من قرون، وكل ما حول الناشئين ظلم وتعذيب، وتعويذ إن لا يعمل الشيء إلا خوفًا من عقوبة أو ترغيبًا في مثوبة، فمن الصعب أن ينشأ في وسط هذه البيئات جو مملوء بالحرية، إن أردت أن تنجح مثل هذه المدرسة، فأصلح بيئتها وما حولها، أصلح البيت وأصلح الكتاب، وأصلح معاملة الشرطي للباعة، ومعاملة العُمَد للفلاحين، والمأمورين للعمد، والمديرين للمأمورين؛ لأنها كلها سلسلة مرتبطة بعضها ببعض.

ومحال أن تعيش نظيفًا في وسط قاذزوات، أو تسلك سبل الفضائل وحولك ما لا يحصى من الرذائل، وكانت العرب قديمًا تقول: «ما أشبه حجل الجبال بألوان صخورها».

(٢) الإنسان طفل كبير

تاريخ الإنسان من قديم ضيق فسعة بالتدريج، فالطفل الصغير أنانيٌّ إلى أقصى حد، لا يعرف أحدًا غير ذاته، إذا أحضر أبوه شيئًا، فهو له كله، وليس لإخوته حق فيه، ويود لو أحضر له أبوه الشمس والقمر في حجره، ويرى أن كل شيء في الوجود له لا لغيره، حتى إذا كبر قليلًا، فهم أن لإخوته حقًّا، ولكن أقل من حقه، فله وحده النصيب الأوفر، ثم إذا كبر قليلًا أدرك أن الخير الذي يأتي، للعائلة كلها، ثم إذا شب أدرك معنى الوطنية، وهكذا، كذلك الإنسان فهو طفل كبير، يبدأ حياته بالأنانية فهو إذا لم يتزوج كان كل خير يناله له لا لغيره، فإذا تزوج أشرك معه زوجته وأولاده وأبويه، فإذا شد قليلًا، أدرك معنى القومية والوطنية، وأن أمته يجب أن ينالها كل خير، ويدفع عنها كل شر، فإذا نما عقله دعا إلى الإنسانية لا القومية، بل رأى أن الوطنية نكبة من نكبات العصر الحديث، وفي الناس أطفال كبار، لا يفقهون إلا البيت في أضيق حدوده، وفيهم أيضًا من ذهبوا إلى الطرف الآخر، فأدركوا أن كل من في العالم إخوة، حتى الشجر والثمر، وأدركوا أن لا فرق بينهم مهما اختلف دينهم، سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو وثنيين، وفي ذلك يقول محيي الدين بن العربي أبياته اللطيفة:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني

وقد مرَّ على هذه الأدوار كلها شعراؤنا الثلاثة المشهورون: شوقي وحافظ ومطران فكانوا في بعض شعرهم أنانيين، ثم كانوا وطنيين، ثم كانوا إنسانيين، والإنسان إذا رقي كان كالطبيب الراقي، يعالج المريض بقطع النظر عن أنه فقير أو غني، مسلم أو يهودي أو نصراني، لا ينظر إليه إلا على أنه إنسان مريض، بل قد يتعدى بعضهم الإنسانية، فتتعدى رحمته القطة والكلب والضفدعة، وكان رسول الله يقبل الطفل حديث العهد بالولادة، والثمرة الناضجة الحديثة العهد بالسقوط، ويقول: «إنها قريبة العهد بربها»، ولو تجرد الناس كلهم من ضيق الأفق لرأيت عالمًا غير هذا العالم: عالمًا لا حرب فيه، ولا إجرام، ولا وطنية، بل هي إنسانية وعالمية تحل محل الوطنية، ولا مستعمر، بل كل من فيه إخوان، يأخذ فيه القوي بيد الضعيف حتى يقوى، والعالم بيد الجاهل، حتى يعلم.

(٣) الصداقة

الظاهر أن أساسها تناسب المزاج، وأعني بتناسب المزاج غير وحدته؛ فقد يكون المزاجان متناسبين، وهما مختلفان، كأن يكون أحد الصديقين قوي الشخصية، والآخر ضعيفها، فكلّ يرى أن الآخر يكمل نفسه ولو كانا قويي الشخصية أو ضعيفيها لتنافرا.

بل أعلم أنه في كثير من الاحيان تسوء العائلة ويكثر الشقاق؛ لأن كلًّا من الزوجين قوي الشخصية أو ضعيفها، ولو اختلفا في الشخصية لاتفقا، وأحيانًا يكون أساس الصداقة وحدة الغرض، نبيلًا كان أم خسيسًا؛ فقد يصطحبان على الكأس، وقد يصطحبان لخدمة معينة للوطن، أو لخدمة علمية كما فعل إخوان الصفا.

ويلعب لعبًا كبيرًا في هذه الصداقة القدر؛ فقد يتصادق اثنان لأنهما تقابلا في القطار، أو تكلما في وليمة، أو نحو ذلك، وكانا لا يتصادقان لو لم يحدث هذا الحادث المفاجئ.

ويعمل عملًا كبيرًا في الصداقة مركزهما الاجتماعي، كأن يكون مركز الاثنين رفيعًا أو وسطًا أو وضيعًا.

ونجد في هذه الحياة أحيانًا رفيع المنصب يصادق وضيعه ولكنها ليست الصداقة الحقيقية بل إن الأول يصادق الثاني كخادم له، والثاني يصادق الأول اعتزازًا بصداقة كبير يفتخر به، أو كان الاثنان متصادقين في الصبا ثم اختلفا في المنصب، وبقيت الصداقة.

ونلاحظ أن الصداقة على أنواع: فقد يكفي في تكوينها وقوع للنظر على النظر، أو المحادثة من أول كلمة، فتكون كشعلة النار، تلتهب التهابًا سريعًا، وقد تكون الصداقة متكوّنة على طول الزمن، وربما كانت هذه أحسن.

وهناك أشخاص نمت عندهم قوَّة الصداقة، فهم سرعان ما يصادقون، وهناك أناس حذرون قلما يصادقون، ولكن والحق يقال، إن هؤلاء الحذرين الذين لا يصادقون إلا بعد طول أناة وكثرة تجربة أقدر على الصداقة الحارَّة.

ويجب أن يدقق في التفرقة بين المعارف والأصدقاء، فكثير هم الذين نعرفهم وقليل جدًّا هم الذين نصادقهم.

وكثيرًا ما يفسد الصداقة سوء الظن، أو سوء التفاهم، أو تغير الحال، كمن كان ضعيفًا ثم قوي، أو قويًّا ثم ضعف، ومن أغرب ما يضعف الصداقة أن تكون الصداقة مبنية على العقل لا على العاطفة، ويعجبني قول الشاعر:

ليس يستحسن في شرع الهوى
عاشق يحسن تأليف الحجج
بني الحب على الجور فلو
أنصف المحبوب فيه لسمج

وأسوأ ما يفسد الصداقة أنانية أحد الصديقين، فهو يريد أن يعامل صديقه معاملة السيد لعبده، فهو دائمًا يتحكم في صديقه، فيما يأكل وما لا يأكل، وفيما يرى في السينما وفي التمثيل وما لا يرى، وفيما يفعله في النزهة والرياضة وما لا يفعل، وليس يسمح لصديقه أن يتحكم مرَّة واحدة في حياته.

وعلاقة الصداقة الطيبة ارتياح الصديق لصديقه، والاطمئنان إليه، وعدّ ساعات الوصال أسعد من الاجتماع بآلاف المعارف، ثم يشعر الصديق بما يشعر به المحبُّ من لذة الوصال وألم الفراق، لا أن يتركه لمجرد المصادفة، يهش حين يراه، ولا يذكره حين يغيب عنه.

ومما يلاحظ أن من أكبر أسباب الألفة وجود النفس المرحة في الصديقين أو أحدهما فذلك يضفي على الصداقة سرورًا وبهجة، ويجعلها كالحديقة الناضرة أو المصباح المضيء.

إذا تمت هذه الصداقة، سهل على الصديق أن يؤثر في صديقه حتى ليتحقق ما يقول أرسطو: «الصديق هو أنت إلا أنه غيرك»، وصدق العرب؛ إذ جعلوا أنه يمكنك أن تعرف الشخص من صديقه: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

آه ما أكثر أسفي لو فقدت صديقي، وما أكثر فرحي لو عثرت على صديق بمعنى الكلمة، ولكن تمر الأيام ويفقد بعض الأصدقاء، ويقل تقويم بعضهم.

وما الحياة بلا صديق؟ إنها عيش في صحراء، أو حمام ناعم بلا ماء.

(٤) الملكية والجمهورية

يتحدث الناس كثيرًا هذه الأيام في الملكية والجمهورية: أيهما خير، وقبلنا درس الناس هذا الموضوع وأشبعوه دراسة، درسه الفرنسيون عقب الثورة الفرنسية ووصلوا من دراسته إلى تقرير الجمهورية، ودرسه كثير من ممالك أوروبا ووصلوا إلى هذه النتيجة، ودرسه الأتراك عقب ثورتهم، وبحثوا في الخلافة طويلًا وقرروا بقاء الخلافة، ثم أزالوها وقرروا الجمهورية، ودرسه السوريون واللبنانيون وقرروا الجمهورية، فترى من هذا أن الدراسات العميقة تنتج الجمهورية، وكان الشأن كذلك في أمريكا، ولا نعرف أمة درست وفضلت الملكية إلا إنجلترا، وبعض ممالك أخرى قليلة، فلماذا وصلوا إلى هذه النتيجة؟

رأوا بعد الدرس أن الملكية تصطحب دائمًا بمفاسد، فكل ملك عادة يحيط نفسه بحاشية يستخدمها في جمع الثروة، والدعوة لعظمته والإيقاع بمن يخرج عن إرادته بشتى الوسائل، وفي عصري أنا شاهدت أربعة كانوا على هذا المنوال، وطالما صرخ السيد جمال الدين الأفغاني من حاشية إسماعيل وتوفيق، ونصح توفيقًا بتغيير حاشيته في الصحف والمجلات وفي أحاديثه الخاصة والعامة، فلم يفلح؛ ذلك لأن الملكية عادة تشعر صاحبها بالسلطة وهو يرى أن السبيل إلى السلطة ممهدة له، ففي يده الجند، وفي يده المال، وفي يده جميع السلطات، وهذه كلها تستدعي الغرور، والإمعان في الظلم:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم

لذلك كله تتعمق سلطته، وتتسع عظمته، حتى لا يمكن إخراجه إذا ظلم، إلا بثورة أو شبهها، لذلك كره الناس الملكية، وفضَّلوا عليها الجمهورية، وحتى العثمانيون في ثورة مصطفى كمال أبقوا السلطان عبد الحميد لاعتبارات عدة؛ أهمها: أن بقاء الخلافة يربط بينها وبين العالم الإسلامى كله رباطًا وثيقًا، فلما رأوه يدس لهم الدسائس ويعمل ليسترد سلطانه، ورأوه يمهد السبيل لعودة الاستبداد، وغير ذلك، ضحوا بما تنتجه الخلافة من رباط، وألغوا الخلافة، وعادوا فقرروا الجمهورية.

ومما جعل الناس يفضلون الجمهورية أن الرئيس زمنه محدود بسنتين أو ثلاث، فإذا أساء أمكن اختيار غيره بعد احتمال رذائله، أما الملك فلا يحدّ مظالمه إلا القدر بموته، أو ثورة بانتزاعه، هذا إلى أن رئيس الجمهورية نفسه يعلم أنه مؤقت بالزمن وأنه مضطر إذا أراد تجديد زمنه أن يحاسن الشعب، ويسير فيه سيرة مرضية، وإنما حمل إنجلترا على اختيار الملكية أنها أرادت أن تحافظ على الشكل؛ مراعاة لتقاليدها، وتكون جمهورية في واقع الأمر، فالسلطان هو للبرلمان لا للملك، واخترعوا العبارة المألوفة «الملك يملك ولا يحكم» وجروا على ذلك وطبقوه تطبيقًا دقيقًا، فإنجلترا ملكية، والملك فيها كلا ملك.

وضرر آخر وهو أن المستعمرين عادة يفضلون الملكية في المستعمرات على الجمهورية، فيفضلون ملكًا لمصر، وبايا لتونس، وسلطانًا لمراكش إلى آخره، والسبب في ذلك أنهم رأوا من الصعب أن يخضعوا الشعوب مباشرة، إنما يسهل عليهم أن يخضعوها بواسطة الملوك، فمن السهل على المستعمرين أن يخضعوا الملك ومن السهل على ملك الشعب أن يخضعه، ولذلك كان أحبّ إلى الإنجليز والفرنسيين أن يروا في الشرق ملوكًا لا جمهوريات.

قد يقال: إن الملك إذا كان صغيرًا أو اختير من العائلة المالكة فأحسن الاختيار، لم يكن منه ضرر، ولكن الزمان يكبر الصغير، والحاشية تفسد الصالح، فما لنا نعقد العقدة ثم نحاول فكها، فخير لنا ألا نعقد ولا نفكّ.

(٥) البقاء للأصلح

من رأيي أن العالم يتقدم دائمًا من وقت أن خلقه الله، وأن الأنبياء جاءوا بشرائعَ مختلفة وفقًا لتقدم الإنسان — قد تتخلف بعض المرافق، وتتخلف بعض الأخلاق، وتتخلف بعض الأمم في العالم، بل قد تفنى، ولكن العالم ككل يتقدم دائمًا، ومن أغرب الأمر أن ساسة بعض الأمم لا يريدون أن يفهموا ذلك، فهم يريدون أن يعاملوا الأمم اليوم، كمعاملتهم بالأمس، ولكن لا بد أن ينهزموا؛ لأنهم كلسان في البحر، تأكله المياه من كل جانب، يومًا بعد يوم، ولأنهم نشاز في الطبيعة، انظر مثلًا مسألة الاستعمار؛ فقد أصبحت غير متفقة مع الزمان؛ لأن المستعمَرين فهموا حقوقهم أكثر مما كان يفهمها آباؤهم، وأصبحوا يضحون بدمائهم وأنفسهم وأموالهم، أكثر مما كانوا يضحون، ولكن أين ذلك وعقول الساسة المستعمِرين؟ لقد أخذتهم العزة بالإثم، وخجلوا مما لا يخجل منه: خجلوا من أن يقولوا لأممهم: إن الاستعمار أصبح لا يناسب الزمان، فاستمروا في غلوائهم، لا الأمم المستعمَرة تعدل عن المطالبة بحقوقها، ولا المستعمِرة تعدل عن استعمارها ولا بد من ضحايا كثيرة، حتى يفهم المستعمرون ما لم يفهموه اليوم، ها هي فرنسا تمعن في عدوانها في تونس والجزائر ومراكش، وتعتز بقنابلها، والقنابل وإن عملت في الأجسام، لا تعمل في الأرواح، وما ذنب أمة تحاول أن تعيش، وتقدر الحرية وتطالب بحقها في الحياة السعيدة؟ ولكن بدل أن يقابل ذلك بالتشجيع تقابله فرنسا «نصيرة الحرية» بالحديد والنار، وتصيح بملء فمها: هذه مسألة داخلية بيني وبين المغرب، لا يحق لكائن من كان أن يتدخل فيها، كأن الظلم لا يصح أن يرتفع صوت أحد في استنكاره، وتسقط وزارة فرنسية، وتقوم أخرى، فتظل سياستها على حالها، ولا يرتفع صوت أحد في إنجاد هؤلاء المظلومين، كأنهم يستحقون العذاب لأنهم مسلمون، ولو كان مكانهم نصارى لارتفعت أصوات السخط من كل جانب، كما ارتفعت من قبل يوم تسلط الأتراك على اليونان، أو كما تسلط العراق على الأرمن، فالحروب الصليبية لا تزال كامنة في النفوس، لم يزلها تقدم الزمن، ولا انتشار الثقافة.

وهذه إنجلترا تعامل مصر وإيران معاملة الأسياد للعبيد، لا تريد أن تتخلى عن بلد، ولا تعترف بحقوقها، وتعرضان شتى الحلول، فلا يقبل منهما حل، وقد علَّمت إنجلترا الأحداث أن الزمان يخدمها أكثر ما يضرها، ولكن هذا الزمان الذي كان يخدم، أصبح لا يخدم، والمشكلة باقية، والزمان يعقدها، ولا نجاة حالًا أو مستقبلًا إلا بتغير عقلية الساسة، ومسايرة الزمان.

وهذه أمريكا لا تزال تضطهد الملوَّنين كأنهم عنصر من غير الإنسان، لا تعترف بحقوقهم، ولا تعاملهم معاملة البيض على السواء، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهم يحاولون تدوير عجلة الزمن إلى الوراء، ومحال ذلك.

والحكيم من عرف مقتضيات الأحوال، وأحكام الزمان، فسار وفقها لا ضدها، كالذي يعرف التيار فيسير معه، ولا يسير ضده، وإذا كان الزمان قد حقق آمال بعض الأمم، فلا بد أن يحقق آمالًا أخرى.

إن الذي طاح بالملوك السابقين أنهم لم يفهموا الزمان ولا مقتضيات الأحوال وعاكسوا التيار بكل قوة، فلم تغن عنهم قوتهم شيئًا، وأصبح الملوك الباقون هم الذين يملكون ولا يحكمون، والعاقل النبيه إذا سئل عم أمر هل سيتحقق أو لا يتحقق، قرأ القانون الماضي، ونظر: هل هذا ينتج عنه تقدم العالم أو لا ينتج، فإن كان الأول حكم بأنه يحدث قريبًا أو بعيدًا، وإلا لم يحدث، والسخيف يعتقد أنه إنما يحكم بذلك بناء على تنجيم أو ولاية أو نحو ذلك.

ولئن قال القدماء: إن التاريخ يعيد نفسه، فهو إنما يعيدها لا بالطبعة القديمة، وإنما يعيدها طبعة منقحة حسب مقتضيات الزمان، ومن أجل ذلك شرَّع كل قانون قابل للبقاء بابًا يبقى مفتوحًا إلى الأبد، وهو باب مسايرة الزمن، ومقابلة الجديد من الأحداث، تسميه بعض المذاهب اجتهادًا وبعض المذاهب مصالح مرسلة، وبعض المذاهب استحسانًا، والكل شيء واحد، أما القوانين التي تجمد على القديم، وتقول في كل حادثة: القديم على قدمه، لا يمكن أن تبقى.

كم جاهدت الأمم في الشرق والغرب ضد الاستبداد، وضد المصادرات، وضد العبث بالأنفس والأموال، وكم لاقت من العناء في سبيل هذا الجهاد، ثم انتصر أخيرًا الحق، وعبر دارون عن ذلك بقوله: «البقاء للأصلح»، فانظر في كل مشكلة من المشاكل يجاهد الناس فيها، وتختلف آراؤهم واحكم بأن الصالح هو الذي سيبقى، وفي القرآن الكريم: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.

(٦) مثل أعلى أخلاقي

قد تحيرت في عمل الفلاح، تحوّل قناته من غيطه إلى غيط آخر، فيتنازع ويتخاصم، وقد يؤدي ذلك إلى قتل، ولكن قد يذله العمدة أو شيخ البلد فيمرغه في التراب، وقد يفعل المأمور بالعمدة ذلك فلا يتحركان ولا ينبسان بكلمة.

هكذا قال صاحبي، وزاد عليَّ فقال: أليس عجيبًا أن نرى أهل البلد يتحملون ظلم حكومة سنتين أو أكثر فلا يحركون ساكنًا ولا يثورون على هذه الحكومة، ولم نسمع مرة أن برلمانًا يمثل الأمة أسقط حكومة من الحكومات أو صوَّتَ ضدها؛ لأنها أتت عملًا سيئًا، وتصرفت تصرفًا ظالمًا، مع كثرة ما تأتي به من الأعمال السيئة الظالمة.

قلت: إن المصريين في أشد الحاجة إلى زعيم يزيد شعورهم بالعدالة، ويبلور أفكارهم ومشاعرهم، حتى يتأثروا بها تأثرهم بقطع الماء عن مزارعهم.

لقد نجح المرحوم النقراشي باشا في بلورة الغرض السياسي للأمة وهو الجلاء ووحدة وادي النيل، فكان ذلك على كل لسان حتى الأطفال في ألعابهم، والمغنين في أغانيهم، والمذيعين في إذاعتهم، وكان على لسان الشيوخ والشبان والرجال والنساء، ونحن أحوج ما نكون إلى زعيم يبلور لنا مثلنا الأعلى الأخلاقي، فيقول مثلًا: إن غرض الأمة العدالة والنظام، يجريها على لسانه فتجري على لسان كل أحد؛ إذ ذاك لا يجرؤ أحد أن يظلم، ولا يطيق أحد أن يصبر على الظلم.

ثم يأتي من الأفعال ويضع من الأنظمة ما يحقق العدل زمنًا طويلًا، حتى يألفه الناس، ويثوروا على النظام وظلمه، وليست تفلح أمة شعورها متبلد، بل هي تهتف للظالم فلا يجد ما يصده عن ظلمه.

إذ ذاك يخاف العمدة من أن يظلم الفلاح، ويخاف المأمور أن يظلم العمدة، ويخاف المدير أن يظلم المآمير، وتخاف الحكومة بأسرها إذا ظلمت أحدًا؛ لأنها تشعر أن الرأي العام قوي الشعور بالعدالة، لا يحتمل أي ظلم، والحكومة لا تعدل إلا إذا خافت.

(٧) إذا بطل العجب انتهت الحياة

كل ما يمكنك أن تدركه من فرق بين الذكي الألمعي والغبي، هو كثرة العجب عند الأول وقلته عند الثاني.

إن الأول يرى في كل شيء ولو صغيرًا مدعاة للعجب، يعجب من السيارة مثلًا، ولكن يرى أنه أعجب منها حركة الرجل في السير، ويعجب من الراديو ولكن يرى أنه أعجب منه حاسة الشم، إنه يرى الكون كله مملوءًا بالعجائب حتى الذرة في تكوينها، والنملة في معيشتها، ولذلك بنت الأديان كلها الدعوة إلى الإيمان على ما في الكون من عجائب، ريح تهب وسحاب يجري ومطر ينهمر، ولو دققنا النظر لرأينا أكثر الكلمات تحمل عجائب لا تنتهي.

انظر مثلًا إلى كلمة «نما الزرع» كيف تحولت الحبة إلى النبات، وكيف تحولت البذرة إلى الشجرة، وكيف اختلفت الأشجار وكلها تسقى بماء واحد، كل هذا يستخرج العجب من البصير، فإذا انتهى العجب دل ذلك على أن الإنسان فقد حياته، ألا ترى الطفل يبدأ بالأسئلة الكثيرة نتيجة للعجب الكثير، فإذا أدركه الهرم زال عجبه فزالت حياته.

أكتب هذا وأنا أرى البحر وتموجاته، والرياح ولعبها بالأمواج، والسحابة تسوقها الريح حيث تشاء.

اللهم زدني عجبًا أزدد حياة.

(٨) برلمان النفس

هممت هذه الأيام بعمل خطير، ثم راقبت نفسي ماذا تصنع، فإذا فيها برلمان داخلي كأدق أنواع البرلمانات وأنظمها؛ فقد بدأت تتحرك الرغبة أولًا، وقامت تخطب وتبدي حججها في فصاحة وبلاغة، والكل يُصغي إليها، ولم تطل في الحديث عما تشاء؛ اعتمادًا على قوتها وعظمتها، ثم جلست في زهو وإعجاب، فوقف الضمير يعارضها، ويبدي عدم ارتياحه لطلباتها، مقتصرًا على ما ينشأ عن هذه الرغبة من آلام، ثم وقف العقل، وقد وجدته أحيانًا ترشوه الرغبة فيتكلم في مصلحتها ويدافع عن اتجاهاتها، ثم لاحظت أن الخوفَ يقف محذرًا من تنفيذ طلباتها، منذرًا بنتيجة عملها، مخوفًا النفس والبدن من نتائجها، ورأيت بعد ذلك الخيال يحلق في الجو فيصور النتائج للعمل الذي تريده الرغبة نتائج جميلة أحيانًا، وقبيحة أحيانًا أخرى، وهو بهذا العمل يشجع أو يخذل، وأحيانًا يسيطر الحب على الموقف فيؤيد الرغبة تأييدًا جامحًا، ثم بعد ذلك لا يسمع لعقل ولا لخوف، وأحيانًا لا يكون للحب موقف في الأمر، ولكن تكون السيطرة للإباء والأنفة، فتعند النفس عن تنفيذ الرغبة، ثم رأيت أن هذا البرلمان تارة يثور فيطيح بكل العوامل الأخرى وينفذ الرغبة مهما كانت النتائج، وأحيانًا يكون برلمانًا هادئًا يصغى فيه إلى كل الأصوات إصغاءً تامًّا، سواء في ذلك المؤيدون والمعارضون، ثم تؤخذ الأصوات، والحكم بعد ذلك للأغلبية، وهو برلمان ثائر أحيانًا هادئ أحيانًا، يتكلم فيه المتكلمون بتؤدة وهدوء أحيانًا، وبخروج عن اللياقة أحيانًا، وأيًّا ما كان فهو برلمان بكل معنى الكلمة، يصور صورة صادقة للبرلمان الخارجي من مؤامراتٍ ودسائسَ وألاعيبَ وخداعٍ وكل ما يحدث في الخارج، ومن العجب أن تاريخ هذا البرلمان قديم، كان من عهد آدم ولم يلتفت الناس إلى تقليده إلا من عهد قريب، وحتى إلى الآن لم يتقنوا إتقانه وغابت عنهم بعض معانيه.

(٩) حوض اللذة

يعجبني تعبير إنجليزي لا أعرف له نظيرًا في اللغة العربية، وهو ما يمكننا أن نترجمه بـ (حوض اللذة)، ويعنون به استعداد النفس للذة.

والذي ألاحظه أن حوض اللذة — على حد تعبيرهم — واسع عند الطفل والجاهل، ضيق عند الكبير والعالم؛ فالطفل يتلذذ جدًّا بقطعة من الحلوى وبالثوب الجديد، وقد شاهدت ذلك في نفسي، فكنت كثير اللذة بفطيرة آكلها في الصباح، وبشجرة بجوار ساقية أجلس تحتها، وأقرأ وأغني ببعض القصائد ويعجبني صوتي إذا غنيت، وأفرح جدًّا بقرش يعطينيه أبي، وبمائة وخمسين قرشًا تعطينيها مدرستي كل شهر، ويعجبني منظر البحر إذا رأيته، ومنظر الجبل إذا مشيت فيه، وأتلذذ جدًّا من كتاب أشتريه، وأفرح برمضان إذا أتى، وبالعيد إذا أقبل، وأحتفل لهما كل الاحتفال …

وهكذا الجاهل «واسع حوض اللذة»؛ فهو يتلذذ من أكلة فخمة، ومن ثوب جديد، ومن نكتة رائعة، وكل اهتمامه بجنيه يربحه ثم ينفقه، وببيت يشتريه، وبأكلة يأكلها، وبثوب يلبسه، وكلما رقى الإنسان وكثر علمه وارتقت ثقافته وكثر تأمله ضاق حوض اللذة عنده، فلا ترضيه أكلة، ولا يلذه منظر، والمتنبي يعبر عن ذلك بقوله:

يقولون لي ما أنت في كل بلدة؟
وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى

وأوضح من ذلك ما قاله:

وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام

وها أنا ذا لما كبرت ضاق عندي حوض اللذة جدًّا، فإذا ربحت مائة جنيه لم أتلذذ منها لذتي بالقرش الذي كان يعطينيه أبي، وإذا نظرت إلى منظر طبيعي لم أتلذذ منه كما كنت أتلذذ في الماضي، وإذا نظرت إلى رواية تمثيلية أو رواية سينمائية لم أتلذذ منها كما كنت أتلذذ أيام شبابي؛ فالطفولة والشباب كانا يضفيان على كل شيء، مما يجعلنا نتلذذ أكبر لذة ونتحمل الألم في ثبات، فلما زال الشباب زال كل شيء، وصدق الشاعر إذ يقول:

ما كنت أوفى شبابي كنه عزته
حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع

ولذلك نرى الشباب يضحك من كل شيء، ويسر من كل شيء، وسبب ذلك ما قلنا: من أن حوض اللذة عندهم واسع، فإذا انقضى ضاق حوض اللذة، فلم يضحكوا كما كانوا يضحكون، ولم يطربوا كما كانوا يطربون.

ولست أدري، أخير الناس من ضاق حوضه أم من اتسع حوضه! أما أرسطو فكان يفضل الإنسان الحزين على الإنسان المرح، ولذلك كان يفضل المأساة على الملهاة.

أما أنا فقد أوافق أرسطو في أن الحزين أنفع للناس، وأكبر خيرًا وإفادة، ولذلك كان أكثر المصلحين من أكثر الناس حزنًا، يحز في نفوسهم ما يرونه من ضلال الناس وفسادهم وظلمهم، ويعملون جاهدين على إصلاحهم وتقويم معوجهم، ولو أداهم ذلك إلى الموت، ولكن هؤلاء الحزناء شر على أنفسهم، فهم دائمًا قلقون حائرون مضطربون، فلئن دعوت لنفسي دعوة صادقة، فإني أسأل الله أن يوسع حوض لذتي.

(١٠) التأقـلم

يظهر أن التأقلم قانون طبيعي في كل الأشياء جمادها ونباتها وحيوانها؛ فإذا أنت صببتَ ماءً حارًّا على ماء بارد، حارَا واضطربا، حتى يتأقلما فيأخذ الحار من البارد بعض برودته، ويأخذ البارد من الحار بعض حرارته.

وإذا أنت نقلت نباتًا من نباتات البلاد الحارة إلى أرض معتدلة الجو حار كذلك واضطرب، واحتاج إلى مدة حتى يتأقلم ويعدل نفسه وفق الجو الجديد، والحيوان المتوحش الذي يعيش في الصحراء يحتاج إلى مدة طويلة حتى يتأقلم فيستأنس.

والإنسان كذلك يعيش في وسط غير وسطه الأول فيحار ويضطرب حتى يعدل نفسه وفق الوسط الجديد، وما فرحه بالمولود الجديد وحزنه على الولد الفقيد إلا مظهر من هذا التأقلم، لقد عاش وفكره غير مشغول بالولد حتى إذا رزق الولد احتاج إلى زمن يتأقلم فيه حتى يواجه حياة الآباء، وفي الحالة الثانية عاش على فكرة الولد، فإذا زال حزن؛ لأنه غيَّر ما اعتادته غددُ فكرِه، واحتاج إلى زمن حتى يتأقلم فيعتاد فقدان الولد.

وكذلك الشأن في الأمم، تحتاج الأمة المتبدية إلى زمن تتأقلم فيه حتى تتحضر وقد احتاجت الأمة الإسلامية إلى زمن طويل حتى هضمت المدنية الحديثة وألفتها، والأمة التي انحطت في حاجة إلى زمن طويل يجهَدُ فيه المصلحون حتى تنصلح، وهذا هو السر في ثورة الشباب وجمود الشيوخ؛ فالشباب لجدته يتقبل الأفكار الحديثة، والشيوخ لما مرنوا عليه من أفكار يرفضونها، وهكذا في حال انتقال الإنسان من عاطفة إلى عاطفة، ومن حزن إلى فرح، ومن فرح إلى حزن، ومن رغبة إلى رهبة، ومن رهبة إلى رغبة، وربما كان مما يساعد على سرعة التأقلم مساعدة الجو الجديد ليناسب الشيء القديم؛ فأنت إذا نقلت شجرة مانجو من الهند الحارة، فإنه يساعد على تأقلمها أن تحيطها بجو حار من جنس جوها؛ فإذا أنت عرَّضتها لجو شديد البرودة لم تعطها فرصة التأقلم فماتت، وإذا أردت إصلاح أمة فلا تصلحها طفرة؛ فإنها إذ ذاك يخشى عليها من الضرر، ولكن أصلحها تدريجًا وبخطوات متعاقبة، كلما خطت خطوة أتبعتها بأخرى؛ ولذلك كان في العادة الإصلاح بالتدريج خيرًا من الإصلاح بالثورة.

وربما استحسنوا من أجل ذلك أن يتزوج الغضوب بحليمة، والمرح برزينة، والمسرف بالمقترة وهكذا؛ لأن هذه الخصال المتناقضة إذا تأقلمت اعتدلت، فيأخذ الغضوب من حلم الحليمة، والمرح من رزانة الرزينة وهكذا.

والطبيعة لا تعرف الطفرة؛ فبعد الظلام الحالك يكون نور الفجر الكاذب والفجر الصادق حتى يعتدل النهار.

ومن الصعب عند مقابلة الشمس بالظل أن تقول: إن هذا ظل بحت أو شمس صِرْفة، فهناك خط بين الظل والشمس؛ وبين الشتاء والصيف ربيع وخريف يُعدان للانتقال.

(١١) الاستعمار

للاستعمار أنواع كثيرة وأشكال مختلفة، ولكن أكثره مؤسس على الاقتصاد السياسي؛ فهو يرمي إلى انتفاع أهل البلاد المستعمِرين ما أمكنهم ذلك، ولذلك خدمت السياسة الاقتصاد.

والمستعمر في الغالب يرمي إلى ثلاث مسائل:
  • الأولى: استغلال أموال أمته في البلاد المستعمرة؛ فإذا كان الممول يستطيع أن يستغل ماله في بلده لثلاثين في المائة مثلًا، وفي البلاد المستعمَرة لأربعين في المائة وجهها إلى هذه البلاد بحكم قوانين الاقتصاد.
  • والثانية: استغلال المواد الخامة في الأقطار المستعمَرة كالقطن والحديد والحبوب ونحو ذلك، مما خلت بلاد المستعمِر منها أو قلت فيها.
  • والثالثة: تصريف المستعمِر بضائعه في البلاد المستعمَرة؛ وذلك بصناعة المواد الخامة ثم ترويجها.

هذه هي أهم ما يرمي إليه المستعمِر، وليس الاستعمار في ذاته شيئًا محبوبًا؛ لما يلاقيه المستعمِر من المتاعب، ولكراهية المستعمَر طبيعيًّا للاستعمار.

ثم تاتي السياسة بعد ذلك فتمهد الطريق لتحقيق هذه المطالب، فالجنود التي يرسلها المستعمِرون إلى البلاد المستعمَرة إنما هي لحماية هذه الأغراض من الثورات التي تقوم في البلاد، أو صدًّا لطموح أمة أخرى تحل محلها.

ولتحقيق هذه الأغراض تتخذ الأمة المستعمِرة وسائل كثيرة لتحقيقها؛ منها: إضعاف روح المستعمَر حتى لا يفهم فيطالب بالاستقلال، وقد يعتمد في ذلك على تفريق الأمة بالأحزاب وإيقاع الخلاف بينها، او على إفساد أخلاقها بكثرة المسكرات، واستهوائهم بالفتيات الجميلات اللائي يخدمن الاستعمار ونحو ذلك. ومنها: إضعاف لغة البلاد وتقوية لغتها هي، علمًا منها بأن الناس يميلون إلى القوم الذين يتكلم المستعمَرون لغتهم، وقد يستهوون المستعمرين بإنشاء مدارس لهم نموذجية، حتى يوهموا المواطنين بأن منهجهم خير من مناهج أهل البلاد، وحتى يشجعوا أهل البلاد بالإقبال عليها. ومنها: اختيار الوظائف لمن يثقون بتأييدهم، والعمل لمصلحتهم، ومقاومة الوطنيين والزعماء، وبث الدسائس لسقوطهم في نظر أمتهم ورميهم بالخيانة. ومنها: تقوية الزراعة وتوجيه الناس إليها حتى لا ينافسوهم في صناعاتهم، ويفهمونهم بأن بلادهم زراعية لا صناعية، واجتهادهم في فرض ضرائب كبيرة على المنتجات الوطنية، حتى تغلوَ أسعارها فتتسع التجارة الأجنبية، إلى غير ذلك من وسائلَ لا تحصى، وأهم عدو لهم في ذلك، الإسلام والمسلمون، لا اليهود ولا الوثنيون؛ لأنهم يعتقدون أن الإسلام يدعو إلى أن تكون بلادُ المسلمين لهم لا لغيرهم، ويفرض عليهم المقاومة ما أمكنهم، ولا يصح أن يفرطوا في أي بلد يدخل في نطاق دار الإسلام؛ ولذلك قال أحد الزعماء الفرنسيين: يجب أن تحارب اللغة العربية؛ لأنها وسيلة لتعليم القرآن، والقرآن يأمر بالجهاد في سبيل الاستقلال.

نعم، إن بعض الاستعمار ليس القصدَ منه الاستغلال، وإنما القصد المحافظة على الطرق الحربية، كاحتلال الإنجليز لجبل طارق، ولو لم يكسبوا منه ماديًّا، ولكن ذلك قليل بجانب ما أسلفنا من أسباب الاستعمار.

إذا علمنا ذلك أمكننا أن نعرف كل داء فنعالجه بدوائه لا بشيء أخر؛ فعلاج توظيف رءوس الأموال الأجنبية إنما هو مقاومتها بتوظيف الأموال الوطنية، وفرض استخدام عددٍ معينٍ بنسبة مئوية من المواطنين على الشركات الأجنبية، والاجتهاد في تشجيع المنتجات الوطنية ومقاومة المواد الأجنبية.

ومن وسائل الشركات الأجنبية الماكرة، التهرب من قوانين البلاد والتستر وراء مواطن يحتمون باسمه، ويتهربون من الواجبات تحت ستار منه، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن وسائلهم أيضًا في ذلك، استخدام ذوي النفوذ من المواطنين ليحتموا بهم ويحققوا لهم أغراضهم.

وعلاج استخدام المواد الخامة في البلاد، هو منعُها قدر الإمكان من أن تصل إلى الأجانب، وتوسيع المصانع الوطنية التي تستخدم خامات المواطنين.

وعلاج ترويج الصناعات الأجنبية إعلاء الجمارك والضرائب عليها، حتى تكون أثمان السلع الوطنية أقل من أثمان السلع الأجنبية فيقبل الناس عليها، والاجتهاد في تحسين المصنوعات الوطنية حتى تفوق أو تقارب الصناعات الأجنبية، وهكذا.

وإذا علمنا ذلك أيضًا، أمكننا أن نفهم سخافة مقاومة الاستعمار بكسر فوانيس الشوارع أو إحراق الترام أو إضراب المدارس، إلا أن يكون ذلك علامة على بغض الاستعمار، وإظهارًا للعواطف الثائرة أو نحو ذلك؛ فهذا علاج لا يقابل الداء.

والعلاج الصحيح الذي ذكرنا يحتاج إلى ثقافة في أساليب الاستعمار واسعة، وتنبيهٍ شديد للوعي القومي، حتى يدركوا صحة موقفهم، ويدركوا كيف يعملون لمقاومة خصومهم؛ ومتى أدرك المستعمِر أنه لا يستطيع تحقيق أغراضه لم يعد يرى أن للاستعمار فائدة فانسحب بسلام؛ وهذه كانت طريقة غاندي وأمثاله التي ترتب عليها انسحاب الإنجليز من الهند، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

هذه نظرة الذوق الفطري للاستعمار، ولا بد أن يكون عند المختصين في الاقتصاد والسياسة ما هو أدق من ذلك وأوسع.

(١٢) هل الحق حق حيث كان؟

ذهب الأستاذ الفاضل نقولا الحداد في نقده لكتابي (هارون الرشيد) إلى أن الحق حق حيث كان في كل زمان ومكان، والباطل باطل كذلك حيث كان ومؤاخذة الناس على الحق والباطل واحدة في كل العصور، ولست أرى هذا الرأي؛ فقد أوافقه على أن الحق والباطل حقائق مجردة في كل زمان ومكان، لا يتغيران بتغير الأشخاص، ولكني أخالفه في مؤاخذة الناس عليهما مهما تغيرت البيئة، فالمؤاخذة إنما تكون بمقدار تقدير الناس للحق والباطل وفهمها، هؤلاء المصريون من عهد قريب كان نساؤهم يتحجبن وكان الرجال يرون أن الحجاب فضيلة، ثم سفرْن فرأى الرجال أن السفور فضيلة، والحجاب رذيلة، والمصريون عادة أقل تقديرًا للصدق والأمانة من الإنجليز والألمان، فيجب أن نؤاخذ المصريين عليهما أقل مما نؤاخذ الألمان والإنجليز، والمصريون يقدرون العفة أكثر مما يقدرها الألمان والإنجليز، وليست المسئولية على هؤلاء وهؤلاء واحدة، بل إن الأمة الواحدة قد يختلف تقديرها للفضيلة بحسب المكان، فلا تكون المؤاخذة واحدة؛ فالغيرة في الصعيد أكثر منها في البحيرة، فإذا قتل الصعيدي زوجته أو أخته غيرة لم يؤاخذ كما يؤاخذ البحيري، والقضاة يعلمون ذلك، فيفرقون في الحكم بينهما، ولا يقدر الإنجليز والفرنسيون الغيرة كما يقدرها الصعايدة والبحاروة، وبذلك تختلف قوة المؤاخذة، والطفل أو الشاب إذا ارتكب جريمة خصوصًا في الجرائم التي تدفع إليها الشهوات أو قوة الشعور لم يؤاخذ عادة كما يؤاخذ الشيخ المسن، الذي كثرت تجاربه وضعفت مشاعره، وهكذا من آلاف الأمثلة، فهل يريد الأستاذ أن يؤاخذ الناس الرشيد وهو في عصر لم يكن الناس فيه يعرفون حق الحياة وحق الحرية، كما نؤاخذ من تعدى عليهما اليوم؟ إن ذلك والحق يقال يكون جرمًا فظيعًا، ومن أجل هذا شرّع في القوانين الحديثة تقدير الظروف التي ارتكب فيها المجرم إجرامه، وليس من الحق أن نكلف عامة الشعب فوق طاقتها، فنحملها مسئولية ما لم تفهم وما لم تقدر، وإن كان الحق حقًّا في ذاته، والباطل باطلًا في ذاته، بل إن عوامل الفصول المختلفة تجعل الإجرام في فصل أشد من الإجرام في فصل آخر، فالفقير إذا اشتد به الجوع وسرق رغيفًا في الأيام القاسية البرد كان أخف جرمًا من غني سرق رغيفًا في أيام الصيف، وعمر بن الخطاب لم يوقع الحد على فقير سرق ناقة وقد اشتد به الجوع، ولم يوقع حد الشرب على أبي محجن الثقفي؛ لأنه أبلى في الحروب بلاءً حسنًا، وأوقف الحدود كلها في أيام الحرب لما رأى أن بعض من وجب عليه الحد يفر إلى بلاد الأعداء، أفبعد هذا كله يصر الأستاذ على أن المسئولية في جميع العصور والأمكنة واحدة لا تتغير؟

الحق فيما أرى أنها تتغير قوة وضعفًا، وأن الرشيد لو ارتكب نكبة البرامكة اليوم لكانت مسئوليته أشد، ولو ارتكبها في إنجلترا أو ألمانيا كانت مسئوليته أكبر مما إذا ارتكبها في مصر أو بغداد؛ لأنهم هناك يقدرون الأمور ويعرفون الحقوق أكثر مما نعرف ونقدر.

هذا ما أرى وللأستاذ رأيه، فإما أن يرجع إلى الحق حسب ما أرى، وإما أن يصر على رأيه، ولكل وجهة هو موليها، وأشكره أخيرًا كما شكرته اولًا على حسن تقديره للكتاب.

(١٣) الإنسان حيوان محارب

عالج بعض الفلاسفة الحرب ودعوا إلى السلم، وجاءت الأديان من نصرانية وإسلام تحبذ السلم، ودعا إلى ذلك بعض فلاسفة اليونان وبعض قياصرة الرومان، ولكن العقبة الوحيدة كانت غريزة الإنسان التي تحب الحرب وتكره السلم، ويظهر أنها وراثة من وراثات الحيوانات المتوحشة التي كانت هي أصل الإنسان، حتى أصبحت الأديان التي تدعو إلى السلام كذلك مظهر حرب، ولم يكتفِ الإنسانُ بالحرب في ميادين القتال، بل قاتل في التجارة والصناعة، ولم يكتفوا في لعب الأولاد بلعب السلام، بل أتوهم بلعب الحرب أيضًا.

وليس الجدال في المجالس إلا نوعًا من أنواع الحرب، وكذلك المناظرات والتسابق على الأولية في المدارس والجامعات، وكما نرى آثار الحرب ظاهرة بين الإنسان والإنسان، فهي كذلك ظاهرة بين الحيوانات، فالدنيا كلها حرب حتى ظواهرها الطبيعية فلو قلنا: إن الإنسان محارب بطبعه لم نبعد، ولسنا نصل إلى السلم فيما يظهر إلا بعد أجيال طويلة، نعدل فيها برامج التربية، ونقلم فيها أظفار الغرائز الحربية.

(١٤) البتُّ والتردد

لو سئلت أن أضع قائمة للفضائل بحسب ترتيبها لعددت البت في أولها، وأكره ما أكره التردد، يقدم الرجل رِجلًا ويؤخر أخرى، ويقدم ثم يحجم، ويحجم ثم يقدم، وتفوت بذلك الفرص وتتعقد الأمور، وكثير من الناجحين في الحياة إنما نجحوا لبتِّهم لا لترددهم، وقد اشتهر العنصر الأنجلوسكسوني بسرعة البت في الأمور، ولذلك نجح وفتح واستعمر، وكان العرب يمدحون الفتى بسرعة البت وقوة الحزم، ويقول قائلهم:

إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمه
ونكب عن ذكر العواقب جانبا

ويحمل على التردد الهرب من المسئولية، فإن العمل تصحبه المسئولية دائمًا، فهو يفضل ألا يعمل حتى لا يسأل، وهذا عين ما تقع فيه حكومات الشرق — تتردد حتى لا تسأل، وتسير على الطريقة المتبعة حتى لا تسأل، وتَسأل دائمًا عن السوابق حتى تأمن الخطأ، ولذلك قل عندها التجديد، وعندي أن البت مع الخطأ خير من التردد مع الصواب.

١  نشرت هذه الخواطر تحت هذا العنوان في مجلة الثقافة، تباعًا، خلال سنة ١٩٥٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠