هل نحن مسئولون عن حياتنا الاجتماعية؟

في الإسلام مبدأ أساسي عظيم لم يوله المسلمون حقه من العناية والرعاية كما ينبغي، يرمي هذا المبدأ إلى تقرير أن الإنسان ليس مسئولًا من عمله فحسب بل هو مسئول عن حياته الاجتماعية التي يحياها في الناس.

هذا المبدأ سمي في القرآن الكريم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووردت فيه الآيات الكثيرة مثل: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، فقرن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصلاة.

وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وعدَّ المؤمنين خير الأمم لرعايتهم هذا المبدأ فقال: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وقال: الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ.

وعبر عن هذا المبدأ بتعبير آخر فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وذم اليهود بأن أحبارهم لم يكونوا ينهونهم عن الفساد في الأرض فقال: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ، وقال: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وعبر عن المبدأ في صياغة أخرى فقال: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وقال: لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، وقال: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، إلى كثير من مثل هذه الآيات وكلها ترمي إلى وجوب أن يكون كل فرد في المجتمع مسئولًا عن مجتمعه مراقبًا لشؤونه ثم هو لا يكتفي بالمراقبة بل يتدخل بمقدار مركزه الاجتماعي فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

ثم ما هو المعروف وما هو المنكر؟

يميل الإسلام إلى القول بأن في الإنسان ملكة يعرف بها أمور الخير وأمور الشر من غير حاجة إلى فلسفة أو إطالة بحث، فأصول الخير ومناحيه معروفة عند جميع الناس إلا من فسدت طبيعته، وأصول الشر ومناحيه منكرة عند الناس كذلك، فالناس حتى العامة يعرفون أن الصدق والأمانة والوفاء بالعهد والعدل أمور مستحسنة يجب الإتيان بها فسماها كلها «معروف» والناس يعرفون أن أضدادها من ظلم وجور وكذب أمور مستهجنة يجب البعد عنها فسماها القرآن «منكر»، ولذلك قال بعض اللغويين: المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكره العقل أو الشرع.

وأوضح رسول الله وأصحابه هذا المبدأ بكثير من أقولهم وأفعالهم فقال رسول الله: «إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه» وقال: «لا تقفن عند رجل يضرب مظلومًا فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه» وقال: «لا ينبغي لامرئ شهد مقامًا فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولا يحرمه رزقًا له» وسأل رجل رسول الله: «أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم، بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله»، وسئل حذيفة عن ميت الأحياء فقال: «هو الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه»، وقال بلال بن سعد: «إن المعصية إذا اختفت لم تضر إلا صاحبها فإذا أعلنت ولم تغير أضرت بالعامة»، وكان علي بن أبي طالب يقول: «إذا لم يعرف بالقلب المعروف وينكر المنكر ينكس فجعل أعلاه أسفله»، وهذا رمز إلى أنه لم يعد قلبًا ذا قيمة.

وكان من أثر هذا المبدأ وجود نظام الحسبة في الإسلام وهو نظام دقيق مفصل، الغرض منه منع المنكرات بالوسائل الممكنة من غير تجسس، وتفصيل هذا النظام يطول.

وكل ما نريد أن نقول: إن هذا المبدأ الهام — مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — مبدأ يربط بين أفراد الأمة رباطًا وثيقًا ويمنعها من الانحلال؛ لأنه يشعر كل فرد بأنه مسئول إلى حد كبير عما يجري حوله من ضروب الخير والشر ويطالبه بالتدخل في الشر حسب قدرته وحسب مركزه الاجتماعي ليمنعه — هو مبدأ يقضي على هؤلاء الذين يصح أن نسمهم «اللاباليين» وهم الذين لا يبالون بأي شيء لا يتصل بأشخاصهم، ولا يكترثون لما يقع حولهم؛ فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مبدأ اعتبار الأمة كلها وحدة تتأثر كلها بما يضر جسمها، إن هذا المبدأ يرقى بالأمة رقيًّا عظيمًا.

•••

من مقتضى هذا المبدأ أن كل فرد في الأسرة مسئول عن سعادة أسرته، فليس للرجل ولا للمرأة أن يقول: لا أبالي، فكل فرد مسئول عن البيت، يجب أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجب أن يشعروا أن سعادة البيت أو شقاءه نتيجة تيقظهم أو إهمالهم واحتمالهم العبء أو الهرب منه.

وتصوروا كل هيئة من الهيئات الاجتماعية أو كل حزب من الأحزاب السياسية، جرى كل فرد فيه على هذا المبدأ، فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، أو بتعبيرنا الحديث: دعا إلى الحق وهاجم الباطل، وتصوروا برلمانًا هذا شأنه، ليس له غاية إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل، وتصوروا كل مصلحة من المصالح الحكومية وغير الحكومية جرت على خطة الغضب للحق والوقوف أمام الباطل.

إن مجتمعًا يسير على هذا المنهج من غير شك — هو المثل الأعلى للمجتمعات، وبمقدار سيره على هذا المبدأ أو انحرافه يكون رقيه وانحطاطه — فلا يصح لفرد في أسرة أن يقول: فلأنعم بطيبات البيت وما فيه من مأكل لذيذ وفرش وثير وبعدي الطوفان، وليس لحزب سياسي على هذا المبدأ أن يقول: ما دمت لست في الحكم فلأغل يدي ولأترك الحزب الذي في الحكم يعمل ما يشاء حتى تظهر للأمة ثمرة عمله، فهذا وأمثاله فرار من المسئولية التي يلقيها علينا هذا المبدأ الإسلامي العظيم، وهو أن الخير الذي يقع خير الأمة، والشر شر الأمة، وليس لأحد أن يفر من المسئولية وليس من حق أي جزء في الجسم أن ينفصل عنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠