الثقافة الأدبية والثقافة العلمية

نعني بالثقافة الأدبية المعنى الواسع الذي استعمل فيه كلمة كلية الآداب؛ إذ تشمل الدراسة الأدبية من شعر ونثر والجغرافيا والتاريخ والفلسفة وآداب اللغات، كما نعني بالثقافة العلمية المعنى الذي استعملت فيه كلمة كلية العلوم من طبيعة وكيمياء ورياضة وجيولوجيا ونحوها.

والحق أن لكل ثقافة من هاتين الثقافتين ميزاتٍ وأضرارًا، فمن ميزات الثقافة الأدبية توسيع الذهن وتربية العواطف وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ومن أضرارها عمومها وعدم دقتها وقبول من تثقف بها للجدل وقدرته عليه واستطاعته إقامة البرهان المنطقي على الشيء ونقيضه إلخ.

ومزية الثقافة العلمية التحديد والدقة؛ إذ كلها تقريبًا مثل ١ + ١ = ٢ أو مضاعفات ذلك، هذا إلى أن عقلية أصحاب الثقافة العلمية عقلية لا تقبل الجدل، فالمسألة إما صحيحة أو خاطئة، وليس هنالك رأي وسط، ومن عيوبها خلوها من العواطف واقتصار صاحبها على دائرة معينة لا يسبح في غيرها إلا إذا تثقف ثقافة أدبية، ولذلك نرى رياضيين أو مهندسين بارعين وهم ماهرون في فنهم، ولكنهم إذا خرجوا عنه قيد شعرة كانوا أشبه بالعوام.

والثقافتان معًا لازمتان للأمة؛ إذ لا يمكن أن تخلو أمة حية من ثقافة أدبية تغذي العواطف، وثقافة علمية تغذي العقل، ولذلك حرصت كل الأمم تقريبًا على أن يكون لها كلية آداب، وكلية علوم؛ كلية آداب لتحيي الأدب والشعر وتدرس التاريخ اتعاظًا بالماضي، والجغرافيا للثقافة العامة، وكلية علوم تضبط الذهن وتقوي العقل.

ولكننا مع الأسف نرى أن العالم الإسلامي من أوله عنى بالآداب أكثر من عنايته بالعلوم، ومصداق ذلك أننا لو دخلنا مكتبة عربية وجدنا ما يساوي واحدًا في المائة علمًا والباقي أدبًا، ولو حصرنا ما في كتب التراجم مثل ابن خلكان وجدنا أن أكثره أدباء بالمعنى الواسع، وأقله علماء، وبينما نجد مئات الأدباء من شعراء وكتَّاب، نجد بينهم قليلًا من أمثال ابن الهيثم وأبي الوفاء الجوزجاني.

والسبب في هذا على ما يظهر أن الأدباء بطبيعة أدبهم وبطبيعة طول لسانهم كانوا أقرب إلى الملوك والأمراء يمدحونهم ويتزلفون إليهم، بينما لا يستطيع العلماء أن يفعلوا شيئًا من ذلك؛ إذ هم قاصرو اللسان لا يتكلمون إلا بقدر، والأدباء عادة أقدر على السمر اللطيف والحديث الممتع والنكت الطريفة، على حين أن العلماء عادة متزمتون ثقيلو اللسان غير قادرين على النكات.

وكان مظهر غلبة الأدب على العلم إلى عهد قريب أن طلبة الآداب البكالوريا في المدارس المصرية يفوقون بكثير طلبة العلوم عددًا، ومجال الوظائف أمامهم أوسع، فإذا نحن عددنا الدراسة القانونية من الآداب — على توسع كثير في ذلك — وجدنا أن معظم أعضاء البرلمان من المثقفين القانونيين، وكذلك الأمر في معظم الوزارات، حتى لقد يكون من المضحك أن نرى وزير الأشغال أو وزير صحة أديبًا، بينما لا نجد مثلًا وزير معارف أو وزير عدل عالمًا.

•••

وإذا نحن نظرنا إلى المدنية الحديثة وجدناها مؤسسة على العلم أكثر من الأدب، فالصناعات والمخترعات الحديثة والطب وما يحتاج إليه من كيمياء وتشريح وغير ذلك كلها مبنية على العلم، نعم؛ إن المدنية الحديثة لم تهمل الأدب ولكنها مع ذلك قومت العلوم تقويمًا كبيرًا، فما أحوج الشرق وهو يحذو حذو المدنية الغربية ويبني أساسه على أساسها أن يكثر من عنايته بالعلم ويقبل عليه إقبالًا أكثر مما هو عليه الآن، فلدى الشرقيين على العموم موارد خامة غنية يجب أن تبحث وأن تستثمر وتُبنى حياتهم الاقتصادية عليها، ثم لا يصح أن يظلوا عالة على غيرهم، بل لا بد أن ينهضوا نهضة الغرب فيبارونه ولا يقفوا مقلدين له.

ثم إنهم — لثقافتهم الأدبية — كثيرو الكلام، كثيرو الجدل، ولا يتناسب محصول فعلهم مع محصول كلامهم، ومجالسهم مملوءة بالجدل والمناقشة، ومشروعاتهم مملوءة بالبحث من غير نتيجة، وأظن: لو أنه زادت ثقافتهم العلمية أمنوا كل هذه الأخطاء.

بل نرى أن اتجاه الغربيين إلى العلوم وتوسعهم فيها جعلت أدبهم ملونًا بلون خاص، وهو كونه ذا موضوع، على حين أن الأدب الشرقي عبارة عن ألفاظ لا موضوع لها، فنرى مثلًا في المكتبة الغربية كتابًا أدبيًّا في الفلك ككتاب الكون الغامض للأستاذ «جونز» وكتابًا أدبيًّا في العلوم مثل كتاب «العلم من كرسي مريح» إلى كثير من مثل هذه.

ولو ثقف الأديب بعض الثقافة العلمية الواسعة لامتلأ الأدب بالتشبيهات بالمعاني الحديثة، فكم في الكهرباء والمغناطيسية من ذخيرة أدبية، ولو تثقف العالم بعض الثقافة الأدبية العامة لحسن تعبيره ووضح مقصده.

ونحمد الله أن نجد طلبة البكالوريا العلمية قد ازداد عددهم عما كان وطغى على البكالوريا الأدبية، ولكننا نحتاج إلى زمن حتى نجني ثمار ذلك، فلا يزال خريجو الكليات العلمية أقل مما تتطلبه المدارس، وهم تتخطفهم الشركات بأعلى الأجور.

وإذا كثر العلماء بحق رأينا ذلك يتبعه لا محالة نهضة قوية في الصناعات والاختراعات، بل أظن أن ذلك يتبعه أيضًا رقي في الأخلاق، فالمتأدب أقدر من العالم على تسامحه في الأخلاق؛ لأنه أقدر على التأويل، ومصيبة الناس عادة في المتأولين، كما قال البوصيري في إحدى قصائده:

وما أخشى على أموال مصر
سوى من معشر يتأولونا

ونحن لو درسنا الشرق لرأينا فيه من الكفايات ما يكفي للعلم والأدب جميعًا، فالجو الذي أخرج ابن الهيثم والجوزجاني وإسماعيل باشا الفلكي وشفيق بك يكن الرياضي يستطيع أن يخرج غيرهم من العلماء لولا أنهم يوجهون إلى الأدب فيخرجون متوسطين في الأدب، ولو وجهوا إلى العلم لكانوا نابغين، ومن الأدلة على ذلك أن الشرقيين الذين يرسلون إلى أوربا يجلسون مع الطلبة الأجانب فيجارونهم أو يسبقونهم وربما كان أهم عامل في ضعفهم لا قلة عقلهم، ولكن مركب النقص عندهم، فعندهم حالة نفسية يشعرون معها أنهم أقل من أمثالهم من الغربيين، وأنهم لا يحسنون إلا تقليدهم، ولو زال مركب النقص هذا لكانوا مثلهم في الابتكار والاختراع.

•••

إن مشكلة بلاد الشرق على العموم أنها إلى الآن لم تطبق الطرق المتبعة في تقويم مَلَكات الناشئين، فتوجه بعضهم إلى أدب، وبعضهم إلى علم، وبعضهم إلى صناعة أدبية، ولو فعلت لزاد عدد النابغين، وأخذ كلٌّ مكانَه الصالحَ له، أما أن يوجهوا أو يتركوا وشأنهم، تلعب بعقولهم الوظائف الخالية، أو الطموح إلى درجة جامعية، فضرر كبير، نظيره كما إذا أعطيت أديبًا كتابَ فقهٍ، وفقيهًا كتابَ أدبٍ، وشاعرًا كتابَ رياضةٍ، ولو وزع كتاب الرياضة على الرياضي، وكتاب الشعر على الشاعر، وكتاب الفقه على الفقيه، لكان ذلك أكثر فائدة، وأطيب إنتاجًا.

وكم في كل أمة من كنوز مدفونة، في الفلاحين والعمال وعامة الشعب، لا ينقصها إلا اكتشافها، والله الحكيم لم يُخْلِ أمة من ملكات مختلفة، تكفي لسد حاجاتها، كما أنه لم يخل طائفة ممن يعدون نوابغ في كل ناحية، ألا ترى حقل القمح أو الذرة أكثره وسط، ولكنه على ذلك لم يعدم فروعًا تعلو غيرها، وتسمو فوقها، ولا يكون اكتشاف ذلك إلا بتوفيق من الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠