أنا … ونحن

«أنا»، كما هو واضح، تدل على الفردية، و«نحن» تدل على الاشتراك، وقد اشتقوا من «أنا» الأنانية بمعنى حب الذات والاستئثار بمصالحها الشخصية، ولا أدري لماذا لم ينسبوا إلى «نحن»، فيقولوا: «النحنية» للدلالة على الشخص وغيره، أو للدلالة على شعور الشخص نحو مجتمعه.

وبعد هذه المقدمة القصيرة نقول: إنه مما يلاحظ أن الشعوب المتأخرة يغلب عليها الشعور بـ «أنا»، والشعوب الحية المتقدمة يغلب عليها الشعور بـ «نحن»، وأعني بالشعور «بنحن» شعور الفرد بالمجموع البشري الذي ينتسب إليه، سواء كان جميعه أو ناديًا أو أسرة أو قبيلة أو أمة، وكل إنسان عنده الشعوران معًا: الشعور «بأنا» والشعور «بنحن»، ولكن تختلف الأفراد في ذلك اختلافًا كبيرًا، فترى بعض الناس يشعرون شعورًا قويًّا «بأنا»، ويوجهون كل أعمالهم وتفكيرهم نحو مصالحهم الشخصية، بل لا يعملون عملًا ما إلا إذا لمحوا فيه منفعة لهم شخصية، ومن الناس من يقوى عنده الشعور «بنحن»، فهو دائمًا يعمل الخير للناس، ويسعى في إيصال الخير إليهم، ودفع الشر عنهم، ويجد لذته في ذلك، ومن الناس من هو بين بين، وكذلك الشأن في الأمم، أمة يغلب عليها الأنانية، وأخرى يغلب عليها الشعور بالغيرية، كالذين وصفهم الله سبحانه بقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، والذي يلاحظ أنه في الشرق تغلب الأنانية على أفراده، وفي الغرب تغلب الغيرية على أفراده، ولذلك عدة مظاهر:
  • (١)

    شعور الفرد في الشرق بناديه أو بحزبه أو بالجماعة التي ينتسب إليها أو بأمته شعورٌ ضعيف، على عكس ذلك في الغرب، فشعور الفرد هناك نحوها كلها شعور قوي، ولذلك تنجح في الشرق أعمال الأفراد أكثر مما تنجح أعمال الجماعات، كالشركات والنوادي والجمعيات، وكم سمعنا بجمعيات وشركات تأسست في الشرق، ثم أفلست، وحتى الجمعيات التي تنجح إنما تنجح لفرد قوي يرأسها، ويوجهها، ويحمل أكثر أعبائها، في حين أن باقي الأعضاء يتكلون عليه، فهو في الواقع عمل فرد في شكل جمعية؛ لأن نجاح الجمعية كجمعية معناه أن أفراد الجمعية كلهم يعملون، كآلة الساعة: عقرب وبندول ورقاص وغيرها، كلٌّ يعمل عمله، فيكون من جراء ذلك ساعة مضبوطة، وهي درجة ما أظن أن الشرق وصل إليها، وهي أشياء لا بد منها في حياة المجتمع الراقي.

  • (٢)

    ومن مظاهر ذلك أيضًا أننا في الشرق نحترم الملكية الخاصة، ولا نحترم الملكية العامة، مثال ذلك: أننا في الشارع لا نشعر بأنه ملك للناس كلهم، وكأنه ملك لنا وحدنا، فنرمي فيه بالأوراق وبقشور الفاكهة وبالقاذورات، ولو كنا نشعر بأنه ملك عام للناس كلهم ما أجزنا لأنفسنا ذلك، بل ونستجيز لأنفسنا أن نقطف وردة من حديقة عامة، مع أن الوردة ليست ملكنا، ولكنها ملك للناس كلهم، يتمتعون بمنظرها ورائحتها، وتعجبني حكاية لطيفة أن الشيخ محمد عبده كان يركب سفينة مع صديق له فسار الصديق في السفينة حينًا وعاد، فوجد الشيخ محمد عبده يبكي، فقال له: مم تبكي؟ قال: رأيت مربية إفرنجية على السفينة تربي طفلًا صغيرًا، فجرى الطفل نحو وردة في أصيص من الأصص وقطفها، فأنبته على عمله تأنيبًا شديدًا، وكان مما قالته له: إن الوردة ليست ملكك حتى تقتطفها، ولكنها ملك لركاب السفينة جميعًا، بل ولركابها غدًا، فأنا أبكي لأن هذه المعاني الراقية لم يفهمها حتى علماؤنا.

    ومن هذا القبيل ما نراه في حفلات السينما والتمثيل وحفلات الموسيقى، فكل فرد منا يشعر «بأنا» على حين يشعر الغربي «بنحن»، ونتيجة ذلك أن الشرقي يستبيح لنفسه في هذه الحفلات أن يتكلم مع صديقه بصوت عال يشوش على من بجواره، خصوصًا إذا كان من الطبقة الأرستقراطية، فيشعر بأنه فوق القانون وفوق الجميع، من غير أن يشعر أن عليه واجبًا أن يحترم حقوق الآخرين، فإذا أنت نبهته إلى ذلك برفق تجهم، وقال: إنه حر يفعل ما يشاء، نعم؛ إنه حر، ولكن حريته مقيدة بمصالح الآخرين، ككل حرية، ونحن نرى أن الغربي إذا أراد أن يحدث صديقه في سينما أو تمثيل أو في ترام حدثه همسًا، بحيث لا يشعر بذلك من بجواره؛ وذلك لقوة شعوره «بنحن».

  • (٣)

    وحتى في العمال الخيرية، كالإحسان على الفقير، يشعر الشرقيون «بأنا» لا «بنحن»، فالشرق في الغالب لا يحسن إلا إذا فاجأه الفقير وألح عليه بالسؤال، وهو إذا أعطاه أعطاه يدًا بيد، وكل هذا من غلبة الشعور «بأنا»، أما الغربي فيشعر «بنحن»، فهو يشعر بالفقراء لا بالفقير، وبالمرضى لا بالمريض، فهو يتبرع للجمعيات الخيرية التي تصرف أموالها على الفقراء والمرضى؛ إذ إن شعوره «بنحن» يشعر بأن في أمته طبقة من الفقراء والمرضى يجب عليه أن يشاركهم في شعورهم، ويتبرع بجزء من ماله لهم.

    وهذا الشعور غير الشعور بالفردية وأرقى منه، كالذي قاله علماء النفس في الأطفال: إن الطفل يبدأ فيفهم الأبيض ولا يفهم البياض؛ لأن الأبيض جزئي، والبياض كلي، وفهم الجزئي يتقدم فهم الكلي.

•••

من أجل ذلك كله وجب على القادة في الشرق أن يضعوا أمام أعينهم التربية الاجتماعية، في الأسر، وفي المدارس، وفي المحال العامة، فلا يسمحوا للأفراد أن يسيروا حسب ميولهم الفردية، بل يشعروهم بأنهم جزء من مجتمعهم الذي هو المدرسة أولًا، والأسرة ثانيًا، والمجتمع العام ثالثًا، ولا يسمح لفرد أن يسير وفق هواه، فإذا اعتاد العمل والتفكير في المجموع وهو طفل سهل عليه أن يراعي ذلك وهو كبير، بل نستطيع أن نعودهم ذلك في ألعابهم، فإذا لعب الكرة مثلًا قوينا في نفسه أنه مسئول عن فرقته اللاعبة معه، وأنه إذا غلب فغلبته لفرقته، وإذا قصر أو لعب لعبة رديئة أثر ذلك أثرًا سيئًا في فرقته، فذلك يشعره «بنحن» أكثر من شعوره «بأنا»، وعلى هذا ما جرى عليه العمل الآن مبدئيًّا في بعض المدارس من تقسيم الطلبة إلى فرق: فرق تعنى بالفن، وأخرى بالتاريخ، وثالثة باللغات، وهكذا، وكل فرقة لها شارة معينة، وكل طالب من فرقة يفتخر بأن فرقته نجحت، ويخجل أن فرقته فشلت، وفي هذا كله درس قوي من الشعور «بنحن».

ومما ساعد الغربيين على هذا الشعور «بنحن» التربية العسكرية، فالجندي في الفرقة يشعر بأنه جزء من الفرقة كلها، في نظامها وألعابها وحربها، وأنه مسئول عن كل شيء يصيب الفرقة.

وفي الحديث الشريف أن جماعة ركبوا سفينة فأخذ أحد الركاب يكسر لوحًا من ألواحها، قال الحديث: فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا. وفي هذا شعور كبير بالتضامن؛ وبعبارة أخرى: شعور «بنحن»، وفي القرآن الكريم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً، أي أن الظالم والجاهل والسيئ العمل لا تعود نتيجة عملهم على أنفسهم فقط، بل تتعدى إلى جميعهم ومن يشاركونهم في حياتهم الاجتماعية.

وأنت إذا أردت أن تحسب قوة أسرة أو فرقة عسكرية، أو حتى قوة أمة، فلا تحسب ذلك بعددها وثروتها، وإنما تحسب ذلك بالحبال التي تربطها، فإن كانت الحبال متينة فاعلم أنه مجتمع قوي متين، وإنما أُتِيَتِ الأممُ من قِبَلِ ضعفِ الروابطِ بين أفرادها، وانحلال عرواتها.

فإذا أرادت أمة أن تنهض فلتجعل من أول واجباتها البحث في عوامل انحلالها، ولْتُعْنَ بالروابط بين أفرادها، ولتعالج هذا الأمر، في أطفالها في مدارسهم وألعابهم، وفي جنودها بالنظم المحكمة التي تزيد من روابطهم وتجعل كل جندي يشعر «بنحن» أكثر مما يشعر «بأنا»، ولتنشر التربية العسكرية بين كل شبانها، ولتجعل من أهم أغراضها تقوية الشعور «بنحن» إلى أبعد حد، ووقف الشعور «بأنا» إلى الحد الذي يتطلب المحافظة على الذات، ولا شك أن هذا مطلب شاق عسير، ولكنه في الإمكان.

والتربية الإسلامية الأولى نجحت في ذلك نجاحًا كبيرًا، فكم من أمثلة كثيرة ضحى فيها الأفراد بمصالحهم الشخصية للمصلحة العامة، فهذا عمر يرضى أن يعيش عيشة في منتهى البساطة ليسعد الناس، وهذا عثمان يتبرع بالمال الكثير لإنشاء جيش، وأمثالهما كثير مما لا يعد ولا يحصى، ولكن من الأسف خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ لم يكن أمام أعينهم إلا «أنا»، وقال قائلهم: «ومن بعدي الطوفان»، فيستبيح لنفسه أن يظلم ما استطاع أن يظلم، وأن يجني لنفسه المال ويتمتع بالشهوات ما أمكنه ذلك، وأن يعيش عيشة في منتهى الترف ولو تضور الناس من حوله جوعًا، فكان من ذلك تدهور الشرق على النحو الذي رأيناه، وهو لا يصلح إلا بازالة كل عوامل الفساد، وتأسيسه على أسس جديدة أولها وضع «نحن» موضع «أنا».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠