الفصل الحادي والأربعون

الشُّرفة

حين وصلنا إلى كور ديلين، قصدنا المستشفى على الفور. كان جدي قد حاول إيقاظ جدتي حين وقعت عيناه على البحيرة. قال: «عزيزتي!» مالت جانبًا على المقعد. «عزيزتي!»

قال الأطباء إنها أصيبت بسكتة دماغية. أصرَّ جدي على البقاء معها أثناء خضوعها للتحاليل، مع أن طبيبًا متدربًا حاول ثنيَه. قال: «هي غائبة عن الوعي. لن تشعر بحضورك من عدمه.»

«يا ولدي، أمضيت خمسين عامًا لم أبرح جوارها إلا ثلاثة أيام رحلت فيها مع رجل البيض. ها أنا أمسك بيدها، أترى؟ لو أردتَ أن أتركها فستُضطر إلى قطع يدي.»

سمحوا له بالبقاء معها. وبينما كنتُ منتظرةً في الرَّدْهة، دخل رجل ومعه كلبة بيجل عجوز.

أخبره موظف الاستقبال أن سيضطر لأن يترك الكلبة بالخارج. قال الرجل: «وحدها؟»

قلت: «سأجالسها. كان لديَّ كلبة مثلها ذات يوم.» صحبت الكلبة للخارج، وحين جلستُ على العشب، وضعت رأسها في حجري وأطلقَت تلك الهمهمة المميزة للكلاب. كان جدي يسميها قرقرة الكلاب.

تساءلتُ إن كانت السكتة الدماغية التي أصابت جدتي لها أي علاقة بعضة الثعبان، وإن كان جدي يشعر بالذنب لخروجه عن الطريق السريع وتوقفه عند ذلك النهر. لو لم نقصد النهر، لما لدغ ذلك الثعبان جدتي. ثم بدأت أفكر في طفل أمي الذي ولد ميتًا، وأني ربما لو لم أتسلق تلك الشجرة، ولو لم تحملني أمي، لربما عاش الطفل ولما اضطرت أمي للرحيل قط، ولظل كل شيء على حاله.

لكن وأنا جالسة تدور كل تلك الأفكار في ذهني، خطر لي أن المرء لا يمكن أن يظل قابعًا في البيت لا يبرحه مثلما حاولت فيبي وأمها أن تفعلا في البداية. بل عليه أن يخرج للدنيا ويرى أشياء ويختبر أشياء، وللمرة الأولى تساءلت إن كان لهذه الفكرة عَلاقة بمرافقتي لجدي وجدتي في تلك الرحلة.

كانت الكلبة البيجل التي ترقد في حجري تشبه كلبتنا مودي بلو تمامًا. ربتُّ على رأسها وصليتُ لأجل جدتي. تذكرت جِراء مودي بلو. في الأسبوع الأول، لم تسمح مودي بلو لأحد بالاقتراب من تلك الجراء. كانت تلعقها لتنظفها وتداعبها. وكانت الجراء تنتحب وتتحسس طريقها إليها قبل أن تنفتح أعينها.

تدريجيًّا، سمحت لنا مودي بلو بلمس الجراء، لكنها كانت تراقبنا عن كثب، وكانت تزمجر إذا حاولنا أن نأخذ أحدها بعيدًا عن ناظريها. خلال بضعة أسابيع، بدأت الجِراء تبتعد عنها بخطًى متعثرة، وكانت مودي بلو تقضي وقتها في إعادتها، لكن لما أتمت ستة أسابيع تقريبًا، بدأت تتجاهلها. كانت تزجرها وتدفعها بعيدًا عنها. قلت لأمي إن مودي بلو صارت مريعة. «صارت تكره جراءها.»

قالت أمي: «ليس ما تفعله مريعًا. بل هو عادي. فهي تحاول فطامها.»

«أيتعين عليها ذلك؟ لماذا لا يمكنها أن تظل ملازمة لأمها؟»

«لأن ذلك ليس جيدًا لها ولا لجرائها. يجب أن تستقل عنها. ماذا لو حدث شيء لمودي بلو؟ حينئذٍ لن تتمكن الجراء من العيش بدونها.»

بينما كنت جالسةً خارج المستشفى أصلي لأجل جدتي، تساءلت إن كان غرض أمي من رحلتها إلى أيداهو يشبه غرض مودي بلو من سلوكها ذاك. ربما فعلته من ناحية لأجلها، ومن ناحية أخرى لأجلي.

حين عاد صاحب الكلبة، رجعتُ للداخل. بعد منتصف الليل أخبرتني ممرضة أن بوسعي أن أرى جدتي.

كانت ترقد شاحبةً دون حَراك على السرير. كانت تتدلى من جانب فمها قطرة صغيرة من اللعاب. كان جدي منحنيًا فوقها يهمس في أذنها. قالت له ممرضة: «لا أظن أن بوسعها سماعك.»

قال جدي: «بالطبع يمكنها سماعي. سيمكنها دومًا وأبدًا سماعي.»

كانت عينا جدتي مغمضتين. وكانت ثمة أسلاك تصل بين صدرها وجهاز مراقبة، وكان هناك أنبوب ملصق بيدها. أردت أن أعانقها وأوقظها. قال جدي: «سيطول مكوثنا هنا يا صغيرتي.» دس يده في جيبه وأخرج مفاتيح السيارة. «خذيها، إذا احتجتِ إلى أي شيء من السيارة» وناولني رِزمةً مكرمشةً من النقود. «إذا احتجت إليها.»

قلت: «لا أريدُ أن أترك جدتي.»

قال: «هي لا تريدكِ أن تظلي جالسةً في هذه المستشفى العتيقة. إن كان لديكِ ما تقولينه لها فاهمسي به في أذنها، ثم اذهبي وافعلي ما عليكِ فعله. لن نذهب إلى أي مكان. سأكون وجدتكِ هنا.» غمز لي بعينه. «كوني حذرةً يا صغيرتي.»

انحنيتُ وهمستُ في أذن جدتي، ثم غادرت. في السيارة، طالعت الخريطة، ثم أسندت ظهري إلى المقعد وأغمضت عيني. كان جدي يعرف ما أنا بصدد فعله.

كان المفتاح باردًا في يدي. فحصت الخريطة مجددًا. كان طريقًا منحنيًا يربط بين كور ديلين ولويستون. شغلتُ السيارة، وقدتها إلى الوراء، ودرت بها حول موقف السيارات، ثم توقفتُ وأطفأتُ المحرك. عددتُ النقود في جيبي ونظرتُ للخريطة مرة أخرى.

على مدى عمر الإنسان، بعض الأمور تكون مهمة.

مع أني شعرت بالهلع وأنا أقود السيارة خارجةً من الموقف، هدأ هلعي حين خرجت إلى الطريق السريع. كنت أقود ببطء، وهو أمر أعرف كيف أفعله. صليت لكل شجرة عابرة، وقد كان الطريق ذاخرًا بالأشجار.

كان طريقًا ضيقًا ملتويًا يخلو من الحركة المرورية. قطعت الأميال المائة التي تفصل بين كور ديلين وقمة تل لويستون، الذي بدا لي أقرب إلى جبل منه إلى تل، في أربع ساعات. أوقفتُ السيارة في الطلَّة على قمته. في الوادي على مسافة بعيدة بالأسفل، كانت تستقر مدينة لويستون يتخللها نهر سنيك المتعرج. كان يفصل بيني وبين لويستون طريق خطر ذو منعطفات حادة ضيقة تتعرج يمينًا ويسارًا حتى أسفل الجبل.

أطللت من الحاجز باحثة عن الحافلة التي أعرف أنها لا تزال تستقر على جانبها أسفل ذلك الجانب من الجبل، لكني لم أستطع رؤيتها. ظللت أكرر مشجعة نفسي: «أستطيع فعلها. أستطيع فعلها.»

خرجت بالسيارة إلى الطريق. عند أول منعطف، بدأت دقات قلبي تتسارع. كنت أمسك بعجلة القيادة بيدين متعرقتين زلقتين. ظللت أزحف بالسيارة في الطريق ضاغطة على المكابح، لكن الطريق انعطف بشدة بالغة وانحدر إلى حد أن السيارة كانت تسير أسرع مما أردت حتى وقدمي على دواسة المكابح. عندما خرجت من المنعطف، كنت في الحارة المرورية الخارجية الأقرب إلى جانب الجرف. كان الطريق منحدرًا لأسفل بحدة لا يحده سوى حبل رفيع يصل بين أعمدة متباعدة تبين حافته.

ظل الطريق يتعرج على التل. لمسافة نصف ميل، عدت إلى الحارة الداخلية الملاصقة لجانب التل فازداد شعوري بالأمان، ثم ما لبثت أن وصلت إلى أحد تلك المنعطفات المريعة، وقطعت النصف الميل التالي في الحارة الخارجية، وامتد المنحدر المظلم لجانب التل الشديد الميل لأسفل، لأسفل، لأسفل. ظللت أسلك منعطفات الطريق؛ فأسير نصف ميل في الأمان، ثم أسلك منعطفًا فأسير نصف ميل ناحية جانب الجرف.

في منتصف الطريق لأسفل كانت توجد طلَّة أخرى، في هيئة حارة مرورية إضافية ضيقة مُحددة، ظننت أن الغرض منها لم يكن إتاحة الفرصة لمطالعة المنظر الطبيعي بقدر ما هو إتاحة الفرصة للسائقين بأن يتوقفوا ويستجمعوا قواهم. تُرى كم شخصًا ترك سيارته هنا وأكمل الأميال الباقية من الطريق لأسفل سيرًا؟ وأنا واقفة أنظر من فوق جانب الطريق، توقفت سيارة أخرى في الشرفة. خرج منها رجل ووقف بجواري يدخن سيجارة. سألني: «أين الآخرون؟»

«أي آخرين؟»

«من يرافقونكِ أيًّا كانوا. من يقود السيارة.»

قلت: «آه، في الجوار …»

قال مشيرًا إلى مرافقي المفترض: «يلبي نداء الطبيعة، أليس كذلك؟ القيادة على تلك الطريق مريعة في الليل، أليس كذلك؟ أقطعها كل ليلة. فأنا أعمل في بولمان وأسكن بالأسفل هنا …» أشار إلى أضواء مدينة لويستون والنهر الأسود. سألني: «هل جئتِ إلى هنا من قبل؟»

«كلا.»

«أترين ذلك؟» أشار إلى رقعة في مكان ما بالأسفل.

حملقتُ في الظلام. عندئذٍ رأيتُ قمم الأشجار المقطوعة والمسار الوعر المشقوق خلال الشجيرات. في نهاية ذلك المسار رأيت شيئًا معدنيًّا لامعًا يعكس ضوء القمر. كان ذلك ما أبحث عنه.

قال: «لقد انحرفت حافلة عن الطريق هنا، منذ عام أو يزيد. خرجت عن السيطرة في هذا الموضع بالضبط وهي تخرج من ذلك المنعطف الأخير، وانزلقت إلى تلك الطلَّة، ثم اخترقت الحاجز وظلت تتدحرج حتى تلك الأشجار. كان حادثًا مروعًا. حين عدت إلى البيت تلك الليلة، كان المنقذون لا يزالون يشقون طريقهم إليها عبر الشجيرات. أتعرفين، لم ينجُ إلا شخص واحد؟»

كنت أعرف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤