الفصل الثاني

ما مدى صغر ما هو صغير، وكبر ما هو كبير؟

الذرات صغيرة للغاية، بينما الكون كبير للغاية. كم يبلغ حجمهما مقارنة بالأشياء العادية؟ ليس الكون على الشكل نفسه في كل مكان؛ فالشمس والنجوم أشد حرًّا بكثير من الأرض، والمادة تأخذ أشكالًا مختلفة، لكنها في نهاية المطاف لها نفس التكوين. لم يكن الكون على الشكل نفسه على مر الزمان، وقد تشكَّلَتْ بذوره الأساسية منذ نحو ١٥ مليار عام، حين وُلِد الكون في انفجار عظيم حار.

***

من الكواركات إلى الكويزرات

النجوم هائلة الحجم، ومرئيةٌ للعين المجردة من على مسافات بعيدة، وفي هذا تناقض صارخ مع مكوناتها الأساسية؛ الجسيمات التي تتألف منها الذرات في نهاية المطاف. فالأمر يستلزم وَضْع مليار ذرة بعضها فوق بعض حتى تبلغ طول الإنسان من القدمين إلى الرأس، ويستلزم الأمر تراص عدد مماثل من البشر فوق بعضهم البعض حتى يساوي طولهم الإجمالي طول قطر الشمس. هذا إذن يضع ميزان القياس البشري في منتصف المسافة تقريبًا بين الشمس والذرة. أما الجسيمات التي تتألف منها الذرات — الإلكترونات التي تكوِّن النطاق الخارجي للذرة والكواركات التي تشكِّل النواة المركزية — فهي أصغر مليار مرة من إجمالي حجم الذرة نفسه.

يقل طول الإنسانِ البالغِ عن المترين بقليل، وفي أغلب ما سنتعرض له بالذكر في هذا الكتاب، تُعَدُّ القيم الأسيَّة أكثر أهمية من القيم الدقيقة. لذا، لكي نحدِّد مقياسنا، سأفترض أن البشر يبلغ طولهم نحو متر واحد من حيث «القيمة الأُسية» (وهو ما يعني أن طولهم أكبر بكثير من ١ / ١٠ أمتار، أو ١٠−١ أمتار، وبالتبعية أقل من ١٠ أمتار). إذن، بالانتقال إلى المقاييس الفلكية الكبيرة، نجد أن قطر كوكب الأرض يبلغ نحو ١٠٧ أمتار (أي ١ متبوعًا بسبعة أصفار)، وأن قطر الشمس يبلغ ١٠٩ أمتار، وأن مدارنا حول الشمس يبلغ ١٠١١ أمتار (أو بالوحدات السهلة القراءة، ١٠٠ مليون كيلومتر). للإشارات اللاحقة، ضع في اعتبارك أن أحجام الأرض والشمس ومدارنا حول الشمس تتضاعف بمعامل قدره نحو ١٠٠.
المسافات الأبعد من هذا تزداد استعصاءً على التصور؛ إذ يبلغ عدد أصفارها عددًا كبيرًا للغاية عند التعبير عنها بالأمتار، لذا تُستخدَم وحدة قياس جديدة، وهي السنة الضوئية. ينتقل الضوء بسرعة قدرها ٣٠٠ ألف متر في الثانية. هذه سرعة كبيرة، لكنها ليست لانهائية؛ إذ يستغرق الضوء نانو ثانية، أي ١٠−٩ ثوانٍ، للانتقال مسافة قدرها ٣٠ سنتيمترًا، أو ما يعادل طول قدمك. تعمل أجهزة الكمبيوتر بهذه المقاييس الزمنية، وستصير هذه الأزمنة الدقيقة ذات أهمية محورية حين ندخل عالم الذرة. أما الآن، نحن نتَّجِه في الاتجاه المعاكس، صوب المسافات الكونية الشاسعة، والأزمنة الطويلة التي يستغرقها الضوء للانتقال من المجرات البعيدة إلى أعيننا على كوكب الأرض.
يستغرق الضوء ثماني دقائق ليقطع المائة والخمسين مليون كيلومتر التي تفصلنا عن الشمس؛ لذا نقول إن الشمس تبعد عنا مسافة ثماني دقائق ضوئية. يستغرق الضوء عامًا واحدًا لقطع مسافة قدرها ١٠١٦ أمتار، لذا تسمى هذه المسافة السنة الضوئية. تمتد مجرتنا، مجرة درب التبانة، على مساحة قدرها ١٠٢١ أمتار، أو نحو ١٠٠ ألف سنة ضوئية. تتجمع المجرات معًا في عناقيد مجرية تمتد عبر ١٠ ملايين سنة ضوئية، وهذه العناقيد نفسها تتجمع في عناقيد فائقة، تمتد على مساحة قدرها نحو ١٠٠ مليون سنة ضوئية (أو ١٠٢٤ أمتار). أما الكون المنظور فيمتد عبر مساحة قدرها ١٠ مليارات سنة ضوئية، أو ١٠٢٦ أمتار. هذه الأرقام الفعلية لا تحمل أهمية كبيرة في حد ذاتها، لكن المهم أن تلاحظ كيف أن الكون ليس متجانسًا، بل تتجمع كتلته في بِنى منفصلة: عناقيد مجرية فائقة، وعناقيد مجرية، ومجرات منفردة كمجرتنا، وكل منها يبلغ نحو ١ / ١٠٠ من حجم سابقه. وحين ندخل عالم المسافات الدقيقة سنقابل مجدَّدًا مثل هذه الطبقات من البنى، لكن على مقياس أكثر خواءً بكثير، ليس ١ / ١٠٠، بل نحو ١ / ١٠٠٠٠.
بعد هذه الرحلة القصيرة في النطاقات المكانية الكبيرة، دعونا نذهب في الاتجاه المعاكس نحو عالم الذرة الميكروسكوبي، وبنيتها الداخلية. نستطيع بأعيننا المجردة تمييزَ حبيبات الغبار المنفردة التي يصل حجمها — مثلًا — من واحد على عشرة إلى واحد على المائة من المليمتر: أي ١٠−٤ إلى ١٠−٥ أمتار، وهذا يساوي حجم أكبر البكتيريا حجمًا. الضوء شكل من أشكال الموجات الكهرومغناطيسية، والطول الموجي للضوء المرئي الذي نستطيع رؤيته يمتد عبر مسافة قدرها من ١٠−٦ إلى ١٠−٧ أمتار. أما الذرات فهي أصغر ألف مرة من هذا؛ إذ يبلغ حجمها نحو ١٠−١٠ أمتار. ولأن الذرات أصغر كثيرًا من الطول الموجي للضوء المرئي تعجز أعيننا المجردة عن رؤيتها.

كل شيء على الأرض مكوَّن من ذرات، وكل عنصر مكوَّن من ذرات تمثِّل أصغر أجزائه، وهي صغيرة للغاية بحيث تستحيل على العين رؤيتها، لكن وجودها لا مراء فيه، وهو ما تبيِّنه لنا معداتنا الخاصة.

كما ذكرنا في الفصل الأول، تتألف الذرات من جسيمات أصغر، فالإلكترونات تدور في نطاقاتها الخارجية البعيدة، بينما في قلوبها تقبع الأنوية الضخمة المتماسكة. للنواة بنية خاصة بها؛ إذ تتكون من بروتونات ونيوترونات، وهذه البروتونات والنيوترونات تتألف بدورها من جسيمات أصغر حجمًا؛ أَلَا وهي «الكواركات»، والكواركات والإلكترونات هما بذور المادة الموجودة على الأرض.
fig3
شكل ٢-١: مقارنات بين النطاق البشري وما وراء الرؤية الطبيعية. على النطاقات الصغيرة تُعرَف المسافة البالغة ١٠−٦ أمتار باسم ١ ميكرون، والمسافة البالغة ١٠−٩ أمتار تُعرَف باسم ١ نانومتر، فيما تُعرَف المسافة البالغة ١٠−١٥ أمتار (الفمتومتر) باسم ١ فيرمي.
بينما يبلغ قطر الذرة في المعتاد ١٠−١٠ أمتار، يبلغ قطر نواتها نحو ١٠−١٤ إلى ١٠−١٥ أمتار؛ لذا توخَّ الحذرَ من التشبيه الشائع الذي يقول إن الذرة أقرب إلى مجموعة شمسية صغيرة للغاية تدور فيها «الإلكترونات الكوكبية» حول «الشمس النووية». ففي المجموعة الشمسية الفعلية تبلغ النسبة بين حجم الشمس التي تحتل المركز وبين مدار كوكبنا ١ : ١٠٠، بينما الذرة أكثر خواءً بكثير؛ إذ تبلغ النسبة بين مساحة نواتها المركزية وبين قطرها ١ : ١٠٠٠٠. ويتواصل هذا الخواء؛ إذ يبلغ قطر البروتونات والنيوترونات المنفردة نحو ١٠−١٥ أمتار، وهي بالتبعية مؤلَّفة من جسيمات أصغر حجمًا تُعرَف بالكواركات. وإذا كانت الكواركات والإلكترونات لهما أي أحجام فعلية، فهي صغيرة للغاية بحيث يستحيل علينا قياسها. كل ما يمكننا قوله على وجه اليقين هو أنها ليست أكبر من ١٠−١٨ أمتار. وهكذا مجدَّدًا نرى أن الحجم النسبي للكوارك إلى البروتون يبلغ نحو ١ : ١٠٠٠٠ (على الأكثر!) والأمر عينه ينطبق على الإلكترونات «الكوكبية» نسبة إلى البروتونات «الشمسية»؛ إذ تبلغ النسبة ١ : ١٠٠٠٠ بدلًا من «مجرد» ١ : ١٠٠ كما الحال في المجموعة الشمسية الحقيقية. إذن العالم داخل الذرة خاوٍ على نحوٍ لا يُصدَّق.

للإحساس بهذا الفارق المهول في الحجم، تصوَّرْ أطول مسافةٍ من المرجَّح أن تجدها بين حفرتين في ملعب جولف، والتي يبلغ طولها مثلًا ٥٠٠ متر. تبلغ النسبة بين طول هذه المسافة وبين حجم الحفرة الصغيرة التي ستضع بها الكرة نحو ١٠٠٠٠ : ١، ومن ثَمَّ فهي تقارب النسبة بين قطر ذرة الهيدروجين ونواتها المركزية؛ البروتون.

تتسم المسافات الكبيرة للغاية بالغرابة عندما يتم التعبير عنها بالأمتار، وينطبق الأمر عينه على الأبعاد دون الميكروسكوبية للبنى الذرية والنووية. في حالة المسافات الكبيرة استحدثنا مصطلح السنة الضوئية، وقدرها ١٠١٦ أمتار، لكن في حالة المسافات الفائقة الصغر من المعتاد أن نستخدم الأنجستروم، ورمزه ، بحيث إن ١ أنجستروم = ١٠−١٠ أمتار (وهو في المعتاد حجم الذرة البسيطة)؛ وأن نستخدم أيضًا الفيرمي، ورمزه ، بحيث إن ١ فيرمي = ١٠−١٥ أمتار. وبهذا يصير الأنجستروم وحدة ملائمة لقياس أحجام الذرات والجزيئات، فيما يُعَدُّ الفيرمي وحدة القياس الطبيعية للأنوية والجسيمات. (أنجستروم وفيرمي هما عالمان ذريان ونوويان شهيران في القرن التاسع عشر والقرن العشرين على الترتيب.)
ترى أعيننا الأشياء في نطاقات الحجم البشرية، فقد طوَّر أسلافنا الحواس التي من شأنها أن تحميهم من هجوم الضواري، ومن ثَمَّ لم تكن هناك حاجة لأن ترى أعيننا المجرات التي تنبعث منها موجات الراديو، أو الذرات التي يتكوَّن منها حمضنا النووي. واليوم، يمكننا استخدام المعدات بغرض بَسْط نطاق حواسنا: على غرار التليسكوبات التي تدرس أعماق الفضاء والميكروسكوبات التي تكشف عن البكتيريا والجزيئات. ولدينا «ميكروسكوبات» خاصة تكشف عن المسافات الأصغر من الذرة، ونعني بهذا معجلات الجسيمات عالية الطاقة؛ فبواسطة هذه الأداة يمكننا الكشف عن الطبيعة على امتداد نطاقٍ شاسعٍ من المسافات المتدرجة. وسنناقش كيف يتم هذا في الفصلين الخامس والسادس.

الكون من حيث درجة الحرارة والزمن

هذا ما عليه الحال الآن، بَيْدَ أن الحال لم يكن كذلك على الدوام؛ فالكون — كما نعرفه — بدأ بانفجار عظيم حار لم يكن بإمكان الذرات أن تبقى فيه. واليوم، بعد مرور ١٤ مليار عام، الكون كبير وبارد للغاية وبإمكان الذرات البقاء فيه. هناك مواضع حارة بعينها — على غرار النجوم كشمسنا — تختلف فيها المادة عن المادة الموجودة على أرضنا الباردة نسبيًّا. بوسعنا محاكاة الظروف المتطرفة التي سادت في اللحظات التي أعقبت الانفجار العظيم مباشرة، وذلك في التجارب المجراة في معجلات الجسيمات، بحيث نرى كيف ظهرت البذور الأولى للمادة. لكن رغم أن الأشكال التي تتخذها تلك المادة تتباين مع اختلاف المكان والزمن، إلا أن المكونات الأساسية واحدة. ويهدف هذا القسم إلى تبيان الكيفية التي تبدو عليها المادة في الأحوال الباردة (وقتنا الحالي)، والحارة (كما في الشمس والنجوم)، والفائقة الحرارة (كما في أعقاب الانفجار العظيم).

في فيزياء العالم المرئي للعين المجردة، وحدات الطاقة المستخدمة هي الجول، وفي الصناعات الواسعة النطاق نستخدم الميجا جول أو التيرا جول. أما في الفيزياء النووية وفيزياء الجسيمات تكون الطاقات المستخدمة تافهة للغاية مقارَنَةً بهذه الوحدات. إذا جرى تعجيل الإلكترون، ذي الشحنة الكهربية، بواسطة مجال كهربي لبطارية قدرتها واحد فولت، فسيكتسب الإلكترون طاقة قدرها ١٫٦ × ١٠−١٩ جول. وحتى عند التعجيل إلى سرعات تناهز سرعة الضوء، كما الحال في المعجلات الموجودة في سيرن بجنيف، لا تصل الطاقة إلا إلى ١٠−٨ جول؛ أي واحد على مائة مليون من الجول. يصعب للغاية التعامل مع هذه الأرقام الصغيرة؛ لذا من المعتاد استخدام مقياس مختلف، يُعرَف باسم «الإلكترون فولت»، أو . ذكرنا للتو أن الإلكترون حين يجري تعجيله بواسطة مجال كهربي لبطاريةٍ قُدرتها واحد فولت، فإنه سيكتسب طاقة قدرها ١٫٦ × ١٠−١٩ جول، وهذا المقدار هو ما نسميه واحد إلكترون فولت.
الآن صار من اليسير التعامل مع كميات الطاقة التي تنضوي عليها فيزياء الجسيمات دون الذرية. يسمى المقدار ١٠٣ إلكترون فولت باسم كيلو إلكترون فولت، أو ، والمقدار ١٠٦ إلكترون فولت (مليون إلكترون فولت) يسمى ميجا إلكترون فولت، أو ، والمقدار ١٠٩ إلكترون فولت (مليار إلكترون فولت) يسمى جيجا إلكترون فولت، أو ، وتشارف أحدث التجارب الدخول إلى نطاق ١٠١٢ إلكترون فولت، أو التيرا إلكترون فولت، .
تخبرنا معادلة أينشتاين الشهيرة؛ الطاقة = الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء، ، بأن الطاقة يمكن تحويلها إلى كتلة، والعكس بالعكس، على أن يكون معدل التحويل هو مربع سرعة الضوء . للإلكترون كتلة قدرها ٩ × ١٠−٣١ كيلوجرامات. وهنا أيضًا يصعب للغاية التعامل مع هذه الأرقام، ولهذا نستخدم معادلة أينشتاين لتحديد الكتلة والطاقة، وبتطبيق هذا المعيار توصَّلنا إلى أن طاقة الإلكترون المنفرد في حالة سكون تبلغ ٠٫٥ ميجا إلكترون فولت؛ ومن ثَمَّ من المعتاد أن نقول إن كتلته تبلغ نصف ميجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، أو . وبهذه الوحدات تكون كتلة البروتون ٩٣٨ ميجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، أو ؛ أي واحد جيجا إلكترون فولت تقريبًا.
الطاقة مرتبطة عن كَثَب بدرجة الحرارة أيضًا. وإذا كان لديك عدد كبير من الجسيمات يتصادم بعضه ببعض، بحيث تنتقل الطاقة من كل جسيم إلى الجسيم المجاور بما يجعل درجة الحرارة الكلية ثابتة، يمكن التعبير عن متوسط طاقة الجسيم المنفرد بالإلكترون فولت (أو الكيلو إلكترون فولت وهلم جرًّا). تعادل درجة حرارة الغرفة نحو ١ / ٤٠ إلكترون فولت، أو ٠٫٠٢٥ إلكترون فولت، وربما كان من الأيسر استخدام المقياس ١ إلكترون فولت ١٠٤ ك (حيث يشير الاختصار «ك» إلى درجة كلفينية، وهي المقياس المطلق لدرجة الحرارة، وتساوي درجة الصفر المطلق الكلفينية −٢٧٣ درجة مئوية، وتبلغ درجة حرارة الغرفة نحو ٣٠٠ درجة كلفينية).
إذا أطلقت صاروخًا نحو الفضاء بطاقة كافية فسيفلت من قوة الجاذبية الأرضية، وبالمثل، إذا زوَّدْتَ الإلكترون بالطاقة الكافية فسيفلت من قوة الجذب الكهربي لنواة الذرة. في العديد من الجزيئات، ستتحرر الإلكترونات بواسطة طاقة مقدارها كسر بسيط من الإلكترون فولت، ومن ثَمَّ تكون درجة حرارة الغرفة كافيةً لتمكين التفاعل، وهذا هو مصدر العمليات الكيميائية والبيولوجية، والحياة. تظل ذرات الهيدروجين قادرةً على البقاء في طاقات أقل من ١ إلكترون فولت، وهو ما يقع — من حيث درجات الحرارة — في نطاق ١٠٤ درجات كلفينية. درجات حرارة كهذه لا توجد بصورة طبيعية على الأرض (خلا بعض الأمثلة المحدَّدة على غرار بعض الأفران الصناعية، ومصابيح الكربون القوسية، والمعدات العلمية) ومن ثَمَّ فإن وجود الذرات منفردة هو المعتاد هنا. لكن في قلب الشمس، تصل الحرارة إلى ١٠٧ درجات كلفينية — أي ما يساوي ١ كيلو إلكترون فولت من الطاقة — وفي مثل هذه الظروف لا تستطيع الذرات البقاء.
fig4
شكل ٢-٢: التوافق بين مستويات درجات الحرارة والطاقة بالإلكترون فولت.
في درجات الحرارة أعلى من ١٠١٠ درجات كلفينية، يكون هناك ما يكفي من الطاقة لتكوين الجسيمات، كالإلكترونات. للإلكترون المنفرد كتلة قدرها نصف ميجا إلكترون فولت مقسومة على مربع سرعة الضوء، ومن ثَمَّ نحتاج إلى نصف ميجا إلكترون فولت من الطاقة لتكوين إلكترون واحد. وكما سنرى لاحقًا، لا يمكن أن يحدث هذا على نحو تلقائي، ولا بد أن يتم إنتاج الإلكترون ونظيره المضاد — البوزيترون — معًا كزوج. وهكذا نحتاح إلى ١ ميجا إلكترون فولت كي تحدث عملية «إنتاج الإلكترون والبوزيترون». وعلى نحو مشابه، نحتاج إلى ٢ جيجا إلكترون فولت من أجل إنتاج البروتون والبروتون المضاد. يسهل توليد مثل هذه الطاقات في المختبرات النووية ومعجلات الجسيمات اليوم، وكانت هي السائدة في المراحل المبكرة للغاية من عمر الكون، وبالفعل في هذه اللحظات المبكرة تكوَّنت جسيمات المادة (والمادة المضادة). سنتحدث عن هذا بالتفصيل في الفصل التاسع، لكن سيفيدنا توضيح الأمر الآن أيضًا.

يُظهِر الرصد أن المجرات تتباعد عن بعضها، بما يعني أن الكون يتمدَّد. ومن معدل التمدُّد يمكننا العمل على نحو عكسي عبر الزمن بحيث نستنتج أنه منذ نحو ١٤ مليار عام كان الكون منضغطًا على نفسه ثم انفجر في انفجار عظيم من هذه الحالة الكثيفة المضغوطة. (ليس الغرض الأساسي لهذا الكتاب التعرُّض للانفجار العظيم، ولمعرفة المزيد عن هذا الموضوع يمكنك قراءة كتاب بيتر كولز بعنوان «علم الكونيات» والصادر في نفس هذه السلسلة.) في هذه الحالة الأصلية، كان الكون أشد حرارة بكثير عما هو عليه اليوم. الكون اليوم مغمور بإشعاع ميكروني تبلغ حرارته نحو ٣ درجات كلفينية، والجمع بين هذا وصورة تمدُّد ما بعد الانفجار العظيم يمنحنا مقياسًا لدرجة حرارة الكون على صورة دالة زمنية.

بعد انقضاء جزء على المليار من الثانية على الانفجار العظيم، تجاوزت درجة حرارة الكون ١٠١٦ درجة كلفينية، أو بمعايير الطاقة ١ تيرا إلكترون فولت. في هذه الطاقة تم إنتاج الجسيمات والجسيمات المضادة، بما فيها الأشكال العجيبة التي لم تَعُدْ شائعة الوجود اليوم. فنيت أغلب هذه الجسيمات على الفور تقريبًا، وهو ما أنتج الإشعاع إضافةً إلى المزيد من الجسيمات الأساسية على غرار الإلكترونات والكواركات الباقية التي تؤلِّف المادة اليوم.
مع تقدُّم الكون في العمر، بردت حرارته، وحدث هذا في البداية بسرعة. ففي غضون جزء على المليون من الثانية تجمعت الكواركات معًا في مجموعات من ثلاثة، وظلت باقيةً على هذا النحو حتى الآن. وهكذا وُلِدت البروتونات والنيوترونات. وبعد نحو ثلاث دقائق، كانت درجة الحرارة قد انخفضت إلى نحو ١٠١٠ درجات كلفينية، أو بمعايير الطاقة ١ ميجا إلكترون فولت. هذه درجة حرارة «باردة» بما يكفي بحيث تلتصق البروتونات والنيوتروات معًا وتبني البذور النووية للعناصر الذرية (التي لم تكتمل بعدُ). تكوَّنت بضع أنوية خفيفة، على غرار الهليوم ومقادير ضئيلة من البيريليوم والبورون. كانت البروتونات — نظرًا لاستقرارها وكونها أبسط البنى — أكثر البنى شيوعًا، وتجمعت بفعل تأثير الجاذبية في الكرات التي نسميها النجوم. وداخل النجوم تكوَّنت أنوية العناصر الثقيلة على مدار مليارات الأعوام. في الفصل التاسع سأصف كيف تصادمت البروتونات الموجودة داخل هذه النجوم بعضها ببعض، وتكتلت، ثم بواسطة سلسلة من العمليات كونت البذور النووية للعناصر الثقيلة: ابتداءً بالهليوم، وانتهاءً بالعناصر الأثقل على غرار الأكسجين والكربون والحديد. وحين تنفجر النجوم وتهلك، فإنها تنفث هذه البذور النووية إلى الكون، وهذا هو مصدر الكربون الذي تتكون منه أجسادنا والأكسجين الذي نتنفسه.

تمر الشمس بالجزء الأول من هذه القصة في وقتنا الحالي؛ فقد بدأت الشمس في تحويل البروتونات إلى أنوية هليوم منذ ٥ مليارات عام، واستهلكت نحو نصف وقودها بالفعل، ودرجات الحرارة في قلبها مشابهة لتلك التي كان عليها الكون المبكر، حين كان عمره بضع دقائق وحسب؛ وبهذا تقوم الشمس اليوم بما قام به الكون منذ وقت بعيد بعيد للغاية.

لا تستطيع الذرات البقاء داخل أعماق الشمس، ولم يكن بوسعها البقاء في بدايات الكون. وقد تعيَّن انقضاء ٣٠٠ ألف عام حتى برد الكون بما يكفي كي تستحوذ هذه الأنوية على الإلكترونات العابرة مكوِّنة الذرات. وهذا هو الحال في وقتنا الحالي على الأرض.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١