الفصل السابع

قوى الطبيعة

هناك أربع قوى أساسية: الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة. وسوف نناقش في هذا الفصل الفكرة القائلة بأن ما يتسبَّب في تلك القوى هو تبادل الجسيمات: الفوتونات، وبوزونات و والجلوونات، وأن الطبيعة المختلفة لهذه القوى هي ما يقف خلف كل ما يدور في العالم. فإذا كانت الجسيمات هي أبجدية الطبيعة، فالقوى هي القواعد اللغوية التي تنظمها، كما سنناقش فكرة توحيد القوى.

***

تهيمن أربع قوى أساسية على الكون: قوة «الجاذبية» والقوة «الكهرومغناطيسية»، إلى جانب القوة النووية «الشديدة» والقوة النووية «الضعيفة»، اللتين تعملان داخل نواة الذرة وحولها، وهاتان القوتان تعملان عبر مسافات أصغر من حجم الذرة، ومن ثَمَّ فهما ليسا مألوفين لحواسنا التي تستشعر الأشياء الكبيرة الحجم، وذلك مقارنة بتأثيرات الجاذبية والمغناطيسية. ومع ذلك فهاتان القوتان تلعبان دورًا حيويًّا في وجودنا، وتبقيان الشمس متَّقِدَة، وتوفران الدفء الأساسي للحياة.

الجاذبية هي أكثر قوة مألوفة من جانبنا، لكن بين الذرات المنفردة أو الجسيمات المكونة لها، تكون تأثيرات الجاذبية تافهةَ الأثر؛ فقوة الجاذبية بين الجسيمات المنفردة ضئيلة للغاية، وهي تبلغ من الصغر حدًّا يجعلنا نتجاهلها تمامًا في تجارب فيزياء الجسيمات. ولأن قوة الجاذبية تجذب كل شيء تجاه كل شيء آخَر، تتضاعف تأثيراتها وتتراكم إلى أن تصير قوية، وتعمل عبر مسافات فلكية.

تعمل القوى الكهربية وفق القول المعروف: «الأقطاب المتشابهة تتنافر، والمختلفة تتجاذب.» ولهذا، تظل الإلكترونات سالبة الشحنة في مداراتها حول نواة الذرة بفعل قوى الجذب الكهربي تجاه النواة المركزية الموجبة الشحنة.

تتسبَّب الشحنات الكهربية وهي في حالة حركة في التأثيرات المغناطيسية؛ فالقطب الشمالي والجنوبي لقطعة المغناطيس هما تأثيران للحركات الكهربية للذرات وهي تتحرك معًا في تناغم.

القوة الكهرومغناطيسية في جوهرها أقوى من قوة الجاذبية، إلا أن التنافس بين التجاذب والتنافر يتسبَّب في تحييد تأثيرها عبر المسافات البعيدة، وهو ما يفسح المجال أمام الجاذبية كي تكون هي القوة المهيمنة بشكل عام. ومع ذلك، تتسبَّب تأثيرات الشحنات الكهربية المتماوجة في القلب المنصهر للأرض في تسرُّب المجالات المغناطيسية إلى الفضاء. وإبرة المغناطيس التي تشير صوب القطب الشمالي، الذي قد يبعد آلاف الأميال، إنما تفعل هذا بسبب هذا التأثير.

القوة الكهرومغناطيسية هي التي تحافظ على تماسك الذرات والجسيمات معًا، مكوِّنة المادة الكثيفة؛ فأنا وأنت وكل شيء آخَر متماسكون بفضل القوة الكهرومغناطيسية. حين سقطت التفاحة أمام إسحق نيوتن، كانت الجاذبية هي ما تحكم في سقوطها، لكن القوة الكهرومغناطيسية — المسئولة عن صلابة الأرض — هي ما منعتها من مواصلة السقوط صوب مركز الأرض. قد تسقط التفاحة لثوانٍ عدة من ارتفاع كبير، وتعجِّل قوة الجاذبية من سقوطها، لكن حين ترتطم بالأرض فإنها تتوقف وتتهشم في لحظة واحدة، وهذا بفضل القوة الكهرومغناطيسية.

تدبَّرِ المثال التالي كي تحصل على فكرة عن الشدة النسبية للقوتين. في ذرة الهيدروجين يوجد إلكترون سالب الشحنة وبروتون موجب الشحنة، وهما ينجذبان صوب بعضهما بفعل قوة الجاذبية، لكنهما أيضًا يستشعران قوة الجذب الناجمة عن تبايُن شحنتيهما الكهربية. قوة الجذب الكهربية هذه تبلغ من الشدة ١٠٤٠ مرات قدر قوة الجذب المتبادلة الناجمة عن الجاذبية. للحصول على فكرة عن مدى عِظَم هذا المقدار، تدبَّرْ نصف قطر الكون المنظور: لقد واصَلَ الكون تمدُّده بسرعة تناهز سرعة الضوء؛ أي نحو ١٠١٦ أمتار في العام، لنحو ١٠١٠ أعوام منذ الانفجار العظيم؛ لذا يبلغ حجم الكون بأسره على أقصى تقدير نحو ١٠٢٥ أمتار. يبلغ قطر البروتون المنفرد نحو ١٠−١٥ أمتار؛ إذن المقدار ١٠٤٠ يفوق حجم الكون مقارَنَةً بحجم البروتون المنفرد. من الواضح أنه يمكننا بأمان تجاهُل تأثير الجاذبية على الجسيمات المنفردة في ظل مستويات الطاقة العادية.

يُبقِي تجاذبُ الشحنات المختلفة الإلكتروناتِ في مساراتها الذرية حول النواة الموجبة الشحنة، لكن التنافر بين الشحنات المتشابهة يخلق معضلةً تهدِّد وجودَ النواة ذاته؛ فالنواة مضغوطة بإحكام، وترجع شحنتها الموجبة إلى احتشاد البروتونات المتعددة الموجبة الشحنة داخلها. كيف يمكن لهذه البروتونات، التي تعاني من ذلك التنافر الكهربي الشديد، أن تبقى متماسكة؟

إن قدرتها على البقاء تعطينا دليلًا فوريًّا على وجود قوة جاذبة «شديدة»، تشعر بها البروتونات والنيوترونات، وهي من الشدة بحيث تبقي عليها في مكانها وتمكِّنها من مقاومة قوى التنافر الكهربي. هذه القوة الشديدة إحدى قوتين تعملان داخل نواة الذرة وحولها، وهما تُعرَفان بالقوتين «الشديدة» و«الضعيفة»، وهاتان الصفتان تشيران إلى مقدار قوتهما مقارَنَةً بالقوة الكهرومغناطيسية على المستوى النووي، وهما قوتان قصيرتا المدى، وليسا من القوى التي تألفها حواسنا التي تستشعر الأشياء الكبيرة الحجم، بَيْدَ أن لهما أهمية حاسمة في بقائنا.

إن استقرار أنوية العناصر الذرية يمكن أن يكون توازنًا دقيقًا بين قوى الجذب وقوى التنافر الكهربي المتنافسة. ليس بالإمكان حشد عدد كبير للغاية من البروتونات معًا، وإلا سيتسبب التنافر الكهربي في جعل الذرة غير مستقرة. يمكن أن يكون هذا سببًا لبعض أنواع التحلل الإشعاعي، حيث تنقسم النواة إلى أجزاء أصغر. تستشعر البروتونات والنيوترونات القوة الشديدة على نحو متساوٍ، لكن البروتونات وحدها هي التي تستشعر قوى التنافر الكهربي؛ ولهذا السبب لا تحتوي أنوية العناصر كلها — خلا الهيدروجين — على البروتونات فحسب، وإنما على نيوترونات أيضًا كي تزيد من الاستقرار الإجمالي للقوة الشديدة الجاذبة. على سبيل المثال، يُسمَّى عنصر اليورانيوم ٢٣٥ بهذا الاسم لأنه يملك ٩٢ بروتونًا (وهو ما يحدِّد طبيعته كعنصر اليورانيوم؛ نظرًا لوجود الإلكترونات اﻟ ٩٢ التي ستجعل الذرة متعادلةً كهربيًّا)، و١٤٣ نيوترونًا، أي ٢٣٥ بروتونًا ونيوترونًا إجمالًا.

هنا قد تتساءل عن السبب الذي يجعل الأنوية تستقبل أي بروتونات على الإطلاق، خاصة وأن زيادة النيوترونات لا تؤدي فيما يبدو إلى عدم استقرار النواة. تعتمد الإجابة على تفاصيل لتأثيرات ميكانيكا الكم تخرج عن نطاق كتابنا هذا، لكن جزءًا كبيرًا من السبب يرجع إلى الكتلة الإضافية التي يتمتع بها النيوترون مقارنةً بالبروتون. وكما رأينا من قبلُ، فإن هذه الكتلة تخفي تحتها عدم استقرار جوهري يتسم به النيوترون، وبسببه يتحلل النيوترون إلى بروتون ويقذف إلكترونًا، الذي يُسمَّى وقتها جسيم «بيتا» الخاص ﺑ «نشاط بيتا الإشعاعي».

القوة التي تدمِّر النيوترون هي القوة النووية الضعيفة، وهي تُسمَّى بهذا الاسم لأنها تبدو ضعيفةً مقارَنَةً بالقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة في درجة حرارة الغرفة. تقلقل القوة الضعيفة النيوترونات والبروتونات، بحيث تتسبب في جعل نواةِ أحدِ العناصر الذرية تتحوَّل إلى نواةٍ لعنصر آخَر من خلال نشاط بيتا الإشعاعي. وهي تلعب دورًا مهمًّا في المساعدة على تحويل البروتونات — أساس وقود الهيدروجين الموجود بالشمس — إلى هليوم (وهي العملية التي تنطلق بموجبها طاقة، وتظهر هذه الطاقة في نهاية المطاف على صورة أشعة الشمس).

تتسبَّب قوى الجاذبية بين البروتونات الوفيرة داخل الشمس في جعلها تنجذب إلى الداخل إلى أن تتلامس تقريبًا، وأحيانًا يتحرك بروتونان بسرعة كبيرة بما يكفي بحيث يتغلَّبان على التنافر الكهربي بينهما لوقت وجيز، ويصطدم أحدهما بالآخَر. تحوِّل القوةُ الضعيفة البروتونَ إلى نيوترون، ثم تُبقِي القوة الشديدة هذه النيوترونات والبروتونات معًا، بحيث تُكَوِّن أنويةَ عنصرِ الهليوم. تنطلق الطاقة وتُشع بفضل القوة الكهرومغناطيسية. إن وجود هذه القوى الأربع وسماتها وشدتها المتباينة هو ما يجعل الشمس تستعر بالمعدل الملائم لحياة البشر.

في المادة العادية، تعمل القوى الشديدة فقط داخل نواة الذرة، وهي بالأساس ناتجة عن وجود الكواركات، الجسيمات الأساسية النهائية التي منها تتكون البروتونات والنيوترونات. وكما أن القوة الكهربية والقوة المغناطيسية ما هي إلا تأثيرات تنشأ عن شحنات كهربية، تنشأ القوة الشديدة في نهاية المطاف عن نوع جديد من الشحنات تحمله الكواركات وحدها وليس اللبتونات؛ ومن ثَمَّ فإن اللبتونات، كالإلكترون، لا تستشعر القوة الشديدة، لكن على العكس، الجسيمات المؤلفة من كواركات — على غرار البروتون والنيوترون — تستشعر القوة الشديدة.

القوانين التي تحكم هذا الأمر مشابِهة في أساسها لتلك التي تحكم القوة الكهرومغناطيسية؛ فالكواركات تحمل الشحنة الجديدة فيما يمكن أن نعرِّفه على أنه الصورة الموجبة، وبالمثل تحمل الكواركات المضادة المقدار نفسه من الشحنة، لكنها شحنة سالبة. وقوة الجذب بين الكوارك والكوارك المضاد هي التي تُبقِي عليهما متحدين معًا؛ ومن هذا جاءت حالات اقتران الكواركات بالكواركات المضادة التي نطلق عليها اسم الميزونات. لكن كيف تتكون الباريونات، التي تتألف من ثلاثة كواركات؟

يتبيَّن لنا أن هناك ثلاثة أنواع متمايزة من الشحنة الشديدة، وللتمييز بينها سنسميها بالألوان الأحمر والأزرق والأخضر؛ ومن ثَمَّ فقد صارت هذه الشحنات تُعرَف باسم الشحنات اللونية، رغم أنه لا علاقة لها بالألوان التي تألفها أعيننا، فما هذه إلا مجرد تسميات. ومثلما تتجاذب الألوان المختلفة، تتنافر الألوان المتشابهة، ومن ثَمَّ فإن أي كواركين يحملان الشحنة اللونية عينها — الحمراء مثلًا — سيتنافران، لكن لو أن أحدهما يحمل شحنةً خضراء والثاني شحنةً حمراء فإنهما سيتجاذبان، والأمر عينه ينطبق على الثلاثة كواركات التي تحمل الشحنات اللونية الثلاث المختلفة، الحمراء والزرقاء والخضراء. وإذا اقترب كوارك رابع من هذا الثلاثي فسينجذب إلى اثنين من الكواركات لكنه سيتنافر مع الثالث، الذي يحمل الشحنة اللونية عينها. يتضح أن هذا التنافر يوازن قوة الجذب الصافية، بحيث يظل الكوارك الرابع في حالة حبيسة، لكنه إذا عثر على كواركين آخَرين يحمل كلٌّ منهما شحنةً لونيةً تختلف عن شحنته، يكون بمقدور هذا الثلاثي أن يلتحم معًا هو الآخَر. وهكذا نبدأ في رؤية أن قوى الجذب لهذه الثلاثيات — كما الحال عند تكوُّن البروتونات والنيوترونات — تنتج عن الطبيعة الثلاثية للشحنات اللونية. ومثلما يؤدي وجود الشحنات الكهربية داخل الذرات إلى تجمُّعها معًا لتكوين الجزيئات، تؤدي الشحنات اللونية داخل البروتونات والنيوترونات إلى تجمُّعها معًا لتكوين ما يُعرَف لنا باسم النواة.

fig19
شكل ٧-١: قواعد التجاذب والتنافر للشحنات اللونية. الشحنات اللونية المتشابهة تتنافر، بينما الشحنات المختلفة تتجاذب. تتجاذب الكواركات الثلاثة — التي يحمل كلٌّ منها شحنة لونية مختلفة — بعضها إلى البعض كي تكوِّن أحد الباريونات. يحمل الكوارك والكوارك المضاد شحنتين مختلفتين، ويمكنهما التجاذب كي يكوِّنا أحد الميزونات.
إن التشابه الكامن في قواعد التجاذب والتنافر يؤدي إلى تشابه السلوك بين القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة على مسافات أصغر كثيرًا من حجم البروتون أو النيوترون المنفرد، إلا أن الثراء المضاعَف ثلاث مرات الذي تملكه الشحنات اللونية الموجبة أو السالبة مقارَنَةً بنظيرتها الكهربية الأحادية، يؤدي إلى سلوك مختلف في هذه القوى على مسافات أكبر. تتشبع القوى المولَّدَة عن طريق الشحنات اللونية على مسافات تُقدَّر بنحو ١٠−١٥ أمتار، وهو الحجم التقليدي للبروتون أو النيوترون، وتكون قوية للغاية على هذه المسافات، لكن فقط ما دام الجسيمان متلاصقين — أي «يمس» أحدهما الآخَر مجازًا — في حدود هذه المسافة، ومن ثَمَّ فالقوى التي تحدثها الشحنات اللونية لا تعمل إلا عبر الأبعاد النووية. على النقيض من ذلك، تعمل القوة الكهرومغناطيسية عبر الأبعاد الذرية التي تصل إلى مسافة ١٠−١٠ أمتار عند بناء الذرات المستقرة، بل من الممكن استشعارها عبر المسافات الكبيرة، كما الحال في المجالات المغناطيسية المحيطة بالأرض.

هذا يأخذنا على نحو طبيعي إلى التساؤل عن الكيفية التي تَبسُط بها هذه القوى تأثيراتها عبر الفضاء.

حاملات القوى

كيف يتسنَّى للقوى، على غرار القوة الكهرومغناطيسية، أن تبسط تأثيراتها عبر الفضاء؟ كيف يتمكَّن بروتون وحيد من أن يُوقِع الإلكترون في حبائله وهو يبعد عنه ١٠−١٠ أمتار، بحيث يكوِّنا ذرة هيدروجين؟ تقضي نظرية الكم بأن هذا يتم من خلال عوامل وسيطة، من خلال عملية تبادل للجسيمات. في حالة القوى الكهرومغناطيسية يتم تبادل الفوتونات، الحزم الكمومية للإشعاع الكهرومغناطيسي، كالضوء.
الشحنات الكهربية قادرة على إطلاق الإشعاع الكهرومغناطيسي أو امتصاصه، والأمر عينه ينسحب على جسيماته الوسيطة؛ الفوتونات، وعلى نحو مشابه تستطيع الشحنات اللونية إطلاق نوع من الإشعاع وامتصاصه، وجسيمات هذا الإشعاع الوسيطة يُطلَق عليها اسم «الجلوونات»، وهذه الجلوونات هي التي تُبقِي على الكواركات ملتصقةً بعضها ببعض كي تكوِّن البروتونات والنيوترونات والأنوية الذرية. وبالمثل، تُعرَف ناقلات القوة النووية الضعيفة باسم البوزون والبوزون .
تختلف بوزونات عن الفوتونات في وجهين مهمين: أن لها شحنة كهربية، وأن لها كتلة ضخمة. شحنتها الكهربية تجعلها تسرِّب قدرًا من الشحنة بعيدًا عن المصدر، ولهذا يتحوَّل النيوترون المتعادل إلى بروتون موجب الشحنة حين ينبعث منه بوزون ، ومصدر تحلُّل بيتا للنيوترونات هو تحوُّل البوزون إلى إلكترون ونيوترينو. تبلغ كتلة البوزون نحو ٨٠ مرة قدر كتلة البروتون أو النيوترون. ولو كنتَ تجلس في سيارة وزنها طن واحد ثم اندفع منها ٨٠ طنًّا، فستشكو قائلًا إن ثمة شيئًا خاطئًا هنا! لكن في العالم الكمي هذا النوع من التفاعل يمكن أن يقع. ومع ذلك، هذا الخرق لتوازن الطاقة سريع الزوال، ومحدود من حيث الزمن، بحيث إن نتاج عدم التوازن هذا، دلتا إي ، والزمن الذي يستغرقه، دلتا تي ، لا يمكنهما تجاوز ثابت بلانك ، أو من الناحية العددية < ٦ × ١٠−٢٥ جيجا إلكترون فولت في الثانية. وهذا الاقتصار أحد صور «قانون عدم اليقين لهايزنبرج».
هذا يعني أنه لكل ثانية يمكنك أن تُفْرِط في سحب طاقة ذات مقدار تافه يبلغ ١٠−٢٥ جيجا إلكترون فولت، أو «تستعيرها». و«استعارة» ٨٠ جيجا إلكترون فولت (الحد الأدنى من الطاقة لتكوين بوزون واحد) يمكن أن يحدث لمدة تبلغ نحو ١٠−٢٤ ثوانٍ، وهو وقت ضئيل للغاية لا يستطيع حتى الضوء أن يتحرك فيه لأكثر من عُشْر المسافة عبر البروتون؛ ومن ثَمَّ فإن المسافة التي يستطيع البوزون أن ينقل عبرها القوة أقلَّ بكثير من مساحة البروتون الواحد. إذن الطبيعة القصيرة المدى للقوة الضعيفة إنما ترجع إلى الكتلة البالغة الضخامة للجسيم الحامل لهذه القوة، لكن هذا لا يعني أن هذه القوة توجد فقط في نطاق مسافة محدودة ثم تنطفئ بغتة، بل هي تذوي وتقل شدتها على نحو بالغ على امتداد مسافات بحجم البروتون. وعلى مثل هذه المسافات يتجسد تحلُّل بيتا، ومن هنا جاءت تسمية هذه القوة باسم القوة «الضعيفة».
fig20
شكل ٧-٢: تحلل بيتا عن طريق البوزون : يتحول النيوترون إلى بروتون عن طريق إطلاق بوزون ، الذي يتحوَّل بعد ذلك إلى إلكترون ونيوترينو.
عام ١٨٦٤ نجح جيمس كلارك ماكسويل في توحيد ظاهرتي الكهرباء والمغناطيسية المنفصلتين، فيما نعرفه اليوم باسم الكهرومغناطيسية. بعدها بقرن واحد نجح جلاشو وعبد السلام وواينبرج في توحيد القوة الكهرومغناطيسية مع القوة الضعيفة فيما صار يُعرَف باسم نظرية القوة الكهروضعيفة، وقد فسرت هذه النظرية الضعفَ الظاهريَّ للمكون «الضعيف» لهذه القوة الموحَّدَة، بوصفه ناتجًا عن الكتلة الضخمة للبوزون ، على عكس فوتون القوة الكهرومغناطيسية العديم الكتلة. ومن شأن نظريتهم أن تنجح فقط في حالة وجود الجسيمين المشحونين و ، إضافة إلى شريك ثقيل هو البوزون الذي يملك كتلةً قدرها ٩٠ جيجا إلكترون فولت. كما تقضي نظريتهم بأننا لو تمكَّنَّا من توفير الطاقة الكافية، حتى نطاق ١٠٠ جيجا إلكترون فولت أو أكثر — بحيث يمكن إنتاج البوزون والبوزون على نحو مباشر في المختبر — فسيكون بمقدورنا رؤية أن القوة الضعيفة لها شدة تماثِل شدة القوة الكهرومغناطيسية، وأنها لم تَعُدْ بمثل هذا الضعف. وقد أُجرِيت هذه التجارب بالفعل وأكَّدَتْ هذه الظاهرة.
اكتُشِف البوزونان و في سيرن عامي ١٩٨٣ و١٩٨٤، حيث ظهرا على نحو وجيز بين الحطام المتخلف عن تصادمات مباشِرة بين البروتونات والبروتونات المضادة. مثل هذه التصادمات تنتج أعدادًا كبيرة من البايونات، ونادرًا ما ينتج بوزون أو منفرد. أدى هذا إلى تخصيص معجل كامل — مصادم الإلكترونات-البوزيترونات الكبير الذي تفني فيه حِزَمُ الإلكترونات والبوزيترونات المتصادمة بعضها ببعض — لهذا الغرض بعد ضبطه على طاقة إجمالية قدرها ٩٠ جيجا إلكترون فولت، هذه الطاقة تعادل طاقة البوزون عند السكون، وبهذا تمكَّن مصادم الإلكترونات-البوزيترونات الكبير من إنتاج هذه الجسيمات على نحو نظيف. وعلى مدار عقد كامل من التجارب، جرى إنتاج أكثر من ١٠ ملايين من بوزونات ودراستها. وقد أثبتت هذه التجارب أن مفهوم دمج القوة الكهرومغناطيسية والقوة الضعيفة في قوة واحدة كهروضعيفة كان مفهومًا صحيحًا. إن الكتل الضخمة للبوزونات و هي التي سبَّبَتْ هذا الضعف الظاهري حين كانت مستخدمة في التجارب الماضية، عند طاقات أدنى بكثير من المائة جيجا إلكترون فولت، كما في نشاط بيتا الإشعاعي.
جدول ٧-١: الشدة النسبية لمختلف القوى عند عملها على الجسيمات الأساسية في طاقات منخفضة مماثلة لدرجة حرارة الغرفة. على طاقات أعلى من ١٠٠ جيجا إلكترون فولت، تصير شدةُ القوتين الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة متشابهتين. يُظهر الجدولُ الجسيماتِ الحاملةَ للقوى وهي: الجلوون والفوتون والجرافيتون — وجميعها عديم الكتلة — إضافةً إلى البوزونات و و الضخمة الكتلة. أيضًا يُظهِر الجدول أمثلةً على الكيانات ذات الصلة الخاصة بالقوة المختلفة.
القوة الشدة الحامل أمثلة
الشديدة ١ الجلوونات نواة الذرة
الكهرومغناطيسية ١٠−٢ الفوتون الذرات
الضعيفة ١٠−٥ البوزونات و و النيوترينو
الجاذبية ١٠−٤٢ الجرافيتون المجرات، الكواكب

وأخيرًا، لدينا القوة النووية الشديدة، التي منشؤها الشحنات اللونية التي تحملها الكواركات والكواركات المضادة، في هذه الحالة يتم نقل القوة بواسطة «الجلوونات». بما أن الكوارك يمكن أن يأخذ أيًّا من الشحنات اللونية الثلاث، الحمراء والخضراء والزرقاء، فإن الجلوون المنبعث منه يمكن هو نفسه أن يحمل شحنة لونية. على سبيل المثال، الكوارك ذو الشحنة اللونية الحمراء يمكن أن ينتهي به المطاف وهو يحمل شحنةً زرقاء، لو كان الجلوون يحمل شحنة على غرار «أحمر موجب، أزرق سالب»، وتسمح النظرية الكمية النسبوية المعروفة باسم الديناميكا اللونية الكمية بثمانية ألوان مختلفة إجمالًا للجلوونات.

بما أن الجلوونات تحمل شحنات لونية، بإمكانها أن تتجاذب وتتنافر فيما بينها بينما تنتقل عبر الفضاء، وهذا على عكس حالة الفوتونات التي تنقل القوة الكهرومغناطيسية؛ فالفوتونات لا تحمل هي نفسها شحنةً (كهربية)، ومن ثَمَّ فإنها لا تتأثر بالقوى الكهرومغناطيسية فيما بينها. تستطيع الفوتونات الانتقال عبر الفضاء على نحو مستقل، بحيث تملأ الفراغ كله، وتتناقص شدة القوة بالتناسب مع مربع سرعة المسافة التي تقطعها، حسب «قانون التربيع العكسي» الشهير لعلم الكهرباء الساكنة. تحمل الجلوونات شحنات لونية، ولا تملأ الفضاء كما تفعل الفوتونات. وتتسبب تفاعلاتها المتبادلة في جعل القوة الناتجة مركَّزةً في خط مستقيم، على امتداد محور الاتصال بين الكواركين الملونين.

لذا، بينما تملأ الفوتونات الفضاء وتتحرك على نحو مستقل، فإن الجلوونات تتجمع. ومن تبعات ذلك التجمُّع إمكانية أن تتجاذب الجلوونات فيما بينها لتكون حالات مركبة قصيرة العمر تُعرَف باسم كرات الغراء، وهذا التجاذب المتبادل بين الجلوونات أثناء نقلها القوة هو الذي يجعل السلوكيات الطويلة المدى للقوة الكهرومغناطيسية والقوة اللونية (الشديدة) تختلف اختلافًا جذريًّا. تذوي القوة الكهرومغناطيسية بالتناسب مع مربع المسافة المقطوعة، بينما القوى اللونية لا يحدث لها ذلك، فالطاقة المطلوبة للفصل بين مصدرين من المصادر اللونية — الكواركات مثلًا — تتزايد بالتناسب مع المسافة بينهما، وعند مسافة انفصال قدرها نحو ١٠−١٥ أمتار، تصير هذه القوة لانهائية؛ وبهذا يستحيل فصل أي كوارك عن رفاقه، بل تظل الكواركات مجتمعة في ثلاثيات، كالباريونات، أو في أزواج من الكوارك والكوارك المضاد كما الحال في الميزونات. ومن هذا المنطلق صارت تأثيرات الشحنات اللونية تُوصَف بأنها «شديدة» عبر المسافات الكبيرة.
لكن على المسافات القصيرة، كما أظهرت التجارب العالية الطاقة، تبدو القوة الكهروضعيفة والقوة اللونية وكأنهما تظهران نوعًا من التوحُّد الإجمالي. فقط عند الطاقات المنخفضة، كما كان المعتاد حتى نهاية القرن العشرين، تظهر الخصائص المتباينة لهاتين القوتين: البوزونات و الضخمة تسبِّب الضعف الظاهري، وعلى النقيض من ذلك تتسبَّب التفاعلات المتبادلة بين الجلوونات في جعل القوى اللونية بهذه الشدة العظيمة.

هذا ما نعرفه بالفعل، وإذا استكشفنا تأثيرات القوة اللونية والقوة الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية على طاقات قصوى، أبعد بكثير عما يمكننا قياسه في المختبر، فستبدو هذه القوى الثلاث متشابهة. وسلوك الجسيمات الذرية على الطاقات العالية، كتلك التي كانت وفيرة بُعَيْد الانفجار العظيم، يوحي بأن القوى اللونية قد ضعفت، وأنها تشبه في شدتها القوة الكهرومغناطيسية المألوفة. وقد ظهرت بوادر لتوحيد القوى بالفعل، تُعرَف بنظرية التوحيد العظمى للقوى، وهذه النظرية تقترح أن ثمة بساطة ووحدة كامنة في قلب الطبيعة، وأن ما لمحناه من الطبيعة حتى الآن ما هو إلا بقايا باردة غير متناظرة لهذه الحالة الأصلية. لكن سيتُرَك الفصلُ للتجارب المستقبلية لمعرفة مدى صحة هذه النظرة من عدمها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١