التربية البدنية

لشدِّ ما يهتم أبناء الريف في هذه البلاد (إنكلترا) بشأن حيواناتهم من ماشية وطير وكلاب، حتى لا يكاد بعضهم يقابل البعض إلا ويتفاوضون في أمر تربية هذه الحيوانات وإكثار عددها والوسائط الكافلة لذلك، بل يشارك الفلاحين في ذلك الاهتمام سكان المدن، فلا يكاد مجتمع لهم يخلو من المحاورة في هذا الشأن.

وعلى عناية أهل هذه البلاد بمصالح حيواناتهم، فإنهم أشد ما يكونون إهمالًا لمراعاة شئون أبنائهم الصحية؛ فمتى وجدنا أحدهم وقد تفقد إصطبله وحظيرة ماشيته، ثنى بزيارة غرف أولاده فتفقدها واختبر مآكلهم ومشاربهم ومقدار ما يدخل الغرف من الهواء، وسأل عن مواعيد الأكل.

إن أحدنا ليدخل مكتبة المزارع فيبصر على النضد من الكتب ما هو خاص بتربية الحيوانات وإنماء الغرس وقواعد القنص، مما يقرأ المزارع، فيكون عالمًا بمحتوياتها، فما منهم إلا يعلم خواص هذا العلف أو ذاك في تسمين الحيوان والنسبة بين فوائد التبن والعشب والخطر الناشئ عن الاسترسال في رعي الكلأ. ولكن أي هؤلاء المزارعين يقرأ ما يختص بتربية الأبناء؟ أيهم يدري ما يحتاج الطفل إليه من الأغذية التي هي أفيد له وأكفل بصلاح جسمه وحفظ صحته؟ ربما احتج لهؤلاء الفلاحين مَن قال: «إن أشغالهم تفرض عليهم العناية بأمر حيواناتهم إلى حد يصعب معه الالتفات إلى أمور أبنائهم البدنية.» فأقول: ليس الأمر كما تزعم، ولو كانت أشغال الزراعة هي السبب في ترجيح الفلاحين مصالح حيواناتهم على مصالح أبنائهم، لكان سكان المدن الفارغون من هذه الأشغال براء من ذلك العيب، على أنهم بعد موسومون به؛ فقد لا نجد أحدًا من سكان المدن إلا ويعلم أن تسخير الفرس عقب الغذاء مضر بالفرس، وهو مع ذلك لا يرى حرجًا في دفع ولده إلى العمل عقب تناول الغذاء. فإذا ليم الرجل على ذلك قال: «هذه أمور يترفع الرجال عن مباشرتها، وما للرجال وشئون أبدان الأطفال، وإنما فُرض على النساء العناية بأجسام أطفالهنَّ.» فيا للعجب! كيف يهتم الرجل المهذب المتعلم بتربية الحيوان، ثم يرى تربية الإنسان عارًا وسوأة؟! وكيف يترك أمر تربية الأطفال للأمهات اللائي لم يتعلمن غير اللغات والموسيقى وشيئًا من الفنون الكمالية، ثم للمربيات الجاهلات المشحونات الأذهان بالعقائد الفاسدة القديمة؟! إنه لأمر خطير يُضحك العاقل بما فيه من المباينة المدهشة على أن عواقبه من أوخم وأبكى ما أحزن.

وقد قال كاتب حكيم: إن أول أسباب النجاح في الحياة هو تقوي حيوانية الإنسان، هذا أيضًا أول أسباب ارتقاء الأمم، وبيان ذلك أن صحة أبدان العسكر وشدتها مما يساعد على الغلبة والفوز، وليس الأمر قاصرًا على ذلك، بل نجد الأمة أحوج في السلم إلى هذه الصفة، ولا سيما في هذه العصور التي ضاق فيها معترك الحياة، واشتدت المزاحمة على موارد الأرزاق، فأصبح الغنم على قدر الكدح، وعسرت العيشة على الضعيف الوهن الذي لا كدح له ولا سعي، وهذا مشاهد في أمر التجارة، فربح التاجر بمقدار كدِّه ونصبه واحتماله أذى الأسفار ومشاق السير وتلويح الهواجر وعصفات القوارس. ولقد نرى الألوف تنهدُّ تحت هذه الفوادح فتموت، ولو دام هذا الضيق على الازدياد لأودى بأقوى الرجال وأشدها؛ لذلك أصبح من الضروريات أن يعتنَى بتقوية أجسام الأطفال؛ حتى يطيقوا حمل أعباء الحياة فيستقلوا بها.

فقد رأيت أن أذكر كلمات عما يجب أن يتبع في تربية أبدان الأطفال، معتمدًا ما وضعه البحث من قواعد هذا العلم.

لا يجهل القارئ ما يعقب الغلو في الأمور من رد الفعل، فزمن الثورات والخروج يتبعه في الغالب عصر استبداد تستبد فيه الحكومة بالحل والعقد والأمر والنهي وزمن الفسق والفحشاء يتلوه وقت زهد وتقى، وكذلك يجيء بعد زمن الانهماك في المأكل والمشرب وقت صيام وحرمان، إذ يلعن الناس فيه ما مضى لهم من عصر إطلاق الشهوات في ميادين الترف والرفاهة. كانت أسلافنا تعتقد أن حض الطفل على الازدياد من الطعام مصلح، ولا تزال هذه سنة سكان الأرياف، حيث لا تبرح الآراء القديمة مخيمة في أذهان أهل تلك الجهات، ولكن المتعلمين من أبناء المدن يلجون في طلب النزوع عن هذه الخطة نزوعًا يفضي بهم إلى إساءة غذاء أبنائهم وحرمانهم مما لا يصح أن يمنعوه، على أن نفورهم من عيوب أسلافهم أبيَن وأظهر في معاملاتهم لأبنائهم منه في معاملاتهم لأنفسهم، فإنك تجد أحدهم على تشدده في حرمان طفله تغلب عليه شهوته، فيسيغ لنفسه ما يحميه ولده.

أما كون تقليل غذاء الطفل وإكثاره مضرين؛ فذلك بديهي على أن أولهما أضر، وثانيهما لا يكون إلا مع الإلحاح على الطفل، فإذا رفع عنه الإلحاح لم يقع الإكثار، فالإكثار يعد هفوة الآباء لا الأبناء.

ورأي الآباء في قصر أبنائهم على قدر من الطعام محدود رأي طائش أُسس على أوهن قاعدة وأوهى حجة، فلِم لا تكون الشهوة التي هي قائد الحيوان في تعاطي غذائه وقائد الرضيع وقائد المريض قائدًا أيضًا للطفل؟ بلى، إن الشهوة لنعم قائد الطفل في تناول مأكله، وإلا فما أعجب أن يطرد ذلك القياس في سائر وجوهه ثم يشذ في أمر الطفل!

ولعل قارئًا يغضب لقولي هذا فيقول لي: «أتوصي بأن يكون قائد الطفل شهوته وطالما ساءت الشهوة قائدًا؟ وكم أذى كان سببه إرسال شهوة الطفل. أتنكر ذلك وقد وضح الضياء وبرح الخفاء؟» فأقول: مهلًا أيها المُناظر؛ أما تدري أن تلك الحالات التي يؤذى فيها الطفل من قبل شهوته إنما هي عواقب منعه وحرمانه؟ وتلك سنة طبيعية تشبه نظيرتها التي ترى في حالة الشبان، إذ يسترسلون في الملاهي عقب طول حرمان منها، وتماثل أيضًا ما يشاهد في الكنائس من ركوب الراهبات سبل الغواية، وركضهنَّ في ميادين الباطل بعد طول الثواء في حجب التصوُّن والتعفف، وكذلك حال كل محبوس المآرب متى أتاح الله لها خلاصًا تهالكت على غاياتها أشد تهالك.

ولننظر الآن نظرة فيما تطلبه شهوات الأطفال، وما يعاملون به من أولياء أمورهم، تلهج الأطفال بالحلوى، ولا يرى الآباء في ذلك إلا غليل شهوة باطلة يطلب الأطفال قتله بتلك الألوان، وشهوة ممقوتة كسائر الشهوات الحسية يجب أن تُقمع، ذلك رأي الآباء إلا الفئة القليلة ممن وُفِّقوا إلى الصواب، وهو رأي مأفون جائر. والحقيقة أن السكر من أهم ما يحتاج إليه جسم الإنسان، فإن المواد السكرية والشحمية تتحلل في الجوف فيمتزج بعض أجزائها بالأوكسيجين، ويُحدث الامتزاج حرارة هي جدًّا لازمة لصلاح الجسم، ويدلك على شدة حاجة الجسم للسكر أن كثيرًا من المواد التي لا يدخلها السكر تتحوَّل في الجوف إلى مواد سكرية حتى تحصل منها الفائدة المطلوبة.

وليس ذلك هو السبب الوحيد في شغف الأطفال بالحلوى، بل هناك سبب آخر، وهو أن شهوة الأطفال وطباع أجوافهم تأبى الشحم، وقد قلنا: إن الشحم مثل السكر في إحداث الحرارة اللازمة للأبدان، فينتج من ذلك أن إقلالهم من الشحم يستوجب إكثارهم من السكر، وأن أجوافهم تطلب الكثير من السكر لضعفها عن هضم الشحم.

والأطفال أيضًا مغرمون بالأحماض النباتية، شديدو الابتهاج بالفواكه من كل صنف، حتى لتجدهم يبتلعون الثمار الخضر إذا أعوزهم الناضج، وليس ذلك لمجرد شفاء غلة الشهوة كما يظن الآباء، ولكن لأن الفواكه الناضجة من خير ما يصلح المعدة.

فانظر أيها القارئ أي خلاف وتنافر بين احتياجات الأطفال الغريزية وبين معاملة الآباء إياهم، وكيف يحرمونهم ويحمونهم ما تحتاجه طبائع تركيبهم وتطلبه، ويعوضونهم الخبز واللبن في الصباح، والشاي والخبز والزبدة في المساء مما تأباه شهواتهم وتنبو عنه أذواقهم، ولا يعدم هذا الجور عاقبته من الشر، فمتى كان عيد أو يوم لهو فأُبيح للأطفال موائد الحلوى والفواكه، ومنحوا من الدراهم ما يقرب لهم ما يشتهون مما يباع في الأسواق، أو خولوا الرتع في إحدى الحدائق، هنالك تديل الشهوات أنفسها من زمن الصيام والحرمان، فيكون انطلاقها فيما أبيح لها بقدر انحباسها قبل، وجمحها في سنن هواها على حسب حجزها ومنعها، سيما وهي تعلم أنها ستعود قريبًا إلى حالها من المنع والحرمان، فهي حقيقة أن لا تضيع هذه الفرصة، فإذا ظهرت مضار التخمة، قال الآباء: «لن نترك الأطفال إلى قيادة شهواتهم.» فاعجب بأن يكون سوء عاقبة الحرمان داعيًا إلى التمادي في الحرمان! ولو أبيح للأطفال قضاء مآربهم مما يشتهون لما جاوزوا الحد عند سنوح الفرص، ولو جعلت الفواكه جزءًا من غذائهم المعتاد، لأمن الآباء ابتلاع أبنائهم الفواكه غير الناضجة.

فقد رأينا أنه لا ثقة بغير الشهوة في تغذية الأطفال، وكيف نعدل بالشهوة وهي لسان المعدة ظن الآباء ولا علاقة له بجوف الطفل. سل الأب الذي يجيب طلب ابنه زيادة من الطعام بالمنع والنهر؛ على أي سُنة جرى؟ وبأي شرع قضى؟ وعن أي علم حكم فمضى؟ أناجاه مناجٍ من معدة طفله؟ أم هتف به هاتف من جوفه؟ ألا يعلم أن طلب المعدة زيادة من الطعام هو طلب له عدة بواعث عويصة المبحث بعيدة المتناول على الأفهام، مثل اختلاف درجة حرارة الجو ورطوبة الهواء وكهربائيته، ومقدار التمرين البدني الذي تعاطاه الطفل قبل الغذاء ونوعه، ومقدار الطعام السابق وصنفه، وكذلك مقدار سرعة هضمه، فكيف للأب أن يحسب نتائج هذه الأسباب المتعقدة المشتجرة، ولقد سأل نفر من الناس أحد الآباء، وقد أبصروا طفله أصح جسمًا من أقرانه وأكمل صحة وأرفع قامة وأحظى بضيعًا١ وأسرع حركة وأزهى لونًا؛ كيف بلغت بطفلك هذا المبلغ من النماء والصحة؟ فقال: «إنما أجررت شهوته رسنها وأرسلتها ترعى كما شاءت، بعدما علمت أن هذه أصدق مني ظنًّا وأقصد حكمًا.» فانظر أيها القارئ أين تواضع هذا الرجل للحق من كبرياء غيره من الآباء، الذين يعتقدون أنهم أولى بتدبير معدات الأطفال من الشهوة التي جعلها الله ميزان المعدة.

وكذلك لا يبرح الجهل مقرونًا بالغرور والكبر، ثم لا ينفك والعلم مشفوعًا بالتواضع والرشد، ولا يزال الجاهل المغتر معجبًا برأيه على سخافته، مزهوًّا بفكره على ضلاله، مزدريًا بأحكام الطبيعة، محتقرًا شرائع الغرائز والفطر، وعلى قدر ازدياد المجتهد من علم الحياة، يكون اتهامه بصيرته ورأيه واعتماده ما تبديه شواهد الطبيعة.

ثم ننتقل من الكلام على كمية الغذاء إلى البحث في مادته، وهنا أيضًا نرى ميل الآباء بأطفالهم إلى الأطعمة التي هي أقل ثمرة وأنزر فائدة، فالرأي المعتقَد المألوف لدى معظم الأهالي هو أن الأطفال لا يجب أن تُعطى إلا القليل من الأغذية الحيوانية، وذلك رأي أملاه الاقتصاد على من قلت ثروتهم، فليس هو نتيجة بحث علمي ولا فحص فلسفي، وإنما هو قضاء الغايات وحكم الرغبات، فمن عسر عليه شراء اللحم قال لأولاده: «إنما اللحم من شر ما يطعم الأطفال أمثالكم.» وكثر ذلك العذر حتى عاد قانونًا متبعًا.

أما الأغنياء الذين لا يعبئون بأثمان المآكل، فقد جنح بهم إلى سنة الفقراء ثلاثة بواعث؛ أولها التقليد، ثم تأثير المربيات وهُن من الفقراء، ثم إنكارهم مع سائر أهل البلاد عادة الأسلاف من الولع بالمأكل والمشرب.

وليس لهذا الرأي كما ذُكر أساس صحيح، وقد يحتج البعض بأن معدة الطفل ليست من القوَّة بحيث تستطيع هضم المواد الحيوانية، فأقول: قد يعسر على معدة الرضيع التي لم تُمنح قوَّة عضلية أن تهضم اللحم، على أن هذه المعدة قادرة بعد على هضم المواد الحيوانية الخالية من الألياف والأنسجة، هذه حال الرضيع والأطفال الذين لم يبعد عهدهم بالرضاع، فأما من جاوز الرابعة فقادر على هضم اللحم لاكتساب معدته في هذا الحين القوَّة العضلية، وفضلًا عن ذلك فإنه باحتياجات جسمه جدًّا محتاج إلى اللحم وغيره من المواد الحيوانية، وقد عرضنا هذا الموضوع على اثنين من كبار الأطباء، وعلى كثير من نوابغ الفسيولوجيين، فأطبقوا على أن أغذية الأطفال لا يجب أن تكون أقل شبعًا من أغذية الكبار، كلَّا بل ينبغي أن تكون أوفر فائدة وثمرة.

وبرهان ذلك واضح يتجلى لك إذا قارنت بين حركات الأعضاء الحيوية في الطفل وبينها في الرجل؛ لترى أن احتياج الطفل إلى القوت أشد من احتياج الرجل إليه. لأي غاية يطلب الرجل الغذاء؟ إنما يطلب الرجل الغذاء للأسباب الآتية: ما يفقده الجسم كل يوم بجهد العضلات وكد الأعصاب عند إِعمال الفكر، ورقة الأمعاء بدوام حركتها، كل هذه أسباب تدعو إلى تعويض ما ذهب من البدن، وأضف إلى ذلك ما يمجه الجلد من حرارة الجوف، وهو شأن كل جسم ذي حرارة، وبما أن استمرار الحركات الحيوية يستدعي حفظ حرارة الجوف، كان كلما مج الجسم شيئًا من الحرارة أعيض باحتراق أجزاء مخصوصة من الجسم، فأصبح الرجل لذلك محتاجًا إلى ما يعوض به ما ضاع من بدنه يومه، وإلى وَقود لإحداث الحرارة اللازمة للجوف في نفس اليوم، لهذين السببين يُطعم الرجل. أما الطفل فمدعو إلى الغذاء بهذين السببين وثالث أبيَن وأجلَى، ولا ينكر من لاحظ ما للطفل من تواصل الحركة وكثرة المرح، أنه يفقد بإعمال العضلات مع مراعاة نسبة حجمه إلى حجم الرجل مثلما يفقد الرجل، والطفل أيضًا يبذل من حرارة جوفه كما يبذل الرجل، بل أكثر؛ لأن نسبة سطح جسم الطفل إلى حجمه أكبر من عين هذه النسبة في الرجل، وثالث الأسباب وأظهرها أن الطفل يحتاج مع ذلك إلى النماء، فإذا اعتاض الجسم ما فقد، ذهب ما فضل من الغذاء في بناء الطفل، وبفضل هذه الزيادة يكون نماؤه، فإذا حصل النماء مع إعواز هذه الزيادة، صحب هذا النماء ضَعف في الجسم لعدم استيفاء الأعضاء أنصباءها من العوض، ثم لا يكون النماء في هذه الحالة كما ينبغي، ويكفيك شاهدًا على أن احتياج الطفل للغذاء أشد من احتياج الرجل إليه، أن شهوة الرجل مهما مضت فإنها أبلد من شهوة الطفل في عنفوان مضائها، وهي بعد أسرع عودة في الطفل منها في الرجل، وإذا لم يكفِك هذا دليلًا، فحسبك أن الأطفال في حين الجدب أقرب آجالًا من الرجال.

وإذا سلمنا بشدة احتياج الطفل إلى الطعام المغذي، بقي علينا أن ننظر فيما إذا كان الأنفع أن يجعل غذاء الطفل مقدارًا وافرًا من الطعام الرقيق (المكون من مواد أقل تغذية)، أو مقدارًا أنقص من الطعام الغزير المادة (المكون من مواد أكثر تغذية).

لا أخال الجواب عن ذلك إلا واضحًا بيِّنًا، لا يشك أحد في أنه كلما خف عمل الجهاز الهضمي كان في ذلك استجمام٢ لقوى الجوف ووفر لنشاطها يعينان على النماء والحركة فإذا شغَّل الجهازَ الهضمي مقدارٌ عظيم من رديء الطعام أجهد ذلك الجهاز واستدعى مقدارًا وافرًا من الدم وكد الأعصاب، وحسبك شاهدًا على ذلك ما يعقب الأكلة الشديدة من فتور الأوصال وارتخاء الأعضاء، على أن عاقبة ذلك في الأطفال أوخم، وما هي إلا ضَعف القوى وقلة النماء أو كلاهما، فيجب أن يكون غذاء الطفل غزير المادة سهل الانهضام.

على أني لا أنكر بعد أنه قد تقوم حياة الإنسان بالأطعمة النباتية دون غيرها، ويُرى بين الطبقات الراقية من الأطفال من لا يكاد يأكل اللحم، وهو مع ذلك بادي النعمة جديد سربال الصحة، وكذلك تجد بين أطفال الطبقات الصانعة كل ناشئ معجب القامة، وهو لا يكاد يذوق المواد الحيوانية، ولكن هذه الحجج داحضة إذا تأملت ما أنا قائل الآن. فاعلم أولًا أن وفرة النعمة في بكرة العمر لا تدل على أن صاحبها سيبلغ منتهى النماء والقوة في عنفوان شبيبته، يشهد بذلك ما نراه من التفاوت بين فتيان الطبقات الصانعة، وأمثالهم من أرباب الضِّياع في بلادنا، وبين شباب الطبقة الوسطى وشباب الطبقة السفلى في فرنسا. واعرف ثانيًا أن الأمر ليس قاصرًا على حجم الجسم، بل يجب أن يلتفت مع هذا إلى نسيجه، فقد يعجبك من رونق الجسم المسترخي مثل ما يروقك من رواء البدن المعصوب، على أن الفرق ساطع إذا خبرت قوة كل جسد منهما، وقد يستوي في الأعين غير الفاحصة الطفل المكتنز المجدول والآخر الرهل المضطرب حتى يتصارعا، فيفصل المراس بينهما. وتعلم ثالثًا أن هناك فرقًا في النشاط والحركة، ولا يخفى على المتأمل ما للطفل المتغذي باللحم على ذلك الذي يتعاطى البقول من فضل النشاط وخفة الأعضاء وذكاء القلب وتوقد الذهن.

على أنا لو قارنا بين أنواع مختلفة من الحيوان، أو بين ضروب شتى من البشر، أو بين أفراد نوع واحد من الحيوان، أو صنف واحد من الناس عند اختلاف أطعمتهم؛ لوضح البرهان على أن مقدار النشاط والحركة مترتب على مرارة مادته وغزارتها، فالبقرة التي لا تجزأ٣ من العشب إلا بمقدار عظيم لقلة نصيب العشب من غزارة المادة، قد أمدها الله بجهاز هضمي عظيم الحجم، تتضاءل أمامه أطرافها، وتدب٤ تحت ثقله، فينفد معظم قوتها بين هضم القدر العظيم من طعامها وحمل ذلك الكرش الثقيل، وتصبح لقلة ما بقي لها من القوة غاية في البلادة والكسل. أما الفرس فلما كان طعامه أغذى وأجدى من طعام البقرة، كان كرشه أصغر، وأطرافه أمام ذلك الكرش مديدة ناهدة، فأصبح بفضل ذلك التركيب ممتلئًا بالنشاط، يعبث بأعطافه المرح. وإذا قارنا كذلك بين الضأن آكلة العشب والكلب آكل اللحم والمواد الدقيقية، لرأينا أي فرق بين كسل الأولى وحدَّة الآخر، وأين الذي جال جولة في حدائق الحيوانات فأبصر ما يملأ آكلة اللحوم من الميعة والحدَّة، ويشملها من القلق والحركة، حتى لا يكاد يقر قرارها، فهي دائبة الجولان في أقفاصها، ثم لم يعترف بفضل الطعام الغزير المادة على السيئ.

وقد يعترض معترض فيقول: «إنما ذلك الفرق المشاهَد في نشاط الحيوانات وحدَّتها ينشأ من اختلاف بناء الأجسام وخلقتها.» فأقول: يبطل هذا القول أن ذلك الفرق قد يظهر بين أفراد جنس واحد، ولنضرب مثلًا ما نشاهد من أحوال الجياد المختلفة الغذاء، انظر أي فرق بين فرس العجلات العظيم البطن البليد وجواد الحلبة الضامر الكشح الطامح العنان، واذكر فضل طعام الواحد على غذاء الآخر. ثم اترك الخيل إلى البشر، فانظر إلى أهل أستراليا الأصليين وأهل جنوب أفريقيا وآخرين من أدنى المتوحشين العائشين على الجذور والثمار وأنواع الحشرات وغير ذلك من الأطعمة الغثة، تجدهم قِصارًا ضِئالًا ذوي بطون عظيمة وعضلات ناعمة طرية لم تجدل جدل عضلات سواهم من آكلي اللحم؛ فهم لذلك لا طاقة لهم بالأوروبيين، ولا كفاء إذا حسرت الحرب قناعها، ولا غناء لهم إذا تعاطوا ما يتناول أهل أوروبا من الأعمال، وانظر بعد ذلك إلى الأمم المتوحشة التامة الأجسام الحديدة؛ كفريق آخر من سكان جنوب أفريقيا، وكسكان شمال أمريكا، تجدهم مكثرين من أكل اللحوم.

وكذلك يذل الهندي السيئ الغذاء للإنكليزي الطاعم ما طاب منه وصلح، فيكون دونه حدة جنان وشدة أعضاء، وما برحت الأمم الصالحة الغذاء يدا الدهر مظفرة غلابة.

وأوضح ما تكون الحجة إذا ثبت لك أن هناك تفاوتًا في قوَّة نفس الحيوان في حالتي امتلاء غذائه ورقته، وقد سبق ذكر ذلك في أمر الخيل، فقد يكثر لحم الفرس إذا كثر من الكلأ، ولكنه يفقد مع ذلك جزءًا من قوَّته، كما يظهر ذلك إذا جشم عملًا شاقًّا. وقد قال أحد العلماء: «إن إرسال الخيل ترعى يحلل عضلاتها.» وقال آخر: «ليس الكلأ لجواد الصيد، ولكنه للثور الذي يسمن للبيع.» وطالما لاحظنا في جياد الصيد عقب رعيها الربيع تخلُّفها عن الكلاب حتى تُعلَف الفول زمنًا فتقوى إذ ذاك على إدراكها. وأضف إلى هذه الأدلة أنك إذا شئت أن تضاعف على فرسك عمله علفته الفول؛ مما يثبت أن القوة والأيد في طيب الغذاء وصلاحه.

فإذا شئت أن تبصر هذه الحجة في البشر، فانظر إلى المقاولين الإنكليز المشتغلين بعمل السكك الحديدية إذا دُعوا إلى العمل خارج بلادهم لم يروا بدًّا من استصحابهم عمالًا إنكليز؛ وما ذاك إلا لأن هؤلاء العمال لاعتيادهم أكل اللحم أنفذ في الأعمال وأغنى في الأمور من أمثالهم من أهل الممالك الأخرى الذين يتغذون المواد الدقيقية، فكان العمال الأجانب يغارون من الإنكليز فيبارونهم في أكل اللحم، فيعودون بذلك أقرانًا لهم وأكفاء. وأضف إلى ذلك تجريبي هذا الأمر في نفسي إذ نبذت اللحم ستة أشهر وعكفت على الخضر والبقول، فأحسست بعض ضعف في الجسم والعقل.

أليس فيما ذكرنا من الشواهد مؤيد لبرهاننا عما يختص بالأطفال؟ أليست هذه الأدلة تعدل بالمتأمل عن الاغترار بما قد يكتسي الجسم من ظاهر النعمة إلى إنعام النظر في جوهر الجسد الذي يستدل به على مقدار الصحة والعافية؟ أما تؤيد هذه الأقوال ما نريد إثباته من أن مدار القوَّة والنماء على حسن الغذاء؟ أما تثبت وجوب إصلاح الغذاء للطفل الملزم بأعمال فكره وجسمه حتى يضمن مع النماء تعويض ما يفقده الكد والكدح، وأن لا يغتر في أمر هذا الطفل بحالة المستريح الوادع من الأطفال الذي تكفيه المواد الدقيقية، ويبدو عليه أثرها من النعمة لقلة احتياج الجسم إلى تعويض ما فقده؛ فيحذو بالمجهود حذو المستريح غفلة وعمى من ولاة الأمور؟ أما وقد وضح الصبح لذي عينين، فلا عذر لمن لج في عمايته وسدر في جهالته.

وقبل ترك هذا المبحث ألتمس أن أقول كلمة عن وجوب تنويع الأطعمة لقلة اهتمام المربين بهذا الشأن، على أن أطفالنا والحمد لله لم يُقضَ عليهم بما حُكم به على عساكرنا من أكل اللحم المسلوق عشرين سنة، ولكنهم مصابون بعد بالمداومة على بعض الألوان مما يخالف أوامر الصحة، وليس ذلك عيب الغداء، ولكن عيب الفطور والعشاء، إذ لا ينفك فطور الأطفال من اللبن والخبز أو العصيدة، ويُختم اليوم بنسخة ثانية من هذا المأكل، وربما أُبدلت بالخبز والزبدة والشاي، على أن هذا منافٍ لقوانين الفيسيولوجية، فالسآمة التي تعتري الآكل من لون طال تكراره، واللذة التي تنشأ من آخر طالت غيبته؛ ليسا كما يزعم الناس بلا أصل ولا سبب، فلقد ثبت من جملة تجارب أنه ليس هناك طعام واحد يقوم بإمداد الأعضاء الحيوية بحاجاتها من العناصر المختلفة على النسب الواجبة والصور الصحيحة حتى تصلح بذلك حركاتها، بل ذلك لا يتم إلا باختلاف الأطعمة، واقرن إلى ذلك أن اللذة الحادثة من تناول الطعام المشتهى تنبه الأعصاب فيشتد ضَرَبان القلب، فيُحدث ذلك دورة الدم، وهذا مُعين على الهضم.

وكما يجب أن يغير الطعام من حين إلى آخر، كذلك ينبغي أن تتألف كل أكلة من ألوان شتى، فإذا طلب الدليل على ذلك، فانظر هل يجد الجهاز الهضمي من السهولة في هضم مقدار من لون واحد ما يجده في هضم نفس المقدار إذا تألف من ضروب شتى؟

وعلى من أراد اتباع ما ذكرت أن لا ينتقل فجأة من المأكل السيئ إلى ضده، فإن اعتياد المآكل السيئة يضعف الجهاز الهضمي، فإذا فوجئ بالطعام المثري، عسر عليه هضمه، فوجب حينئذ أن يكون الانتقال من إحدى الحالتين إلى الأخرى تدريجيًّا، فتكون كل زيادة في قوة الجهاز الهضمي داعيًا إلى زيادة في الغذاء. وخلاصة القول: إن غذاء الأطفال يجب أن يجمع بين الوفرة والتنوع والمَرْآة.

أما الملبس فقد يؤثر الآباء المبالغة في تخفيفه، فيعود غير وافٍ بالحاجة إليه، يفعلون ذلك زهدًا وتقشفًا، ويعتقدون بوجوب مخالفة ما تطلبه الحواس، زاعمين أنها لم تخلق لهداية الإنسان بل لإضلاله؛ جهلًا منهم وخطلًا، وما كان الله تعالى ليجعل من أجسامنا أعداءً لنا وأعوانًا علينا، وإنما ينشأ الضرر من عصيان هذه الحواس، لا من إطاعتها، فليس على من جاع فأكل ضرر، بل الضرر لآكل غير جائع، ولا بأس على الشارب من ظمأ، بل البأس على من عاود الشرب بعد شفاء غلته، ولا أذى لمن أباح مناشقه صافي الهواء الذي يطيب للشم، بل الأذى لمن أكره مشامه على تنشق ما خبث من الهواء، ولا ينال الضرر من باشر الألعاب الجسمانية التي يطلبها الجسد كما هو مشاهد في الأطفال، بل يرهق الضرر الذي يعصي طبع جسده، وليس الشر من إرسال الذهن في مراتعه وقد بدا منه نشاط وميعة، بل الشر في إكراهه على العمل وكده، وقد تبين فيه الجهد والإعياء، ولا تجلب الرياضة البدنية مضرة، بل يجلب المضرة التمادي فيها بعد تبين النصب واللغب، على أني أعترف بأن الحواس تضل من عاش حينًا طويلًا على غير أساليب الصحة ناكبًا عن منهاجها، فإن الحواس إذا خولفت زمنًا وأجيبت بغير ما تطلب، تطرق إليها الفساد، فعادت لا يُعتمد عليها، وكذلك قد تضل الحواس لفسادها من قضى حقبًا بين حيطان منزله يجهد ذهنه ولا يروض بدنه، ويعاصي في تناول الطعام داعي معدته، مؤتمرًا بأمر ساعته، وما كان ذلك الفساد لولا عصيانهم دواعي طباعهم، ولو أطاعوها منذ نشأتهم، لما عدلت عن مناصحتهم أو نكبت عن مصادقتهم، فمن الحالات التي تصدق فيها دواعي الحواس الشعور بالحر والبرد، ومنكر أن تعصي في هاتين الحالتين أوامرها. وقد يعتذر ولاة الصبية عن حرمانهم الأطفال ما يكفيهم من الثياب بأنهم يبغون بذلك تعويد أطفالهم الخشونة والقشف، وساء ذلك اعتذارًا، وبئست تلك خطة، لا يلبث أن يصاب الآخذون بها إما بفقد أحد أطفالهم، أو إفساد صحة آخر، أو تعويق نماء ثالث، على أن أساس تلك الخطة أوهى من نسيج العناكب، وذلك أن أغنياء الآباء إذا أبصروا أطفال الفلاحين تمرح في الفضاء عراة الأنصاف، وهم مع ذلك أصحاء الأبدان أصحاء الآباء، استنتجوا أن الصحة رهينة التعرض للهواء وعزموا على تخفيف ملابس أطفالهم، ولكنهم لم يذكروا أن أبناء الفلاحين بدواعي عيشهم محفوفون بمزايا لا يجدها أبناؤهم؛ من دوام تنشق خالص الهواء، ومواصلة اللعب والمرح، وقلة أعمال الذهن، وإن صحاتهم محفوظة ليس بفضل التعرض للجو، ولكن بالرغم من ذلك التعرض. وما يدريك أن صحاتهم لا تزداد حسنًا إذا زيد في ثيابهم، يؤيد ذلك ما نعلمه من قوانين الفيسيولوجيا (وظائف الأعضاء) من أن انتقاص حرارة الجسم ينقص من حجمه.

وقد يكتسب الجسم الصحيح الشديد شدة من التعرض، ولكنه ينقص نماءه، وهذا بين سواء في الإنسان أم في الحيوان، فقد نجد خيل جزائر شيتلاند التي تكابد من قوارس البرد ما لا تكابد خيل البلاد الجنوبية أصغر أجسامًا من الأخيرة، وهذا الفرق ظاهر في ذوات الأظلاف، ثم نرى سكان الجهات القطبية أدق وأضأل من سائر البشر، حتى لا يكاد الناظر إليهم يلحقهم ببني آدم.

وقد أثبتت العلوم ذلك، وهو أن الجسم لا يزال يبذل شيئًا من حرارته؛ ولأجل أن تعوض تلك الحرارة تتكلف المعدة أن تستخرج من الطعام أنواعًا من المواد لا فائدة لها سوى أنها تحترق، فتحدث حرارة بدل التي يفقدها الجسم، والمعدة مع هذا العمل تصنع مما بقي من الطعام مواد تذهب في الجسم، ولكن قوة المعدة محصورة، فكلما أكثرت من عمل المواد المحدثة للحرارة أقلت من صناعة المواد المكونة للجسم، فنتج من ذلك أن شدة التعرض للجو تكثر من إضاعة حرارة الجسم، فتكثر المعدة من عمل المواد المحدثة للحرارة، وتقل من مواد النماء، فيقصر الجسم عن بلوغ ما ينبغي أن يبلغه من الحجم.

ولما كان احتياج الطفل إلى عوض ما يفقد من الحرارة يزداد كلما كان أصغر سنًّا، كان ضرر البرد أبرح وأبلغ في الرضيع والحديث العهد بالرضاع، وكم مولود مات ضحية حمله إلى مكان تسجيل أسماء المواليد. وقد قال أحد الأطباء: إن موتى المواليد في شهر يناير ضعف موتاهم في شهر يوليو، وموتاهم في الروسيا أكثر منهم في غيرها من ممالك أوروبا، فتأمل أي حمق وخرق هنالك في تخفيف ملابس الأطفال، ماذا يكون جواب الأب الذي يعرِّض ابنه لأذى البرد أو يوافق على تعريضه إذا سأله سائل، فقال: «خبرني أصلحك الله أيسرُّك أن تُسلب بعض ثيابك فتمشي في الطرق عاري الذراعين والساقين والعنق والترائب؟ كلا، فلقد أخالك الآن ترتاع من مجرد ذكر العَرَى فما بالك تبتلي طفلك بما أراك تجزع من ذكره؟ إن ذلك لظلم منك وعدوان.» وقد يقود حب التقليد كثيرًا من الأمهات، فيمِلن بأطفالهن إلى الثياب الخفيفة القصيرة مما يكون حديث الاختراع جريًا على السنن الأجد والمذهب الأحدث، غير مباليات بما يعقب ذلك من الضرر، كل ذلك لموافقة أهواء المترفين ممن لا همَّ لهم سوى زينة الملبس وما شاكلها، وقد ينشأ أذى الملبس من شيء سوى حب التقليد، وذلك أن بعض الأمهات قد يشغفن بالأكسية المونقة اللون والنسيج فيلبسنها أطفالهنَّ، ثم يشفقن أن ينالها أدنى قذر أو شائبة، فيجعلن من أنفسهن على الأطفال مراقبات لا يأتلين يلاحظنهم، ويمنعنهم من كل ما يوده الأطفال من اللعب والمراح، فتعود الأطفال من ذلك في أضيق سجن وأشد وثاق، فنعوذ بالله من ذلك الغشم الصريح والحمق المحض، ونسأله أن يوفقهم إلى الأخذ بما قلناه، وما نحن ملخصوه في هذه العبارات وهي؛ أن ثياب الأطفال يجب أن تجمع الخواص الآتية: أولًا: أن لا تكون من الثقل بحيث يجهد الطفل حرها. ثانيًا: أن تقوم بدفء الطفل. ثالثًا: أن تُصنع من نسيج يضن بالحرارة مثل الصوف الخشن. رابعًا: أن تكون من المتانة بحيث تبقى طويلًا على لعب الطفل ومراحه. خامسًا: أن تكون ذات ألوان بطيئة النصول على كثرة تعريضها للجو.

أما الرياضة البدنية فمعتنًى بها في شأن البنين مهملة في أمر البنات، وكفاك شاهدًا بذلك أن تقارن بين مدرسة للذكور وأخرى للإناث، فبينا تجد للأولى ساحة خلاء فيحاء تشتمل على كثير من آلات التمرينات الجسدية، وبينا لا يزال يطرق سمعك من هذه الساحة أصوات البنين وهم أفرح ما يكونون، ترمي بهم الميعة رمي الوليد بالمهزام، ويقذف بهم المراح قذف الصوالج بالأكر، إذ تبصر محل البنات مدرجًا في كفن من الوحشة، هذا إذا ساعفك الحظ فشعرت بأن هناك محلًّا للبنات؛ أقول ذلك لأني ما كنت داريًا أن بجوار منزلي مدرسة لَهُن، لولا أن سمعت بذكرها من بعض الأصدقاء، فلما أبصرتها رأيت بها مكان ساحة اللعب حديقة ملتفة أثيثة لا تسمح للبنات بلعب ولا مرح، وقد مضى لنا خمسة أشهر منذ علمنا بها، فلم نكد نسمع بالمكان نبأة ولا رزًّا،٥ وكنا نرى بحديقة المحل أحيانًا بعض البنات ماشيات الهوينا يتقتلن،٦ ويتلومن على بعض المعاهد، وهن مع ذلك حاملات كتبًا لهن، ولا أنكر أني نظرت مرة، فرأيت إحداهن تجري في أثر صاحبة لها، وما خلا هذه الحركة، فالمكان بحمد الله ساكن صامت كبعض الرسوم والأطلال.

فلِم ذاك الفرق العظيم؟ أتظن القائمات بتربية الإناث أن هناك بونًا بين خِلقة الذكر وخِلقة الأنثى؟ أم يحسبن أن ليس للبنات ما للأولاد من نوازع النفس إلى اللعب واللهو؟ أم يرين أن الله — سبحانه وتعالى — بينا جعل من تلك النوازع في الأولاد محرضات على الانهماك في اللعب خلقها في البنات بلا معنى ولا غرض؟ كلا، بل أحسب أن للمربيات رأيًا سوى ما ذكرت، وذلك أنهن يربأن بالبنات أن يكون لهن الخشونة والصلابة اللتين تجلبهما رياضة البدن، ويرين ذلك أشبه بصفات السوقة والسفلة، وإنما تود المربيات أن تشبه بناتهن أولاد الملوك والعلية الأشراف، ثم يرين أيضًا أنه من تمام الجمال والظرف أن تزيد رقة الغادة وتنقص قوتها وتبلد للطعام شهوتها ويشتد جبنها ويضعف ركنها، على أن ذلك المثال الذي يرغب المربيات أن يصغن بناتهن على شكله لا يعجب الرجال، وإن كان يروقهن، ونحن لا ننكر أن الرجال يبغض المذكَّرَات من النساء، وأن شدة الالتئام بين النوعين إنما تقع باحتياج الأنثى لضعفها ورقتها إلى عاصم من بأس الذكر، ومانع من شوكته، ولكن هذا الفرق بين الرجل والمرأة كائن بطبيعة الحال لا يحتاج إلى وسيلة توجده، وهو ما دام على الفطرة التي جبله الله عليها حسن صالح، فإذا تكلفت المربيات تزكيته وغالَيْن في تجسيمه، عاد داعيًا إلى النفور، لا جالبًا للألفة.

ولعل ذا حجة للمربيات يقول: «أتترك الغادات تعتاد كل عادة تناقض الرقة وتخالف الخفر (زلت حجته).» فأولئك الصبية يدأبون في ألعابهم زمن الدراسة، ثم يتركون المدارس، فلا تراهم يلعبون «النطة» في الطريق ولا «البلي» في غرف المجالسة، بل ترى أحدهم متى بلغ عصر الشبيبة احتقر ألعاب الطفولة، واحتشم أن يُرى وهو بحالة الغلمان، فإذا كانت الذكور وهم أقل مراعاة للظواهر ترفعهم النخوة عن تعاطي ألعاب الطفولة، فلِم لا تكون النساء ألج نفورًا مما يشين كمالهن وأمعن صدفة عما يضر بتورعهن؟ وما أحمق المربية التي تظن أن طباع الأنثى لا تقوَّم إلا بتشديدها وتضييقها! وقد نرى من يشعر بضرر ذلك التصنع الذي ذكرناه، فيُلتجأ منه إلى خطة أمكن في التصنع، وهي خطة التمرينات الجسدية (الجمناستيك)، أعني الألعاب المعهودة التي تعمل على آلات مخصوصة، وتجري على أصول موضوعة. أما كون هذه الخطة أفضل من لا شيء فهو أمر لا ريب فيه، وأما كونها خلفًا محمودًا من اللعب والمرح فباطل لسببين عظيمين؛ أولهما: أن التمرينات الجسدية لما كانت أقل تنوعًا مما تأتيه البنات من ألعابهن كانت ملية أن لا تسوي بين كافة أوصال البدن في قسمة الحركات عليها، فتوسع بعض الأعضاء جهدًا وتهمل البعض، فيسرع النماء في المجهود، ويبطأ في المهمل، وتسوء بين الأوصال نسبة مقاديرها، وثانيهما: أن التمرينات الجسدية لما كانت تجري على قواعد مرسومة، وتشبه سائر ما تكلف به البنات من الأعمال، كانت خالية من اللذة الكائنة في الألعاب المألوفة عند الغادات، وحقيقة أن تحدث الملل والسآمة. وقد لا تفطن المربيات إلى التفاوت بين تأثير الملل وتأثير الارتياح في الأجسام، ولا أحسبهن يعلمن أن هناك تفاوتًا، وتلك زلة لا تغفر، فليعلمن من الآن فصاعدًا أن الحبرة والابتهاج فيهما تنبيه شديد وتحريك للأعضاء الحيوية، وكفاك دليلًا على صحة ذلك ما تشاهد في حالة المريض من التحسن لورود بشرى أو لزيارة صديق حميم، وما يوصي به الأطباء من إحاطة العليل المضني بلفيف من كل مِفراح مشبوب الفكاهة جياش المؤانسة، ثم أذكر أي فائدة للصحة فيما يجلب تغيير المناظر على النفس من الحبور والجذل، والحقيقة أن الصفاء أنجع دواء، وذلك أن ورود الفرح على النفس يحتث حركة الدم، فيسهل على كل عضو حي عمله، فيزيد في صحة الصحيح، ويهدي العافية لفاقدها، وكذلك يثبت فضل الألعاب المألوفة وتقصير التمرينات الموضوعة، وقصارى القول: أن التمرينات الجسدية خير من لا شيء، وأنها لا تقوم وحدها بضمان العافية وكمال النماء، وأنه يحسن أن تُقرن إلى الألعاب المألوفة التي تنزع إليها طبيعة الأطفال، وأن هذه الألعاب المألوفة ضرورية لصلاح صحة البنين والبنات، وأن من ينكر فائدة هذه الألعاب الطبيعية جاحد فضل الحكمة الإلهية التي أمدت الطبيعة البشرية بكل ما يضمن قضاء حاجاتها.

بقي علينا بحث أحسبه أحوج إلى التدبر والتصفح مما سبق: يزعم الكثيرون أن غلمان الطبقة المتربية وشبابهم أضأل أجسامًا وأضعف قوَّة من رجالها وكهولها، ولقد خطر ببالنا عند أول سماعنا هذه الكلمة أنها من ضمن الأباطيل التي يختلقها الجمهور تمجيدًا للعصور السالفة وبخسًا للعصر الحالي، سنة الله في عباده، فرفضناها ونبذناها مع أمثالها من الأكاذيب مثل قولهم: «إن فرسان العصور السوالف كانوا أعظم خلقًا من نظرائهم الآن.» فظهر كذب هذا الزعم عند ما قسنا الدروع القديمة فوجدناها أصغر من الحديثة، ومثل قولهم: «إن القدماء كانوا أطول أعمارًا منا.» فكذب ذلك السجلات القديمة، ولكن اعتقادنا كذب الزعم الذي نحن الآن بصدده لم يلبث أن أزاحه البحث والفحص، فقد أنعمنا النظر في الطبقات غير الطبقة الصانعة، فرأينا أن الكثير من الأحداث لا يبلغون آباءهم طولًا ولا ضخامة، حاسبين ما بين الفريقين من فرق السن، ورأينا الصلع العاجل في العصر الحاضر أعم منه في الغابر، وسقوط الأسنان كذلك أكثر، والقوَّة أوهن، والحدة أبلد، وأدهشنا أن الأجيال الغابرة على فساد نظام معيشتهم أضلع بالخطوب، وأنهض بالأثقال من الجيل الحاضر على استواء أمر المعيشة الآن والتئام نظامه.

فلقد كان آباؤنا على إدمانهم الشرب وإخلالهم بمواعيد الأكل والنوم وعدم اكتراثهم لاستنشاق خالص الهواء وقلة اهتمامهم بالنظافة؛ أقوى منَّا على الأعمال وأصح أبدانًا وأطول آجالًا، ثم ترانا مع كثرة اهتمامنا بمراعاة قواعد الصحة كالعناية بالمأكل والقصد في المشرب ومراعاة جودة الهواء ووفرته، والالتفات إلى نظافة البدن والمنزل والأثاث والإكثار من التنزه في الأرياف، لا يزال منا الظالع تحت عبئه، والمبهور تحت ثقله، والرازح والحسير والطريح والصريع، فأعجب بملتفتين إلى إصلاح صحاتهم وهم مع ذلك مرضى ضعاف، ومهملين صحاتهم وهم أصح وأقوى! فكيف كان ذلك؟ لا ريب أن أكبر أسبابه هو جهد الذهن حتى يبلغ به أقصى غاية الإعياء، فلقد نرى الآباء في هذا العصر تفضي بهم المباراة في كسب المال والمفاخرة في التنعم بملذات الترف إلى مواصلة العمل من لدن شروق الشمس إلى غروبها، وربما سهروا ليلهم موالاة للكدح، لا يفرقون بين العمل والعمل برياضة، ولا يجعلون لأنفسهم فسحة تستريح فيها تلك الأذهان المكدودة والأجسام المنهوكة التي يورثونها أبناءهم في أعمالهم، ثم يضطرهم ما يكابدون من عناء الكد إلى تكليف أولادهم ما لا يطاق من مواد الدراسة؛ رجاء أن يسبقوا إلى نيل الدرجات أوانهم، فيكونوا لهم أعوانًا فإذا عنف بالصبية في سبل التعليم أعياهم النصب ونال منهم الكلال، فهم إما هالك في سبيله، وإما عاجز عن بلوغ مداه وهنًا وضعفًا، وإما بالغ غايته نضوًا مهزولًا، لا يؤمل مدى الدهر لقوَّته رجعة ولا لشوكته عودة، على أن القارئ لو اطلع على نظام أوقات الطلبة في بعض المدارس، فرأى مقدار ما يصرف في مذاكرة الدروس، وما يجعل للاستراحة؛ لما عجب أن يصيب الطلبة من ذلك النظام الضرر والأذى، بل عجب أن يبقوا أحياء مع تلك الخطة الفاحشة الجور، وهاك صورة نظام الأوقات لإحدى مدارس البنات:

ساعة
٢٤
٩ للنوم.
تقضى فيه المدرسة أو في البيت، تمضيها الصغيرات في اللعب والكبيرات في العمل.
في الأكل.
٩ في المدرسة للأشغال وتلقي الدروس.
١ رياضة في الفضاء لا تتعدى المشي، ولا تكون إلا في الصحو، وقلما تعاطى البنات هذه الرياضة إلا وكُتب الدراسة في أيديهنَّ.

وماذا كانت نتيجة هذا النظام المدهش؟ كانت عاقبته لا شك الضعف واصفرار اللون والكآبة وكسوف البال وقلة الصحة، وزد على ذلك أنَّا لم نجد فتاة من هؤلاء اللاتي تعلمن بتلك المدرسة، إلا وقد بُليت بنحافة الجسم وصغر الخلق.

وإليك صورة نظام الأوقات في إحدى مدارس المعلمين:
  • الساعة السادسة صباحًا يهب الطلبة من النوم.

  • من ٧ إلى ٨ صباحًا اجتماع الطلبة ومذاكرة.

  • من ٨ إلى ٩ صباحًا تلاوة الإنجيل وصلاة وفطور.

  • من ٩ إلى ١٢ صباحًا مذاكرة.

  • من ١٢ إلى مساءً فسحة (تسمية)، وفي الحقيقة وقت يُصرف في المذاكرة.
  • من إلى ٢ مساءً غداء لا يتجاوز من الأكل ٢٠ دقيقة.
  • من ٢ إلى ٥ مساءً مذاكرة.

  • من ٥ إلى ٦ مساءً شرب شاي واستراحة.

  • من ٦ إلى مذاكرة.
  • الساعة العاشرة مساءً يذهبون إلى غرف النوم.

ومن ذلك التقسيم ترى أن الطلبة يمضون في المذاكرة ساعة و في الرياضة، وقلما يصرفون مدة الرياضة إلا في موالاة المذاكرة، ويا ليتهم يقتصرون على ذلك، فلم ينتبه غالبهم في الساعة الرابعة صباحًا، فيبكرون إلى كتبهم، وعلى كل ذلك يشجعهم الأساتذة الذي يرون صيتهم وذكرهم رهنًا بمبالغ تلاميذهم من العلم، فيضطر الطلبة إلى قضاء ١٢ أو ١٣ ساعة من اليوم في أعمال أذهانهم.

أما عاقبة ذلك النظام المنكر من الوبال والخسارة، فكما يقدر القارئ، وقد بين أحد أفراد هذه المدرسة ما شاهد من مضار تلك الخطة في أحوال الطلبة؛ فقال: «لا يلبث الطالب الجديد أن يتبدل بإشراق ديباجته شحوبًا، وبصحته مرضًا، وبمضاء شهوته للطعام كلالًا، ومن الطلبة من يذهب فريسة الخطة الملعونة.»

فأي شيء أعجب من أن يوجد مثل ذلك النظام في وقتنا هذا، وأن يقبله أولو الألباب من العلماء؟ وأي ظلم وجور بل وأي عمى وجهل في أن يفرض القائمون بالتعليم على الطلبة الضعاف من مواد العلوم في زمن قصير ما لا يستطيعون درسه في أضعاف الزمن المحدد له؟ وإنما تبغي الأساتذة بذلك أن يبلغوا بأذهان طلبتهم الأمد البعيد في الزمن القريب، ولم يعلموا أن للذهن طاقة محدودة إذا جشم ما فوقها أدى ذلك إلى ضعف في سائر قوى الجسم، فإن للطبيعة البشرية حساب دقيق لا يخدعها فيه خادع، فمتى أجبرتها أن تبذل في أحد أعمالها فوق ما قدرت له من الجهد؛ اعتدته ظلمًا منك، وأنصفت نفسها بتقصيرها في عمل آخر، فإذا تركتها وشأنها تبني العقل والجسم بحسب ما أوتيت من التدبير، فأحج بأن يجري أمرها على السنن الأقوم والمنهج الأوضح، وكيف يرجو الذي يكلف الطبيعة البشرية في أحد الأعمال فوق مجهودها أن تتقن سائر أعمالها، مع العلم بأن قوة الحياة في الإنسان محصورة، وحاجات الجسم إليها متعددة، فبعض هذه القوة مبذول في الهضم، وبعضها في تعويض ما تفقده حركة الأوصال، والبعض ينفق في إعاضة ما يضيعه اشتغال الذهن، وغير هذه مصروف في إنماء البدن، على أن ما ذكرنا من ضرورة تقصير الطبيعة البشرية في سائر الواجبات إذا بذلت أكثر من وسعها في واجب، هو أمر يثبته الحس، فكلنا يعلم أن الهضم الشديد يوجب فتورًا في الذهن قلما لا يجلب النوم، وأن كد الأوصال يستدعي استرخاءً في الفكر، وأن الفلاحين الذين يجهدون أجسامهم ليس لهم لوذعية ولا اتقاد ذكاء، وأن نهْك البدن عقب الغذاء يوقف الهضم، وربما سأل سائل فقال: «إذا كانت هذه هي مضار الإغراق في كد الذهن، فما هي المضار التي تحدثها أدنى زيادة فيما حددت الطبيعة للذهن من الحركة؟» فنقول: من هذه المضار نقص خفيف عما يجب أن يبلغ البدن من الحجم، كانحطاط القامة عن الغاية التي كان ينبغي أن تنال، أو نقص عن الجسامة التي كان الواجب أن يصل إليها، أو رداءة في النسيج تنكب بجوهر الجسم عن بلوغ ما يجب أن يكون له من الجودة، وكيف لا يحل بالبدن أحد هذه المضار أو بعضها أو كلها وقد فقد من نصيبه من الدم ما اغتاله الذهن لينفقه في كده وكدحه، فذهب في سبيل الذهن ما كان يذهب في بناء البدن، وإذا ثبت ذلك بقي علينا أن نبحث فيما إذا كان ما اكتسبه الذهن يفي بما فقده الجسم.

أما شدة جهد الذهن فمضرة سواء بالبدن والدماغ، وإليك تبيان ضررها بالدماغ، فاعلم أن دماغ الطفل يزيد على مرِّ الزمن زيادتين؛ واحدة في الحجم وأخرى في التكوين والتصوير وإرباء٧ إحدى الزيادتين ينقص من الأخرى، واستواء الدماغ وصلاحه لا يكون إلا بتوازن الزيادتين، وهذا التوازن إنما يكون بترك الدماغ يتصرف في عمله على هينة منه بلا قسر ولا اعتناف، فلا يعطى من مواد العلم إلا ما يطيق تناوله وهو أودع٨ ما يكون، فإذا أقحم المصاعب من العلم وهو بعد لم يقوَ على اقتحامها وعنف به في وعورها؛ أسرع ذلك في تكوين الدماغ وتصويره، حتى يكاد يبلغ في الشكل والهيئة دماغ الكبير، ولكنه يعوق من ازدياد نمائه وقوَّته، ولو رفق به وصلح تدبيره نضج في استواء، وأدرك في تعادل، وجمع في الأوان المحدد بين القوة والنمو وكمال التركيب، وتلك قاعدة بينة في حال نوابغ الأطفال الذين يفوتون في السن الصغيرة شأو الغلمان، ويغلبونهم فطنة ويبهرونهم ذكاءً، فإذا كبروا كذَّبوا ظنون المتوسمين وخيبوا آمالهم، وهذا أيضًا حال النساء فإن أذهان الصغيرات منهنَّ بطبيعتها أسرع إلى التكون وكمال التركيب من أذهان الذكور، وهذا كما قدمنا مجحف بالنمو وازدياد القوة، فإذا قارنت بين الغلام والفتاة المتحدين سنًّا، رأيت الأنثى أكمل عقلًا وأذكى لبًّا، ثم يقف ذهنها عند حد، ويتمادى ذهن الغلام في النماء والتكوين، فلا يمر زمن حتى يشرك الفتاة في استيفاء التكوين، وينفرد بالقوة والعظم.

أما ما يصيب الجسم من الضرر، فأبرح وأفتك كضعف الأعضاء وكلال القوى ومرض الشعور، وقد ثبت من التجارب الفسيولوجية ما يجلب كد الذهن على الهضم والدورة الدموية من المضار، على أن ذلك مما يثبته الحس دون الفحص، فليس أحد إلا وقد أحس ما يعرو القلب من الخفقان، إذا عبثت بالذهن عوابث الأمل، أو حفزته حوافز الروع، أو زلزلت به زلازل الغضب، أو هاجته هوائج الفرح، وليس هناك من يجهل أن اهتياج الذهن مقرون أيضًا باضطراب المعدة، حتى تقذف ما فيها، أو تجد في هضمه الجهد الجهيد، فإذا اهتاج الذهن والمعدة خالية زهدت في الطعام، هذا ما يحدث من اهتياج الذهن، على أن كدَّ الذهن بالتفكير أو الدرس، وإن كان لا يهيج الذهن كما تهيجه تلك العوامل التي ذكرناها، فهو على أي حال محدث من نتائجها على حسب مقداره، فبينا تجد النتائج عند هذه العوامل تجمع بين الشدة وسرعة الزوال، تراها في الكد المتواصل أهون، ولكنها أثبت وأمكن، وهي في الحالة الأخيرة تكون إما دوام خفقان في القلب، أو ضعف في النبض، أو نقص في عدد الضربات، وقد يحدث الضرر في المعدة فيصيبها الإمساك حتى تسأم الحياة، وربما يحل المرض في القلب والمعدة، ويكون نوم المصاب في الغالب غرارًا، ولا يخلو العليل من فتور في الذهن، فاسأل من يكلف الغلمان من الدرس ما لا طاقة لهم به: «كيف ترجى الصحة والعافية لمن كلَّت شهوته واختلت معدته وبطأت دورته؟» ولا ينتظر من الأعضاء الحيوية أن تحسن أداء واجباتها إلا ولها وفرة من الدم الجيد، وإلا فلا عصب يبلغ كماله، ولا عضل ولا حجاب، ولا أي عضو آخر، وكذلك لا تحسن الغدد الإفراز، ولا يجيد عمله عضو حيوي، فانظر أي ضرر هناك في أن تبذل المعدة لجسم الطفل الآخذ في النمو مقدارًا ناقصًا من دم رديء يزيده رداءة تبليد القلب في نفثه وتباطئه في دفعه.

وهذه الخطة ناكبة عن الهدى كيفما تأملتها، ومن أي الوجوه تدبرتها، فهي جائرة من حيث استفادة المعلومات؛ لأن العقل مثل الجسم له حد معين في اكتساب المعارف، فإذا أرهقته وراكمت عليه من الحقائق أكثر مما يستطيع تناوله رفض الذهن هذه الحقائق، وبدل أن يحوك منها نسيجًا ذهنيًّا تعظم به ملكات العقل، فإن هذه الحقائق لا تلبث بعد أداء الامتحان أن تسقط من الذاكرة، والخطة جائرة كذلك من حيث أن تجعل الدراسة كريهة، والسبب في ذلك إما ما يحدثه كد الذهن المتواصل من الذِّكر٩ الأليمة المضاضة١٠ فيما بعد، وإما ما ينشأ عن نهك الذهن من مرض الملكات، كل ذلك يبغِّض إلى الإنسان الدراسة، وكل ما يتعلق بها، فتراه إذا تخرج من المدرسة العليا لم يدِم المذاكرة والاطلاع، فيرتقي في معارج العلم، بل يهجر الدراسة، ويأخذ في الانحطاط، حتى يسفل إلى درك غير مرضي، والخطة حائدة عن الصواب كذلك، من حيث إنها لا ترى للدراسة غاية سوى تحصيل المعلومات، ناسية أن أهم من ذلك وأعظم هو تنظيم المعلومات في الذهن، حتى تصير كالبنيان المنضود المرصوف يقبل التعلية والتشريف١١ لا كالأنقاض المختلطة المشوشة، ولا فائدة في المعلومات التي تخزن في الذهن كشحم ذهني، بل الفائدة في تلك التي تتحوَّل إلى عضلات ذهنية، على أن ضلال الخطة أعظم مما ذكرنا، وذلك أنها متلفة للصحة التي هي قوام الذهن وسلاحه في معترك الحياة، فهلا علم أولئك المشغوفون بتربية عقول أبنائهم تاركين الأبدان وشأنها أن الفوز في مقتتل الحياة أكثر توقفًا على نشاط البدن منه على وفرة المعارف؟ هلَّا ذكر هؤلاء القاضون على سعادة الأبناء أن في قوَّة الإرادة والنشاط الجم الناشئين عن وفرة الصحة عوض عن نقص المعلومات وضعف التربية؟ وأنه إذا جمع إلى هذين التربية اللائقة التي قد يحصل عليها دون أن تضحي في سبيلها صحة البدن، ضمن الآباء لأبنائهم الفوز على الضعاف الذين أوهن الإفراط في الدرس قواهم، ولو كان هؤلاء الضعاف آيات في العلم والأدب؟ وما غناء الذهن الكبير الكامل التركيب إذا كان الجسم واهنًا عليلًا؟ وما غناء الآلة البخارية الضخمة الدقيقة الصنعة إذا كان الوطيس قد فترت ناره، والبخار قد ضعف تياره؟ وهب أن الآخذ بتلك الخطة قد بلغ من الحياة مآربه، فأي فائدة في الجاه والثروة إذا اكتنف الإنسان الأمراض واعتوره الأوصاب؟ وإن عيشة تصيبها العلل والأدواء لجديرة بالنصب والشقاء مهما كانت من السعة والخصب والجاه.
على أن ضرر الخطة أشنع في النساء منه في الرجال لقلة مباشرتهنَّ ما يتعاطاه الذكور من اللعب الذي يفل من حد العمل الذهني ويرد من غلوائه، وعلائم فتك الأعمال الذهنية بالإناث بينة في اصفرار ألوانهنَّ وانخفاض صدورهنَّ ونحول أبدانهنَّ. والعجب الأعجب أن يكون قصد الأمهات والمربيات من إيذاء أبدان بناتهنَّ في سبيل ملء أذهانهنَّ بالمواد العلمية؛ إنما هو تزيينهنَّ وتحليتهنَّ حتى يرغب فيهنَّ الرجال، وخاب ذلك قصدًا إذ ليست كثرة العلم في المرأة مما يسبي الرجل ويزدهيه، وإنما يشغف فؤاد الذكر حُسن صورة الأنثى وصحة عقلها وكثرة مرحها، وأين الذي أسرته إحدى الفتيات بسعة علمها في فن التاريخ، أو خلبته أخرى بمعرفتها لغة إيطاليا، أو حبلته١٢ ثالثة باطلاعها على لسان الألمان، ولكن كم أبكت العيون الضاحكة، وأسقمت الخدود المضرجة، وكم عطفت القدود الرويات الصوادف، وكم شغف القلوب أنس النساء ومراحهنَّ وحلاوة مزاحهنَّ؟ وكل ما ذكرنا في النساء من دواعي الحب والكلف نتيجة وفرة الصحة وكمال العافية، على أن الملاحة وحدها قد تطوِّح بالفؤاد إلى أبعد غايات الشغف، فتكسف إذ ذاك ما عداها من المحاسن، ولكنا ما علمنا قط أن رجلًا علقت فؤاده كثرة معلومات امرأة دون صفاتها النفسية والجسمية، وسبب ذلك أن أعظم بواعث الحب هو جمال الخلق، ثم يليه الظُّرف وخفة الروح، ودونهما حلي الذهن وزخارفه، على أن هذه المزايا الأخيرة تفيدها الفطرة أكثر مما تكسبها العلوم والمعارف، فسرعة الخاطر وحدَّة الذكاء وصحة النظر تهبها الطبيعة أكثر مما تفيدها العلوم، على أن لله — سبحانه وتعالى — في جعل سلطان الملاحة على القلوب أقدر وفي النفوس أنفذ حكمة بالغة، وذلك أن ولوع الذكر بجمال خلق الأنثى يوجب كثرة العناية بأبدان النساء، حتى تصبح من النعمة والصحة بحيث تستميل القلوب وتطبي الأرواح، وذلك ضروري لدوام النسل، فأما إيذاء أبدان الفتيات بحملهنَّ على الصعب من العلوم فمضعف للنسل، ثم تكون ذرية النساء الضعيفات من الوهن، بحيث تنقرض بعد جيلين أو ثلاثة، ذلك خلاف ما ينغص عيش هؤلاء البائسات من ألم المرض وضيق الهم حتى يسأمن الحياة، فتَبَّت هذه الخطة وتبَّ أهلها.
هذه هي الآفات التي يبتلي الآباء بها أبناءهم بإهمالهم مراعاة صحاتهم حمقًا وجهلًا، أو تماديًا في الشر بعد ما وضح لهم اليقين، وتوانيًا عن قضاء حوائج الأبناء، وجنوحًا إلى الراحة، وميلًا إلى الدعة، ثم تراهم مع ذلك يحرصون على أداء ما فرضت عليهم شرائع البلاد، فكيف أخرجوا مراعاة الصحة من عداد سائر الواجبات، وهي من أهمها وأخطرها؟ على أني قائل بملء فمي ومنادٍ بأرفع صوتي: إنه لا يستقيم أمر الصحة حتى تعتبر مراعاتها من أعظم الواجبات، فلا يطلق١٣ لأحد ما أن يتصرف في جسمه حسب ما شاء كما يتصرف المولى في عبده، فيقول الرجل: «هذا جسمي لست مؤذيًا سواي بضرره»، فإن ذلك كذب وافتراء؛ لأن مرض جسمه عائد بالضرر على غيره، إذ كان لا يحسن أداء أعماله إلا وهو بخير حال من الصحة، فإذا مرض قصَّر في أداء أعماله، وما أعماله إلا واجبات عليه للنوع البشري، وكذلك إذا كان الرجل ضعيفًا عليلًا أورث ضعفه بنيه، فجنى عليهم وعلى سائر البشر شرَّ جناية.

فلينظر إلى ذلك كل غافل، وليلتفت إليه كل متغافل، وليتمسك به كل مقصر، وليعده الناس فرضًا يجب على تاركه العقاب ويثبت لمؤديه الثواب.

١  أسمن بدنًا.
٢  توفير.
٣  تكتفي.
٤  تمشي مشي النمل من البطء والثقل.
٥  صوتًا.
٦  تقتلت الغادة في مشيها تقلبت وتثنت وتكسرت.
٧  زيادة.
٨  أكثر ما يكون استراحة.
٩  جمع ذكرى.
١٠  الأليمة.
١١  شرف البناء يعني زاد في أعلاه وكذلك التعلية.
١٢  أوقعته في الحبالة أي: الشرك.
١٣  يصرح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١