الباب الأول

في زمن الملوكية المصرية، وفيه ثلاثة فصول

إن الإحدى والثلاثين عائلة المتقدم ذكرها التي حكمت مصر من ابتداء الملك منا تنقسم إلى ثلاث طبقات تُعرف بالدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة، وكانت كل عائلة تُسمَّى باسم المدينة التي اتخذتها تختًا لملكها؛ فيقال عائلة طينية؛ أي تخت ملكها بمدينة طينة، وعائلة منفية؛ أي تخت ملكها بمدينة منف، وعائلة طيبية؛ أي تخت ملكها بمدينة طيبة، وعائلة صاوية؛ أي تخت ملكها بمدينة صا الحجر، وهكذا. أما إذا كانت العائلة أجنبية فتُسمَّى باسم أُمَّتها؛ ولذا يقال العائلة الإثيوبية، والعائلة الفارسية، والعائلة المقدونية، وهكذا.

الفصل الأول

في الطبقة الأولى، وهي الدولة القديمة، وفيه ثلاثة مطالب:

حكمت هذه الدولة ١٩٤٠ سنة (٥٦٢٦–٣٦٨٦ق.ﻫ) وتشتمل على عشر عائلات من العائلة الأولى إلى العائلة العاشرة.

المطلب الأول

في الملك منا ومبدأ الدولة القديمة

لمَّا ظهر الملك منا من مدينة طينة التي هي بلدة كانت بالقرب من العرابة المدفونة بجوار جرجا، وتغلَّب على الكهنة ونزع الحكم من أيديهم، تولَّى هو ملك مصر، ولما رأى مَيْل أهالي طينة إلى القسس تركها وأسس مدينة منف المعروفة الآن بالبدرشين وميت رهينة، وجعلها تخت ملكه، وحوَّل إليها مجرى النيل، فجعله يجري بقربها من الجهة الشرقية في وسط وادي النيل، بعد أن أبطل مجراه الأصلي الذي كان بقرب سلسلة جبال ليبيا، والجسر الذي أعدَّه لهذا الغرض موجود للآن، ويُعرف بجسر قشيشة، فأصلح بذلك الأراضي التي في شرقها وجعلها تصلُح للزراعة، وشيَّد فيها هيكلًا لمعبودها بتاح، ثم سنَّ القوانين، ونظَّم السياسة، ورتَّب الديانة، وغزا سكان ليبيا الذين شنُّوا غارة الحرب عليه فقهرهم، وأدخلهم تحت طاعته، ثم مات بعد أن حكم اثنتين وستين سنة.

ومِن بعدِه تَلقَّب ملوك مصر بملوك الوجه القبلي والبحري. غير أن مصر بقيت على التجزئة التي كانت عليها قبل ظهوره مدة الثلاث عائلات الأُوَل التي لم يُعلم من تاريخها شيء تقريبًا حتى ظهرت العائلة الرابعة، فانضمت إلى بعضها وصارت مملكة واحدة.

المطلب الثاني

في زمن تشييد أهرام الجيزة، وهو العصر الأول من أعصار الفنون المصرية

قد كانت العائلة الرابعة أشهر عائلات الدولة القديمة؛ فإن في عهدها كان تشييد أهرام الجيزة؛ أكبر الأهرام الموجودة بمصر، وفي أيامها بلغت مصر درجةً عظمى في التمدن، ونمَت فيها الفنون والعلوم والثروة الأهلية بطريقة عجيبة، ومن عهدها صار يُستدل من الآثار التي بالمقابر على تتابع الملوك والحوادث التاريخية، بل وعلى كيفية معيشة قدماء المصريين. وكان أشهر ملوكها الملك خوفو؛ فقد كان رجلًا مقاتلًا ومحبًّا لتشييد العمارات؛ فهو الذي شيَّد الهرم الأكبر من أهرام الجيزة، واستعمل في بنائه، مع المناوبة، في كل ثلاثة أشهر مائة ألف عامل، فاستمرت عمارته ثلاثين سنة؛ منها عشرة في توطيد أرضيته وبناء حُجراته السفلى وبناء الجسر الموصِّل إليه من شاطئ النيل بالحجارة، وكان معدًّا لنقل الأحجار التي بُني بها هذا الهرم، ومنها عشرون سنة في تشييد نفس الهرم، ويبلغ ارتفاعه الآن ١٣٧ مترًا، ويتركب من ٢٠٠ طبقة من الأحجار الجسيمة، وقد كان مغطًّى بطبقة من الأحجار المنحوتة أُزيلت عنه من منذ قرون، ولو كان بقي على حالته الأولى لكان يبلغ ارتفاعه ١٥٠ مترًا، وأما ضلع قاعدته فيبلغ ٢٣٥ مترًا، والأحجار التي استُعملت في بنائه يبلغ حجمها ٢٥٠٠٠٠٠٠ متر مكعب، وهو يشتمل على ثلاث حجراتٍ وجملة طرقات موصِّلةٍ إليها، ثم على بئر عميقة، وأعجب ما يُستغرب منه في تشييد هذا الهرم المهارة التي توصَّل بها المصريون إلى بناء ما بداخله من الحجرات والطرقات التي مع توالي تلك السنين عليها لم يحصل لها أدنى خلل مع عِظَم الثقل الجسيم الذي فوقها.

أما الهرم الثاني الذي شيده الملك خفرع فيبلغ ارتفاعه ١٣٥ مترًا، والهرم الثالث الذي شيده الملك منكورع، وأتمَّته الملكة نيتوقريس من العائلة السادسة لا يزيد ارتفاعه عن ٦٦ مترًا.

المطلب الثالث

في انتهاء الدولة القديمة

ثم حافظت مصر على رونقها مدةَ العائلة الخامسة والعائلة السادسة التي كانت من أشهر عائلات الدولة القديمة، أما زمن الأربع عائلات الأخيرة من هذه الدولة التي لم يُعلم حقيقةً ما حصل بمصر في عهدها، فكان زمن اضطراب وهيجان وحروب داخلية أوقفت مصر عن التقدم، وفقدت منف في أثنائها الرئاسة التي كانت لها على البلاد من عهد الملك منا، وتجزَّأت المملكة، فلما كانت أواخر أيام العائلة العاشرة انتصر أمراء طيبة على ملوك هذه العائلة، فأسسوا بطيبة العائلة الحادية عشرة التي هي مبدأ الطبقة الثانية.

الفصل الثاني

في الطبقة الثانية وهي الدولة الوسطى، وفيه مطلبان:

مكثت هذه الدولة ١٣٦١ سنة (٣٦٨٦–٢٣٢٥ق.ﻫ) وتشتمل على ست عائلات من العائلة الحادية عشرة إلى العائلة السابعة عشرة، وفيها حصلت إغارة الملوك الرعاة.

المطلب الأول

في العصر الثاني من أعصار الفنون المصرية

قد تجددت بظهور العائلة الحادية عشرة التي هي مبدأ هذه الدولة ثروة مصر وبهجتها، وتجدد تاريخها، مع التغيير الكلي في حالة البلاد السياسية والدينية؛ فقد تغيرت أسماء الأعلام المستعملة في العائلات وأسماء الوظائف، وتغيرت الكتابة والديانة أيضًا؛ فإن المرتبة الأولى صارت لمعبودات طيبة بعد أن كانت لمعبودات منف، وانتقل كرسي المملكة من منف إلى طيبة، ولكن العائلة الثانية عشرة هي التي يكون زمنها العصر الثاني من أعصار الفنون المصرية، فإنها كانت أشهر عائلات هذه الدولة، ومن أعظم عائلات مصر بهجةً ورونقًا وأوضحها تاريخًا، وفي عهدها كانت بمصر بأجمعها من شلال أصوان إلى البحر الأبيض المتوسط مملكة واحدة خاضعة لملك واحد، كما كانت في زمن العائلة الرابعة، وقد مدت حدودها شمالًا لغاية صحراء بلاد الشام وجنوبًا إلى الشلال الرابع، وشيدت بتلك الجهات حصونًا وقلاعًا لمنع أهل آسيا والنوبة عن التعدي على حدودها، وكان أشهر ملوك هذه العائلة الملك أمنمحعت الثالث؛ فإنه نظَّم فيضان النيل الذي هو روح مصر؛ وذلك أنه لما وجد فيضان النيل غير منتظم؛ فتارةً يزيد زيادة عظيمة بحيث يقطع الجسور ويُغرق البلدان، وطورًا تكون زيادته طفيفة، بحيث لا تكفي لري جميع الأراضي الزراعية، أراد أن يتدارك هذه المضارَّ، فأمر بحفر البركة الموجودة الآن بوادي الفيوم المسماة بحيرة موريس، وكان بجانبها بركة طبيعية تعرف ببركة قارون، فكان يصرف إليهما القدر الزائد من مياه النيل عن المنافع الضرورية، إذا كان الفيضان كثيرًا، وتُروى بمياههما جميع أراضي الجانب الأيسر من النيل إلى البحر الأبيض المتوسط إذا كانت زيادة النيل ضعيفة.

وكان في وسط بركة موريس هرمان، في كلٍّ منهما تمثال جالس، فالهرم الأول كان فيه تمثال الملك أمنمحعت يشاهد بِرْكَته التي حفرها، والثاني كان فيه تمثال زوجته. وشيَّد في الجهة الشرقية من هذه البحيرة، على ربوة عالية متسعة طولها مائتا متر وعرضها مائة وستون مترًا، سرايةً شهيرةً تُسمَّى سراية لابيرانته، يوجد بداخلها اثنتا عشرة رحبة متقابلة الأبواب؛ ستة على اليمين وستة على الشمال، وهذه السراي محاطة من الخارج بسور كبير، وفيها ثلاثة آلاف غرفة؛ منها ألف وخمسمائة في الدور الأول وألف وخمسمائة في الدور الثاني، وجميعها مسقوفة بالحجارة، ومُقامة على أعمدة من الحجر الأبيض منتظمة الصفوف. وفي آخر هذه السراي هرم مُزيَّن بالرسوم يُتوصَّل إليه من سرداب تحت الأرض، دُفِن فيه الملك أمنمحعت الثالث.

المطلب الثاني

في الملوك الرعاة

وبعد العائلة الثانية عشرة أخذ تاريخ مصر في الانحطاط، فإنه لا يعلم من تاريخ العائلة الثالثة عشرة والعائلة الرابعة عشرة إلا شيء قليل، أما في عهد الثلاث عائلات الأخيرة من هذه الدولة الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة، فقد كانت مصر محكومةً بقومٍ يقال لهم: الملوك الرعاة أو الهيكسوس، وهم أقوام من آسيا، رُحَّل، أغاروا على مصر من جهة برزخ السويس، فتملَّكوا على الوجه البحري بدون كبير معارضة، وأخذوا يحرقون المدن والمعابد، وينهبون ما فيها، ويقتلون الأهالي، ثم صعدوا النيل إلى مدينة طيبة. غير أنهم لم يمكنهم أن يستوطنوها، بل تركوا الحكم فيها لأمراء المصريين بشرط أن يدفعوا لهم الجزية، وقد أسسوا لهم حكومة منتظمة، ورتبوا خفراء لملاحظة الوجه القبلي، ثم غلب عليهم التمدن المصري بعد أن أقاموا في مصر مدةً؛ فتعلَّموا لغة المصريين، واعتادوا بعوائدهم، ثم تعوَّدوا على الترف والخمول أيضًا؛ لوجود الراحة وكثرة الثروة، حتى تقوَّى عليهم أمراء طيبة، وطردوهم من أرض مصر بعد أن أقاموا بها أكثر من خمسمائة سنة في عهد الملك أحمس؛ أحد هؤلاء الأمراء الذي أسس بعد طردهم العائلة الثامنة عشرة؛ مبدأ الدولة الحديثة.

وقد كان بيع يوسف الصديق عليه السلام في مصر وحضور بني يعقوب إليها وتوطُّنهم فيها في عهد هؤلاء الملوك في أيام العائلة السادسة عشرة.

الفصل الثالث

في الطبقة الثالثة، وهي الدولة الحديثة، وفيه أربعة مطالب:

أقامت هذه الدولة ١٣٧١ سنة (٢٣٢٥–٩٥٤ق.ﻫ)، وتشتمل على أربع عشرة عائلة؛ من العائلة الثامنة عشرة إلى العائلة الحادية والثلاثين، وفيها حصلت إغارات الإثيوبيين والآشوريين والعجم.

المطلب الأول

في عصر الفتوحات، وهو العصر الثالث من أعصار التمدن المصري

إن عصر العائلات الثلاث الأولى من هذه الدولة كان في الرونق والبهاء كعصر العائلة الرابعة من الدولة القديمة وكعصر العائلة الثانية عشرة من الدولة الوسطى؛ أي إنه يكوِّن المدة الثالثة من عصر التمدن المصري، وتُسمَّى هذه العائلات الثلاث؛ أي الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرون، بالعائلات الحربية؛ فإن في عهدها كثرت فتوحات مصر واتسعت حدودها، فامتد حكمها شمالًا لغاية شواطئ الدجلة والفرات، وجنوبًا لغاية إقليم النيل الأزرق، وشرقًا إلى الشاطئ الغربي من بلاد العرب، ودخل في حوزتها أيضًا كثير من جزائر البحر الأبيض المتوسط، وكانت مكللة بالنصر في جميع فتوحاتها سواء كانت برًّا أو بحرًا.

فأما العائلة الثامنة عشرة فكان أشهر ملوكها الملك أمنحتب الأول الذي فتح بلاد الإثيوبية لغاية البحر الأزرق، وأسس فيها مستعمرةً مصرية يبلغ اتساعها قدر اتساع مصر، والملك تحتمس الأول أول من دخل بلاد آسيا من ملوك مصر وأخضع بلاد الشام لغاية نهر الفرات، ثم الملك تحتمس الثالث أعظم الذين اشتُهروا بالفتوحات من ملوك مصر؛ فقد أوغل بجيوشه في مبدأ الأمر في آسيا لغاية نهر الدجلة، وأدخل تحت طاعته الأمم الذين كان أخضعهم أبوه تحتمس الأول، وأقاموا عليه راية العصيان، ثم استولى أيضًا على أغلب جزائر البحر الأبيض المتوسط بمساعدة مراكب فينيقية، فتملَّك أولًا على جزيرتَي قبرص وكريد، ثم على جزائر بحر الأرخبيل وجزء عظيم من شواطئ بلاد اليونان وآسيا الصغرى، ووطَّد سلطته أيضًا على ساحل بلاد ليبيا، وقد حكم أربعًا وخمسين سنة.

أما أشهر ملوك العائلة التاسعة عشرة فهو رمسيس الثاني الملقَّب سيزوستريس ابن الملك سيتي ثاني ملوك هذه العائلة، ويقال له أيضًا رمسيس الأكبر؛ لأنه كان أعظم ملوك مصر قوَّةً وشوكةً، وطالت مدة حكمه، وكثرت فيها الآثار المصرية والعمائر الجسيمة حتى لا يكاد يوجد بوادي النيل أثر من الآثار القديمة والعمائر العظيمة إلا وعليه اسمه ورسمه، وقد لُقِّب هذا الملك في أيام والده بولي العهد، وكان مشتغلًا بالحروب والغزوات؛ فإن والده أشركه معه في الحكم وهو صغير، وصار يعلِّمه اقتحام الأهوال ويعوِّده على مقاساة الأخطار؛ فأرسله لغزو بلاد الشام وكان عمره عشر سنين، فغزاهم بجنود والده، وأدخلهم تحت الطاعة، ثم حارب أيضًا بلاد الإثيوبية، فتعوَّد على الشجاعة والرئاسة، وكان يتولى الحكم في حياة أبيه لكبر سنه، حتى مات والده واشتغل بالملك فقام بأعبائه، واستتبت الراحة واستمر الهدوء في بلاده إلى آخر السنة الرابعة من حكمه، وبعد ذلك قامت عليه جميع سكان آسيا الغربية، وكانوا أقوامًا ذوي قوَّة وشجاعة، فخرج لملاقاتهم في السنة الخامسة من حكمه بجيش مؤلَّف من ١٥٠ ألف مقاتل، وسار إلى أن عبَر أرض كنعان، ووصل إلى وادي الأورنط بقرب مدينة كدش، فقابله اثنان من الأعداء وقالا له: إن الأعداء تقهقروا إلى حلب، فاغترَّ بكلامهما، وزحف على الأعداء بحرسه الملوكي فقط، وكان باقي جيشه بعيدًا عنه، فلما تقدَّم نحو مدينة كدش فاجأه الأعداء بجيش مؤلَّف من ٨٠ ألف مقاتل، وهجموا عليه، فانهزم من معه وولَّوا الأدبار، وبقي هو بين أعدائه وحيدًا، فتأهب للقتال بنفسه، وحمل على الأعداء بشجاعته، ولم يزل يقاتلهم حتى أدركته رجاله وفرسانه وحملوا معه، فانكسر الأعداء وطلبوا الصلح فصالحهم، ثم عادوا إلى الحرب ثانيًا، واستمرت الوقائع بينهم مدة خمس عشرة سنة، حتى كاد يفنى غالب رجال الفريقين، فانعقد الصلح بين الطرفين في سنة ٢١ من حكم رمسيس، ثم تمَّم الملك رمسيس مدة السبعة وستين سنة التي أقامها على كرسي الملك في تشييد العمارات الجسيمة والمباني الفاخرة، وقبل موته أشرك معه في الحكم ابنه الثالث عشر المسمى منفتاح، فخلفه بعد أن مات، وهو الذي في أيامه كان خروج بني إسرائيل من مصر تحت رئاسة موسى عليه السلام.

وأما العائلة العشرون فكان أشهر ملوكها الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوكها الذي فتح بلاد البون؛ أي بلاد اليمن، وكانت مصر في عهده في الشوكة التي كانت عليها أيام تحتمس الثالث ورمسيس الثاني. غير أن هذه الحروب التي وقعت في عهد الثلاث عائلات المذكورة ومكثت نحو الثلاثة قرون قد أضعفت مصر؛ فأخذت قوَّتها في الانحطاط من وقتئذٍ، ثم ضعفت السلطة الملوكية بها أيضًا، فابتدأ الاختلال في الحكومة، فاستولى على التدريج كهنة آمون بطيبة على وظائف الحكومة المهمة، ولم تزل تزداد سلطتهم حتى إن رئيسهم المدعوَّ حرحور اغتصب السلطة الملوكية في أواخر أيام هذه العائلة.

المطلب الثاني

في تجزؤ مصر وإغارة الإثيوبيين والآشوريين عليها

وبعد حرحور أراد ورثاؤه أن يوطدوا سلطتهم على جميع أنحاء المملكة، فعارضهم في ذلك أمراء الوجه البحري، وأسسوا بمدينة تنيس العائلة الحادية والعشرين، واستقل القسس وهم كهنة آمون بالوجه القبلي بمدينة طيبة، فانقسمت مصر حينئذٍ إلى حكومتين، ووقعت فيها الحروب الداخلية فسقطت شوكتها الخارجية، وامتنع أمراء الشام من دفع الجزية، حيث كان أغلبهم انضم إلى مملكة بني إسرائيل، التي كانت قد بلغت غاية عِظَمها إذ ذاك في عهد داود وسليمان عليهما السلام، ثم قام رجل من رؤساء الجيوش بالوجه البحري شامي الأصل يدعى شنشق، فتغلَّب على السلطة الملوكية وأسس العائلة الثانية والعشرين، ثم وطد سلطته على جميع بلاد مصر وطرد القسس من طيبة وألجأهم إلى بلاد الإثيوبية الممتدة في جنوب مصر، فأسسوا فيها مملكة مستقلة تخت ملكها مدينة نباتة على بعد ٩٠٠ كيلومتر من الشلال الأول.

غير أنه بعد شنشق ابتدأ انحطاط مصر ثانيًا في عهد خلفائه، فأخذت في التجزئة ثانيًا، وتلقب بالألقاب الفرعونية عشرون أميرًا من أمرائها، منهم اثنا عشر بالوجه البحري، وكوَّنوا العائلة الثالثة والعشرين، إلا أن أحدهم المدعو تفنخت أمير صا الحجر بالوجه البحري شرع في التغلب عليهم وتأسيس العائلة الرابعة والعشرين، فقاوموه واستعانوا عليه بملك الإثيوبية بعنخى الذي من ذرية حرحور، فحضر بعنخى إلى مصر واستولى عليها، ولكن بعد موته ولَّى المصريون بوكنرو أوبوكوريس بن تفنخت ملكًا عليهم، ولكنه بعد أن حكم سبع سنوات أغار عليه ملك الإثيوبية شاباك أو سباكون حفيد بغنخى وتملَّك على مصر وأسس فيها العائلة الخامسة والعشرين. غير أنه في ذلك الوقت كان قد قام بوادي الدجلة والفرات مملكة آشور التي تخت ملكها بمدينة نينوى على شاطئ الدجلة، وكانت هذه الدولة قد بلغت غاية عظمها، ووصلت إلى أعلى شوكتها حتى صارت هي الدولة المتسلطنة في الشرق، فامتدت سلطتها على جميع البلاد الممتدة بآسيا من بحر الخزر إلى خليج العجم، ومن نهر الدجلة إلى البحر الأبيض المتوسط حتى صارت مجاورة تقريبًا لمصر، فأراد سباكون أن يتداخل في أمور الشام ضد ملكها سرجون، فانهزم وهرب إلى بلاد الإثيوبية ولما تملَّك على مصر طهراقه الإثيوبي بعده، وأراد أن يدخل بلاد الشام أيضًا، هزمه آشوراخي الدين ملك آشور وأخذ منه مصر التي تملَّك عليها من بعده ابنه آشور بابنبال.

المطلب الثالث

في تجدُّد مجد مصر ورونقها القديم

وبعد أن تخلصت مصر من الإثيوبيين والآشوريين بقيت في أيدي أمرائها العشرين الذين منهم اثنا عشر مكونون بالوجه البحري لحكومة تعاهديه تُسمَّى بالمقاسمة الاثني عشرية، وكان من هؤلاء الأمراء ملك صا الحجر الذي من ذرية تفنخت المدعو بسامتيك الأول، فتغلَّب عليهم وأسس العائلة السادسة والعشرين التي كانت من أشهر عائلات مصر؛ فإن أيامها كانت كثيرة الخيرات والعمران، وفي عهدها كانت مصر زاهية زاهرة، قد قامت من دمارها وأُصلحت فيها الطرق والترع والآثار، وعادت إلى الفتوحات، وفتحت أبوابها للتجار الأجانب وخصوصًا اليونانيين، وردَّت إلى الصناعة حركتها الأولى، ورجع للفنون رونقها القديم، بل وامتازت تماثيل ذاك الوقت بدقة صنعتها وحسن بهجتها، وظهر بمصر في ذاك الحين كتابةٌ أوجَزُ وأبسطُ من الكتابة الهيروغليفية وأسرعُ منها تُعرف بالكتابة الديموطيقية؛ أي العامية؛ لأنها كانت معروفةً عند العامة، فانتشرت المؤلفات الأدبية والعلمية بمساعدة هذه الكتابة.

وقد خلَف بسامتيك الأول ابنه نخاو الثاني، فشرع في توصيل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط بواسطة أحد أفرع النيل، فلم تتم العملية، وكلَّف جماعة من الفينيقيين الذين كانوا في ذاك الوقت أشهر الأمم في الملاحة بالسياحة حول أفريقيا، فداروا حولها في مدة ثلاث سنوات مبتدئين من البحر الأحمر راجعين من بوغاز جبل طارق، ثم عزم هذا الملك على الدخول في بلاد الشام والتملك عليها. غير أنه في ذاك الوقت كانت مملكة بابل التي قامت بشواطئ الفرات وخلَفت مملكة آشور في حكم آسيا، قد وصلت إلى غاية شوكتها ونهاية رفعتها، وامتدت أيضًا من جنوب وادي الدجلة والفرات إلى البحر الأبيض المتوسط، فهزم ملكها بختنصر نخاو الثاني فالتزم نخاو بعقد الصلح معه، ثم خلف نخاو ابنه بسامتيك الثاني، ثم وح أبرع أوابرياس ابن بسامتيك، فأرسل جيوشه لفتح برقة بجهة تونس، فانهزمت عساكره، وأقاموا راية العصيان، وولَّوا أحد رؤساء الجيوش المدعو أحعمس أو أماسيس ملكًا عليهم، فلما رجع تحارب مع الملك وهزمه وتولَّى هو ملك مصر، فحافظت مصر في عهد على رونقها وبهجتها. غير أنه في ذلك الوقت كان قد قام بآسيا مملكة العجم، وكانت هذه الدولة قد أدخلت في حوزتها جميع الممالك الواقعة في غرب نهر السند كمملكتَي مادِّي وبابل اللتين قامتا على أثر مملكة آشور ومملكة ليديه القائمة بآسيا الصغرى وغيرها، حتى صارت هي الدولة المتسلطنة بآسيا الغربية جميعها، وقد امتدت من نهر السند إلى بحر الأرخبيل والبحر الأبيض المتوسط حتى صارت مجاورة تقريبًا لمصر، فعزم أحد ملوكها المدعو كمبيز بن كيروش على فتوح هذه المملكة أيضًا، فحضر إليها وقت موت أحعمس وإقامة ابنه بسامتيك الثالث ملكًا عليها، فحاربه وأخذها منها، وأسس فيها العائلة السابعة والعشرين، وهي مبدأ الدولة الفارسية بمصر.

المطلب الرابع

في الدولة الفارسية بمصر

قد امتد حكم هذه الدولة على مصر نحو القرنين تقريبًا (١١٤٧–٩٥٤ق.ﻫ)، وكان أول ملوكها بها الملك كمبيز الذي أغار عليها في عهد بسامتيك الثالث، فلما شرع هذا الملك في الإغارة عليها عقد معاهدة مع مشايخ قبائل العرب الذين لهم اليد على الطريق الموصلة إلى وادي النيل من صحراء برزخ السويس؛ ليرخصوا له بالمرور منها ويأتوا بالماء لجيشه، فسارت جيوشه في تلك الصحراء، حتى حلَّت أمام مدينة الطينة أو الفرما، فانتشبت الحرب بينهم وبين جيوش بسامتيك هناك، وقاوم اليونانييون المستأجَرون في الجيشين مقاومةً عظيمة، ثم انهزمت جيوش المصريين إلى مدينة منف لكثرة جيوش العجم، فأرسل إليهم ملك العجم رسلًا ليسلِّموا المدينة ويُذعنوا له بالطاعة، فلم يقبلوا منه وقتلوا الرسل، فغضب ملك العجم، وحضر بجيوشه إلى هذه المدينة وأحاط بقلعتها، وأقام محاصِرًا لها حتى استولى عليها عنوةً، ووقع بسامتيك وجميع أمراء المملكة أُسَراء في قبضته، فقتلهم أمام بسامتيك، ثم أراد أن يُقِيمه ملكًا على مصر بالتبعية له، لولا أنْ بلغه أنه عصب عليه عصبةً، فقتله أيضًا، وسلَّم حكومة مصر إلى أرياندس الفارسي.

فلما تم له فتوح مصر أظهر في أول الأمر علوَّ الهمة والرأفة بالرعية والشفقة عليها، وسلك مسلك الأمن والراحة فلم يُخِلَّ براحة البلاد وأمنيتها، بل أبقاها على عبادتها، وميَّز من بقي من المصريين بعلامات الامتياز، وقرَّب منه أمناء الديانة المصرية، ليتعلَّم ما اشتُهروا به من العلوم والحكمة، ثم أراد أن يجعل مصر أساسًا وطيدًا لمشروعه، وهو أن يفتتح جميع بلاد أفريقية، فأرسل لغزو جمهورية قرطاجنة سفنًا أعدَّها ببحرية من الفينيقيين، وكان هؤلاء الفينيقيون هم الذين عمرت قبائلهم مدينة قرطاجنة، فامتنعوا عن محاربة القرطاجيين بسبب القرابة التي بينهم، ووجَّه فرقة من جيشه تبلغ ٥٠ ألف مقاتل لمحاربة واحة سيوة، فضلُّوا عن الطريق وتاهوا في الصحراء، فهبَّت عليهم ريح السَّموم فأهلكتهم عن آخرهم ولم ينجُ منهم أحدٌ، وسار بنفسه لمحاربة بلاد الإثيوبية، واتخذ طريقه من الصحراء لكونها أقرب طريق، فانحرف عن شواطئ النيل، وأوغل بعساكره في الصحراء، فنفد زاده ولحِق جيشه القحط والجوع حتى أكل بعضهم بعضًا بالاقتراع من كل عشرة أنفار واحد ممن تقع عليه القرعة، فخسر خسائر عظيمة، وخاف على نفسه الهلاك فالتزم بالعودة إلى مصر بباقي جيوشه بعد أن فُقد منهم كثير، فلما رجع إلى مصر استعمل مع أهلها القسوة بدل الرأفة وصارت أفعاله من يومئذٍ كلها اختلالات ومفاسد؛ فإنه لما وصل إلى مدينة طيبة أراد تعويض تلك الخسائر الجسيمة، فسلب أمتعة الهياكل وزينتها وذخائرها. ولما وصل إلى منف صادف دخوله فيها يوم الاحتفال بموسم إقامة العجل المسمى أبيس على التخت المعدِّ لإقامته، فظن أنهم فرحون مستبشرون بهزيمته فقتل الكهان وأمراء الأديان وأرباب الحلِّ والعقد دون أن يسألهم عن الأسباب، وطعن أيضًا العجل معبودهم بخنجرٍ فأدماه، ثم دخل معبد منف وسخِر بتماثيل تلك العجول، ونهب جميع ما كان في المقابر القديمة، فنبش القبور طمعًا فيما يوجد بها من النفائس القديمة، ولم يَسْلَم من أعماله الذميمة قومُه ولا أهله؛ فقد قتل كثيرًا من أمراء العجم ودفن البعض حيًّا، وقتل أخاه وأخته التي تزوَّج بها على خلاف عادتهم، وقتل ابن أحد وزرائه ليبرهن لأبيه على صحوه مهما تعاطى من الشراب وغير ذلك، ثم خرج من مصر يريد الرجوع إلى بلاده، فمات ببلاد الشام قبل الوصول إليها بعد أن حكم سبع سنوات وخمسة أشهر.

ثم اجتهد المصريون مِرارًا من بعده في الخروج عن طاعة العجم والاستقلال بأنفسهم، حتى تمكَّنوا من ذلك سنة ١٠٢٨ق.ﻫ لاختلال مملكة فارس في ذاك الحين، فاستقلُّوا بحكم أنفسهم نحو الستين سنة (١٠٢٨–٩٦٢ق.ﻫ)، فقام بمصر في تلك المدة ثلاث عائلات مصرية؛ وهي الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون والثلاثون، واجتهد المصريون في تحصين حدودهم تحصينًا عظيمًا خوفًا من العجم. غير أن ذلك لم يُجْدِ نفعًا؛ حيث لم يمكنهم مقاومة العجم عندما أغاروا عليها في المرة الثانية، بل إن آخر ملوكهم المدعو نقطنبو الثاني بعد أن قاوم العجم مقاومة شديدة جمع أمواله وهرب إلى بلاد النوبة، فدخلت مصر حينئذٍ تحت حكم العجم ثانيًا، فأسسوا فيها العائلة الحادية والثلاثين، ومنهم انتقلت إلى اليونانيين بظهور الإسكندرية الأكبر حيث أغار عليها سنة ٩٥٤ق.ﻫ، وأخذها من يد دارا الثالث آخر ملوك العجم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠