الباب الثاني

في الدول التي حكمت مصر مستقلة، وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول

وفيه مطلبان:

المطلب الأول في الدولة الفاطمية

قد نشأت هذه الدولة ببلاد المغرب حين اضطربت أحوال الدولة الأغلبية بها؛ فإن قومًا من الشيعة منهم أبو عبد الله الشيعي تمكنوا من إشهار الدعوة لآل البيت بتلك البلاد بمساعدة الأدارسة لهم، وبايعوا رجلًا يدعى عبيد الله من قبيلة كتامة القاطنة بجوار مدينة سلجماسة في الغرب الأقصى، يدَّعي أنه المهدي وأنه ينتسب إلى علي وفاطمة، فنبغت هذه الدولة الفاطمية أو العلوية المسماة أيضًا بالعبيدية بالقيروان سنة ٢٩٦ﻫ بعد قلب دولة الأغالبة في أيام الخليفة العباسي المقتدر بالله، وقد عَزَا عبيد الله لنفسه الأحقية في الخلافة فتَلقَّب بأمير المؤمنين، وعمل على محو إمامة العباسيين؛ فبعد أن وطَّد سلطته على صقلية وسردينيا المفتتَحتان في أيام الدولة الأغلبية، وضرب الجزية على أمير الأدارسة بالغرب الأقصى وعلى العائلات المستقلة بمكناسة وسلجماسة وغيرهما، وجَّه أنظاره إلى مصر. غير أنه لم يمكنه أن يتملَّك على أكثر من صحراء ليبيا وبرقة، وترك إتمام مشروعه إلى خلفائه؛ فاهتم القائم بأمر الله ثم المنصور في أخذها من الإخشيديين فلم يمكنهما؛ غير أنهما تملَّكا على بعض بلادها، فلما خلَفهما المعز لدين الله تمكَّن من فتوح مصر على يد قائده جوهر سنة ٣٥٨ﻫ، فكان هو أول الخلفاء الفاطميين بمصر ورابعهم بالمغرب، وهم أربعة عشر، استقر منهم بمصر أحد عشر؛ من أول المعز حيث انتقل إليها بعائلته، وأما الثلاثة الأُوَل فكان مركز حكومتهم بالمهدية التي أسسها عبيد الله المهدي بعد أن تملَّك على القيروان على بُعد خمسة وخمسين فرسخًا من تونس، وانتقل إليها، وقد امتدت سلطة هذه الدولة بعد تملُّكها على مصر والشام على جزء من أرض الجزيرة ومن بلاد العرب. وقد أحسن المعز لدين الله ثم ابنه العزيز بالله التصرف.

وأما الحاكم بأمر الله الذي خلَفهما فكان من أسوأ الملوك؛ قضى على رعيته في مدة الأربع والعشرين سنة التي حكمها بأدنى الطاعة وأذل الخضوع؛ فقد كان الكل يرتجف أمامه لوجود العبيد مسلَّحة حوله مستعدة لقتل كل من يقع منه ما لا يستحسنه، وكان رديء السيرة؛ كل أفعاله محض اختلال؛ فقد أمر مرةً بإحراق القاهرة ليتمتع بمشاهدة مدينة تحترق، وأخرى سمح لعساكره بنهب المدينة، وكثيرًا ما كان يضطهد اليهود والنصارى حتى يخرجوا عن أديانهم ثم يسمح لهم بالعود إليها، وقد أمر الناس بسبِّ الصحابة ثم منع سبَّهم وعاقب من يسبُّهم أشد العقاب، وهكذا كانت أفعاله تشهد عليه بالجنون والزندقة، وله في الأضاليل مذهب معروف؛ وهو الذي بنى الجامع المسمَّى باسمه بالقرب من باب الفتوح، وقد قُتل بالجبل المقطم سنة ٤١١ﻫ، فخلَفه ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، ثم المستنصر بالله بن الطاهر وله من العمر سبع سنوات، فطالت مدته ومُكِّنت نحو الستين سنة، وهي مدة لم يحكمها خليفة غيره؛ إلا أن أيامه كانت أسوأ الأيام وأشدها على الأهالي ضنكًا وبؤسًا؛ فإنها كانت كلها فتن وحروب داخلية وخارجية وقحط وغلاء، وفيها انفصل عن مصر الشام وغيرها من الولايات التابعة لها، وكانت أمُّه جارية سوداء باعها إلى الخليفة الظاهر رجل يهودي يدعى أبا سعيد سهل، فلما تولَّى الخلافة ابنها أدخلت بائعها في الملك، واتخذته مستشارًا لها، وصارت تعمل معه الدسائس على خلع الوزراء وتوليتهم، فكثر تغييرهم، فأُهمِلت الأشغال وصار ينقص إيراد الحكومة يومًا فيومًا وتزداد مصاريفها، وصارت جميع ولايات المملكة في حالةٍ يُرثى لها من الفقر ونقص السكان، ومما أوقع مصر في الاضمحلال الكلي والفاقة الكبرى المشاجرات التي وقعت بين العساكر وخفراء القاهرة، وكان ذلك الخفر مكونًا من عساكر عبيد تحت حمى الملكة أم الخليفة ومن عساكر أتراك مكوِّنين لمعظم الجيش، وكان المستنصر في كل سنة في زمن الحج يُظهر أنه يريد الحج فيخرج من القاهرة مصحوبًا بكثير من الرجال والنساء ومعه الأبواق والنوبات، ويذهب إلى بِركة الحج مجمع الحجاج فيفرِّق على عساكره نبيذًا ويبيتون سكارى ثم يعود إلى قصره؛ ففي بعض السنين بينما هم في هذا الانهماك إذ ضرب أحد العسكر الأتراك السكارى واحدًا من العبيد، فقبض أصحاب العبد على التركي وقتلوه، فانتشبت الحرب بين الأتراك والعبيد، ووقعت بينهم حروب عديدة كانت نتيجتها أن أفنى الأتراك العبيد واستولوا على السلطة، وصار الخليفة حقيقةً هو رئيسهم ناصر الدولة، وضيَّقوا على الخليفة؛ فلا زالوا يطلبون منه زيادة ماهياتهم حتى نفدت جميع أمواله، فنهبوا قصره حينئذٍ، وأخذوا ما فيه من أمتعة وحُليٍّ، وكان الخليفة ووزيره يحضران هذا السلب باكيَي العين، ولم يجسُر أحدهما أن يتكلم، وقد خربوا الكتبخانة العظيمة؛ فأعدموا منها مائة وعشرين ألف كتاب من الكتب النفيسة التي بخط اليد، وأخذ العربان كثيرًا من المجلدات الحسنة التجليد، وصاروا يعملون من جلدها نعالًا.

وانتُزعت الشوكة من المستنصر كُلِّيَّةً، فلم يبقَ تحت طاعته عسكرٌ واحد ولا في تصرفه دينار واحد، ولم يكتفِ ناصر الدولة بذلك، بل أراد أن يجعله من الخلافة أيضًا، غير انه اختلف عليه بعض الأتراك وتحزبوا مع المستنصر، فحاربه المستنصر بهم وهزمه، فالتجأ إلى الإسكندرية واستقل بالوجه البحري وخطب فيه للعباسيين، ثم وقع بمصر غلاء كثير ومجاعة عظيمة كانت شدَّتها سنة ٤٦٢ﻫ، فبِيعَ الأردب القمح بمائة دينار والبيضة بدينار والقط بثلاثة دنانير والكلب بخمسة، حتى تعذَّر على الأغنياء فضلًا عن الفقراء الحصول على أقل المأكولات، وصار أهالي القاهرة يأكل بعضهم بعضًا، وقد لحق القحط الخليفة كغيره؛ فباع ما بقيَ عند من الجواهر والحليِّ حتى ملابس حريمه بأبخس الأثمان من شدة الجوع، وقد صحِب هذا القحط الطاعون كما هي العادة؛ فكانت الأموات تُعَدُّ بالألوف حتى خلَتِ القاهرة من سكانها؛ فإن مَن بقيَ له مقدرةٌ على المشي ترك المدينة، وذهب إلى الخلاء قاصدًا جهة الشام.

أما ناصر الدولة فقد حجز غلال الوجه البحري عن القاهرة، ثم أتى لمحاصرتها بعد أن حرق كل ما في طريقه، فلم يقدر الخليفة على مقاومته فخضع له، فلما دخل ناصر الدولة القاهرة عزم على أن يُلزم الخليفة بغرامة الحرب، فاستقبله المستنصر في قصر متخرب جالسًا على حصير خشن وليس عليه إلا قفطان قديم، وما عنده من الخدم سوى ثلاثة عبيد عرايا قد بلغوا من العمر أرذله، وقال له: ما تريد مني؟! أنت تعلم أنك لم تُبْقِ لي شيئًا، فإن أردت ثيابي الرثَّة وحصيري وعبيدي الثلاثة فخُذْهم أيضًا، فخجل ناصر الدولة، ورتَّب له مائة دينار شهريًّا لمؤنته. واستمر ناصر الدولة في السلطة حتى قتله صهره الدقوز واستولى هو عليها، فلما تعِبَ المستنصر من الأتراك دعا بدر الجمالي أمير دمشق بالحضور إلى مصر ليُسلِّمه أمورها فحضر من الشام بمن انتخبهم من جنوده من طريق البحر الأبيض المتوسط، ولما وصل إلى القاهرة صنع وليمة، وعزم فيها رؤساء الأتراك، وأجرى فيهم مذبحةً عظيمة، ثم أمر بقتل كل من كان تحزَّب معهم أو ساعدهم، فخلع عليه المستنصر خُلَع الوزارة، ولقَّبه أمير الجيوش، وقلَّده وزارة مصر الإدارية والعسكرية، فعدَل في الرعية وأصلح البلاد وردَّ إليها رونقها القديم؛ فقد وجَّه أنظاره إلى التجارة والزراعة؛ فأعاد الفلاحين إلى زراعتهم، ورفع عنهم الضرائب مدة ثلاث سنين حتى ترجع للأرض خصوبتها، وشجَّع الصنَّاع والتجَّار، فعادوا إلى المدينة بعد أن كانوا خرجوا منها، وهو الذي شيَّد بالقاهرة باب زويلة وباب النصر وباب الفتوح والسور المتصل بها، ثم مات هو والمستنصر في ذي الحجة سنة ٤٨٧ﻫ، فمن بعدهما ابتدأت الحروب الصليبية؛ فكانت هي الشاغل الوحيد للخلفاء الفاطميين المستعلي بالله والآمر بالله والحافظ لدين الله والظافر بأمر الله والفائز بنصر الله والعاضد لدين الله، ولوزرائهم الذين لا تزال السلطة في مصر بأيديهم إلى أن انقرضت الدولة سنة ٥٦٧ﻫ في أيام العاضد لدين الله آخر خلفائها؛ فقامت بمصر حينئذٍ الدولة الأيوبية بظهور صلاح الدين يوسف بن أيوب.

المطلب الثاني

في استيلاء الفاطميين على مصر وتأسيس القاهرة والجامع الأزهر

قد كان استيلاء الفاطميين على مصر في عهد المعز لدين الله معد أبي تميم رابع خلفائهم بالمغرب، الذي تولَّى الخلافة بعد موت أبيه المنصور سنة ٣٤١؛ وذلك أنه لما كتب له أعيان مصر في التملك عليها سَيَّر إليها جوهر الصقلي قائد الجيوش الفاطمية، فانتهز جوهر فرصة الشقاق الذي كان بين الأمراء الإخشيديين، واستعد لفتوح باقي البلاد المصرية بالقوة والغلبة، فقدِم مصر في شعبان سنة ٣٥٨، ولمَّا وصل الجيزة عبَر الجسر ونزل في شمال الفسطاط بموضع القاهرة، وأناخ هناك بمن معه من الجند، ففتح له أهالي الفسطاط أبوابها، فتملَّك على المدينة في شهر رمضان من تلك السنة وأقام الخطبة للمعز لدين الله في الجامع العتيق جامع عمرو في شهر شوال من السنة المذكورة، فكان ذلك دلالةً على تمام فتوح مصر، فلما تم له فتوح مصر بلا ضرب ولا طعن واستقر بها وثبَّت قدمه فيها أغار على بلاد الشام، وضمَّها إلى ممالك المعز التي كانت تمتد بأفريقيا من مصر إلى الأقيانوس الأطلانطيقي وبجزائر البحر الأبيض المتوسط، فاتسعت حينئذٍ دائرة مُلك الدولة الفاطمية وعظمت شوكتها.

ولما استتبَّت الراحة والأمن بأرض مصر شرع أبو الحسن جوهر في تشييد عاصمة جديدة لها ليفاخر بني العباس ببنائهم بغداد، فأخذ في تخطيط القاهرة سنة ٣٥٩ هجرية، فأدار على مناخه الذي نزل فيه بالعسكر سورًا يبتدئ من حدود الفسطاط ويتجه إلى الشمال متباعدًا عن الشاطئ الشرقي للنيل، ثم يتجه إلى الجنوب لغاية أسفل الجبل المقطم حتى يعود إلى حدود الفسطاط ثانيًا، فكان بداخله الجهات المسكونة قبلًا؛ القطائع والعسكر وطولون، وبنى بالمدينة قصرين سكنهما الخلفاء الفاطميون، وكان تمام بنائهما سنة ٣٦١ﻫ، فعزم المعز لدين الله على ترك ممالكه المغربية والانتقال إلى بلاد مصر ليتمتع بفتوحاته، فركب البحر في أواخر شوَّال من هذه السنة، ونزل على سردينيا أولًا ثم على صقلية وكانتا من ضمن ممالكه، وبعد أن مكث بضعة أشهر في هاتين الجزيرتين ونظم أحكامهما ارتحل إلى طرابلس الغرب، ثم سافر إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة، فدخلها في رمضان سنة ٣٦٢ﻫ، وسكنها بجميع أولاده وأهله، وجعلها مركز حكومته، واتخذ جوهرًا وزيرًا له، فأسس الجامع الأزهر وأسس فيه كتبخانة عظيمة، وجعله مدرسةً للعلم الشريف تُدرَّس فيه جميع العلوم النقلية والعقلية، حتى صار أشهر مدرسة في الشرق، وأبهج مكان يؤمُّه الناس من سائر الأقطار الإسلامية لطلب العلم، وصارت القاهرة مقر المعارف. أما المعز لدين الله فلم يمكث زمنًا طويلًا في عاصمة بلاده الجديدة؛ فقد تُوفِّيَ بها في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ وعمره خمس وأربعون سنة ونصف، بعد أن حكم ثلاثًا وعشرين سنة ونصفًا؛ منها ثلاث تقريبًا بمصر والباقي بالمغرب، وقد كان المعز عالمًا فاضلًا جوادًا شجاعًا حسن السيرة منصفًا للرعية.

الفصل الثاني

وفيه مطلبان:

المطلب الأول في الدولة الأيوبية

حكمت هذه الدولة إحدى وثمانين سنة (٥٦٧–٦٤٨ﻫ)، وهي تُسمَّى أيضًا بالدولة الكردية؛ فإن أمراءها أكراد، وقد كانوا قبل مجيئهم إلى مصر من قواد الملك نور الدين ابن الأتابك عماد الدين زنكي بالشام، فلما أخذت الدولة العلوية بمصر في التلاشي في أواخر أيامها، وصار استبداد وزرائها على خلفائها هرب شاور وزير العاضد العلوي بها من ضرغام الذي نازعه في الوزارة إلى الشام ملتجئًا إلى نور الدين ومستجيرًا به، وطلب منه إرسال العساكر معه؛ ليعود إلى منصبه، ويكون له ثلث دخل البلاد، فجهَّز له نور الدين الجيوش وقدَّم عليها أسد الدين شيركوه وسيَّرها معه إلى مصر، فأعيد إلى الوزارة، فعاد عما كان وَعدَ به نور الدين، وغدر بأسد الدين واستنصر عليه بالفرنج، فالتزم أسد الدين بالعَوْد إلى الشام، ثم أعاده نور الدين إلى مصر مع جماعة من الأمراء منهم صلاح الدين يوسف بن أيوب لما اشتد الحال بالمصريين من مضايقة الفرنج لهم؛ حيث أرسل إليه العاضد لدين الله يستغيث به من محاصرة الفرنج للقاهرة، فلما قرُب أسد الدين مصر رحل الفرنج إلى بلادهم بالشام، فوصل أسد الدين إلى القاهرة، واجتمع بالعاضد لدين الله فخلع عليه، وفرح به أهل مصر، وأخذ شاور يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين، فخاف العسكر شرَّه، فاتفق صلاح الدين مع بعض الجند على قتله، فقبضوا عليه وقتلوه بموافقة العاضد لهم، فدخل أسد الدين القاهرة وقلَّده العاضد وزارة مصر، ولُقِّب الملك المنصور أمير الجيوش، فأقام بالوزارة شهرين تقريبًا، ثم تُوفِّيَ في جمادى الآخرة سنة ٥٦٤، فقام مكانه ابن أخيه صلاح الدين ولقب الملك الناصر، فتمكَّن من الوزارة، وضعُف أمر العاضد فكتب إليه نور الدين يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، فامتنع في أول الأمر، فألحَّ عليه وألزمه بذلك فلم يمكنه مخالفته، فأمر بالخطبة للمستضيء بأمر الله الخليفة الثالث والثلاثين من الخلفاء العباسيين ببغداد.

وكان قد اتفق أن العاضد مرِضَ في هذا الوقت مرضًا شديدًا، فانحاز إلى قصره ولم يخرج منه، ولم يَعْلَم بما يصير في الخارج، فتُوفِّيَ في يوم عاشوراء سنة ٥٦٧، ولم يعلم بقطع الخطبة، فاستولى صلاح الدين على بلاد مصر، ثم ضم إليها بلاد الشام وأرض الجزيرة، فلما مات اقتسم أولاده الستة عشر ممالكه، فأخذ أكبر أولاده نور الدين عليٌّ الملقَّب الملك الأفضل الشام السفلى مع مدينة أورشليم والشواطئ البحرية، وجعل تخت ملكه مدينة دمشق، واستولى غياث الدين الغازي الملقَّب الملك الظاهر على الشام العليا، واتخذ تخت ملكه بمدينة حلب، وصارت مصر من نصيب عماد الدين عثمان الملقَّب الملك العزيز، وأما باقي أولاده فقد اكتفوا بما لديهم من الولايات الصغيرة، واعترفوا بالتبعية للثلاثة المذكورين، وقد استقل بجهة الكرك الملك العادل سيف الدين أبو بكر أخو صلاح الدين. غير أنهم لم يلبثوا أن وقعت بينهم المنافسة، فاتحد الملك العادل سيف الدين مع الملك العزيز سلطان مصر على خلع الملك الأفضل من مملكة دمشق، فحكم حينئذٍ الملك العزيز على مصر والشام، وبعد موته خلَفه عليهما ابنه الملك المنصور وعمره ثمان سنوات، فكفله أولًا عمه الملك الأفضل. غير أنه لم يلبث أن حضر الملك العادل وأخذ منه كفالة الملك المنصور، ثم خلع هذا من الملك وتقلده هو، فصار بيده تقريبًا جميع الدولة الأيوبية؛ ففي أثناء ذلك كان الفرنج قد قويت همَّتهم بعد أن هزمهم شر هزيمة صلاح الدين، فهمُّوا بالإغارة على بلاد الشام، فالتزم الملك العادل بالخروج إلى الشام لملاقاتهم، فحصلت بينهم وبينهم عدة وقائع، ثم عزم على العود إلى مصر للمدافعة عن دمياط حيث كان الفرنج أتوا لمحاصرتها، فتولَّى هناك قبل وصوله إلى مصر، فخلَفه ابنه شرف الدين الملقَّب الملك الكامل، فاسترجع من الفرنج مدينة دمياط. غير أنه ترك لهم بعض مدن الشام، ثم استولى أيضًا على حلب، فصار بيده جميع الممالك الأيوبية، وبعد موته خلَفه ابنه سيف الدين أبو بكر الملقَّب بالملك العادل الثاني، فلم يلبث أن خلعه الأمراء، وولَّوا مكانه أخاه الملك الصالح حاكم دمشق، فلما صعد على كرسي المملكة اتخذ له حرسًا من المماليك الأتراك لخوفه من هؤلاء الأمراء الذين جرَّدهم فيما بعد من وظائفهم فبغضوه بغضًا عظيمًا، حتى إن بعض أمراء الشام تآمروا مع الفرنج على محاربة مصر، فسافر الملك الصالح إلى الشام وتحالف مع بعض قبائل كانوا هاجروا من جهة خوارزم بسبب إغارة جنكزخان وسكنوا في شمال بلاد الشام، وهجهم بهم على الفرنج وأمراء الشام المتحالفين معهم، وأخذ منهم أورشليم ودمشق وجميع الحصون التي على الشاطئ، ثم التزم بالعَود إلى مصر؛ فإن الفرنج كانوا قد نزلوا على دمياط تحت قيادة ملك فرنسا لويز التاسع.

فلما حضر الملك الصالح إلى المنصورة كان الفرنج قد تملَّكوا على دمياط وأغاروا على المملكة، فاغتاظ الملك الصالح ومات كمدًا بعد مرض شديد، فاتفقت سُرَّيَّته شجرة الدُّرِّ مع الأمير فخر الدين رئيس الجند ومع جمال الدين الخَصِيِّ الأول بالقصر على إخفاء موته وحفظ المملكة لولده منها؛ الملك المعظَّم توران شاه، وأرسلت إليه بأن يحضر سريعًا من بلاد الشام؛ ففي أثناء تلك المدة كان قد وقع بين المسلمين والفرنج واقعة عظيمة بجهة المنصورة انتصر فيها المسلمون بهمَّة المماليك بعد مقاومة شديدة، ومات فيها الأمير فخر الدين، فلما حضر ابن الملك الصالح توران شاه هزم الفرنج بعد عدة وقائع شر هزيمة بجهة فارسكور، فأسر منهم عشرين ألفًا مع ملك فرنسا وأمرائه وخواصِّه، فبعد هذا النصر العظيم أُشْهِرَ موت الملك الصالح وتولية ابنه الملك المعظَّم غياث الدين توران شاه، فلم يحكم سوى شهر تقريبًا ثم قامت عليه المماليك في آخر محرم سنة ٦٤٨ وقتلوه، فمات في عنفوان شبابه، وبموته انتهت الدولة الأيوبية الفاخرة، وابتدأت دولة المماليك.

المطلب الثاني

في ذكر الملك صلاح الدين وبناء قلعة الجبل

هذا الملك هو رأس الدولة الأيوبية، استولى على بلاد مصر سنة ٥٦٧ وهو عامل لنور الدين، فلما مات نور الدين سنة ٥٦٩، وخلَفه ابنه الملك الصالح وعمره إحدى عشرة سنة خرج صلاح الدين إلى الشام مُظهرًا طاعة الملك الصالح، وأنه خرج لحفظ بلاده عليه من الفرنج واستعادة ما أخذه منه ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل من البلاد الجزرية، فاستولى على دمشق وحمص وحماة وبعلبك، ثم تخلَّف عما كان يُظهِر ورحل إلى حلب وحاصرها وبها الملك الصالح ابن نور الدين، فلم يتمكن من فتحها، بل تركها بعد أن حصل الصلح بينهما، وسار إلى مصر فدخلها سنة ٥٧٢ وأمر ببناء السور الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على جبل المقطم.

وكان صلاح الدين كلما تغيَّب في فتوحاته يستعمل مكانه نائبه الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدي، وهو خَصِيٌّ أبيض، كان يُصدِر إليه صلاح الدين الأوامر فيُجريها بكل همَّة ونشاط، وهو الذي كلَّفه صلاح الدين ببناء المدارس وتصليح الجسور وحفر الترع وبناء القناطر وتشييد العمائر في القاهرة وكافة الإصلاحات التي حدثت في مصر، ومن أعظم مآثر صلاح الدين القلعة التي توجد لغاية أيامنا هذه في القاهرة؛ فإنه هو الذي أمر ببنائها، وشيَّد فيها دارًا عظيمة جعلها محل إقامته، وحفر البئر العميقة التي بها إلى الآن المعروفة ببئر يوسف، وهي يبلغ عمقها ٨٨ مترًا ونصفًا، وكان حفرها لاحتياج الخفر إليها، وقد استعمل لتلك العمائر أحجار الآثارات القديمة؛ فإنه هدم الأهرام الصغيرة التي كانت بأرض مصر، وبنى بأحجارها القلعة وسور القاهرة وبقية المباني المذكورة، ثم سار صلاح الدين من مصر سنة ٥٧٨ هجرية بعد موت سيف الدين غازي والملك الصالح ابن نور الدين لمَّا عَلِم باتحاد أمراء الشام وأهل الموصل مع الفرنج ضده، فأغار على بلاد الشام وأرض الجزيرة، وتملَّك على عدة حصون بها، ثم احتل مدينة حلب وأقطعها أخاه الملك العادل، ونهب مدنًا كثيرة من بلاد الشام، ثم رجع إلى أرض الجزيرة، وحاصر الموصل فلم يتمكن منها بسبب مرضه، واستقر الصلح بينه وبين صاحب الموصل بأن يُسلِّم له صاحب الموصل شهرزور وأعمالها، وأن يُخطب له ويُضرب اسمه على الدراهم، فالتفت صلاح الدين حينئذٍ إلى محاربة الفرنج، فانقلب إلى بلاد الشام وهزم الفرنج وأخذ منهم صفورية وطبرية وعكَّا وقيسارية وحيفا ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان.

ثم عزم على فتح مدينة بيت المقدس، فنزل عليها في رجب سنة ٥٨٣، وضيَّق عليها الحصار، فاستأمنه الفرنج الذين بها فأمَّنهم بشرط أن يدفعوا في مدة أربعين يومًا عشرة دنانير عن كل رجل، وخمسة عن كل امرأة، ودينارين عن كل طفل، ومن لم يؤدِّ ذلك في المدة المذكورة صار مملوكًا، وسُلِّمت المدينة في يوم الجمعة ٢٧ من الشهر المذكور، فلما فتح القدس بعث الفرنج إلى بلادهم بخبر بيت المقدس، فقام ملك الفرنسيس وملك الإنكليز وملك الألمان، وساروا إلى بلاد الشام، ونزلوا على عكَّا وحاصروها ثم تملكوها بعد قتال شديد مع صلاح الدين، ثم بعد عدة وقائع أُخَر أرسل الفرنج إلى صلاح الدين في أن يعقد معهم هدنة، فعقد معهم الهدنة على أن يستقر بيد الفرنج يافا وقيسارية وأرسوف وحيفا وعكا مع أعمالها، وأن تكون عسقلان خرابًا وأذِنَ للفرنج في زيارة القدس، ثم رجع صلاح الدين إلى دمشق فمَرِض بها مرضًا شديدًا بقي به ثمانية أيام، ثم مات بعد أن حكم أربعًا وعشرين سنة وله من العمر سبع وخمسون سنة، وترك من الأولاد ستة عشر ابنًا وبنتا واحدة، فتزوجت ابن عمها نصر الدين ابن سيف الدين الذي تَلقَّب من وقتئذٍ بالملك الكامل، وكانت وفاته يوم الجمعة ٢٧ صفر سنة ٥٨٩، فحزِنَ عليه جميع الشرق، واجتمع بدمشق جميع الأمراء المجاورين له لتشييع جنازته، وقد كان حليمًا كريمًا حسن الأخلاق متواضعًا صبورًا ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة، اتفق على مدحه جميع المؤرخين من عرب وإفرنج.

الفصل الثالث

في دولة المماليك، وفيه مطلبان:

أصل هؤلاء المماليك من سكان أقاليم بحر الخزر وجبال القوقاز، فلما أغار المغول على تلك البقاع، وأوقعوا القتل والأسر في أهلها حتى شتتوا قبائلهم، هُرِع إليهم تجار الرقيق من كافة أنحاء الشرق، وصاروا يجلبون هذه التجارة إلى جميع أسواق آسيا الغربية، وحيث كان هؤلاء المماليك من الشبان الشديدي البنية السليمي الصحة الجميلي الصورة انتهز فرصة ذلك جميع أمراء آسيا، وصاروا ينظمونهم ضمن جنديتهم، وبالجملة كوَّن منهم سلاطين مصر طائفة من الجندية خاصة بهم، وكانوا كثيري العَدد والعُدد فاستولوا على جميع وظائف الحكومة، ولم يتيسر ردعهم وإدخالهم تحت نظام، حتى آلَ الأمر إلى أن وقعت حكومة مصر بأجمعها في قبضتهم، وقد انقسمت دولتهم فيها إلى دولتين متميزتين بالنسبة لجنسية أمرائهما؛ فإن الأولى منهما كان أمراؤها من التركمان؛ ولذا تُسمَّى بدولة التركمان، والثانية كان أمراؤها من الجراكسة، وأما مجرى الحوادث وسير الأمور السياسية فيهما فكان واحدًا؛ وهو المداومة على الهيجان والثورات؛ فقد كانت أمراؤهما دائمًا في أشد المعارضة لمن يتولى الملك منهم، ولا يعرفون غير القوة التي كانوا يستعملونها في خلعه عن الملك لإقامة غيره عليه، وهكذا.

المطلب الأول

في دولة المماليك التركمان

تُسمَّى هذه الدولة أيضًا بدولة المماليك البحرية؛ لأن أمراءها كانوا يسكنون حصونًا بالجزء الجنوبي من جزيرة الروضة بقرب المقياس وعلى طول الفرع الشرقي من النيل، وقد حكمت ١٣٦ سنة (٦٤٨–٧٨٤ﻫ) تَسَلْطَنَ في أثنائها على مصر أحد وثلاثون أميرًا من هؤلاء المماليك؛ أولهم شجرة الدُّرِّ زوجة الملك الصالح التي استولت على الملك بعد قتل ابنها الملك المعظَّم توران شاه آخر ملوك الدولة الأيوبية؛ نظرًا لكثرة الاضطراب الذي حصل في مصر بسبب اختلاف الأحزاب على مَن يبايعون بعده، وقد أشركت هذه الملكة عز الدين أيبك في الحكم معها، ولقبته بالأتابك؛ أي نائب الملك، وأحسنت السياسة في مصر وأوجدت الراحة والأمن فيها. غير أنها لم تلبث أن خرجت عن طاعتها مدن الشام التي خضعت لملك حلب، فالتزمت بالتنازل عن الملك لعز الدين أيبك وتزوجت به، ولكنه لم يلبث هو أيضًا أن قام عليه بعض المماليك وجبروه على أن يقتسم الملك مع أمير من الأيوبيين عمره ثمان سنوات يُدعى الملك الأشرف بن يوسف، كانوا قد أحضروه من اليمن، فاستمر في إدارة البلاد باسم أتابك. غير أنه كان بيده السلطة حقيقةً، ولم يكن الأشرف المذكور إلا اسمًا بلا رسم، وقد نهض في خلال ذلك سلطان دمشق ناصر الدين يوسف أحد أعضاء العائلة الأيوبية للأخذ بثأر الملك المعظَّم توران شاه، فوقعت الحرب بين ناصر الدين والملك المعز أيبك، إلا أنها انتهت بانتصار المصريين، فوقع الصلح بينهما على أن يكون للماليك مصر وغزة وأورشليم.

ثم عزم أيبك على الاستقلال بالملك فأوقع بالحزب المعارض له؛ حزب الملك الأشرف بعد أن قتل رئيسه الفارس أقطاي وقبض على الملك الأشرف، وألقاه في السجن حتى مات، فلما استتب له المُقام شرع في التخلص من شجرة الدُّرِّ أيضًا، فاقتنى عليها سراري أخريات، فولدت له إحداهن ولدًا سماه نور الدين، ثم سعى أيضًا في التزوج بابنة بدر الدين لؤلؤ ملك الموصل فاغتاظت منه شجرة الدُّرِّ، وأمرت خمسة خصيان بيض أن يكمنوا له في الدهليز السِّرِّي الموصل إلى دار الحريم، فخنقوه هناك بعمامته، وأشاعت أنه مات مصروعًا، وقد خلَفه ابنه نور الدين علي الملقَّب الملك المنصور، فقبض على قاتلة أبيه وعهِد بها إلى نساء بيته فأماتوها ضربًا بالقباقيب على رأسها، وطرحوا جثتها في خندق القلعة، فأكلت الكلاب نصفها ودُفن النصف الباقي قرب مدفن السيدة نفيسة، ولم يحكم نور الدين إلا مدة قصيرة ثم خلفه سيف الدين قطوز الملقَّب الملك المظفر، وأصله من ذوي العائلات الملوكية؛ فقد كان ابن مودود شاه ابن أخي ملك خراسان، ووقع في رقِّ العبودية لمَّا تشتَّتت عائلته بإغارة التتار، وفي أيامه قصد التتار مصر بعد تخريبهم بغداد وقتل المستعصم آخر الخلفاء العباسيين، فخرج إليهم بجيوش المصريين، وتلاقى بهم عند فلسطين فهزمهم وكسب منهم غنيمة عظيمة، ثم قُتل أثناء رجوعه إلى مصر، وتولَّى بعده قاتِله ركن الدين بيبرس البندقداري، وتَلقَّب أولًا بالملك القاهر ثم بالملك الظاهر أبي الفتوح، وكان أشهر ملوك هذه الدولة ومن أعظم ملوك مصر قوةً وشوكة، محبوبًا عند الرعية فارسًا مقدامًا، نظَّم أمور مصر ووسَّع حدودها؛ فقد انتصر على التتار مرارًا وأجلاهم عن بلاد الشام وضمها إلى مصر، وكذا أرمينية، فاتصلت فتوحاته شمالًا إلى بلاد الأناضول، وافتتح جنوبًا بلاد النوبة وجميع وادي النيل الأعلى، وفي أيامه التجأ إلى مصر من نجا من العباسيين من رقِّ العبودية بعد سقوط دولتهم ببغداد، وكان في جملتهم ابن الظاهر بأمر الله الخليفة الثاني قبل المستعصم، فأكرمه بيبرس وترحب به وقلَّده الخلافة بمصر باسم المستنصر بالله، فاستمر اسم الخلافة لبني العباس وصار مقرُّهم بمصر، وكانوا يلقَّبون بالأئمة حتى تملَّك العثمانيون على مصر، فأخذ ملكهم السلطان سليم هذا الاسم من الخليفة المتوكل على الله آخر العباسيين بمصر، وانقرضت حينئذٍ الخلافة العباسية كُلِّيَّةً.

ومن آثار بيبرس بمصر الجامع الكبير المسمى باسمه الذي بناه خارج باب الحسينية، وقد تُوفِّيَ سنة ٦٧٦ﻫ بعد أن حكم سبع عشرة سنة، وترك مصر في أعلى درجة من المجد والرفعة والثروة والشوكة، وقد ترك من الأولاد ثلاثة خلفه على الملك اثنان منهم على التعاقب، ثم تولَّى بعدهما سيف الدين قلاوون الألفي، وتَلقَّب بالملك المنصور، وهو الذي بنى للفقراء الدار المعروفة بالبيمارستان التي أتمَّها وأصلحها ابنه الملك الناصر، وفي أيامه أغار التتار على بلاد الشام، فخرج إليهم بعسكر المصريين وهزمهم ثم تغلَّب على مدينة طرابلس الشام وأخذها من الفرنج بعد مقاومة شديدة فهدمها وذبح أهلها، وقد خلَفه بعد موته ابنه صلاح الدين خليل، ولُقِّب بالملك الأشرف، فخرج في السنة الثانية من حكمه سنة ٦٩٠ﻫ إلى بلاد الشام، وحاصر الفرنج بعكا، وكانت آخر مدينة يمتلكونها في الشرق فتملَّك عليها وهدم أسوارها، ولما رجع إلى مصر لم يلبث أن خرج منها ثانيًا، وأغار على بلاد أرمينية فخرب بلادها، وتملَّك على مدينة أرضروم، وكانت حصينة منيعة، فلما عاد بعد ذلك إلى مصر تواطأت إحدى جواريه مع مملوك له يدعى بيدارا وقتلاه بعد أن حكم ثلاث سنين، وإليه يُنسب الخان المشهور بالخان الخليلي في السكة الجديدة في القاهرة، وكان بهذا المكان قبل ذلك مدافن الخلفاء الفاطميين، فبنى الخان على أنقاضها، ولما مات الملك الخليل خلَفه قاتِله بيدارا، لكنه لم يحكم سوى يوم واحد، ثم قُتل فتولَّى محمد بن قلاوون، ولُقِّب بالملك الناصر، وكان عمره تسع سنوات فجعل زين الدين كتبغا وصيًّا على الملك، فلم يلبث أن خلع الملك الناصر ونفاه إلى الكرك، وتولَّى هو الملك وتَلقَّب بالملك العادل، ثم خُلِع فخلفه حسام الدين لاجين، ثم سيف الدين طفجي، ولم يحكم هذا سوى يوم واحد، ثم قُتِل فأُعيدَ إلى الملك الناصر بن قلاوون، وكان عمره إذ ذاك خمس عشرة سنة تقريبًا، فخرج بعد عَوْده إلى الملك بمدة يسيرة إلى بلاد الشام لمحاربة التتار، فانهزم جيشه أولًا لكنه جمعه ثانيًا وأمدَّه بالعدد والرجال، ورجع إلى التتار فهزمهم شر هزيمة وعاد منصورًا إلى القاهرة، ثم خاف على نفسه لمَّا عَلِم بمؤامرة أمراء المماليك ضده، فخرج من مصر مع كثير ممن يعتمد عليهم مُظهرًا أنه يريد الحج، وتوجَّه إلى الكرك وتحصَّن فيه، وأرسل لأمراء المماليك بأنه تنازل عن ملك مصر، فولَّوا ركن الدين بيبرس الجاشنكير الملقَّب بالملك المظفر، فلم يلبث أن حضر الملك الناصر إلى مصر ثانيًا وتملَّك عليها إلى أن مات سنة ٧٤١، وقد أصلح مصر وبنى بها كثيرًا من المدارس، وتمم البيمارستان الذي كان ابتدأ أبوه بناءه ووسَّعه وأوقف عليه أوقافًا كثيرة، وقد ترك ثمانية أولاد ذكور تناوبوا الملك بعده الواحد بعد الآخر، إلا أن مُددهم جميعًا كانت قصيرة جدًّا خالية من الرونق والبهاء؛ فكان الواحد منهم يجلس على كرسي المملكة ثم يُخلع في وقت قريب، وكان منهم الملك الناصر ناصر الدين حسن صاحب الجامع المعروف بجامع السلطان حسن الذي بالرميلة بقرب القلعة.

ولم يزل ملك مصر في عائلة السلطان قلاوون إلى آخر أيام هذه الدولة؛ فإن الأربعة ملوك الذين خلَفوا أولاده الثمانية على سرير الملك كانوا أيضًا من ذريته، فلما تولَّى الملك الصالح حاجي وهو آخر الأربعة، وكان عمره ست سنوات لم يلبث وصيُّه على الملك الأمير برقوق أن خلعه ونفاه، وتولَّى هو على السلطة الملوكية، فكان أول سلاطين دولة المماليك الثانية، وهي دولة الجراكسة.

المطلب الثاني

في دولة المماليك الجراكسة

تُسمَّى هذه الدولة أيضًا بدولة المماليك البُرجية؛ لأن أمراءها كانوا على الأخصِّ مكلَّفين بحفظ الأبراج؛ أي القلاع في عهد المماليك البحرية، وقد حكمت ١٣٩ سنة (٧٨٤–٩٢٣ﻫ)، تسلْطَنَ في أثنائها على مصر خمسة وعشرون أميرًا من هؤلاء المماليك؛ أولهم السلطان برقوق، وأصله مملوك الأمير يلبغا أحد المماليك البحرية، كان قد اشتراه سنة ٧٦٢، فاعتنى بتربيته حتى رفعه إلى رتبة أمير، ولم يزل حتى صار وصيًّا على الملك في عهد الملكين الأخيرين من المماليك البحرية؛ حيث كان والدهما الملك الأشرف كلَّفه بتربيتهما، فلما كانت أيام الملك الثاني منهما، وهو الملك الصالح حاجي آخر سلاطين المماليك البحرية عزم برقوق على الاستقلال بالملك، فخلع هذا الملك ونفاه، واستقل بالملك فصار سلطانًا وتَلقَّب بالملك الظاهر، وفي أيامه كان ظهور تيمورلنك فخاف برقوق على ممالكه منه، وخرج بجيوشه إلى بلاد الشام للمحاماة عنها، فلم يقدر تيمورلنك على الإغارة عليها، فبينما كان برقوق متغيبًا في بلاد الشام قام عليه الخليفة المتوكل على الله واتفق مع بعض الأمراء على خلعه من الملك ونفيه إلى الكرك، فرجع حينئذٍ إلى سلطنة مصر حاجي بن شعبان آخِر سلاطين دولة المماليك البحرية. غير أن الأمراء لم يلبثوا أن أسِفوا على خلع برقوق، فأعادوه إلى السلطنة بعد ثمانية أشهر وخلعوا حاجي بن شعبان ثانيًا، فلما عاد برقوق إلى السلطنة حافظ على السلام بقية مدته، واشتغل بالتجهيزات الحربية خوفًا على بلاده من التتار والعثمانيين، وكان حكمه مع العدل والحكمة؛ حتى إنه عند موته أسِف عليه جميع الأهالي، وقد خلَفه ابنه فرج زين الدين ولُقِّب بالملك الناصر، فأذعن بالطاعة لتيمورلنك خوفًا منه؛ حيث كان هذا الفاتح التتاري أغار في أيامه على بلاد الشام، فقام عليه المصريون وخلعوه وولوا مكانه أخاه عبد العزيز، غير أنهم لم يلبثوا أن أعادوه إلى السلطنة، فتملَّك على دمشق وغيرها من بلاد الشام، ثم قام عليه أحد أمراء المماليك المدعو أبا النصر، وقد كان يُلقَّب شيخ المحمودي، فتحزَّب مع الخليفة المستعين بالله وحارباه فهزماه، فقُبض عليه وحُكم عليه بالقتل.

وبعد موته صار الخليفة المستعين بالله إمامًا دينيًّا وسلطانًا سياسيًّا؛ أي بيده أَزِمَّة السلطة الدينية والسياسية، فتلقَّب بالملك العادل، وقلَّد شيخ المحمودي الوزارة، وأخذ في إصلاح حال البلاد وترتيب إدارتها بغيرة ونشاط، وخفف الأموال على الأهالي. غير أن شيخ المحمودي أخذ في دس الدسائس حتى جرد المستعين بالله من السلطة تقريبًا وجبره على أن يُشركه معه في السلطنة باسم الملك المؤيد، فاجتهد المستعين بالله في خلعه بعد ذلك فلم يتمكن، بل جاء الأمر بالعكس؛ فإن شيخ المحمودي تمكَّن من خلع الخليفة وانفرد بإدارة البلاد فأصلح حال الرعية، وكان خيِّرًا عاقلًا، من أحسن الملوك، محبًّا للعلماء، وهو الذي بنى جامع المؤيد بقرب باب زويلة، وبعد موته خلَفه ثلاثة ملوك على التعاقب في مدة سنة، ثم تولَّى الملك الأشرف سيف الدين برسباي، وهو أعظم ملوك هذه الدولة وأجدرهم بالملك؛ فإنه كان أرفعهم همة وأشدهم عزيمة وأكثرهم تدربًا في الأحكام، وأصله معتوق الملك الظاهر تتر الملك الثاني قبله، فلم يزل هذا الملك يُرقِّيه حتى رفعه إلى رتبة أمير، ثم صار وصيًّا على الملك في عهد ابنه، فلما خُلِع هذا من الملك خلَفه برسباي فأحسن السياسة واستعمل الحزم، فاستتبت الراحة وظهر الأمن في البلاد، وقد انتصر برسباي على الفرنج مرارًا، وتملَّك على جزيرة قبرص وضرب الجزية على ملك بيت المقدس، ومن مآثره بناء جامع الأشرفية بالقاهرة، وبعد موته خلَفه ثمانية ملوك لا يُرى فيهم مَن يستحقُّ الذِّكر إلا الملك الظاهر خوش قدم؛ فإنه كان من أعقل ملوك هذه الدولة وأعظمهم حكمًا؛ استتبت الراحة وظهر الأمن في مصر في أيامه، ثم تولَّى الملك الأشرف قايتباي وكان من أشهر ملوك هذه الدولة، فاستتبت الراحة في مصر، وتوطَّد فيها إلا من مدة الست سنين الأُوَل من حكمه، ثم وقعت الحروب بينه وبين بايزيد الثاني ملك العثمانيين، فكان النصر في الغالب لجيوشه، فاغتاظ بايزيد وألَّف جيشًا جرارًا تحت قيادة علي باشا، ففزع قايتباي وطلب الصلح من بايزيد فلم يقبله.

وعادت الحروب بالقرب من مدينة طرسوس، وكانت الجيوش المصرية تحت قيادة الأمير الأزبكي، فانهزم علي باشا شر هزيمة، فانتهز قايتباي حينئذٍ فرصة نصره وتخابر مع بايزيد في أمر الصلح، فرفض ذلك بايزيد أولًا ثم قبِله بشرط أن ينجلي المصريون عن طرسوس وأدنة اللتين تملكوا عليهما من المدن العثمانية، وإلا دعا جميع أهالي الدولة العثمانية إلى حمل السلاح في الواقعة الآتية، فقبِل قايتباي هذا الصلح مراعاةً للسلام سنة ٨٩٦ ثم خلَفه بعد موته خمسة ملوك على التعاقب، وكانوا جميعًا في غاية العجز عن القيام بالملك؛ فكان الواحد منهم يحكم بعض أشهر ثم يُخلع أو يُقتل، وبعد ذلك اجتمع أعيان مصر مع أمراء المماليك لينتخبوا سلطانًا لهم، فانتخبوا الأمير قنسو الغوري ولُقِّب بالملك الأشرف، وهو من مماليك السلطان قايتباي، وكان أقلَّهم مالًا وأضعفهم حالًا؛ لم يتداخل قطُّ في أمور المملكة، فامتنع عن السلطنة أولًا ثم قَبِلها بشرط أنهم إذا أرادوا خلعه يومًا فلا يُقتل، وقد اجتهد في إيجاد الراحة، والأمن في جميع أنحاء مصر، وفي تحسين إدارة البلاد، وشيَّد بالقاهرة جامعه المشهور باسمه الآن، فلما كانت سنة ٩١٨ﻫ، التجأ إلى مصر كركود أخو السلطان سليم بن بايزيد بعد أن نازع أخاه في السلطنة العثمانية، فأجاره قنسو الغوري، فغضب السلطان سليم واستعد لمحاربة مصر، وكان وقتئذٍ في حرب أيضًا مع العجم، فأراد قنسو مقاومته وتحالف مع إسماعيل شاه ملك العجم. غير أن ذلك لم يُجْدِ نفعًا، بل شتت السلطان سليم جيش المصريين والعجم، ثم أوغل بجيوشه في بلاد الشام فتقابل بجيوش قنسو عند مرج دابق بقرب حلب فهزموهم، ومات قنسو في هزيمته في رجب سنة ٩٢٢ بعد أن حكم خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، فخلفه على ملك مصر ابن أخيه الملك الأشرف طومان باي، فلم يلبث أن حضر السلطان سليم إلى مصر وقبض عليه وأمر بشنقه على باب زويلة في ١٩ ربيع الأول سنة ٩٢٣ﻫ، فانتهت حينئذٍ دولة الجراكسة، وصارت مصر من وقتئذٍ جزءًا من الدولة العثمانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠