الباب الثالث

في الكلام على الدولة العثمانية ومصر مدة حكمها، وفيه فصلان

الفصل الأول

وفيه مطلبان:

المطلب الأول

في ذكر الدولة العثمانية

أصل هذه الدولة قبيلة من التركستان هاجرت من جهة خراسان تحت رئاسة سليمان شاه ابن قايا ألب أيام إغارة جنكزخان، وكان عددها ٥٠٠٠٠ نفس، فأتت هذه القبيلة إلى بلاد أرمينية واستوطنت هناك على شواطئ الفرات سنة ٦٢١ﻫ، ثم بعد مُضيِّ بضع سنين اشتاق هؤلاء القوم إلى رؤية أوطانهم، فأزمعوا على الرجوع إليها. غير أنهم بينما كانوا يعبُرون نهر الفرات غرِقَ فيه أميرهم سليمان شاه سنة ٦٢٩ﻫ، ولا يزال قبره إلى الآن هناك، فافترق القوم حينئذٍ إلى فريقين؛ رجع أحدهما إلى خراسان تحت رئاسة ولدَي سليمان شاه الكبيرين، وأقام الفريق الآخر بوادي أراكس الأعلى وبسهل أرضروم تحت رئاسة ولديه الآخرين دوندار وأرطغرل، وكان عدد هذا الفريق أربعمائة عائلة، فبعد أن أقام أرطغرل زمنًا قليلًا بتلك الجهة عزم على المسير بقومه إلى جهة الغرب ليبحث على أرض أخصب من الأرض المقيم فيها، فبينما هو سائر وإذا به قد صادف جيشين في حومة الميدان، وكان هذا الجيشان هما جيش التتار والمغول وجيش علاء الدين السلجوقي ملك قونية، فانضم أرطغرل بقومه إلى أقل الجيشين عددًا ونصره على عدوِّه، فإذا بالجيش المنتصر هو جيش علاء الدين السلجوقي، فأقطع علاء الدين أرطغرل الأراضي الواقعة على نهر صنجاريوس وأراضي قرجه ضاغ بشرق جبل أولمبة بالقرب من مدينة أنقورة في الشمال الشرقي من قسم فريجية، وذلك في سنة ٦٦٣ﻫ، ثم زاد علاء الدين في إقطاعات أرطغرل نظرًا لكونه خدمه ونصره مرارًا على اليونانيين، فكانت تلك الأراضي منبع الدولة العثمانية، وبعد أن طرد أرطغرل التتار من ممالك علاء الدين وتوَّج نصره بفتوح كوتاهية وأخذها من اليونانيين تنازل سنة ٦٨٧ﻫ لكبر سنه عن رئاسة العساكر لولده عثمان المولود سنة ٦٥٧ﻫ، فاستمر عثمان على محاربة اليونان؛ حيث كانوا لم يزالوا يمتلكون بآسيا بعض الحصون، فأخذ منهم قره حصار وكانت حصنًا منيعًا، فأعطاه علاء الدين مكافأةً له على أعماله جميع الأراضي التي افتتحها مع لقب بيك، وخلع عليه، وسمح له بأن يضرب الدراهم باسمه، وأن يُخطب له على المنابر.

ثم لما حصلت إغارة المغول وهرب علاء الدين الثالث آخر ملوك دولة آل سلجوق ملتجئًا إلى قيصر الروم تجزأت مملكته من بعده، فاستقل حكام الأقاليم فيها كلٌّ بقسمه، وكان في قبضة عثمان إذ ذاك معظم إقليم بطينية وجزء من إقليمَي غلاثية وفريجية وجزء من وادي صنجاريوس الأعلى، فتَلقَّب ببادشاه عالي عثماني، أي سلطان العثمانيين، سنة ٦٩٩ﻫ، واتخذ مركز حكومته بمدينة بني شهر، ثم أخضع باقي إقليم بطينية، وتقدَّم لغاية شواطئ بحر مرمرة.

وبعد أن انقطع عن الفتوحات بضع سنين لينظم أمور مملكته عاد إليها ثانيًا؛ فجعل ابنه أورخان على رئاسة العساكر ووجَّهه لحصار مدينة بروسة، فتملَّك عليها بدون أدنى مقاومة سنة ٧٢٦ﻫ، ونقل إليها تخت المملكة من وقتئذٍ، أما السلطان عثمان فقد حضرته الوفاة وقت فتوحها فخلَفه أورخان ابنه الثاني؛ لاشتغال ولده الأكبر علاء الدين بالعلوم وعدم اهتمامه بأمر الملك، فاتخذ أورخان علاء الدين المذكور وزيرًا له، فكان أول من تَلقَّب بلقب باشا، وأول مُشرِّع في الدولة العثمانية؛ إذ بمساعدته نظَّم أورخان أمور المملكة الإدارية والعسكرية حتى صار يُعَد المؤسِّس للدولة العثمانية حقيقةً؛ فهو أول من ضرب النقود باسمه في هذه الدولة، وأول من أسس الجيوش فيها من ينكشارية وغيرهم، وبينما كان علاء الدين يرتِّب أمور المملكة كان السلطان أورخان يوسِّع حدودها بالفتوحات، فتمَّم طرد اليونانيين من شواطئ نهر صنجاريوس وبحر مرمرة، وتملَّك على مدينتَي نيكوميدية ونيسية وغيرهما من الحصون، وبنى بنيسية المدارس وتكية للفقراء، ثم تملَّك على إقليم برغامة وغيره حتى وصل إلى بحر الأرخبيل، وبعد ذلك مكث نحو العشرين سنة مشتغلًا بتنظيم المملكة وبناء المدارس وتنشيط العلوم والعلماء، حتى صارت مدينة بروسة تخت المملكة مقرًّا للعلوم والمعارف، وفي ذلك الوقت كانت مملكة الروم المسماة بالدولة السفلى في غاية الانحطاط؛ قد عظُم فيها الشقاق وكثرت الفتن والثورات، فأرسل ملكها قيصر القسطنطينية إلى السلطان أورخان ليستعين به على الصربيين، ويعرض عليه ابنته للزواج، فكان ذلك سببًا في ازدياد طمع العثمانيين في فتوح ممالك هذه الدولة؛ حيث إن دخولهم أوروبا سمح لهم بمشاهدة اضمحلالها والوقوف على خفاياها، فلما كانت سنة ٧٥٨ﻫ عبَروا بوغاز الدردنيل ليلًا، وتملَّكوا على مدينتَي تزيمبة وجاليبولي وغيرهما، ثم لمَّا خلَف السلطان مراد الأول أباه السلطان أورخان على سرير الملك زاد في الفتوحات بأوروبا وآسيا، فتملَّك على أدرنة سنة ٧٦٢ﻫ، ونقل تخت المملكة إليها، ووقعت جميع بلاد طراسة التي سُمِّيت بالروم إيلي في قبضته، ودخل الترك في أيامه بلاد الصرب، وتملَّكوا على كثير من مدنها، وبلاد البلغار، وأخذوا فيها صوفية، وأما في آسيا، فقد امتدت حدود الدولة العثمانية في أيامه إلى بلاد أرمينية، ولما خلَفه ابنه السلطان بايزيد الأول تمم فتوح بلاد الصرب والبلغار، ثم وجَّه أنظاره للتملُّك على الدولة السفلى؛ فدمَّر تساليا وعبَر الترموبيل وخرَّب فوسيدة وبيلوبونيزة، وهي جزيرة مورة. غير أن ذلك كان وقت ظهور تيمورلنك الفاتح التتاري الذي أرعب جميع بلاد آسيا، فدهم هذا الفاتحُ السلطانَ بايزيد بجيوشه، وهزمه في واقعة أنقورة بآسيا الصغرى وأخذه أسيرًا، وتملَّك على جميع آسيا الصغرى لغاية إزمير، فكانت هذه الوقعة مصيبة على الدولة العثمانية، أوشكت أن تقضي عليها بالانحلال؛ فقد قامت فيها بعد موت السلطان بايزيد الحروب الداخلية نحو العشر سنين بسبب تنازُع أولاده الثلاثة سليمان وموسى ومحمد الملك، حتى كادت أن تسقط المملكة، لولا أن محمدًا أمكنه أن يتغلَّب على أخويه ويوطد سلطته على جميع ولايات المملكة، فلما خلَف هذا ابنُه السلطان مراد الثاني استرجع سالونيك من البنادقة أهل مدينة البندقية، وحاصر مدينة بلغراد ولكنه لم يتمكن من فتحها، وعقد هدنة لمدة عشر سنين مع الهنكاريين. غير أنهم لم يحافظوا عليها، بل عادوا إلى الحرب عندما وجدوه تنازل عن الملك لابنه محمد البالغ من العمر أربع عشرة سنة واعتكف في مينيزيه، فرجع إلى الملك وهزمهم شر هزيمة عند مدينة ورنة، ثم تنازل عن الملك ثانيًا لولده المذكور، ولكنه التزم بالعَود إليه ثالثًا لتوطيد النظام لمَّا ثار على ولده الينكشارية، فابتدأ حينئذٍ عصر جديد في الفتوحات؛ فقد استولى على قورنتة وبتراسة، وخرَّب بيلوبونيزة ولكنه لم يتمكن منها.

فلما خلَفه بعد موته ابنه السلطان محمد الثاني الملقَّب بالفاتح فتح مدينة القسطنطينية سنة ٨٥٧ﻫ، ونقل إليها كرسي المملكة وبنى حصون الدردنيل، وهدم أسوار غلاتة من جهة البر، وأقام أسوار القسطنطينية، ونقل إليها من آسيا خمسين عائلة من المسلمين، ثم صار ينقل إليها الصُّنَّاع من المدن التي يتملَّك عليها من أطراف المملكة، وتملَّك على أثينة وقورنتة وجزيرة مورة في أوروبا، وعلى مملكة طرابزون وإمارة كرمانيا في آسيا، ثم حاصر بلغراد فامتنعت عنه. ولما منعه أيضًا عن التقدم شمالًا الهنكاريون لمدافعتهم عن حدودهم وأهل رومانية لكثرة حصونهم بالكريات، انقلب إلى الجنوب، وأغار على ألبانيا فتملَّك عليها، ثم استولى على جزيرة نجربون من البنادقة، وعلى جزيرة القرم، وتوغلت جيوشه في إيطاليا، ودفعت له مدينة البندقية جزية سنوية في مقابلة حُرية تجارتها في البحر الأسود، وتملَّك على مدينة أوترنقة على حدود مملكة نابلي، إلا أنها أُخِذت منه ثانيًا، وأغار على جزيرة رودس ولم يتمكن من فتحها، ثم خلفه ابنه السلطان بايزيد الثاني، ولم يفتتح إلا بعض مدن في بلاد اليونان استخلصها من البنادقة، ووجَّه أنظاره لحرب المماليك بمصر، فخُزِل في حربه معهم أيضًا، فلما خلَفه ابنه السلطان سليم شمَّر عن ساعد الجد في أمر الفتوحات، فلم ينقطع عن الحرب مدة السنين الثمانية التي حكمها؛ فأغار أولًا على بلاد العجم، وتملَّك على ديار بكر وأرض الموصل، ثم قصد دولة المماليك فدمَّرها وتملَّك على بلاد الشام ومصر، ودخل في حوزته حينئذٍ مكة والمدينة، وتنازل له الخليفة المتوكل على الله آخر الخلفاء العباسيين عن الإمامة، فصار أمير المؤمنين والخليفة على الدولة الإسلامية، ثم تملَّك على إيالة الجزائر أيضًا، فعظُمت شوكة هذه الدولة حيث صارت قابضةً على معظم شطوط البحر الأبيض المتوسط مالئة له بسفنها الحربية، ولم يوجد في أوروبا جيش مثل جيشها المكوَّن من الينكشارية.

ثم لما خلَف السلطان سليم ابنه السلطان سليمان بلغت الدولة العثمانية في أيامه أقصى درجات المجد والرفعة ووصلت إلى غاية عِظمها ومنتهى شوكتها؛ فقد كان السلطان سليمان ذا عقل وسياسة وبأس وسطوة؛ حضر ثلاث عشرة واقعة بنفسه، فأخذ بلغراد من الهنكاريين، وتملَّك على جزيرة رودس، ثم أخضع هنكاريا أيضًا، وأخذ ملدافية من أوستريا، وأغار على بلاد العجم، فدخل بغداد وتملَّك على أرض الجزيرة، وضم إلى ممالكه تونس وطرابلس بأفريقيا وعدن ببلاد العرب، وبالجملة فقد كان هذا السلطان رجلًا، فاضلًا يحب العلم ويُعظم العلماء، وكان رجلًا شاعرًا منشطًا للعلوم والآداب، حتى صارت زاهرة زاهية في أيامه، وقد سُمِّي بالقانوني؛ لكونه نظَّم أمور المملكة وأسَّس قوانينها، وكان أعظم الملوك العثمانيين، وبه انتهى عصر الشجاعة في الدولة العثمانية؛ فإن من بعده اعتكف الملوك العثمانيون في سراياتهم وتركوا مشاهدة الوقائع الحربية لأمراء جيوشهم، فكان هذا مبدأ انحطاطهم، وإن كانت الدولة حافظت مدة قليلة بعد ذلك على ما حصلت عليه من الفتوحات والرونق والبهاء، بل وزادت أيضًا في فتوحاتها، إلا أن هذا لم يكن إلا بهمَّة بعض وزراء كانوا من عظماء الرجال، رزق الله بهم بعض الملوك الذين خلَفوا السلطان سليمان على هذه الدولة، فحافظوا على عدم انحطاطها في أيامهم؛ ففي أيام السلطان سليم الثاني الذي خلَف السلطان سليمان على سرير الملك حافظت الدولة على فتوحاتها، ودفعت لها أوستريا جزية سنوية، واعترفت لها بالسيادة على ملدافية وولاكية وترنسيلفانية، وتملَّك العثمانيون على بلاد اليمن، وافتتحوا قبرص من البنادقة، وفي عهد خلَفِه السلطان مراد الثالث أخذ العثمانيون من العجم طوريس وأذربيجان وشروان وجيورجيا، إلا أنه من هذا الحين ابتدأ قيام الينكشارية، فأخذت الدولة في الاضمحلال بسرعة، وظهر فيها زمن الفوضوية لتواصل هيجان الينكشارية وخلعهم للسلاطين وقتلهم لهم ولكبراء رجال الدولة، فأخذ انحطاط المملكة في الازدياد، وإن كان توقَّف بُرهة في عهد السلطان إبراهيم بهمَّة وزيره الهُمَام قاره مصطفى الذي ابتدأ فتوح كريد، وكذا في عهد السلطان محمد الرابع بهمَّة وزيريه الهمامين قبرولي محمد وابنه قبرولي أحمد؛ حيث تم فتوح كريد وفُتحت أوكريفي وبودولية ودفعت بولونية الجزية للترك، وتوطدت سيادة الدولة على ملدافية وولاكية وترنسيلفانية، ولكن من هذا الوقت وقفت الدولة العثمانية عن الفتوحات بالكلية، ولم تكن حروبها إلا للمحافظة على حدودها فقط؛ فقد صارت حدودها الشمالية بأوروبا باعثًا للنزاع بينها وبين جيرانها من الممالك الأوروباوية، فكانت تتركها تارة لهم وتارة تستردها منهم، حتى أضعفت قواها تلك الحروب وذهبت بثروتها فخرج من يدها معظم تلك البلاد ووصلت إلى ما هي عليه الآن.

وقد كان مبدأ هذا التجزُّؤ في عهد السلطان مصطفى الثاني لما انهزمت الترك على شاطئ نهر تسزا في واقعة زنطا؛ حيث التزم السلطان مصطفى بعقد معاهدة كارلووتز سنة ١١١٠ﻫ بينه وبين أوستريا وبولونية والروسية وجمهورية البنادقة، واشترط فيها أن تتنازل الترك عن هنكاريا وترنسيلفانية لأوستريا وعن بودولية وأوكرين لبولونية، وأن تحفظ الروسية البلاد التي تملكت عليها بشواطئ بحر أزوف، وأن تأخذ جمهورية البندقية جزيرة مورة ومعظم دلمائية، وأن تحذف جميع الجزيات التي كانت تدفعها الإمارات النصرانية، فكان هذا مبدأ عظم انحطاط الدولة، وإن كانت شمَّرت عن ساعد الجدِّ في بعض حروبها بعد ذلك، واستردت بعض تلك الجهات، إلا أنه لم تأخذ ممالكها من وقتئذٍ إلا في التناقص؛ ففي سنة ١١٨٩ﻫ وقع السلطان عبد الحميد علي معاهدة كاينارجي التي اعترفت فيها الترك باستقلال القرم التي استولت عليها الروسية فيما بعدُ، وتركت الدولة بناء على هذه المعاهدة للروسية حصون بحر أزوف والتتارية الصغرى، وسمحت لها بحُرِّيَّة الملاحة في البحر الأسود وبحر مرمرة، وقبِلت بتجزئة بولونيا، ثم في أيام السلطان محمود الثاني الذي محا جيش الينكشارية سنة ١٢٤١ﻫ استولت الروسية على بسارابية وشواطئ نهير بروطة بناء على معاهدة بخارست سنة ١٢٢٦ﻫ، واستقلت اليونان بعد حرب شديدة انتهت بمعاهدة أدرنة سنة ١٢٤٤ﻫ التي بناء عليها أيضًا تملكت الروسية على دلتا الدانوب وصار ملدافية وولاكية يكونان لإمارة خراجية تحت حماية الروسية، ثم تملَّك الفرنساويون في عهده أيضًا على بلاد الجزائر سنة ١٢٤٥ﻫ، وصارت مصر إمارة وراثية في عائلة محمد علي باشا سنة ١٢٥٧ﻫ، فلما كانت أيام السلطان عبد المجيد عُقدت معاهدة باريس سنة ١٢٧٢ﻫ بعد حرب القرم بين فرنسا وإنكلترا والروسية وأوستريا وبروسيا وسردينيا والدولة، وبناء عليها صار محو الحماية التي كانت للروسية على إمارة ملدافية وولاكية، وصارت هذه الإمارة تحت رعاية الدول العظمى، ثم لما حصلت الحرب بين الدولة الروسية سنة ١٢٩٥ﻫ في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وانتهت تلك الحرب بمعاهدة صان ستفانو التي صار تعديلها في مؤتمر برلين في السنة المذكورة استقل بناء على هذه المعاهدة مملكة رومانية ومملكة الصرب وإمارة الجبل الأسود، وصارت بلغاريا إمارة خراجية.

المطلب الثاني

في ذكر السلطان سليم وفتوح العثمانيين لمصر

هذا الملك هو التاسع من سلاطين الدولة العثمانية، صعد على كرسي المملكة سنة ٩١٨ﻫ، وحكم ثماني سنوات (٩١٨–٩٢٦ﻫ)، وقد تنازل له أبوه السلطان بايزيد الثاني عن الملك رغمًا عنه بإجبار من الينكشارية؛ وذلك أن السلطان سليم كان أصغر إخوته، إلا أنه كان محبوبًا عند الينكشارية لميله إلى الحروب والغزوات بخلاف أخيه الأكبر كركود الوارث للسلطنة؛ فإنه كان مبغوضًا عندهم لما يجدونه فيه من الميل إلى الفنون والعلوم، فلما رأى السلطان سليم ميل الينكشارية إليه وتعضيدهم له أقام على أبيه راية العصيان، ولم يزل يتظاهر عليه مرارًا حتى التزم أبوه بأن يتنازل له عن الملك بناء على طلب الينكشارية، وقد كان هذا الملك ذا همة عالية وقريحة وقادة، شاعرًا بليغًا له القصائد الباهرة في الفارسية والتركية والعربية، محبًّا للعلم والعلماء، متيقظًا لأمور المملكة، إلا أنه كان شديد البأس عظيم القسوة سفاكًا للدماء، فإنه لما صعد على كرسي المملكة أراد أن يُثبِّت قدمه فيها، فأمر بقتل أولاد إخوته، ثم قبض على أخويه كركود وأحمد اللذين نازعاه في الملك وقتلهما أيضًا، وقتل سبعة من الوزراء أثناء سلطنته، وفي مبدأ حكمه أمر بقتل أربعين ألفًا من الأهالي بدعوى أنهم من الشيعة، حتى كان ذلك سببًا في وقوع الحرب بينه وبين إسماعيل شاه ملك العجم، فأغار السلطان سليم على بلاده بجيش مؤلَّف من ١٨٠٠٠٠ مقاتل، وأوغل بهذا الجيش في تلك البلاد حتى وصل إلى سهل تشالديران، فتقابل بجيوش العجم هناك، وهزمهم وكسب منهم أموالًا عظيمة. غير أنه التزم بالعَود إلى بلاده بسبب القحط الذي لحِقَ بجيشه وهيجان الينكشارية، ولكنه لم تخلُ هذه الحرب من فائدة له؛ فقد دخل تحت حكمه من ممالك العجم الكردستان وديار بكر وأرض الموصل، ثم وجَّه أنظاره لحرب مصر فأغار عليها سنة ٩٢٢ﻫ في عهد قنسو الغوري، فدخل بلاد الشام وتلاقى بجيوش قنسو عند مرج دابق بقرب حلب، فوقع بينهما قتال شديد، ففشل الجيش المصري لكثرة نيران الترك؛ حيث لم يكن معه من المعدات الحربية سوى الرمح والسهم، وأحدقت به الجيوش العثمانية، فانضم إلى الجيش العثماني خير بك قائد الجناح الأيمن بمن معه، والغزالي قائد الجناح الأيسر بمن معه، وبقي قنسو في القلب بمن معه، وأحاطت به الأعداء فأراد أن يهرب فسقط عن جواده وهلك تحت أرجل الخيل بعد أن قاتل قتالًا تعجز عنه الأبطال، فدخلت حينئذٍ جميع بلاد الشام تحت حكم السلطان سليم، ولُقِّب في الخطبة بخادم الحرمين الشريفين سنة ٩٢٢ﻫ.

وأما الجيش المنهزم ففرَّ إلى مصر، وتجمَّع ثانيًا تحت قيادة الملك الأشرف طومان باي الذي خلَف قنسو الغوري على ملك مصر؛ فبعد أن وطَّد السلطان سليم سلطته على بلاد الشام سار قاصدًا مصر حتى أتى الخانكاه على بضع ساعات من القاهرة، وكان طومان باي لمَّا جمع جيوشه سار لملاقاة العثمانيين حتى أتى الصالحية وعسكر هناك، فلما بلغه أن السلطان سليم عرج بجيشه إلى القاهرة حتى قرب منها تاركًا الصالحية عن يمينه عاد طومان باي بجيشه لمهاجمته من الوراء، فالتقى الجيشان قرب بركة الحج في يوم الجمعة ٢٩ ذي الحجة سنة ٩٢٢ﻫ، واقتتلا قتالًا شديدًا، فأظهر المماليك بسالة عظيمة لكنهم انهزموا أخيرًا لوجود المدافع عند العثمانيين، ففروا إلى القاهرة، وأما العثمانيون فعسكروا في جزيرة الروضة، فجمع طومان باي من نجوا من جيشه، وضم إليهم عددًا كبيرًا من العُربان بعد أن أرضاهم بالمال، وهجم على معسكر السلطان سليم هجمة اليأس، فصدَّه الحرس السلطاني، فعاد إلى القاهرة وأغلق أبوابها وحصَّن شوارعها، بحيث إن السلطان سليم لم يتمكن من فتحها إلا بعد المقاومة الشديدة من طومان باي والمماليك الذين معه، فقد ثبَتُوا ثباتًا عظيمًا، وأظهروا من البسالة والإقدام ما لا مزيد عليه، فلم يُسَلَّم شارع إلا بعدَ واقعة خصوصية له، ولم يؤخذ بيت إلا بعد حصاره، وتغطَّت الأرض بجثث العثمانيين، فاقتصَّ منهم العثمانيون قصاصًا فظيعًا؛ فإنهم لما دخلوا المدينة أمعنوا فيها قتلًا ونهبًا وحرقًا، وفتحوا القلعة عنوة، وقتلوا من فيها، أما طومان باي فتمكَّن من الفرار على معدِّية قطع بها النيل إلى الجيزة، ومنها سار قاصدًا الإسكندرية، فأقام بالوجه البحري يناوش الجيوش العثمانية على الدوام لا يترك لهم هدنة ولا راحة، فعزم السلطان سليم على أن يُنهي الأمر معه، وسار قاصدًا له بأربعين ألف مقاتل، فتخلَّت العربان عن طومان باي، فلم يقدر على الاستمرار على المقاومة لقلة جيوشه، فالتجأ إلى أحد مشايخ العربان، فسلَّمه هذا بعد بضع أيام إلى السلطان سليم، فأبقاه السلطان سليم مدة عشرة أيام، وصار يجتمع به، ويسأله في أمر محصولات البلاد وخراجها وإدارتها، ثم أمر بشنقه على باب زويلة في ١٩ ربيع الأول سنة ٩٢٣ﻫ، وبقيت جثته معلَّقة مدة ثمانية أيام، ثم أمر السلطان سليم بدفنها قرب قبر قنسو الغوري، وبعد دفنه بثلاثة أيام دخل السلطان سليم عاصمة الديار المصرية ظافرًا في غاية ربيع الأول سنة ٩٢٣ﻫ، وبعد يسيرٍ نزل إلى الإسكندرية في فرقةٍ من جيوشه لوضع الحماية عليها، ثم عاد إلى القاهرة ومكث فيها إلى ٢٠ شعبان من تلك السنة، ثم بارحها قاصدًا الروملي ومعه أموال عظيمة.

ولما فُتحت الديار المصرية دخل تحت حكمه أيضًا الأقطار الحجازية لارتباطها بها، وقد كان بمصر من الخلفاء العباسيين وقت فتوح العثمانيين لها محمد المتوكل على الله؛ الخليفة الثامن عشر من الدولة العباسية الثانية، فرأى السلطان سليم أن يقبض على الأَزِمَّة الدينية أيضًا لتوطيد سلطنته، فخلعه من الخلافة وأرسله إلى الآستانة وخصص له راتبًا معينًا لنفقاته، فصارت الخلافة الإسلامية للعثمانيين من وقتئذٍ، وأول خلفائهم هو السلطان سليم، أما المتوكل على الله فقد عاد إلى مصر قبل وفاة السلطان سليم بيسيرٍ، وعاش فيها منفردًا إلى أن توفاه الله سنة ٩٤٥ﻫ، فكان هو آخر الخلفاء العباسيين.

الفصل الثاني

وفيه مطلبان:

المطلب الأول

في ذكر مصر مدة حكم الدولة العثمانية

قد دخلت مصر تحت حكم هذه الدولة سنة ٩٢٣ﻫ؛ أي بعد انتصار السلطان سليم على طومان باي وأخذِهِ منه مدينة القاهرة، واستمر حكمها بها نحو المائتين وتسعين سنة، فصار السلاطين العثمانيون يرسِلون إليها ولاةً من طرفهم حائزين لرتبة الباشاوية، بل وكان أغلبهم من الوزراء.

أما أول هؤلاء الولاة فكان خير بك أحد كبار رجال قنسو الذين انضموا إلى الجيش العثماني في واقعة مرج دابق، وقد ولَّاه السلطان سليم على مصر بلقب باشا، ولكنه لم يُصرِّفه في البلاد كيف شاء، بل جعل واجباته إبلاغ الأوامر السلطانية لرجال الحكومة وللشعب ومراقبة تنفيذها، وحدد سلطته بكونه ألَّف له مجلس شورى من ضباط الجيش الذي أبقاه في مصر، وذلك أنه أقام في القاهرة وفي المراكز المهمة من القُطر المصري اثني عشر ألف عسكري؛ منها ستة آلاف من الفرسان وستة آلاف من المشاة، وجعلها ستة وجاقات تحت قيادة خير الدين باشا أحد رؤساء الجيش العثماني، وأمره أن يقيم في القلعة، ولا يخرج منها لأي سببٍ كان، وكان على كل وجاق ضابط يُلقَّب بالأغا يصحبه الكخيا والباش اختيار والدفتردار والخزندار والروزنامجي، فمن اجتماع هؤلاء الضباط من سائر الوجاقات كان يتألف مجلس شورى الباشا، فلا يقضي أمرًا إلا بمصادقتهم، أما هم فكان لهم أن يوقفوه عن الإجراء وأن يستأنفوا إلى ديوان الآستانة عند الاقتضا، ولهم أيضًا أن يطلبوا عزله حالَمَا يشتبهون في مقاصده، ثم لأجل حفظ الموازنة بين الباشا والوجاقات جعل على إدارة الأقاليم اثني عشر أميرًا من أمراء المماليك الذين هم في الأصل أعداءٌ لكلا الفريقين، فكانت منفعتهم السياسية تحمِلهم على الانتصار للفريق الأضعف ليمنعوا الأقوى من الاستبداد، وكان هؤلاء الأمراء يُعرفون بالسناجق؛ فإن مصر كانت منقسمة إلى اثنتي عشرة مقاطعة حربية كلٌّ منها تُسمَّى سنجقلية يحكمها حاكم يقال له: سنجق أو بيك يُعينه الديوان (وهو مجلس شورى الباشا) من أمراء المماليك الذين دخلوا تحت الطاعة العثمانية، فكان الباب العالي يرى في اختلاط إدارة البلاد بهذه الصفة مصلحة له، وهي حفظ سيادته عليها، وإن كان ذلك يؤدي إلى ما يؤدي من القلاقل والمتاعب في البلاد، ولم يزل خير بك باشا واليًا على مصر حتى أدركته الوفاة سنة ٩٢٨ﻫ؛ أي بعد موت السلطان سليم بسنتين، وكانت أيامه كلها ظلمًا وجورًا وعانت منه الأهالي المشاقَّ والمتاعب العظيمة.

ولما خلَف السلطانُ سليمان أباه السلطانَ سليم على كرسي الخلافة العثمانية أكثرَ من اهتمامه بمصر وتنظيمها إداريًّا وماليًّا؛ فأنشأ بالقاهرة ديوانين تحت رئاسة الباشا الوالي يكونان مجلس شوراه؛ أحدهما يُعرف بالديوان الكبير والآخر بالديوان الصغير أو الديوان فقط؛ فالديوان الصغير كان أعضاؤه مَن تقدَّم ذكرهم، وأما الديوان الكبير فكان من أعضائه أيضًا القاضي الأكبر وأمير الحج ومشايخ المذاهب الأربعة والمُفتون الأربعة وغيرهم من المشايخ ورؤساء الأشراف، وجعل نفسه المالك لجميع أرض مصر، فصار يفرِّقها إقطاعات على مزارعين يُدعون بالملتزمين، لهم الحق في إقطاعهم إياها أيضًا، وكان الفلاحون الذين يحرثون تلك الأراضي لهم نصيب فيها يورِّثونه أعقابهم، ولكنهم كانوا مجبورين على العمل فيها بدون حق التصرف بها، وعليهم خراج يدفعونه للملتزمين، فإذا تُوفِّيَ فلاحٌ عن غير وارثٍ تُعطى أرضه للملتزم وهو يعهد بحراثتها إلى من شاء، وإذا مات الملتزم عن غير وارث تعود الأرض للسلطان، وكان على كل من الملتزمين والفلاحين خراج يدفعونه إما نقدًا وإما عينًا، فإذا تأخر الفلاح عن الدفع يُمنع من نوال نصيبه، وإذ تأخر الملتزم تؤخذ منه الأرض.

وقد جعل أيضًا السلطان سليمان باشاوية مصر سنوية فقط؛ أي إن الوالي لا يُعيَّن إلا لمدة سنة، ثم يُعزل أو تُجدَّد مدة توليته بفرمان جديد، فكثُر تغيُّر العمال عليها ومنع استتاب الراحة من البلاد سيما أن كثيرًا من هؤلاء العمال لم يحرصوا إلا على اقتناء الثروة وجمع الأموال، فتركوا الأحكام لبيكوات المماليك حتى انتزعت السلطة في البلاد من أيديهم شيئًا فشيئًا وصارت لأمراء المماليك، فصار رئيسهم المدعو شيخ البلد هو أمير البلاد الحقيقي، فلم يلبثوا أن ظهرت بينهم المخاصمات، فأشعلوا نار الحرب فيما بينهم حتى صارت القاهرة مع ضواحيها مخضبة بالدماء، ولم يتداخل الولاة فيما بينهم إلا بصفة ثانوية، بل انحازوا إلى القلعة وصاروا كأنهم لم يأتوا إلى مصر إلا لينظروا نظر الناقد المتفرج تلك المخاصمات والمحاربات الشديدة التي تقع بالقاهرة، ولم يهتمَّ أيضًا سلاطين الدولة بما يقع في مصر من الحوادث حتى وهنت سلطتهم عليها شيئًا فشيئًا كذلك.

ومنشأ تلك الحروب الداخلية أن المماليك بمصر كانوا منقسمين إلى طائفتين؛ عُرفت إحداهما بالقاسمية والأخرى بالفقارية، فظهرت العداوة بينهما في سنة ١١١٩ﻫ (أيام السلطان أحمد خان)، وحصلت بينهما وقائع أدت إلى وفاة قاسم عيواظ بيك رئيس الطائفة القاسمية، فخلَفه في مشيخة البلد مكانه ابنه إسماعيل بيك، وأقام فيها مدة ست عشرة سنة مع السلطة التامة، ثم قُتل فأعقب موته زمن فوضوية تنازع فيه السلطة جملة بيكوات الواحد بعد الآخر، وكان نزعهم إياها من بعضهم بالخيانة وفقْد الحياة، وقد نبغ من بين هؤلاء الأخلاط رجلٌ كان على جانب عظيم من الحذق والفطانة والحلم والاستقامة والعدل والشجاعة يُدعى علي بيك الكبير؛ فوصل في زمن قليل بما فيه من هذه الصفات إلى أعلى مراتب الشرف والرفعة حتى تقلَّد مشيخة البلد سنة ١١٧٧ﻫ، فطهر مصر من عُصاتها وقطع دابر المفسدين فيها. غير أن أعداءه كانوا لا ينفكُّون عن الإيقاع به عند جلالة السلطان، فبينما كان يجهز جيشًا مؤلَّفًا من اثني عشر ألف مقاتل حسب أمر الباب العالي لمساعدة الدولة ضدَّ الروسية وشى به أعداؤه إلى السلطان مصطفى الثالث بأنه يرغب الانضمام إلى الروسية لتساعده على الاستقلال بمصر، فأرسل السلطان إلى الوالي بأن يقتله ويرسل رأسه إلى القسطنطينية، فلما علم بذلك علي بيك جمع في الحال بيكوات المماليك، وأعلنوا جميعًا استقلال مصر، وأمروا الوالي بأن يخرج منها في الحال، وأخذ علي بيك في الاستعداد لمقاومة الدولة، واستقل بإدارة مصر وتنظيم حالها، وخفف الأموال على الأهالي، وخُطب له، وضرب الدراهم باسمه، ثم عزم على افتتاح بلاد الشام، فأرسل إليها أحد مماليكه المدعو محمد بيك أبو الذهب بجيش مؤلَّف من ثلاثين ألف مقاتل، فاستولى محمد بيك على جميع بلاد الشام تقريبًا في مدة قليلة، ولكنه اتحد سرًّا مع الباب العالي ضد علي بيك فجمع من هناك جيوشًا عديدة ضمها إلى جيوشه، وعاد بها إلى القاهرة لمحاربة علي بيك من قِبل السلطان، فانهزم علي بيك والتجأ إلى عكا، ولكنه عاد إلى مصر في السنة الثانية بجيش مؤلَّف من ثمانية آلاف مقاتل معتمدًا على مكاتبات وصلت إليه من بعض الجند وبعض الأمراء بالقاهرة، فعسكر بالصالحية، وهناك انتشبت الحرب بينه وبين محمد بيك، فانهزمت جيوشه حيث انضم إلى عدوِّه اثنان من قواد جيشه؛ وهما إبراهيم بيك ومراد بيك، وأما هو فأبت نفسه الفرار فبقي في خيمته يقاوم أعداءه المقاومة الشديدة مع ما أصابه من الجروح الجسيمة، ولم يؤخذ إلا بعد أن بقي غريقًا في دمه لا يستطيع حراكًا، فحُمل إلى القاهرة ومات فيها بعد بضعة أيام سنة ١١٨٧ﻫ، ثم لحِقَه أيضًا في السنة الثانية محمد بيك أبو الذهب، فتنازع السلطة بعد هذا إسماعيل بيك من جهةٍ وإبراهيم بيك ومراد بيك من الجهة الأخرى، ولكنه فاز بها أخيرًا هذان الأخيران، فحكما مصر أكثر من عشرين سنة، فأفرطا في الظلم والعدوان، وبعد أن أفنيا أموال الأهالي التفتا إلى نهب التجار الأوروباويين القاطنين في القاهرة والإسكندرية ورشيد، ولم يُجْدِ نفعًا معهما تداخُل الباشا الوالي، ولم يُصْغِ السلطان سليم الثالث إلى تشكِّيات الأهالي، ولم تُفِد تشكِّيات القناصل إلا زيادة الظلم والعدوان، فكتب حينئذٍ شارل مجالُّون قنصل فرنسا إلى مجلس النُّظار بباريس، فأرسلت حكومة فرنسا إلى مصر جيشًا فرنساويًّا تحت رئاسة الجنرال نابليون بونابارت.

وقد كان جُلُّ قصد فرنسا من هذه التجريدة أنها تحتل بتملُّكها على مصر موضعًا حسنًا يسمح لها بتهديد الإنجليز في الهند، فوصلت العمارة الفرنساوية إلى ثغر إسكندرية في ١٨ محرم سنة ١٢١٣ﻫ، وتملَّك الفرنساويون على هذه المدينة بعد مقاومة قليلة، ثم قصدوا مدينة القاهرة بجيش مؤلَّف من أربعة وثلاثين ألف مقاتل، فساروا على الشاطئ الأيسر للنيل حتى وصلوا أمام هذه المدينة بعد خمسة عشر يومًا، فقابلهم مراد بيك بجيوشه وحصلت بينه وبينهم واقعة عظيمة عند إنبابة بقرب الجيزة، فانهزم مراد بيك وفرَّ إلى الصعيد، فاقتفى أثره الجنرال ديزه أحد قواد بونابارت إلى الشلال الأول، ودخل الفرنساويون مدينة القاهرة بعد أن خرج منها الوالي مسافرًا إلى الشام بعساكر الوجاقات، فجعل بونابارت على إدارة المدينة ديوانًا مؤلَّفًا من عشرة أشخاص من أعيان البلد، ثم خرج من القاهرة لتبديد جيوش إبراهيم بيك، فوصل إلى الصالحية وتملَّك عليها، وفر إبراهيم بيك إلى بلاد الشام، فعاد بونابارت حينئذٍ إلى القاهرة، ووصله في الطريق أثناء عَوْدِه خبر موقعة أبي قير التي حطَّمت فيها العمارة الإنجليزية العمارة الفرنساوية برمَّتها، وكان سبب ذلك أن إنكلترا كانت قد أرسلت منذ خروج العمارة الفرنساوية من ميناها أحد أميرالاتها نلسون في أسطول؛ ليقتفي أثر الأسطول الفرنساوي في البحر الأبيض المتوسط، ويقاومه إذا رأى منه مسًّا لحقوق إنكلترا، فلما علم هذا الأميرال بدخول الفرنساويين في القُطر المصري حضر إلى الإسكندرية في ١٩ صفر سنة ١٢١٣ﻫ، فوجد العمارة الفرنساوية راسية في خليج أبي قبر، فهجم عليها في هذا الموضع ودمَّرها، فصارت الحملة الفرنساوية من وقتئذٍ في مقامٍ حرج.

ثم علم بونابرت أيضًا أن الدولة العليَّة سعت إلى استرجاع مصر من الفرنساويين، وبعثت إلى أحمد باشا الجزار والي عكَّا أن يرسل جيشًا لاحتلال العريش، فجهَّز حينئذٍ بونابارت جيشًا ليس للمدافعة عن مصر فقط، بل لافتتاح الشام أيضًا، فافتتح فيها بعض المدن، ولكنه لم يقدر على فتوح عكَّا لمدافعة الأسطول الإنكليزي عنها من البحر، فعاد إلى مصر بعد أن لحِقَ بجيشه العذاب الأليم لما قاساه من شدة الحر والعطش، ونظرًا لتعقُّب العمارة الإنكليزية له في البحر وتعرُّض العربان له في البر، فلم يلبث بونابارت بعد رجوعه إلى مصر أن بلغه خبر قدوم العساكر العثمانية إلى أبي قير ونزولها إلى البر فأسرع لملاقاتها بجيش مؤلَّف من ستة آلف مقاتل هزم به جيش الترك وأعدمه كُلِّيَّةً، غير أنه بعد هذا النصر بشهر تقريبًا طُلِب في فرنسا ليصادم أخطارًا أحدقت بها، فسافر من مصر تاركًا قيادة العساكر فيها إلى الجنرال كلابر أفضل قواده حزمًا وعقلًا وهَيْبةً وأنفةً وبسالةً، فاستمال هذا الجنرال الأهالي بحسن عدله وحلمه، ولكنه عرف عدم إمكان استمرار الفرنساويين على احتلال مصر، فأخذ في المخابرة مع الصدر الأعظم يوسف باشا الذي أرسلته الدولة لإخراج الفرنساويين من مصر، فعيَّنا نُوَّابًا من طرفيهما اتفقوا على معاهدة عُرفت بمعاهدة العريش؛ من مقتضاها أن الجيش الفرنساوي ينجلي عن مصر في مدة ثلاثة أشهر، ويُحمل إلى فرنسا على مراكب تركية، غير أنه لم يتم أمر هذه المعاهدة؛ لعدم قبول نواب الحكومة الإنجليزية بالتصديق عليها، فعادت البغضاء بين الطرفين، وسار كلابر لملاقاة جيش الترك، فقابله بين المطرية وسرياقوس، فانهزم جيش الترك وتقهقر إلى الوراء. غير أن شرذمة منه تقدمت إلى أبواب القاهرة متبعة شاطئ النيل، فظن الأهالي أن جيش الفرنساويين قد عُدِمَ، فقاموا على من بها من الخفر، فانحاز هؤلاء إلى القلعة، فأوقع أهالي القاهرة بالنصارى القاطنين بها قتلًا ونهبًا، فعاد كلابر من اقتفاء أثر يوسف باشا، وحاصر المدينة وجبر الأهالي على التسليم، ولكنه عوضًا عن أن يقتصَّ منهم قصاصًا فظيعًا اكتفى بأن يضرب عليهم غرامات ثقيلة.

ثم بعد ذلك بمدة قليلة وثب رجل اسمه سليمان الحلبي على الجنرال كلابر وطعنه بخنجر في صدره فمات، فصارت رئاسة الجيش للجنرال مينو، فلما وجد هذا الجنرال نفسه مجبورًا على أن يقاوم في آنٍ واحد جيش الصدر الأعظم الآتي من الشام وجيش الإنجليز الذي نزل بشاطئ أبي قير وجيشًا آخر أتى من الهند، وسار من القُصير إلى قنا، التزم بأن يعقد معاهدة الانجلاء عن مصر، فانجلى عنها سنة ١٢١٦ﻫ وحمل الجيش الفرنساوي بكافة مهماته الحربية من أسلحة وذخائر إلى فرنسا على مراكب إنجليزية، وبعد انسحاب الجيش الفرنساوي انسحب الجيش الإنجليزي، وبقيَ في مصر يوسف باشا بالجيش العثماني، فطلب قبل سفره أيضًا من الباب العالي تولية خسرو باشا على مصر، فتولَّى هذا عليها ولكنه لم يقوَ على مقاومة المماليك أيضًا، وكانوا تحت رئاسة عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي، فالتزم بالخروج من القاهرة وتولَّى عوضًا عنه بصفة قائمقام مؤقتًا بإقرارٍ من القضاة وأرباب الديوان بمصر طاهر باشا، فلاقى من المماليك أيضًا ما لاقاه سلفُه، واشتد الخصام في أيام حتى انتهى بقطع رأسه، فأصبحت مصر بغير والٍ يدير أعمالها فسنحت الفرص حينئذٍ للرجل العظيم المغفور له محمد علي باشا رأس العائلة الخديوية بإظهار فضائله وما اختُصَّ به من البسالة والإقدام.

المطلب الثاني

في ذكر العائلة الخديوية

رأس هذه العائلة هو الرجل الهُمَام محمد علي باشا، وقد وُلد هذا الشهم بمدينة قولة من أعمال الروملي سنة ١١٨٢ﻫ، من أبٍ يدعى إبراهيم أغا، كان من ضباط تلك المدينة، فتُوفِّيَ أبوه وهو في الرابعة من عمره، ثم عمُّه بعد أبيه بمدة يسيرة، فكفله حاكم مدينة براوسطا أحد أصدقاء والده، وربَّاه على استعمال السلاح، وزوَّجه وهو في سن الثامنة عشرة بإحدى قريباته، وكانت ذات يسار، فكان ذلك مبدأ ثروته، فاشتغل بالتجارة بالاشتراك مع تاجر فرنساوي من قولة، ونجح في أعماله؛ خصوصًا في تجارة الدخان الذي كان أعظم محصولات بلدته، ثم لمَّا جرَّدت الدولة العثمانية إلى مصر التجريدة التي أرسلتها لمحاربة الفرنساويين بها كان من ضمن تلك التجريدة ثلاثمائة رجل صار جمعهم من مدينة قولة، فأُرسِلوا إلى مصر تحت قيادة علي أغا ابن والي قولة برفقة العمارة العثمانية، وكان من جملتهم محمد علي بوظيفة وكيلٍ على هذه الطائفة العسكرية، فقدِم مصر سنة ١٢١٤ﻫ، وحضر موقعة أبي قير التي هُزم فيها جيش الترك تحت رئاسة مصطفى باشا، فبعد هذه الكسرة عاد علي أغا إلى بلاده بعد أن عهِدَ قيادة فرقته إلى محمد علي، فارتقى هذا إلى رتبة البكباشي، ثم دخل في خدمة خسرو باشا حين تقلَّد ولاية مصر من لدن الدولة العثمانية، ولم يزل يتقدم بسبب كفاءته إلى أن ارتقى إلى رتبة أمير اللواء، فظهر حينئذٍ في ميدان الظهور.

وكانت الدولة العليَّة قد أصدرت أوامرها إلى خسرو باشا بإبادة من بقي من المماليك بمصر وقطع دابرهم على قدر الإمكان، فجرَّد تجريدة وجَّهها على كلٍّ من رئيسَيها الأصليَّين عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي، فانهزمت هذه التجريدة عند دمنهور شرَّ هزيمة، وكان انهزامها قبل وصول محمد علي ورجاله إلى الموقعة، فاتهمه قائد الحملة ونسبَ كسرها إلى تأخيره، وشكاه إلى خسرو باشا، فانتهز الباشا فرصة هذه التهمة، وأراد أن يفتك به لِمَا شاهده من ازدياد نفوذه، ولكنه اتفق في ذلك الوقت قيام العسكر لتأخُّر صرف جماكيهم، فعمدوا إلى الثورة والهيجان، وتمكَّنوا من أخذ القلعة بالقوة وجبروا الوالي على الفرار منها، فتقلَّد ولاية مصر مكانه طاهر باشا رئيس العسكر المتمردة، ولكنه لم يمكنه أن يفي للعسكر بمطلوباتهم أكثر من خسرو باشا، فقتلوه في داخل قصره، فطلب الينكشارية تولية أحمد باشا، فلم يرغب محمد علي بذلك، وكان قد ملك القلعة ومعه رجاله الأرناءوط، فكاتب عثمان بيك البرديسي وإبراهيم بيك من رؤساء المماليك، واتحد معهما على إخراج أحمد باشا من المدينة، فأرسلوا له بالخروج منها، فلم يسعه إلا امتثال الأمر، ثم اتفق محمد علي مع عثمان بيك البرديسي على محاربة خسرو باشا، فحصره البرديسي بدمياط وأسَرَه هناك وأتى به إلى القاهرة وسلَّمه لإبراهيم بيك سنة ١٢١٨ﻫ، ولما بلغ هذا الخبر مسامع الدولة أرسلت إلى مصر علي باشا الجزايرلي ليجلس مكان خسرو باشا ويقتصَّ من الجانين، ولكن سوء تدبيره أوقعه في أيدي المماليك فقتلوه، وفي خلال تلك المدة كان عَوْد محمد بيك الألفي من إنكلترا، حيث كان استصحبه معه جيش الإنكليز عند خروجه من مصر أملًا في تنقيص قوة البرديسي، فاجتهد محمد علي في إيجاد الشقاق بين الألفي والبرديسي ووقوع الحرب بينهما، ففرَّ الألفي إلى الصعيد، ثم التزم البرديسي أيضًا بالخروج من القاهرة لقيام العسكر والأهالي عليه، فصارت جميع السلطة لمحمد علي، واتحدت معه جميع القوة العسكرية والملكية، فأراد أن يعيد خسرو باشا لولاية مصر، فأبى الأرناءوط وذهبوا به إلى رشيد، ومنها سافر إلى القسطنطينية، فجمع محمد علي المشايخ والعلماء وتشاور معهم في تولية خورشيد باشا والي الإسكندرية ولاية مصر، فوافقوه على ذلك، وطلبوا أن يكون هو كتخدا له؛ أي بصفة قائمقام، وكتبوا إلى الباب العالي بذلك فأقر عليه، وذلك سنة ١٢١٨ﻫ، فاستقدم خورشيد باشا فرقةً من العساكر الدالتلية أو الدلاة (نوع من الجنود الأجرية) خوفًا من الأرناءوط، فأكثر هؤلاء من النهب والسلب في المدينة ولم يُرجعهم خورشيد باشا، فسئمت نفوس الأهالي، فقاموا على خورشيد باشا وعزلوه، وطلبوا تولية محمد علي مكانه فامتنع أولًا ثم رضي، فكتب المشايخ والعلماء بذلك إلى الباب العالي، فصدرت الإرادة السنية بفرمان يأذن له بتولية الديار المصرية سنة ١٢٢٠ﻫ.

وأما خورشيد باشا فبقي منحازًا في القلعة إلى أن جاءه مندوب مخصوص من الآستانة يأمره بأن ينزل عن منصب الولاية لمحمد علي ويتوجه إلى الإسكندرية، فلمَّا علِمَ محمد بيك الألفي بتولية محمد علي باشا على الديار المصرية اغتمَّ كثيرًا، وتعاهد مع دولة الإنكليز على أن تساعده على خلع محمد علي، وأن يتولى مكانه على الديار المصرية وهو يُسلم إليها السواحل المصرية، فاجتهد سفير إنكلترا بالآستانة في هذا الأمر، وضمِن للدولة العليَّة مبلغ العوائد المرتبة لها على الديار المصرية بشرط إعادة طائفة المماليك بها كما كانوا تحت رئاسة محمد بيك الألفي، فأجابت الدولة العليَّة هذا الطلب، وأرسلت إلى مصر سنة ١٢٢١ﻫ أسطولًا وفيه موسى باشا والي سلانيك؛ ليتولى على مصر بدل محمد علي باشا، ويسافر محمد علي إلى سلانيك ليكون واليًا عليها بدلًا عنه، فأظهر محمد علي الامتثال لهذا الأمر، ولكن المشايخ والعلماء كتبوا محضرًا إلى السلطان يعدِّدون فيه أوجه تضرراتهم من دولة المماليك ويتلمَّسون به إبقاء محمد علي باشا واليًا عليهم، وكانت في أثناء ذلك الوقائع جاريةً بين محمد علي باشا والمماليك بجهتَي البحيرة والصعيد؛ فإن محمد بيك الألفي كان معسكِرًا بالبحيرة؛ ليتمكن من المخابرة مع سفير إنكلترا بسكندرية، وأما عثمان بيك البرديسي وإبراهيم بيك فكانا مقيمَين بالصعيد، وقد أرسل قبودان باشا الأسطول العثماني يطلب من الألفي مبلغ الألف وخمسمائة كيس التي وعد بأدائها للخزينة السلطانية، فأجابه الألفي بأن طائفة المماليك ما دامت متركبة من ثلاث فرق فهو مستعد لأداء ما يخص فرقته من ذلك إذا كانت الفرقتان الأخريان تؤديان ما يخصهما، ولما بلغ عثمان البرديسي ما قاله الألفي أجاب بأن الألفي؛ لداعي كونه الرئيس الأكبر لجميع طائفة المماليك، يقتضي أن يكون هو الملزَم دون غيره بدفع المبلغ المطلوب، فلما بلغ قبودان باشا خبر جوابهما تحقق الخلاف الواقع بينهما، فاستشاط غضبًا وانعطف نحو محمد علي باشا وألقى سمعه لنصيحة قنصل فرنسا الذي كان يُعضد محمد علي باشا، واجتهد أيضًا سفير فرنسا بالقسطنطينية في تفهيم الباب العالي بحقيقة الحال، فصدرت الأوامر إلى القبودان باشا بتفويض إليه إجراء ما يقتضي مع مراعاة المصلحة السلطانية، فدخل القبودان باشا حينئذٍ في باب المكالمة مع محمد علي باشا، واستقر الحال بينهما على أن يصدر إلى محمد علي باشا فرمان جديد بتقريره في ولاية مصر، بشرط أن يدفع لخزينة الدولة مقدَّمةً مبلغ أربعة آلاف كيس، وعلى ذلك سافر القبودان باشا من الإسكندرية، وبعد شهر من تاريخ سفره ورد لمحمد علي باشا فرمان التقليد الجديد سنة ١٢٢١ﻫ، فتمكنت شوكته وصَفَا له الوقت؛ سيما بموت عثمان بيك البرديسي ومحمد بيك الألفي في وقت متقارب في السنة المذكورة.

إلا أن دولة إنكلترا لما رأت هبوط مسعاها لدى الدولة العليَّة ونفوذ دولة فرنسا لا زالت مصممة على تعضيد المماليك، فأرسلت إلى مصر سنة ١٢٢٢ﻫ أسطولًا إنجليزيًّا فاستولى على الإسكندرية، وخرجت فِرقةٌ من الإنكليز للتملُّك على رشيد فانهزموا شر هزيمة، ثم مزَّقت جيوشَهم أيضًا عساكرُ الأرناءوط كل ممزق، فالتزموا بعقد الصلح مع محمد علي باشا، وسافروا إلى بلادهم.

ولما أَجبرَ محمد علي باشا الإنجليز على الإقلاع من الديار المصرية التفت إلى إصلاح الأحوال الداخلية، وكان إذ ذاك قد استفحل أمر العرب الوهابية بالأقطار الحجازية، فاستولوا على الحرمين الشريفين، وقطعوا الطريق على الحجاج والمسافرين، فصدرت إليه الأوامر السلطانية بتوجيه تجريدة لمحاربتهم وتخليص مكة والمدينة من أيديهم، فاهتم محمد علي باشا بالأمر، واجتهد في إنشاء عمارة مصرية بالسويس لتحمل عساكره إلى الأقطار الحجازية، ولكنه خشي بأس المماليك وخاف شرَّهم بعد سفر العسكر الأرناءوط من القاهرة، فاجتهد في قطع دابرهم أولًا وإهلاكهم عن آخرهم؛ ولأجل إتمام هذا الغرض دعاهم سنة ١٢٢٦ﻫ إلى قلعة الجبل لحضور تقليد ولده طوسون باشا بقيادة جيش الحجاز وعقد موكبًا لهذا القصد، فلما اجتمعت جميع المماليك بالقلعة بدت إشارة فأُغلِقت عليهم أبوابها وضربت عليهم عساكر الأرناءوط بالبنادق من أبراج القلعة وكانوا كامنين لهم فيها، فقتلوهم عن آخرهم، ثم سافر طوسون باشا بتلك الحملة إلى ينبع، واستخلص المدينة ومكة من الوهابيين، ولكن رئيسهم سعود حضر بنفسه وحاصر المدينة، فأرسل طوسون باشا إلى أبيه فحضر محمد علي باشا بنفسه إلى الأقطار الحجازية، وعزل الشريف غالب عن ولاية الحرمين الشريفين وولَّى غيره، وصادف أن مات الأمير سعود، وتولَّى على الوهابيين ابنه عبد الله، وما كان في الكفاءة والفضل مثل أبيه، فانهزم الوهابيون في عدة وقائع، وكاد أن يفتح محمد علي باشا جميع الأقطار الحجازية، لولا أنه التزم بالعَوْد إلى مصر سريعًا لأمور مهمة؛ وذلك أنه لما فتح المدينة بجنوده كان قد أرسل الخبر بذلك إلى إسلامبول على يد رجل يُدعى لطيف باشا كان متقلدًا بوظيفة خزندار، فسعى هذا الرجل عند أرباب الدولة بالإيقاع بمحمد علي باشا وتعهَّد بقلعه عن منصبه إذا كانت الدولة تساعده، فصغت الدولة إلى طعنه وأرسلته إلى مصر وبيده خط شريف بتقليده ولايتها، فلما حضر إلى مصر أظهر هذا الفرمان وقت تغيُّب محمد علي باشا في الأقطار الحجازية، ولكنه قُبِض عليه في الحال وقتله محمد لاظوغلي كتخدا محمد علي باشا، وكان نائبًا عنه في ولاية الأمر بمصر في مدة تغيُّبه، وكانت الدولة العثمانية أرسلت إلى الإسكندرية في ذاك الوقت أيضًا أسطولًا عثمانيًّا لتأييد سلطتها على مصر؛ فهذا الذي أوجب عَوْد محمد علي باشا سريعًا من جزيرة العرب، فلما حضر إلى مصر أخذ في تشييد الثغور المصرية وتجهيز المعدات الحربية، وأراد أن يؤسس عساكره على النظام الجديد نظام جند أوروبا، فعارضه في ذلك العساكر بالقاهرة، ولا سيما الأرناءوط، حتى آلت المعارضة إلى ثورة في القاهرة شاع خبرها في الحجاز مع المبالغة.

وكان طوسون باشا لم يزل بتلك الأقطار، وقد وقَّع على شروط بينه وبين أمير الوهابية عبد الله بن سعود من جملتها أنه يردُّ إلى الضريح النبوي الشريف ما سلبه الوهابية من الأسلاب، فترك طوسون باشا في المدن الكبيرة ما يلزم من العساكر المصريين المحافظين وعاد إلى مصر، فلم يلبث أمير الوهابية أن فسخ ذلك العقد، ولم يعمل بمقتضى الشروط التي عقدها على نفسه، فعزم محمد علي باشا على معاودة جهاده بالثاني، فأرسل إليه تجريدة تحت رئاسة أكبر أولاده إبراهيم باشا، فمزَّق هذا طائفةَ الوهابيين كلَّ مُمَزَّق، ودخل تحت طاعته عدَّةٌ من قبائل العرب، واستولى على عدة حصون، وأسَرَ أمير الوهابية عبد الله بن سعود، وأرسله إلى مصر، ومنها أُرسِل إلى القسطنطينية، فقُتل هناك، ثم عاد إبراهيم باشا إلى مصر بجميع عساكره، وقد لقَّبه السلطان بوالي مكة فعظُم قدرُهُ وارتفعت مكانته.

ولما أنهى محمد علي باشا الحرب في بلاد العرب عزمَ على افتتاح السودان وإخضاع قبائل النيل الأعلى حتى تكون عساكر الأرناءوط بعيدةً عنه دائمًا؛ ليتمكن من تدريب العساكر على النظام الجديد وإصلاح حال البلاد، فأعد لذلك حملة عسكرية قلَّد رئاستها لولده الثالث إسماعيل باشا، فسافر هذا القائد بتلك التجريدة إلى بلاد السودان سنة ١٢٣٥ﻫ، واستولى على جميع بلاد سنار وكردفان وفازوغلي، ولكنه فشا الوباء في عسكره فعاد إلى شندي، فمات فيها محروقًا.

أما محمد علي باشا فعاد إلى تدريب الجند على النظام الجديد؛ فأسَّس مدرسةً عسكرية في الخانكاه، وجعل سراية مراد بيك في الجيزة مدرسةً للفرسان، وأنشأ مدرسة للطوبجية، وبنى في سكندرية ترسخانة لعمارة السفن، وأسس فيها مدرسة للبحرية، ثم التفت إلى نشر الزراعة، فأدخل بمصر زراعات مختلفة أهمها زراعة القطن، وأكثر من غرس الأشجار لترطيب الجوِّ، وأخذ في تمهيد سبل التجارة فحفر ترعة المحمودية التي توصِّل مياه النيل إلى الإسكندرية، لتُحمل عليها التجارة من هذه المدينة وإليها، وأنشأ جملة معامل لانتشار الصناعة، وأسَّس مدرستَي الطب والأجزاجية ومستشفيات كثيرة، ومدارس لتعليم الشبان المصريين، وقسَّم القُطر المصري إلى مديريات على كلٍّ منها حاكم يُعرف بالمدير، والمديريات إلى مراكز وأقسام على كلٍّ منها مأمور. ومن أعماله المهمة أيضًا تشييد القناطر الخيرية على رأس الدلتا سنة ١٢٥١ﻫ؛ وبالجملة فقد أخذت مصر في أيامه في نشأة أخرى، ودخلت في عصرٍ جديدٍ من التمدن.

وبينما كان محمد علي باشا مشتغلًا بتلك الإصلاحات الداخلية، إذ أرسلت إليه الدولة العليَّة أن يبعث مقدارًا من العساكر المصرية لإخضاع بلاد اليونان؛ حيث كان أهلها أقاموا على الدولة راية العصيان، فأعدَّ محمد علي باشا تلك الحملة تحت رئاسة إبراهيم باشا، وسافرت من مصر سنة ١٢٣٩ﻫ، فاستتبت الراحة في كريد واضمحلت المورة وإن لم تخضع كُلِّية.

وكانت الدولة العليَّة قد وعدت محمد علي باشا بأن تُقلِّده بولاية البلاد اليونانية التي يعيدها لطاعة الدولة العثمانية. غير أنها لم تُعطِهِ إلَّا ولاية كندية أي كريد فقط، فتطلَّع لأخذ ولاية الشام بدل المورة التي التزم ولده إبراهيم باشا بتسليمها، ولم يلبث أيضًا أن حصل الخلاف بينه وبين عبد الله باشا والي عكا؛ وذلك أنه لما عصى عبد الله باشا على الدولة العليَّة، وتوسَّط محمد علي باشا في العفو عنه وعوده إلى منصب الولاية، كان قد التزم بدفع مبلغ ستين ألف كيسة تقدِمة لخزينة الدولة العثمانية، ولما لم يكن هذا المبلغ في حوزته استلف من محمد علي باشا نحو الخُمس منه، فمضى عليه أكثر من عشر سنوات ولم يردَّه، فلما كانت حرب المورة اضطُر محمد علي باشا إلى أن يطلبه لاحتياجه إلى نقود يُعِدُّ بها الحملة المتوجهة إلى بلاد اليونان، فلم يكَدْ يجيبه عبد الله باشا إلا بجواب واهٍ جدًّا، وزاد على ذلك أن ساعَدَ على تهريب البضائع من الجمارك بجهة حدود الشام من الديار المصرية، وأعان الفارِّين من الفلاحين المصريين على أن يتركوا أوطانهم الأصلية ويستوطنوا بالجهات الشامية، ولما عرض محمد علي باشا هذه القضية على الباب العالي أجابه بأن كلًّا من الشام ومصر من الولايات السلطانية بحيث يستوي لدى السلطان أن رعاياه يقيمون في أيهما شاءوا، فرأى محمد علي باشا أن يخاطب والي عكَّا آخر مرةٍ بخصوص طلب رعاياه، فأجابه بجواب ممتلئ من الكِبْر والعظمة، فشرع حينئذٍ محمد علي باشا في تجهيز تجريدة إلى بلاد الشام سنة ١٢٤٧ﻫ.

وسافرت التجريدة في البر والبحر من جهة العريش والإسكندرية، وكان على الأسطول المصري إبراهيم باشا رئيس التجريدة، فنزل بيافا واجتمع بجيش البر، واستولى في أقرب وقت على غزة ويافا وحيفا، ثم سار إلى عكَّا وتملَّك عليها أيضًا بعد أن حاصرها ستة أشهر برًّا وبحرًا، وأسَرَ فيها عبد الله باشا، وأرسله إلى الإسكندرية، ثم سار قاصدًا دمشق فاستولى عليها، وبارحها إلى حمص، والتقى هناك بالجنود العثمانية التي كانت تحت قيادة محمد باشا والي طرابلس فهزمها شر هزيمة واستولى على حمص، فخافت سوريا سطوة هذا القائد العظيم، فسلَّمت له حلب وغيرها من مدن الشام، فبعث الباب العالي حسن باشا السرعسكر بجيش عثماني لإيقاف إبراهيم باشا، فلاقاه إبراهيم باشا عند إسكندرونة وانتصر عليه، فلما رأى السلطان محمود انهزام العساكر العثمانية أرسل السرعسكر محمد رشيد باشا بجيش عرمرم، فلما علم إبراهيم باشا بهذا الخبر قام بجيوشه من أدنة وقصَدَ مضايق الطوروس، فدخل في سهول الأناضول وعسكر بجيشه في قونية منتظِرًا قدوم السرعسكر، فلما قدِمَ هذا بجيشه الجرار اقتتل الجيشان فانهزم العثمانيون، ووقع السرعسكر أسيرًا في قبضة إبراهيم باشا، ثم سار إبراهيم باشا حتى وصل إلى كوتاهية على مقربة من القسطنطينية، ففزع حينئذٍ السلطان محمود وطلب المساعدة من الروسية، فأرسلت له عشرين ألفًا من الروسيين، فتداخلت الدول إذ ذاك في الأمر، وعقدت مع إبراهيم باشا معاهدة كوتاهية سنة ١٢٤٨ التي من مقتضاها تقليد محمد علي باشا بولاية الشام مع مصر وتقليد ولده إبراهيم باشا بولاية إيالة أدنة والحرمين الشريفين.

أما الدولة العليَّة فقد أسرَّت أنها تنتقم لنفسها من محمد علي باشا متى وجدت فرصة ذلك، فصارت تجتهد غاية الاجتهاد في إعادة النظام لقوتها العسكرية وسفنها البحرية، وأخذت تحث الشاميين على العصيان، فلما أمر محمد علي باشا بجمع العساكر من جميع شبان سكان الشام ظهرت الفتن بجميع نواحي جبل لبنان، فاجتهد إبراهيم باشا في إخمادها. غير أن الدولة العليَّة كانت قد وجدت المهلة الكافية لتنظيم جيوشها، فجهزت جيشًا عظيمًا تحت قيادة السرعسكر حافظ باشا زحف به إلى الجهات الشامية، فالتقى العسكران بجهة نصيبين (وهي نزيب عند الإفرنج)، فانهزمت الجيوش العثمانية وتقهقرت إلى مرعش سنة ١٢٥٥ﻫ، واتفق أن مات السلطان محمود في ذلك الوقت وتولَّى مكانه على كرسي السلطنة العثمانية السلطان عبد المجيد، فتوسطت الدول الأوروباوية دفعةً ثانية بين الدولة العليَّة والحكومة المصرية، فأنفذت إلى محمد علي باشا معاهدة لوندرة الموقَّع عليها من دولة الإنجليز والدولة الفرنساوية ودولة الروسية ودولتَي النمسا والبروسية التي من مقتضاها أن يكون له ولاية مصر مع مزيَّة التوارث في عائلته وولاية عكَّا لمدة حياته فقط، فلم يقبل بها محمد علي باشا، فحضر الأسطول الإنجليزي إلى بلاد الشام، وتملَّك على بعض مدنها، ثم حضر إلى مصر وتَهدَّد الإسكندرية، فرأى محمد علي باشا أن الأَوْلى الإذعان إلى رأي الدولة. غير أن الدولة العليَّة امتنعت من أن تعطيه غير ولاية مصر الوراثية؛ لما رأت من تعضيد دولة الإنجليز لها، فأصدر له السلطان المعظَّم سنة ١٢٥٧ﻫ فرمانًا بولايته على الديار المصرية والأقطار السودانية مع حق الوراثة عليها لعائلته الخديوية، وتقرر الخراج السنوي ستين ألف كيسة، وأن لا يزيد الجيش المصري عن ثمانية عشر ألف عسكري يلبسون نفس ملابس العساكر العثمانية، وأن كل والٍ يتوارث الحكومة المصرية يلزمه أن يحضر إلى الآستانة العليَّة ليتقلَّد بالوظيفة من يد الذات السلطانية.

ثم استعمل محمد علي باشا مدة السنوات الأخيرة من ولايته في حُسن إدارة البلاد وترتيب مصالحها الداخلية، والتفت بالخصوص لإصلاح أحوال الزراعة والتجارة والصناعة، ولكن كان ثقل الكِبَر قد ظهر عليه وضعفت قواه العقلية، فوكَل مباشرة إدارة الأمور إلى ولده إبراهيم باشا واعتزل في سرايته حتى توفاه الله سنة ١٢٦٦ﻫ في عهد ولاية حفيده عباس باشا، فتُوفِّيَ في سكندرية بسراي رأس التين، وحُمِلت جثته إلى القاهرة فدُفنت بالقلعة بمسجده الذي بناه في جزء من موضع السراي التي كانت لصلاح الدين.

ولما ضعفت قوى محمد علي باشا العقلية واعتزل بسرايته تقلَّد بولاية مصر مكانه من لدن الحضرة السلطانية ولدُه إبراهيم باشا الذي وُلِدَ له بمدينة قولة بعد زواجه بقريبة حاكم مدينة براوسطا بسنتين، فتولَّى إبراهيم باشا سنة ١٢٦٤ﻫ في حياة أبيه، ولكنه كانت منيَّته قريبة فتُوفِّيَ بالقاهرة سنة ولايته بعد أن حكم بضعة أشهُر، ودُفِن في مدفن العائلة الخديوية بجوار الإمام الشافعي.

وقد تقلَّد بولاية مصر مكانه ابن أخيه عباس باشا ابن طوسون باشا ابن محمد علي باشا، وكان مولده سنة ١٢٢٨، وكان جدُّه يُعزُّه كثيرًا، فاعتنى بتربيته، ولما قبض على زمام الأحكام بمصر سار على مقتضى العدل والتبصر، فحافظ على النظام واستتباب الأمن والراحة في جميع أنحاء البلاد، وسهَّل طُرق التجارة بأن مدَّ بين القاهرة والإسكندرية أول خط من خطوط السكك الحديدية بمصر، وأصلح الطريق بين القاهرة والسويس، وأنشأ الخطوط التلغرافية، وأسَّس المدارس الحربية بالعباسية، ثم تُوفِّيَ في سرايته ببنها العسل سنة ١٢٧٠ﻫ، ودُفن بالقاهرة في مدفن العائلة الخديوية.

فخلَفه عمُّه محمد سعيد باشا رابع أولاد محمد علي باشا، وكان مولده سنة ١٢٣٧ﻫ، فأجرى كثيرًا من الإصلاحات والتعديلات المفيدة لإدارة البلاد، فعدَّل الضرائب، واسترجع الأطيان من الملتزمين إلى أربابها، وطهَّر ترعة المحمودية، وأتمَّ السكك الحديدية والخطوط التلغرافية التي ابتدأها سلَفُه، وساعد كل المساعدة على مشروع حفر قنال السويس، ثم تُوفِّيَ بسكندرية سنة ١٢٧٩ﻫ، ودُفن بها.

فخلَفه إسماعيل باشا ابن إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا، وكان مولده سنة ١٢٤٦ﻫ، فبذل ما في وسعه لامتداد التجارة وازدياد الصناعة وتمدُّن البلاد؛ فملأ أرض مصر بالسكك الحديدية والخطوط التلغرافية، وحفر الترع ومد مجاري المياه بشوارع القاهرة والإسكندرية، وأضاء شوارعهما بالأنوار الغازيَّة، ووسَّع فابريقات السكر التي أسسها سعيد باشا بالوجه القبلي، وأسَّس معمل الورق ببولاق ومعامل البارود والأسلحة الصغيرة بقرب طرة ولكنه لم يستعملها، وأنشأ الكتبخانة الخديوية التي بدرب الجماميز والمتحف المصري الذي كان ببولاق، ونُقل الآن بسراي الجيزة الخديوية، وابتنى المباني الفاخرة كالأوبرا الخديوية بالقاهرة وتياترو زيزينيا بالإسكندرية وغير ذلك، وساعد على انتشار الزراعة، ونظَّم المدارس على أساسات وطيدة وأصول متينة، وأسَّس المحاكم المختلطة للنظر في الدعاوى بين الأجانب والوطنيين، وافتتح قنال السويس بالطريقة الرسمية بحضور جم غفير من أمراء وملوك أوروبا، وفي سنة ١٢٨٢ﻫ نال من الباب العالي خطًّا شريفًا يأذن له بأن تكون حكومة مصر وراثية في عائلته مباشرة، وفي السنة التالية نال من إنعام جلالة السلطان عبد العزيز لقب خديوي، وهو أول من نال هذا اللقب الذي هو أرفع رتب وزراء الدولة، ثم جاءه في سنة ١٢٩٠ﻫ الفرمان الشاهاني يخوِّل له كل الحقوق المعطاة لرتبة الخديوية؛ وهي حقوق الوراثة لأول أبنائه، والاستقلال بالأحكام الإدارية، وعقد المعاهدات مع الدول الأجنبية، واستقراض القروض، وزيادة الجيش أو تقليله بحسب اللزوم، وتقدير الجزية التي تُدفع للدولة بمبلغ ١٥٠٠٠٠ كيس.

ثم إن الأعمال التي أجراها إسماعيل باشا بمصر، وإن كانت أفادت البلاد بهجةً ورونقًا، وعادت عليها بالمنافع التجارية والصحية، إلا أنها كلَّفت الحكومة مصاريف لا قدرة لها عليها، فاضطرت إلى أخذ السُّلف من الدول الأجنبية، حتى أوجب ذلك تداخُل تلك الدول في أمور المالية، فالتزم إسماعيل باشا بتسليم إدارة البلاد إلى مجلس نُظار دخل فيه عضوان أجنبيان أحدهما فرنساوي والآخر إنجليزي، ثم رغِب التخلص منهما، فأسقط تلك الوزارة وأبدلها بوزارة كلها وطنيون، فكان ذلك باعثًا على إقالته من الحكومة المصرية، فتنازل عنها سنة ١٢٩٦ﻫ لأكبر أولاده أفندينا المعظَّم محمد توفيق باشا المولود في سنة ١٢٦٩ﻫ.

فلما قام بأعباء الملك هذا الخديوي المعظَّم ذلَّل جميع المصاعب الخارجية والمعضلات الداخلية بحزمه وعزمه، وابتدأت مصر في أيامه في أن تدخل في دور جديد من السعادة وحسن الرفاهية بعد تخليصها من ديونها بواسطة قانون التصفية، ومع حصول الحوادث المهمة والخطوب المدلهمَّة أثناء ولاية جنابه العالي؛ كالثورة العرابية والحروب السودانية والأمراض الوبائية، المعلوم تفاصيل ذلك كله بما يغنينا عن بيانه هنا، فإنه لم ينفكَّ عن إصلاح البلاد ورفاهية العباد، وتشييد دعائم الأمان في أنحاء البلدان، وتنظيم المالية والإدارة والعسكرية؛ فأسَّس مجلس الشورى، وأمر بإنشاء المحاكم الأهلية ليخرج أهلها من الاستبداد ورقِّ العبودية، وقد خفَّف الضرائب على الأهالي، وأمر بتقسيط الأموال الأميرية على أقساط عديدة بحسب مواسم المحصولات؛ رغبةً منه في تسهيل دفعها على المزارعين، وقد أنشأ كثيرًا من الترع والطرق الزراعية لتسهيل المواصلات التجارية وازدياد ثروة البلاد، وشيَّد كثيرًا من المدارس، وسنَّ لها اللوائح والقوانين التي من شأنها تحسين حالة التعليم وترقِّي المعارف، وخصَّص المبالغ الوافرة لتحسين حالة الكتبخانة الخديوية، وقد ألغى العونة أي السُّخرة التي كانت حملًا ثقيلًا على عاتق المصريين من عهد الفراعنة إلى الآن، وله كثير من المآثر البهية والأخلاق المَرْضِيَّة، والفضائل العديدة والمناقب الحميدة، التي لا يسع هذا المختصَر تفصيلها، ثم أدركته الوفاة، رحمة الله عليه، فمات وهو في سن التاسعة والثلاثين من عمره في يوم الخميس ٧ جمادى الآخرة سنة ١٣٠٩ﻫ/٧ يناير سنة ١٨٩٢م عقِبَ مرضٍ مكث به سبعة أيام، فخلَفه على كرسي الحكومة المصرية أكبر أنجاله أفندينا المعظَّم عباس باشا حلمي الثاني خديونا الحالي المولود في غرَّة جمادى الآخرة سنة ١٢٩٢ﻫ/١٤ يوليو سنة ١٨٧٤م أيَّد الله تعالى ملكه بالعز والإقبال، وأدام أيامه مكلَّلة بالخير والفلاح، مؤيَّدة بالفوز والنجاح، آمين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠