الفصل الأول

في الهيكل

كان الفصل آخر الصيف، وكان الوقت عيد الحصاد تحتفل فيه الكاهنات، ثم سيدات الدولة على رأسهنَّ الملكة، وبقية الأمة وراءهنَّ، في هيكل أجكس إله القوة، وأرِس إله الحرب، وهو هيكل فخم رحيب، ووراءَه دير الراهبات متصل به، ومن الدير يدخلنَ من باب خلفي إلى قدس أقداس الهيكل.

وفي مقدم الرحبة مذبح للمحرقات وفيه موقد. وفي جهات الهيكل الأربع أعمدة ضخمة مزخرفة بنقوش بديعة. وفي زاويتي الرحبة قاعدتان مرتفعتان لتمثالي الإلهين أجكس وأرِس.

وما إن سمع الحشد الموسيقى الرخيمة من وراء قدس الأقداس حتى ارتفع الستار الذي يحجب قدس الأقداس عنهم، وبدت رئيسة الكاهنات، ووقفت في الصدر والمذبح أمامها، وتوالت وراءها الكاهنات صفين إلى جانبي الهيكل، ثم شرعنَ يرقصنَ رقصة العيد الوقورة.

ثم دخلت الملكة من يمين الرحبة تتبعها بطانتها المؤلفة من أربع وصيفات. ثم دخلت من شمال الرحبة هيئة الحكومة المؤلفة من ست وزيرات، ووقفنَ مقابل صف الملكة لدى المذابح، والجمع قدام المذبح.

وكانت رئيسة الكاهنات تلبس جلبابًا من الدمقس، طويلًا إلى ما فوق القدمين قدر عشر سنتيمترات، بنفسجي اللون، واسع الأكمام، ذا منطقة حمراء. وعنقها مطوق بطوق أحمر، وعلى رأسها قلنسوة بنفسجية تتدلى منها قدتان حمراوان من الأطلس الفاخر، تتدليان على الخدين حتى العنق.

وفي أيسر منطقتها خنجر صغير ذهبي القبضة والغمد مرصع بالجواهر، وفي يدها صولجان ذو شعبتين بحربتين. وفي قدميها حذاء بسيور. وأما سائر الكاهنات فكنَّ يلبسنَ كالرئيسة بيد أن لون الجلباب أبيض. وما هو أحمر في زي الرئيسة هو أسود في زي الكاهنات، ولهنَّ خناجر صغيرة أنيقة.

أما ثوب الملكة، فكان قصيرًا إلى وسط الساق تحت الركبة بخمسة عشر سنتيمترًا، ولونه أرجواني، وعلى رأسها إكليل من ورق الغار الصناعي، وفي منطقتها الصفراء الذهبية خنجر ذهبي مرصع، وفي يدها قوس وسهم جميلان.

وكانت أثواب حاشيتها كثوبها، وإنما كان لونها ورديًّا فاتحًا، وليس معهنَّ خناجر، ولا قسي، ولا سهام. وعلى رءوسهنَّ عصائب مزركشة.

وكانت رئيسة الحكومة تلبس كالملكة، وإنما اللون أزرق فاتح، وفي جبهات العصابات ورقتا غار أو ورقة واحدة حسب الرتبة، وفي أقدامهنَّ شبه صنادل.

وأما سائر سيدات الأمة، فكانت أثوابهنَّ بيضًا.

•••

ولما انتظم الجمع وانتهى رقص الكاهنات رنم الجمع كله هذه الترنيمة بلحن شجوي يشعر بجلال المقام، والراجح أن النغم كان نهوندًا أو عجمًا.

١

الترنيمة
فيك يا عيد الحصاد
رمز خيرات البلاد
نجتني اللذَّات مما
قد زرعنا من جهاد
كم دفنا الحَبَّ ميتًا
نال في الترب الحياة
من دفين البزر جاء
حيوان ونبات
قوَّة الأحياء فيضٌ
فاض من قلب أجكس
وبه في الحرب نلنا
النصر من كفر أرِس
قوَّة قد حرَّرتنا
من خضوع للرجال
فتمتعنا بخير الزْ
زَرع والضرع الحلال

وكانت رئيسة الراهبات والملكة تنحنيان نحو المذبح كلما انتهى دور من الترنيمة، فتحذو جميع الهيئات حذوهما.

وبعد انتهاء الترتيل، برزت رئيسة الكاهنات من صدر قدس الأقداس نحو متر إلى الرحبة، وأشارت بيدها إشارة إسكات، فصمت الجمع صمتًا تامًّا لسماع نطق الهيكل من فم الكاهنة العظمى. ثم نطقت الكاهنة التي إلى يمين الكاهنة العظمى (الرئيسة) بصوت جهوري بكل تؤدة:

سمعًا وإصغاءً لنطق الهيكل المقدس لأمة أجكس إله القوَّة، وأرِس إله الحرب. نبوءة العام الجديد لأمَّة الأمازونيات العظيمة التي دوَّخت الأقطار وخاضت البحار. أمة الإناث التي نفضت عن عنقها نير الذكور. أمة المحاربات التي حطمت قوس كيوبد إله الحب، وتقلدت خنجر أجكس إله القوة وأحرزت قوس أرس إله الحرب، ونالت إكليل الاستقلال المطلق.

سمعًا وإصغاءً لنطق الهيكل المقدس، واستيعابًا لمعناه.

وهنا تقدمت رئيسة الكاهنات خطوتين إلى الأمام، ونطقت بكل تأن بصوت جهوري: «الويل إذا تخطى جسر نهر ترمدون قمر ساطع حين يكمد القمر اللَّامع.»

ثم سكتت نحو نصف دقيقة وقالت: «والويل ثم الويل إذا انتصر كيوبد إله الحب على أجكس وأرس حين يقترن القمران.»

وفيما رئيسة الكاهنات تتلو هذه النبوءة، كانت الملكة والحاشية ورئيسة الحكومة ينتفضن فَرَقًا.

ولما انتهى نطق الهيكل حدث لغط في الجمع، وكنَّ يتهامسنَ: «الويل، الويل، لماذا الويل؟»

وقالت أمازونيا — رئيسة الحكومة — بصوت مسموع: «ماذا ارتُكب في مملكة بنطس الزاهرة المجيدة من الآثام حتى تُنذَر بالويل والثبور؟!»

وفي أثناء ذلك انحنت رئيسة الكاهنات ٣ انحناءَات ببطء لدى المذبح، ثم عادت إلى قدس الأقداس، وخرجت من الباب الخلفي إلى الدير، وحذت سائر الكاهنات حذوها.

وقبل أن تتوارى الكاهنة الأخيرة، أسرعت أوجستينا سيدة القضاء — أي وزيرته — وأمسكت بثوبها وهمست في أذنها قائلة: «بحق الإلهين أجكس وأرس يا سيدتي الكاهنة ملفينا، استوضِحي الهيكل المقدَّس عن بواعث هذه النبوءة الرهيبة.»

على أن ملفينا أفلتت من يدها مسرعة لتلحق موكب الراهبات من غير أن يبدو عليها استياءٌ كأنها تعدها وعدًا صامتًا.

أما الملكة فكانت في شديد الاضطراب، وقد أمرت أن يخرج الجمع كله حالًا. فجعلت النسوة يخرجنَ، ثم قالت الملكة للحاشية والوزيرات بصوت متهدج: إن الهيكل المقدَّس ينذر مملكة بنطس الظافرة بويل رهيب. ويلاه، أية جريمة فظيعة ارتُكبت هنا فأغضبت الإلهين العظيمين أجكس وأرس.

فقالت أوجستينا سيدة القضاء: لعلَّ في الخفاء يا مولاتي سعاية لتولية كيوبد إله الحب منصب الألوهية في بنطس إلى جانب الإلهين العظيمين.

فقالت الملكة بنزق: أبدًا، لا يمكن أن تعيش يدٌ تنصب تمثالًا لكيوبد إله الحب في هيكل أجكس وأرس، بل تعيش اليد التي تحطم تمثالًا لكيوبد.

فقالت أمازونيا رئيسة الحكومة: إن امتزاج الزيت بالماء لأيسر جدًّا من وقوف كيوبد وأجكس أو أرس في هيكل واحد.

فقالت أوجستينا سيدة القضاء: ألا يخشى أن يبنى في الخفاء هيكل لكيوبد ويعبد فيه سرًّا.

فصاحت الملكة بنزق: الويل لمن تُدخل هذه البدعة إلى بنطس.

فقالت أوجستينا: إذن يجب أن تضاف إلى دستور الدولة مادَّة تقيد الحرية الدينية، وإلَّا فلا عقاب بلا قانون.

فقالت أمازونيا: هذا التقييد مفهوم من مضمون الدستور نفسه.

– ماذا في الدستور يحرم عبادة كيوبد إله الحب؟

إن الأمة الأمازونية أخذت حريتها بالقوة لا بدلال الغرام؛ ولذلك شادت هيكلًا لأجكس إله القوة؛ لأن أجكس يمنح القوة، وكيوبد إله الحب يبددها في ساحة العشق؛ ولذلك تُحرَّم عبادته في بنطس.

فقالت فلومينا وهي مديرة الشرطة والأمن: ويحكنَّ! إن الدماء التي أراقتها جداتنا في سبيل تحطيم نير العبودية للرجال ثمنًا للحرية والاستقلال، أعاضنا عنها أجكس قوةً ونشاطًا، وظفرًا في الحروب، فماذا يمنحنا كيوبد إذا بذلنا قوانا على مذبح عبادته؟

فقالت أمازونيا: لا يمنحنا إلَّا عبودية للرجال، وذلًّا في صحبتهم، وهوانًا في مقارنتهم.

فقالت فلومينا سيدة الأمن: أجل، ما انتصرت أمة في حرب إلَّا بتأليه أجكس، وما انكسرت أمة في قتال إلَّا منذ ألهت كيوبد.

فقالت الملكة: أي وحق أرس، ما رمى كيوبد سهمًا على بطل إلَّا صرعه، وما رمى أجكس سهمًا على صعلوك إلَّا جعله بطلًا، وعندنا الشاهد على ذلك أنطونيوس كليوبترا وأكتافيوس خصمه.

فقالت أوجستينا: لذلك أقول: يجب أن يكون في القانون صريحًا في تحريم عبادة كيوبد.

فاستشاطت الملكة قائلة: من هي المرأة التي تجسر أن تقيم تمثالًا لكيوبد في بيتها، أو تبني له هيكلًا في بنطس.

فقالت فلومينا: هي المرأة الخائنة.

فقالت أمازونيا: هل في بنطس امرأة تجرأ على ارتكاب الخيانة العظمى؟

فقالت الملكة بصوت متهدج: كلَّا البتة، إن سيف النقمة مصلت فوق كل عنق يشرئب إلى هيكل كيوبد. إن هذا الهيكل في مملكة جاريجاريا لا في بنطس جارتها، وفي جاريجاريا فقط نقدس كيوبد ونعبده أسبوعًا واحدًا فقط لتجديد النسل. وأمَّا في بنطس فلن يقام معبد لكيوبد لكي لا يبنى ضريح للحرية ويُنصب ضريح للاستقلال. هذا هو دستور الدولة الأمازونية الصريح، وكل امرأة في بنطس تعرف هذا القانون بالبديهة ولا تجرأ أن تخالفه.

فقالت أمازونيا رئيسة الوزارة: لعلَّ بعض سيدات الدولة لم يعلمنَ حتى الآن أن العداء الذي نشأ أخيرًا بين حكومتنا وملك جاريجاريا كان سببه أن ذلك الملك كان يحاول إدخال عبادة كيوبد إلى بنطس؛ لكي يمهد السبيل إلى تبادل الصلات بين القطرين، ولا يخفى عليكنَّ ما في ذلك من خطر على استقلالنا، واحتمال وقوعنا تحت نير العبودية للرجال، كما كانت جدات جداتنا من زمان قبل التحرير. وما نطق الهيكل اليوم إلَّا نذير بهذا الخطر، فحذار من تسهيل السبيل لعبادة كيوبد، وتفشي الحب والغرام في قلوب الأمة.

فقالت الملكة: أجل، إن نطق الهيكل اليوم إنذار مروِّع يحتاج إلى درس وتفسير وإلى تقرير الخطة التي تتدارك ويلاته. فإلى ديوان الدولة حيث ينعقد المجلس الرسمي، يجب أن تكون الجلسة سرية. وحذار أن تتسرَّب كلمة من نطق الهيكل ونتيجة البحث فيه إلى الأمة لئلا تتضارب الأقاويل والأراجيف والتخرصات والإشاعات التي تُحدث اضطرابًا وقلقًا، وقد تُفضي إلى فوضى. فإلى ديوان الدولة أيتها السيدات.

وفيما هنَّ يخرجنَ كانت فلومينا — ضابطة الأمن — تقول: إن ما تحاذرنَ قد حدث، فما خرجت الأمة من الهيكل إلَّا والنسوة يتقوَّلنَ.

٢

وما إن خرجت سيدات الدولة حتى ظهرت رئيسة الكاهنات في رحبة الهيكل، وإلى جانبها ملفينا الكاهنة المحبوبة عند الرئيسة، والتي تعتبر كأنها كاتبة سرها، وهي التي أمسكت بها آنفًا أوجستينا، وطلبت منها الاستيضاح عن سبب إنذار الهيكل، وكانت ملفينا تقول: يظهر يا مولاتي أن بنطس المجيدة قد انغمست في حمأة الجرائم حتى كان نطق الهيكل اليوم مروِّعًا.

فقالت الرئيسة بصوت أجش ضخم كعادتها: أجل، الويل لمملكة بنطس من عبادة كيوبد إله الحب؛ لأن أجكس إله القوَّة غيور لا يطيق شريكًا له في ألوهيته، وأرس مستمد القوة منه في الحروب، فإذا سيطر كيوبد على بنطس غضب الإلهان واستردَّا قوَّتهما منا وذلت الدولة، ووقعت تحت نير العبودية للرجال من جميع القبائل، فالويل للفاجرات، الويل للمنغمسات في الشهوات.

– ويحهنَّ، وهل لكيوبد جرأة على أن يغزو مملكة بنطس وهي في حماية الإلهين العظيمين أجكس وأرس؟

إن كيوبد يسرح ويمرح الآن خِلسة في بنطس، فالويل للأمازونيات إذا استوى كيوبد في هيكل، فلسوف يتبوأ عرش بنطس قمر يكسف الشمس.

– وا ويلتاه، وا سوء المصير!

– إنَّ الهيكل لمنتقم شر نقمة، وستعلم اللواتي يرحبنَ بكيوبد أيَّ منقلب ينقلبنَ. عليك يا ملفينا أن تراقبي الدار والأديار والأسواق والأسوار، فإني أحسب حسابًا للغزاة السريين الأشرار.

٣

وكانت أوجستينا كامنة في الهيكل تسمع الحديث، ولا تراها الرئيسة ولا ملفينا، فما إن خرجت الرئيسة حتى نادت همسًا: ملفينا ملفينا ملفينا.

فارتدَّت ملفينا إلى الوراء متخلفة عن الرئيسة وقالت: ليس غير ما سمعت من فم الرئيسة.

– أليس في وسعك تسقُّط الأخبار السرية عما حدث في بنطس مما أفضى إلى هذا النطق الرهيب؟

– ليس في وسعي اليوم، ولكن المفهوم أن النطق جرى بسبب أن الحب يلعب أدوارًا سرية في بنطس مع أنه محرَّم على الأمازونيات كل التحريم إلَّا في جاريجاريا في أسبوع واحد فقط كما تعلمين، حيث تذهب الأمازونيات إلى هناك لعبادة كيوبد لتجديد النسل.

– هذا معلوم، وقد مضى ذلك الأسبوع المقدس منذ شهر، فهل تظنين أن أحد العشاق قد تبع عشيقته سرًّا ولا يزال متخفيًا في بنطس؟ أوَلا تعتقدين أن الحدود بين بنطس وجارجاريا فاصلة بالفعل بين ساحات الغرام وساحات الصيام؟

– بحسب شريعة الدولة يجب أن تكون الحدود خالية من مسارح الغرام.

فقالت أوجستينا مازحة هازلة: أي نعم، كما يخلو الجو من رطوبة الماء متى كانت الشمس ساطعة، حتى إذا غابت الشمس وانسدل الظلام تقاطرت١ الرطوبة ندى على الأزاهر.

ولا يخفى على القارئ من سياق هذا الحديث أن الراهبة والوزيرة هما على رأي واحد؛ ولهذا يستلذان هذا الحديث، ولهذا هما صديقتان تتساران بعض الأحيان. فقالت ملفينا مزكية قول وزيرة القضاء ضاحكة: ولذلك نرى الغرام دائم التقاطر هناك على أزاهر القلوب، أليست هذه طبيعة الحُباحب — أي سراج الليل — لا ترى عشاقها في ضياء الشمس الباهر، بل في ضياء غرامها تحت جنح الظلام؟

فقالت أوجستينا مستطيبة هذا السجال الشعري: إذن حيث لا تقع أشعة الشمس تتلاقى قلوب العشاق تحت أشعة الغرام، فلماذا تلام؟

فقالت ملفينا جادة: إذا ضعفت أشعة شمس الدولة عند الحدود، فهل يضعف صوت الشريعة الزاجر؟

– بل قولي صوت الطبيعة الآمر.

– إنما فارس الشريعة نشأ لكي يكبح جماح جواد الطبيعة، هذه حكمة الآلهة في صيانة قوى الأمة الأمازونية.

فقالت أوجستينا محتجة: حاشا للآلهة أن ترتكب حكمة هوجاء كهذه، إذ لا فائدة من القوى المحبوسة، أيبلغ الجواد إلى آخر شوطه وهو حبيس في إسطبله، لا بد من إطلاق قواه لبلوغ هدفه، والطريقة القويمة لتصريف القوي هي الحب.

فقالت ملفينا مناقشة: يجب أن يكون الحب تحت سلطة القانون؛ لأنه مسرافٌ نزقٌ متهوِّرٌ.

– وتنازع الحياة يستلزم النزق والإسراف والتهور، فلا حياة بلا حب.

ويحك الحب عدوُّ استقلالنا، لو اعتنقنا عقيدتك هذه لوقعت بنطس فريسة للأعداء.

فقالت أوجستينا هازئة مقهقهة: حبذا الأعداء! من هم الأعداء، أليس أقرب قبيلة لنا قبيلة جاريجاريا؟ وفيها آباؤنا وإخوتنا وبنونا، وقد ازدحمت بالذكور الذين نلدهم ونرسلهم إلى آبائهم، وقلَّت عندهم الإناث، وازدحمت بنطس بالإناث اللواتي نلدهن ونستبقيهنَّ، فإذا غزانا أهل جاريجاريا كنا نحن مفترساتهم لا هم مفترسينا.

– الويل لكِ، أتريدين أن نفترس أقرب الناس إلينا؟

– وما قولك إذا كانوا يغتبطون كل الاغتباط بهذا الافتراس؟

فقالت ملفينا متبالهة: يا لك من مماحكة! أيغتبطون في أن تكون بنطس معارك أبطال تتدقق فيها دماؤهم كالأنهار؟

فثارت أوجستينا مازحة: أي نعم، يغتبطون في أن تكون بنطس معارك غرام تتدفق قلوبها بدماء الحب.

وقالت ملفينا متمادية بالتباله، ومستلذة هذا النقاش: أوه، أهذه المعارك تعنين؟

– أي نعم، معارك الأحداق والمهج.

– هذه معارك لا نستطيع نحن الانتصار فيها، ينتصر فيها الرجال، ونصبح لهم فيها إماءً ورقيقات.

– بل يكون النصر لنا حتمًا، يدخل رجال جاريجاريا إلى بنطس مغزوين لا غازين، ويكونون لنسائها غنائم لا غانمين.

– إن تقاليدنا وتواريخ جدَّاتنا تشهد ضد هذه الأماني التي تمنينَ النفس بها. فما اعتصبت جداتنا ضد الرجال إلَّا لكي يسحقن نير العبودية لهم، فهل تريدين أن نعود إلى ذلك النير الثقيل؟!

فقالت أوجستينا جادَّة: آسف أن للتقليد سلطانًا على عقلك يا عزيزتي. عند الاختبار تجدين رجال هذا الزمن في معارك الغرام أسارى ونساءه آسرات.

– وقينا من شر نظريتك يا سيدة القضاء. أما كانت معارك الغرام تحتدم في أزمان جداتنا القديمات؟ فلماذا كانت جداتنا أسيرات لا آسرات، ورقيقات لا سيدات.

فقالت أوجستينا جازمة: كلَّا لم تحدث معارك الغرام في زمن جدَّاتنا؛ لأنهن كنَّ أسيرات، وكان الرجال يتمتعون بهنَّ بغير اقتناص كما يتمتعون بأكل الغنم والفراخ والحمام بلا اصطياد. جدَّاتنا قمنَ بنصف المهمة التي كتبت في سفر تحرير المرأة، هنَّ حررننا من العبودية للرجال، فبقي علينا أن نستعبد الرجال، ولا سلاح لاستعبادهم إلَّا سهام كيوبد.

فقالت ملفينا مضطربة: ويكِ أخاف أن كيوبد إله الحب يعيث غرامًا الآن في البلاد، ويريش سهامًا إلى الأكباد إذا كانت سيدة القضاء تتمادى بهذه الفلسفة … إلخ إني أحس بوقع سهم، فمن أية ناحية ريش هذا السهم إلى هنا؟ (ووضعت يدها على قلبها تتحسس).

فقالت أوجستينا: طبيعي أن يعيث كيوبد في بنطس ويريش السهام على الدوام؛ لأن الحب جوهر الطبيعة، فإذا عاث الجوهر في البلاد كان عيثه زهرًا جميلًا وثمرًا يانعًا.

– ولكن الحب في شريعتنا جريمة يا سيدة القضاء والعدل، فكيف نتقي هذه الجريمة؟

– هو جريمة في شريعتنا، ولكنه فضيلة في سنة الطبيعة، ولا قِبل لنا على مناهضة الطبيعة فيما هو فضيلة في شريعتنا.

– ولكن الشريعة نشأت لمقاومة الطبيعة.

– حقًّا ما تقولين. فلنرَ أيهما تغلب وتفوز أخيرًا يا عزيزتي الكاهنة التقية النقية، بالطبع لا تقصِّي نقاشنا هذا على رئيستك الكاهنة العظمى، وإن كانت قد أوصتك أن ترقبي حوادث كيوبد في بنطس، أثق أنكِ لا تقصين عليها هذا الحديث لأنك شريكة فيه.

عند ذلك باغتهما وقع أقدام، فالتفتتا إلى حيث كان الوقع، فإذا رئيسة الكاهنات بادية وهي تقول بصوت جهوري: «في الغد يكمد القمر ويُعتقل الحب، فارقُبي القمر يا ملفينا.»

ثم توارت وملفينا أجفلت وقالت: ويحي لقد سمعت كل حديثنا، وسينزل الويل علينا.

– لا تخافي، هل سجدت لكيوبد؟ إذن لم تعصي الشريعة، فلماذا تخافين؟ وأسرعت أوجستينا إلى القصر لكي تحضر مجلس الدولة.

١  سالت قطرة قطرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١