الفصل الثاني عشر

العلاقات بين العصر المتوسط الثاني في مصر وبلاد النوبة

لقد خيم على مصر منذ نهاية الأسرة الثانية عشرة عصر من أظلم عهود التاريخ المصري، فلم نعرف عن تتابع ترتيب ملوكه إلا الشيء القليل على وجه التحقيق»، ولكن على الرغم من ذلك فإن التطور السياسي في بلاد النوبة بما عُثِرَ عليه من النقوش والآثار التي وُجِدَتْ في مصر وفي بلاد النوبة السفلي و«كرمة» يمكن أن نبني خطوطه الرئيسية. والأشياء الهامة التي يمكن الحكم بها على حالة بلاد النوبة السفلى هي ما عُثِرَ عليه في حصون «الشلال الثاني»، وذلك لأنها قد أقيمت حماية للحدود في أماكن تكاد تكون قاحلة وبدونها كان لا يمكن لمصر أن تسيطر على بلاد النوبة السفلى، ففي قلعة «ورنرتي» عُثِرَ على أسماء ملوك في صورة طوابع أختام في طبقات التربة وتُؤَرَّخُ بالعهد الذي يلي الأسرة الثانية عشرة،١ وأحد هؤلاء الملوك يُدْعَى «حور-خع-پاو-سخم-رع-خو-تاوي أمنمحات سبكحتب» ويُنْسَبُ لهذا الملك نفسه أربعة مقاييس للنيل نُقِشَتْ في «سمنة» واحد منها دوَّنه المشرف على الجيش وقائد حصن «سمنة» المُسَمَّى «رن سنب»٢ وفضلًا عن ذلك ظهر اسمه على تمثال صغير مستخرج من «كرمة».٣
وهذا الملك — لا كما ذكرت ورقة «تورين»: «حور خوتاي» — لا بد أن يكون أول ملك حكم البلاد قاطبة بعد الأسرة الثانية عشرة.٤
وفي الوقت الذي تلا عهده تمزقت وحدة البلاد وحكم أجزاءها المتفرقة عدد من الملوك المحليين بعضهم معروف وبعضهم خامل الذكر، فمن حكام الوجه القبلي نعرف ملكين آخرين عُثِرَ على اسميهما في «ورنرتي» أحدهما يُسَمَّى «حور مري تاوي» ولم يعثر على اسمه إلا في هذا المكان، أما الملك الآخر فهو «حور زدي خبرو» وقد ظهر في «العرابة المدفونة» باسم «حور ددوي خبرو٥ …».
وحوالي نفس الوقت كان الملك «حور خو تاوي رع» باسمه ابن «رع» «وجاف» وهو الذي ذكرناه آنفًا على ما يظهر كان يحكم فقط الوجه القبلي. ومما جاء على تمثاله الذي عُثِرَ عليه في «سمنة»٦ نعلم أن نقطة حراسة الحدود عند «الشلال الثاني» كانت لا تزال مُحَافَظًا عليها.
وفي هذا العهد الذي أصاب فيه مصر الضعف والتفكك نجد على الرغم من ذلك أن سلطانها كان لا يزال ممتدًّا على بلاد النوبة السفلى، ثم لم تلبث أن استعادت وحدتها ثانية في عهد الملكين «نفرحتب» وأخيه «نفر رع سبكحتب» بوصفهما الحاملين لنهضة سياسية قوية في البلاد، وتدل الآثار الباقية على أنهما كانا يبسطان سلطانهما على كل البلاد. وقد وُجِدَ في «جبيل» «ببلوص» نقش يدل على أن «نفرحتب» كان له نفوذ خارج الحدود المصرية٧ وقد جاء ذكر هذا الملك في نقوش صخور في بلاد النوبة عند «الشلال الأول»، وكذلك ذُكِرَ على لوحة «بهين».٨ أما أخوه «سبكحتب» فقد عُثِرَ له على تمثال في جزيرة «أرقو» القريبة من «كرمة».٩ ولما كان وجود هذا التمثال يدل على استمرار مستودع «كرمة» حتى عهد الهكسوس فإنه بالإضافة إلى التماثيل التي وُجِدَتْ في المقابر التلية الشكل تكون معاصرة ولم تنقل إلى هذا المكان في العصر الكوشي.١٠
وهي على الأقل كآثار «كرمة» أو مائدة القربان التي وُجِدَتْ كذلك باسم «سنوسرت الأول» تُعْتَبَرُ شاهدًا على سيطرة سياسية مصرية على هذه البلاد، وقد انقطعت عنا المصادر الأثرية الخاصة بعلاقة مصر بالجنوب تمامًا في هذه الفترة، وكل ما وصلنا إلينا من عهد الملك «خع نفر رع سبكحتب» هو نقش مُهَشَّمٌ جدًّا ويحتوي على ما يظهر على إشارات إلى حرب على المزوي؛ وكذلك على بلاد «واوات»، غير أن هذه الإشارات مبهمة. هذا ويحتوي كتاب الإحصاء لشئون الحاشية١١ في بلاط اللشت وهو المعروف بورقة «بولاق رقم ١٨» — وقد كتبه كاتب يُدْعَى «نفرحتب» عاش في نفس هذا الوقت تقريبًا — على معلومات عن توريد أفراد المزوي الذين أتوا إلى مصر بوصفهم عبيدًا من بلاد «أوشق». واسم هذه البلاد جاء ذكره كذلك في كتاب «اللعنة»١٢ بجانب اسم المزوي. هذا وليس لدينا أية وثيقة عن حرب عظيمة وقعت في الجنوب. وهذان المصدران لم يذكرا لنا أي شيء تقريبًا يدل على تغير في الموقف السياسي للبلاد. حقًّا لم تدلنا الآثار المكشوفة عن المحافظة على نقطة الحدود عند «الشلال الثاني»، ولكن لدينا لوحة عُثِرَ عليها في «بهين» في مقبرة سليمة تدل على استمرار مستعمرة «بهين» في يد المصريين. وعندما تخطت السيادة المصرية عصر الضعف السابق لم يكن من المنتظر أن يحدث أي تغيير في الاتحاد الذي حصلت عليه البلاد.

ومن ثَمَّ يظهر أن العصر الذي أتى بعد الأسرة الثانية عشرة كان عصر سلام في الجنوب وكذلك تدل الآثار المكشوفة على وجود هذا الاتجاه السلمي. ونفهم من محتويات المقابر التي وُجِدَتْ في بلاد النوبة السفلى من هذا العصر على أن هذه البلاد كانت تتمتع بعصر ازدهار، ويرجع أقدم هذه المقابر إلى أواخر الأسرة الثانية عشرة كما ترجع أخرى إلى عصر الهكسوس. والواقع أن تحديد تاريخ هذه المقابر بوجه عام يُعَدُّ من الأمور الصعبة، لأن المقابر التي لدينا هي مقابر أُسَرٍ لم تُفْصَلْ محتويات كل واحدة منها عن الأخرى إلا نادرًا بسبب ما أصابها من نهب وتخريب في الأزمان القديمة.

ويمكن فقط في هذا العصر جمع الأواني الفخارية باعتبارها وحدة ثم جعل الزيادة المئوية لطراز معين من مجموعة أساسية خاصة بالدفن بمثابة نقطة ارتكاز لتأريخ تقريبي. ومن ثَمَّ نجد أن الأشكال الفخارية التي تطورت ببطء ثم بقي منها طرز خاصة هي التي تكون مميزة للعصور القديمة.١٣
وأسماء الملوك في هذا العصر قليلة، وقد وُجِدَتْ منقوشة كلها على جعارين قديمة مستعملة ثانية في مقابر أحدث عصر منها. ومن أجل ذلك يصعب استخلاص تاريخ محدد بوساطتها، وبخاصة أن التطورات منذ أفول نجم الأسرة الثالثة عشرة حتى نهاية الأسرة الرابعة عشرة كانت قد ركدت١٤ بدرجة عظيمة.
ويُلَاحَظُ أنه توجد جبانات مصرية من عهد الدولة الوسطى في «كوبان» و«عنيبة» و«بهين» وفي حصن «سمنة» و«شلفك» والأخيرتان منها لم تنشر محتوياتهما، ولذلك لا يمكن تأريخهما بوجه التأكيد. وتقع الجبانات في المستعمرات الثلاثة الكبيرة التي كان قد استولى عليها المصريون فعلًا في عهد الأسرة الثانية عشرة، وكذلك مدَّت مصر سلطانها حتى الحدود الجنوبية. والمقابر القديمة الخاصة بجبانات «كوبان» قد أرَّخَها الأثري «فرث» بنهاية الأسرة الثانية عشرة وما بعدها.١٥ وليس لدينا معيار تاريخي يقربنا من الحقيقة مثل أسماء الملوك التي على الجعارين. هذا إلى أن إعادة استعمال حجرات الدفن في عهد الدولة الحديثة قد وضعت أمامنا العقبات التي تعوقنا عن الوصول إلى رأي قاطع عن قدم القبر وتأريخه، ومع ذلك فإن هذه العقبة يمكن تلافيها لِمَا يوجد بين فخار «تل اليهودية» وفخار «كرمة» من علاقة تجعلنا نعطيه تأريخًا أحدث.
ونجد في «عنيبة» على حسب ما نُشِرَ حوالي عشر مقابر تؤرخ بالنصف الثاني من الأسرة الثانية عشرة والأسرة الثالثة عشرة والعصر المتوسط الثاني، في حين نجد عشرين مقبرة مُؤَرَّخَةً بالعهد المتوسط الثاني وبداية الأسرة الثامنة عشرة. وهذا التأريخ في تفصيله غير مؤكد كما أَكَّدَ ذلك لنا الأستاذ «ستيندورف» ومع ذلك فليس هناك شك في أن المستعمرات كانت مزدهرة في العهد الذي تلا الأسرة الثانية عشرة. حقًّا إن أسماء الملوك تكاد لا توجد في هذا العهد، ومن ثَمَّ فإنه من الصعب تحديد تاريخ للقبور القديمة وعُثِرَ على جعران في مقبرة من عهد الدولة الحديثة نُقِشَ عليه اسم ملك يُدْعَى «سخعن رع»١٦ ومن المحتمل أن هذا الملك وُجِدَ في «كرمة» ويرجع عهده إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة أو عصر الهكسوس ولا بد أن نؤكد هنا أنه لم يُعْثَرْ على أي شيء يمكن أن نستخلص منه تأريخًا من عصر الهكسوس المتأخر. أما في مقابر «بهين» فلدينا بوجه خاص جبانة «K» التي لها أهمية خاصة عظيمة، وذلك لأن موقعها داخل سور المدينة الذي أقيم على ما يظهر في عهد «أحمس الأول» مما يجعلنا نؤرخها بالعصر الذي جاء قبل الأسرة الثامنة عشرة. وكذلك لدينا بعض مقابر ضمن جبانات أخرى «J.H» في «بهين» يمكن تأريخها بعهد الدولة الوسطى والعهد المتوسط الثاني، ولكن نضرب عنها صفحًا لعدم تَأَكُّدِنَا من تأريخها الحقيقي.
ولما كان ينقصنا ترتيب الأواني الجنازية على حسب طرز الدول الحديثة فإنه لدينا من جهة أخرى أشياء باسم «أمنمحات الثالث» ولذلك أَرَّخَ الأثري «ماك ايفر» القبر «K» بالأسرة الثانية عشرة في «بهين»١٧ وهذا التأريخ قد وافق عليه الأستاذ «ينكر»١٨ وكذلك يقول إنه من المحتمل تأريخ بعض الدفنات في هذه الجهة بعهد الهكسوس في حين أن الأستاذ «ستيندورف» يُؤَرِّخُ كل هذه المقابر باستثناء المقبرة رقم “K.8” بعصر الهكسوس.
والواقع أنه ليس لدينا إلا المقبرة “K.8” السليمة وهي التي وُجِدَ فيها لوحة الملك «نفرحتب» السالف الذكر، فقد أُرِّخَتْ تأريخًا مؤكدًا، أي الأسرة الثالثة عشرة أو بعهد بعد ذلك بقليل فقد تكون اللوحة أقدم من الدفنة، ولا أدل على ذلك من أنه قد وُجِدَ خاتم في صورة جعران باسم «أمنمحات الثالث» مما يدل على استعمال شيء قديم، ولذلك فإن القبر “K.13” الذي وُجِدَ فيه خرزة عليها اسم نفس هذا الملك ليس من المؤكد أن يؤرخ بالأسرة الثانية عشرة. أما الآثار الأخرى التي وُجِدَتْ في هذا القبر فلا يمكن تأريخها على وجه التأكيد، وطراز الفخار ورقم واحد المنسوب إلى كرمة وهو القارورة العادة الخاصة بالدولة الوسطى والطراز رقم اثنين ويشمل الأطباق الخشنة المحزوزة وهي التي أكد الأستاذ «ينكر» أنها مميزة لفخار الدولة الوسطى، فقد امتد زمن استعمالها إلى ما بعد هذا العهد، فمثلًا نجد الطراز رقم واحد في المقبرة “K.8” كما نجد الطراز الأوَّل والثاني في المقبرة “K.10” بجانب فخار «تل اليهودية».١٩
ولا يمكن أن نؤرخ على وجه التأكيد أية مقبرة بالأسرة الثانية عشرة، وذلك لأن الجعارين التي وُجِدَتْ في هذه المقابر يظهر من طابعها أنها من عصر متأخر عن ذلك، ويمتاز العصر المتوسط الثاني برسوم أشكال كبيرة مثل رقم ١٠٦٩٧ من المقبرة “K.18” ورقم ١٠٨٤٦ من المقبرة “K.14” وعليها اسم الملك «كارنفروي» وكذلك النموذج الذي على شمالِي الاسم لا يمكن أن يكون طرازه مستعملًا إلا بعد الأسرة الثانية عشرة والمقابر “K.14”، “K.18”، “K.37”، “K.83” التي وُجِدَتْ فيها هذه الجعارين هي بلا شك من هذا العصر أيضًا.

وهذا التأريخ لمقابر «بهين» لا تقتصر أهميته على هذا السبب، وذلك لأنها برهنت على استمرارها، وكذلك ازدهار المستعمرة في خلال الأسرة الثانية عشرة، يُضاف إلى ذلك أن التأريخ الذي وضعه الأستاذ «ينكر» بوجه عام للأسرة الثانية عشرة كان ليقابل تأريخًا أعلى وضعه للأواني التي وُجِدَتْ هنا من أواني «تل اليهودية» وكذلك ليكون بمثابة برهان على أنها مأخوذة من أصل نوبي.

والمقابر التي وُجِدَتْ فيها هذه الأواني لا يمكن أن تُؤَرَّخَ إلا بالأسرة الثانية عشرة أو الثالثة عشرة وليس لدينا قطعة واحدة تفرض علينا تأريخها قبل الأسرة الثانية عشرة.

وكل ما وُجِدَ في «كرمة» من قطع الفخار المحزوز سبع قطع وأربع من الفخار العاري عن الزخرفة وهي بلا نزاع من مقابر على هيئة تل مستديرة ومؤرخة بالعهد الذي يلي الأسرة الثانية عشرة.

والبرهان الذي أورده الأستاذ «ينكر» على أن أواني «تل اليهودية» من أصل نوبي قد أُهْمِلَ بوجه عام.٢٠ والواقع أنه ليس لدينا شك في أنها من الواردات الشمالِية، ويحتمل أنها من منطقة سوريا وفلسطين. وعلى حسب رأي «أوتو» كان العصر الذهبي هناك يقع حوالي ١٧٥٠ق.م. ويستمر حتى بداية عهد الهكسوس،٢١ وقد عاش إلى العهد الذي بعد عصر البرنز المتوسط الثاني٢٢ وهذا يقابل الدولة الحديثة؛ وكذلك وُجِدَ فضلًا عن ذلك في مصر وبلاد النوبة، ولكن يُلْحَظُ أن هذه الأواني لم توجد بصورة قاطعة في مصر في مقابر الأسرة الثانية عشرة، إذ ليس لدينا ما يثبت ذلك. وهذه الأواني التي لا نعرف على الأقل أصلها النوبي — وهي على الأرجح ليست كذلك — لم يكن مرغوبًا فيها بوجه خاص في «كرمة» كما أنه لا يمكن وضعُها بوجه عام في ثقافة مجموعة “C” بل لا بد من وضعها في العصر الذي يلي الأسرة الثانية عشرة، كما أن المقابر التي وُجِدَتْ فيها في بلاد النوبة لا يمكن أن تُؤَرَّخَ كذلك بعصر آخر. وكذلك المقبرة التلية الشكل رقم ٤ (K.IV) في «كرمة» فإنها مثل المقابر الأخرى التي في هذه الجهة التي وُجِدَتْ فيها هذه الأواني يرجع عهدها بلا شك إلى العصر الذي يلي الأسرة الثانية عشرة. وتبرهن أواني «تل اليهودية» دون أي شك على وجود علاقة ودية بين المستعمرة المصرية في بلاد النوبة وأرض الوطن المصرية، وليس هناك أي شيء يشبه تبعية إقليمية في تطور هذه الأواني، فمن المحتمل إذن أنه قد ورد إلى «بهين» أوانٍ من سوريا وفلسطين وأعني بذلك أواني خاصة بالطعام من ذوات المقبض العمودي (وطراز رقم ٨ هو الذي له مقبض) هذا إلى الأطباق ذات القاعدة العالية،٢٣ ولكنا لا نجد من هذه الأواني، وبخاصة البسيط منها، قطعا مماثلة لا بوصفها قطع زينة ولا أطباقًا للتصدير.

ومن ثَمَّ نرى أن العصر الذي يلي الأسرة الثانية عشرة كان عند أهل الجنوب على الأرجح جدًّا عصر سلام، وكانت فيه مصر صاحبة السيادة على الأقل حتى نهاية الأسرة الثالثة عشرة، ومن المحتمل حتى بداية عصر الهكسوس ولا أدل على ذلك مما قَصَّهُ علينا «كاموس» من أن إقليم بلاد النوبة كان في هذا العصر المبكر في سلام عندما بدأ النضال في أوائل الدولة الحديثة بين الهكسوس والمصريين، وأن بلاد النوبة كانت محررة من السيادة المصرية.

فالقبور المصرية التي في مستعمرات بلاد النوبة المصرية لا يمكن أن نحصل منها على نقطة ارتكاز للتأريخ بصفة مؤكدة، وكذلك لا تقدم لنا الآثار التي عُثِرَ عليها في الحصون أي معونة في هذا الصدد، لأن تاريخها فيه شك لوجود مبانٍ من عصور مختلفة فيها. حقًّا نجد تخريبًا كبيرًا قد حدث في مباني الحصون النوبية التي من هذا العصر، ولكن يجب أن نستنبط من استمرار وجودها بحالة الحفظ التي هي عليه الآن أنها لا تدل على حدوث فتح. وفضلًا عن ذلك لا نظن أنها كانت مستعمرات منفصلة عن وطنها الأصلي إلا إذا كانت قد هُوجِمَتْ وأخذت تفقد قوتها شيئًا فشيئًا حتى قُضِيَ عليها.

وفي «عنيبة» نجد بوجه خاص أن العلاقات في هذه المناسبة هامة، وذلك لأن الحصون على حسب ملحوظات الأثري «شليفس» (Schleifs) ينبغي أن تكون باقية حتى عهد الدولة الحديثة.٢٤ والبرهان على استمرار المحافظة على أعمال الدفاع تقدمه لنا الإصلاحات العدة التي عُمِلَتْ في المنحدرات التي فيها الْحُفَرُ الجافة والتي يمكن رؤيتها في كثير من الأماكن حتى الآن. ومع ذلك نفهم من كل الأماكن التي بقيت عليها الحفر بمقدار كافٍ أنها كانت في وقت ما مثل كل الحفر مملوء ثلثُها بالرمال والحصى، وأنه قد شرع في تجديد أساس لكل المنحدرات والأبراج، ولم يكن ذلك بمثابة إصلاح بل بمثابة إقامة بناء من جديد لهذه الحفر، ولذلك كان يعد عصر بناء سادس. والمنحدرات الجديدة بُنِيَتْ بناء رديئًا من أحجار خشنة القطع واسْتُعْمِلَ فيها طمي النيل بكثرة بدلًا من الملاط. وقد كانت تجدد المنحدرات بهذا النوع من الصناعة. وكانت المنحدرات الخارجية لا يُعْنَى بها أكثر من سابقتها، وذلك لأن الحافة الخارجية للحفر في وقت التجديد كانت في حالة سيئة.
وينبغي أن نقرر هنا بأنه في حالة عدم التأكد من زمن إقامة الإصلاح والتجديد، وكذلك إذا لم يُتَّبَعْ فن تجديد المنحدرات والأبراج وفن البناء المعتاد تمامًا، فإنها في هذه الحالة تكون قد أقيمت بالأحجار الخشنة التي يُسْتَعْمَلُ فيها طمي النيل ملاطًا مثل طراز مباني ثقافة مجموعة “C”.٢٥
والآثار التي وُجِدَتْ في حصن عنيبة لا تحدثنا بشيء على وجه التأكيد، كما أن فخارها لم يُنْشَرْ بعد، ومع ذلك فقد وُجِدَ هناك صورة امرأة عارية من العصر النوبي المتوسط٢٦ وتكاد تنعدم هنا تمامًا الآثار القديمة، ولم نجد إلا قطعة حجر من بناء من عمود نُقِشَ عليها بحروف خشنة بالهيروغليفية اسم الملك «سنوسرت الأول». من الدولة الوسطى.٢٧ ومن ثَمَّ نفهم أن الحجرات كانت قد نُظِّفَتْ في عهد الدولة الحديثة من القطع الأثرية القديمة.
وقد سارت الأسرة الثالثة عشرة في طريقها بعد حكم الملكين «نفرحتب» وأخيه «سبكحتب» إلى الانحلال بسرعة وقد بدأ في عهدها عصر الهكسوس. ففي الوجه القبلي كان موقف هؤلاء الحكام الأجانب غير واضح حقيقة، ولكن يمكننا أن نحكم من الآثار التي عُثِرَ عليها في «الجبلين» على أنه يجب أن يكون لهم سلطان حقيقي في عهد الملكين «خيان» و«أبو فيس عاو سر رع».٢٨ والظاهر أن تقدم الهكسوس في الوجه القبلي قد سبب سقوط الأسرة الثالثة عشرة.

وتدل طوابع الأختام في «كرمة» على أن التجارة كانت مشرقة في «كرمة» في عهد الهكسوس، بل كانت فضلًا عن ذلك تجارة الجنوب تحت حماية حكام الهكسوس؛ وبغير ذلك لا يمكننا أن نفسر وجود أسماء ملوك الهكسوس على طوابع أختام في مستودع «كرمة». ومن ذلك نستنبط أن هؤلاء الحكام، على الأقل في العصر الأول من حكمهم، كان لهم سلطان حقيقي في الجنوب من مصر، وإذا كانوا قد جعَلوا مستودع «كرمة» تحت سلطانهم فإن بلاد النوبة السفلى كانت بطبيعة الحال في قبضتهم. ولا نزاع أن كثيرًا من الأختام التي وُجِدَتْ في المقابر المصرية ببلاد النوبة السفلى هي بكل تأكيد تابعة لعصر الهكسوس، مع العلم أنه على حسب معلوماتنا حتى الآن تكاد لا توجد هناك أسماء هكسوسية. ولم يكن من المتصور قط أن يبقى مستودع «كرمة» مستمرًّا عندما كانت مراقبة أهالي بلاد النوبة السفلي قد انقطعت، وكذلك خطوط المواصلات التجارية لم تكن بعدُ في يد الحكومة المصرية، والواقع أنه في خلال العهد الأول من عصر الهكسوس قد أخذ الحاكم الأجنبي يحتل مكان الأسرة البائدة في الجنوب ويقوم بدورها السياسي، غير أن الحكومة المصرية في هذا العهد لم تفقد كل سلطانها.

والظاهر أن الهكسوس لم يكن في مقدورهم أن يمدوا سلطانهم مدة طويلة في الوجه القبلي، إذ أخذ صغار الحكام المختلفين في البلاد يعارضون سلطان الهكسوس بشدة إلى أن أقام أهالي إقليم «طيبة» وأسسوا الأسرة السابعة عشرة التي احتلت مكانة ممتازة في الصعيد، وفي هذا الوقت كان الانحلال السياسي في الهكسوس، وكذلك بين صغار ملوك الأسرات في الوجه القبلي قد أضعف سياسة مصر الخارجية بقوة، وبذلك اضمحلَّت تجارتها مع الجنوب. وتدل الآثار التي وُجِدَتْ في «كرمة» في هذا العهد على أن مستودع «كرمة» كان قد قُضِيَ عليه وأصبح خرابًا، وكذلك نجد أنه في نفس الوقت تقريبًا كانت مصر قد فقدت سلطانها على بلاد النوبة السفلى، وذلك عندما أصبحت هذه المستعمرة لم يعُد بعد مستعمروها يَلْقَوْنَ العون الْجِدِّيَّ من أرض الوطن وتُرِكُوا هم وحظهم.

وهذا التغير السياسي في بلاد النوبة السفلى نشاهده في المواد الأهلية التي عُثِرَ عليها هناك. وذلك أن وجود فخار «كرمة» في ثقافة مجموعة C المتأخرة.٢٩ ووجود مقابر فردية من طراز مقابر «كرمة» الخالصة يعد دليلًا واضحًا على انعدام وجود حواجز الحدود عند «الشلال الثاني». ومما يُؤْسَفُ له جد الأسف أن الآثار التي وُجِدَتْ عن أواخر عهد تاريخ «كرمة» لم تُنْشَرْ بعد، غير أن إحدى الجبانات الحديثة فيها وُجِدَ أنها تحتوي على فخار يشبه فخار أواخر عهد ثقافة مجموعة C.٣٠ وهذا دليل آخر على هذا الاتجاه.
وفي خلال كل الوقت الذي كانت فيه السيادة المصرية — كما أكدنا ذلك من قبل — قائمة، كانت ثقافة مجموعة C عند المصري من جهة أخرى كاسدة، وعندما لوحظ أول نهوض جديد لثقافة مجموعة C المتأخرة وهي التي تتميز بالمقابر التلية الضخمة التي لها مقاصير مشيدة باللبنات وبها الأواني الفخارية الجميلة المحزوزة المصور عليها نماذج ذات ألوان مختلفة، فإن ذلك يجعلنا نرى فيها علامة على وجود معارضة متزايدة لمصري الأقاليم المنعزل في «كرمة».

نجد فيما بعدُ قيام حركة تمصير للثقافة الوطنية في بلاد النوبة السفلى واسعة النطاق، وكان النوبي بلا شك في هذا الوقت دائمًا مستقلًّا عن مصر إلى أن انتهى به الأمر أن خلع عن نفسه تمامًا النير الأجنبي، وهذا التطور الثقافي لا يكاد يرجع إلى حركة هجرة مصرية. والرأي القائل إن سيادة الهكسوس في مصر قد أدت إلى هجرة عدد عظيم من المصريين إلى بلاد النوبة رأي خاطئ، وذلك لأن الهكسوس الأُوَلَ كان لهم فيما نرجح سلطان حقيقي على بلاد النوبة، في حين أنه فيما بعدُ قد أخذت من جهةٍ سلطةُ الهكسوس في الوجه القبلي تختفي، ومن جهةٍ أخرى كان المصري دائمًا أكثر حرية، وأخيرًا قد أصبح سياسيًّا غير تابع لأحد.

وليس لدينا معلومات أكيدة من عهد الهكسوس المتأخر ولا من عهد الأسرة السابعة عشرة عن نشاط مصر السياسي في الجنوب، ومن ثَمَّ نفهم جليًّا من قصة «كاموس» أن بلاد النوبة في نهاية الأسرة السابعة عشرة كانت دائمًا بلادًا حرة مستقلة يُمْكِنُهَا عقد المحالفات مع البلاد الأخرى، يضاف إلى ذلك أنه قد عُثِرَ في «بهين» على لوحة٣١ تشمل على ما يُظْهِرُ تاريخ حياة مصري كان في خدمة حاكم مستقل لبلاد «كوش» وهذه اللوحة من الأهمية بمكان لأنها تلقي ضوءًا جديدًا على متون أخرى من نفس العصر. واللوحة محفوظة الآن بمتحف «الخرطوم» وأعلاها مستدير وزينتها تقليدية وكذلك النصف الأول من المتن، الذي يحتوي على اثني عشر سطرًا ألفاظه تقليدية وهاك النص: «قربان يقدمه الملك لأوزير رب «بوصير» الإله العظيم رب العرابة ولحور رب البلاد الأجنبية ليقدما قربانًا يحتوي على خبز وجعة وثيران ودواجن وكل شيء طيب وطاهر مما يعيش عليه إله، مما توجده السماء وتصنعه الأرض ويجلبه النيل بمثابة قرباته الطيبة لروح الموظف «كا». إنه ابن بنته الذي يجعل اسمه يعيش (أي اسم الموظف) «ياح وسر». يقول «إني خادم شجاع لحاكم «كوش» إني غسلت قدمي في مياه «كوش» وأنا في ركاب الحاكم «نزح» وقد عدت صحيحًا مُعَافًى إلى أسرتي».
وهذه اللوحة السالفة تشبه لوحة «بهين» لصاحبها «سبدحر» وهي محفوظة الآن بمتحف «فلادلفيا»٣٢ وهاك ترجمتها: «قربان يقدمه الملك «لبتاح سكر» (أوزير) رب «بوصير» الإله العظيم سيد «العرابة» ولحورسبد «بهين» وملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاورع» المبرأ والآلهة الذين في «واوات» ليقدموا دعاء يحتوي على خبز وجعة وثيران ودواجن وأواني مرمر وملابس (؟) وبخور ومسوح وقربان من الطعام وكل الأشياء الطيبة النقبة … مما تعطيه السماء وتنتجه الأرض ويجلبه النيل قربات طيبة من الطعام لروح قائد «بهين» «سبدحر» العائش ثانية (المرحوم). يقول لقد كنت قائدًا شجاعًا «لبهين» ولم يفعل قط قائد ما فعلته، لقد بنيتُ معبد «حور سبد» صاحب «بهين» إرضاءً لحاكم «كوش».
وتدل شواهد الأحوال على أن نفس المقدمات التي اسْتُعْمِلَتْ في تأريخ لوحة «الخرطوم» رقم ١٨ تنطبق كذلك على هذا المتن الأخير، وعلى ذلك فإن لوحة «سبد حر» ينبغي أن تُؤَرَّخَ على أغلب الظن بالعصر الذي يقع بين الأسرتين الثالثة عشرة والثامنة عشرة، وفضلًا عن ذلك فإن مركز حاكم «كوش» في كل من المتنين يجعل تأريخهما بالعصر الذي كانت فيه بلاد النوبة حرة قبل إعادة فتح هذه البلاد ثانية على يد «أحمس الأول» هو أحسن تأريخ مقبول؛ ففي كلا المتنين لدينا ترجمة حياة مصري لنفسه خدم تحت إدارة حاكم «لكوش» مستقل، فكان «سبد حر» مصريًّا كما تشير إلى ذلك لوحة «فلادلفيا». والظاهر أن كل أقاربه كانوا يحملون أسماء مصرية طيبة مثل «كا» (الثور)، (وتوجد حتى الآن في المعصرة مركز ميت غمر أسرة تُدْعَى أسرة الفحل، كما توجد أسرة تُدْعَى أسرة العجيل بميت غمر) ومثل «ياح وسر»، كما جاء في لوحة «الخرطوم» رقم ١٨؛ ومن جهة أخرى يحدثنا الأثري «جوتييه»٣٣ أن «سبد حر» كان قائدًا لـ«بهين» بعد «ثورى»٣٤ الذي خدم هناك في عهد الملك «أحمس». ولم يقدم لنا «جوتييه» لتأريخه هذا دليلًا، ولكن يحتمل أنه يعتبر «ثوري» أول قائد بعد إعادة فتح بلاد السودان، ولم يشك في إمكانية أن يكون لحاكم «كوش» الوطني قائد «لبهين» قبل تلك الفترة وأن مصريًّا أقام معبدًا هناك بأمره.
وقد وجدت لوحة «سبدحر» في المستوى الذي قيل عنه إنه مستوى الأسرة الثامنة عشرة بالقرب من المعبد الذي في «بهين» غير أن ذلك لا يعني بأية حال من الأحوال تأريخه بالأسرة الثامنة عشرة.٣٥

ومن المحتمل أن الأسباب اللغوية لهذا التأريخ ليست براهين فاصلة. والواقع أنه يعد من المدهش أن حاكمًا كوشيًّا مستقلًّا يأخذ في خدمته مصريًّا بعد أن يكون النير المصري قد خُلِعَ عن أعناق النوبيين منذ زمن قصير، وأن يأمر مصريًّا ببناء معبد في «بهين» الحصن المصري القديم، ففي حالة «سبدحر» من المحتمل القول إن التعبير «حقات كاش» أي «حاكم كوش» يشير إلى الملك المصري وهو الحاكم الحقيقي لكوش بعد إعادة فتح بلاد النوبة، غير أن هذا التفسير على أية حال مستحيل فيما يخص لوحة «الخرطوم» رقم ١٨ حيث تجد اسم الحاكم قد ذُكِرَ، وهذه الحقيقة تبرهن بدون أي شك على أنه في بعض الوقت كان الحاكم الوطني لديه مصريون في خدمته.

ومن المؤكد أن صغار الملوك الوطنيين كانوا يلعبون دورًا خاصًّا في إدارة بلاد النوبة حتى بعد إعادة فتح البلاد كما سنرى بعد، ولكن هل من المقبول أنهم كانوا وقتئذٍ لهم مكانة كالتي نجدها في المتنين السالفين؟ وهل يمكن أن نزعم أنهم أرسَلوا حملات بأنفسهم أو أن القائد المصري لحصن «بهين» الذي يُعَدُّ من أقوى الحصون المصرية والمراكز الإدارية كان مسئولًا عندما كان يبني معبدًا للحاكم الوطني لكوش لا نائب الملك وبوساطته لملك مصري؟ والواقع أن رجلًا يخدم في النوبة في عهد الأسرة الثامنة عشرة كان يفضل أن يبرهن على ولائه لسيده الأعلى المصري وكان يضع متن لوحته بالطريقة التي صاغها رجل آخر في «بهين»٣٦ أو كان يستعمل كلمة «الملك» أو «جلالته» بدلًا من استعمال «حاكم كوش» فقط.

والواقع أن كلًّا من لوحة «الخرطوم» رقم ١٨ ولوحة «سبدحر» تؤرخ بالفترة المتأخرة جدًّا من العهد المتوسط الثاني وهذا هو التأريخ المقبول.

وعلى حسب هذين النقشين كانت «بهين» ضمن دائرة حكام «كوش» وكان أحدهم اسمه «نزح». والحرية التي نالتها بلاد النوبة في عهد هؤلاء الحكام لم تمكث أكثر من جيل أو جيلين.

وملوك الهكسوس العظام حتى عهد «شيشي» و«ماعت إب رع» و«يعقوب-إيل» الذين وُجِدَتْ أسماؤهم على طوابع أختام في «كرمة» يظهر أنهم حكموا حتى قبل عام ١٦٠٠ق.م. بقليل، في حين أن «أحمس» أعاد فتح بلاد النوبة السفلى في النصف الأول من القرن السادس عشر. على أن الموقف السياسي كما نعلم قبل إعادة فتح بلاد النوبة قد وُصِفَ في مخاطبة «كاموس» المشهورة لعظماء رجال بلاطه: «إلى أي حد أنا عالم بقوتي هذه عندما يكون رئيس في «أواريس» وآخر في «كوش» وأنا أجلس هنا في حلف مع أسيوي ونوبي، وكل رجل قابض على قطعته من مصر هذه؟ هذا بالإضافة إلى ما جاء في متن اللوحة المكشوفة حديثًا مما يدل على استقلال «كوش» بوصفها دولة قائمة بذاتها بجوار مصر والهكسوس، ونفهم من ذلك وجود ثلاث ممالك كبيرة: مصر الشمالِية تحت حكم ملك الهكسوس، ومصر العليا حتى «قوص» تحت حكم «كاموس»، و«كوش» تحت حكم حاكم نوبي. وكان جواب عظماء البلاط على سؤال الملك: «إن «إلفنتين» قوية» يظهر لنا أن الحدود الشمالِية لبلاد النوبة في هذه الحرب كانت عند «الشلال الأول»، وعلى ذلك فإنه من هذين المتنين بالإضافة إلى متني لوحتي «بهين» يظهر أنه من الممكن أن نستخلص أنه كان يحكم بلاد النوبة السفلى حاكم واحد. ومن المحتمل أن ذلك كان ينطبق مؤقتًا بعد إعادة الفتح، وذلك لأن لدينا متنًا متأخرًا من عهد «تحتمس الثاني» يحدثنا بأن منطقة نفوذ حاكم «كوش» كانت مقسمة خمسة أقسام عُمِلَتْ في عهد «تحتمس الأول» ولكن في هذا الوقت كان من المحتمل أن يستعمل كلمة «كوش» في معنى مختلف. وبالنسبة لقصر فترة تحرير بلاك النوبة بدرجة كبيرة فإنه من الجائز أن حاكم «كوش» «نزح» السالف الذكر كان هو الذي أشير إليه في متن الملك «كاموس» والذي أرسل إليه ملك الهكسوس يطلب إليه التحالف على مصر كما أشرنا إلى ذلك من قبل.

ويلاحظ أن العبارة التي فاه بها «كاموس»: «مصر هذه» بقدر ما تشير إلى الإقليم المصري في بلاد النوبة لم تكن بأية حال في غير محلها قط، وبذلك لأن مجموعة C النوبية كانت فعلًا قبل الأسرة الثامنة عشرة قد تمصرت لدرجة أن الأستاذ «ريزنر» في أول الأمر كان تحت تأثير أن مجموعة C كانت قد طُرِدَتْ على يد مهاجرين مصريين من الذين كانوا قد هربوا من حكم الهكسوس في مصر. وقد برهن «ينكر»٣٧ على أن هذا التمصير كان تطورًا في داخل مجموعة “C” ولم يكن سببه تغييرًا أساسيًّا في التأليف السلالي لسكان بلاد النوبة السفلى وهذا التغير السريع يمكن تفسيره جزئيًّا بحقيقة أن عددًا عظيمًا من النوبيين كانوا قد خدموا بوصفهم جنودًا مرتزِقة في جيش الأسرة السابعة عشرة في مصر ثم عادوا إلى بلادهم كما ذكرنا في غير هذا المكان. وعلى أية حال فإنه لا المزوي ولا قوم المدافن القعبية، وهم الذين يمثلون هؤلاء الجنود المرتزِقة في متن «كاموس» وفي الآثار، ليسوا على ما يظهر موحدين بقوم مجموعة “C” الذين عاشوا في بلاد النوبة السفلى.٣٨
ويُلَاحَظُ هنا أن متني «بهين» اللذين قد حللناهما هنا يمكن أن تتخذ منهما عاملًا آخر في عملية تمصير بلاد النوبة، وأعني بذلك المصريين الذين كانوا في خدمة النوبيين، إذ إن بلاد النوبة حينما أصبحت حرة وصارت المدنية المصرية منتشرة هناك كان من الطبعي أن يُرَّحَبَ بالمصريين الذين يريدون أن يخدموا الحكام الأهليين، وإذا كانت بلاد النوبة السفلى محكومة بحاكم واحد ميوله مع المصريين والمدنية المصرية فإن التغير السريع في الميول كانت بطبيعة الأحوال أكثر سهولة لتفسير ذلك، وفي هذه الأحوال يكون من الطبعي أن نبحث عن براهين تعزز ذلك في فنون التراجم المعاصرة من أقصى جزء في جنوبي مصر. ففي حين نجد لوحة «ثو» الإدفاوي التي نشرها «جاردنر»٣٩ تحدثنا أنه عمل شماله عند «أواريس» وجنوبه عند «كوش» — وبذلك حصر نفسه في مصر نفسها — نجد أنه قد لا يكون من المستحيل أن «حاعنخف» الإدفاوي٤٠ (وهو مصري آخر) كان في خدمة أحد صغار ملوك النوبة ثم عاد إلى مصر مع أسرته. والمقدمات التي انطبقت على تأريخ لوحتي «الخرطوم» رقم ١٨ ولوحة «سبدحر» هي التي تنطبق على لوحة «حاعنخف»، وهذا على ما يظهر يدل على أن لوحة «إدفو» تنتمي إلى أواخر العهد المتوسط الثاني. وبما تلقيه اللوحتان الأخيرتان من ضوء فإن التفسير التالي الذي يرتكز معظمه على تحليل الأستاذ «جن» للفقرة الصعبة جدًّا الخاصة بحياة هذا الرجل في هذا النقش يمكن قبوله وهاك الترجمة:

لقد كنت محاربًا شجاعًا وأحد الداخلين «إدفو» وقد نقلت زوجتي وأطفالي ومتاعي من جنوب «كوش» في ثلاثة عشر يومًا وقد عدت بذهب قدره ستة وعشرون دبنًا والخادمة «وشع شني»؟ ولم أترك شيئًا منه لزوجة أخرى (أي على الرغم من هذه الثروة فإني لم أتخذ لي زوجة أخرى) ولكن بدلًا من ذلك اشتريت ذراعين من الأرض وكان (لزوجتي) «حور ميني» واحد منهما بمثابة عقار لها في حين أن الذراع الآخر كان ملكي. واستحوذت على أرض مقدارها ذراع من الأرض قد أُعْطِيَ للأطفال وعلى ذلك قد كوفئت على ست السنين التي خدمتها في بلاد النوبة التي جاء منها الذهب الذي اشتريت به الأرض.

وعلى ذلك نرى بصورةٍ ما أن مخاطرة «سنوهيت» الشهيرة في أوائل الدولة الوسطى كان لها مثيلتها في الجنوب في المدة القصيرة التي استقلت فيها بلاد النوبة قبل حلول عهد الأسرة الثامنة عشرة، ولكن شتان بين القصتين، فقصة «سنوهيت» قطعة أدبية بارعة من الطراز الأول، في حين أن القصة التي نحن بصددها لا تخرج بقدر ما تصل إليه معلوماتنا عن قصة مقتضبة كُتِبَتْ بلغة حوشية ونقوس خشنة يقف أمامها المترجم حائرًا مترددًا للوصول إلى سبر غورها وإبراز معناها الأصلي.

حقًّا عُثِرَ في «المدمود» على نقش لملك يُدْعَى «سخم-رع-واز خعو-سبكساف»،٤١ تدل شواهد الأحوال على أنه في أغلب الظن من ملوك هذه الأسرة وقد جاء في هذا الأثر ما يدل على أن السيادة المصرية في بلاد النوبة السفلى قد استرجعت ثانية فقد جاء في النص: «قهر الأونتيو وضرب «كوش الخاسئة». ولكن من صيغة المنظر التقليدية — وهو يرجع إلى تقليد قديم — لا يمكن أن نستخلص منه شيئًا مؤكدًا عن سياسة مصر في جنوب الودي. وعلى عكس ذلك تمامًا تدلنا الهجرة العظيمة التي قام بها أهل بلاد النوبة نحو مصر كما يظهر ذلك أمامنا في المقابر القعبية، وهذه الهجرة كان قوامها روابط الجوار السلمية. وعلى مثل هذه الصورة — كما أوضح الأستاذ «ينكر» — نجد أن تمصير بلاد النوبة السفلى يمكن تفسيره من وجهة سيكولوجية: وذلك أن المصري إذا دخل بلاد النوبة بوصفه سيدًا أجنبيًّا شعر النوبي نحو سيده بالحقد والبغضاء ولكن عندما أصبحت السياسة في بلاد النوبة غير تابعة لغيرها، وكان فضلًا عن ذلك عدد كبير من النوبيين يرحلون إلى مصر بوصفهم جنودًا مرتزِقة أصبح الذوق المصري هو الْمُتَّبَعُ في بلاد النوبة، من ذلك أنه قد أصبح القوم في بلاد النوبة يجهزون بتوابيت الدفن على غرار الذوق المصري، وكذلك جُلِبَتِ الأواني الفخارية المصرية وقُلِّدَتْ في بلاد النوبة، كما لبس القوم ملابس مصرية، ومن المحتمل أن هذا السلوك قد بدأ به صغار الملوك النوبيين الذين رأوا أن يفعلوا ما يفعله زملاؤهم المصريون.٤٢

وهذا الرأي الأخير يحبذه الأستاذ «ينكر» إذ ليس من المستحيل في عهد الأسرة السابعة عشرة أن يحمل بعض الأمراء النوبيين الأحياء أسماءً وألقابًا مصرية. فقد عُثِرَ على جعران في «أرميني» نُقِشَ عليه كلمة «نتر» (إله) «أحمس-أنتف» وهذا يمكن أن يكون اسم أمير وطني. وهذا الاسم ليس معروفًا بين أسماء ملوك مصر. وكذلك نلحظ في البرج النوبي الواقع في بلدة «الريقة» (مركز الدر) بعض تقليد للمباني المصرية المماثلة، وذلك عندما نعلم أن هذا المبني بوجه عام يحتوي على اعتبارات كثيرة أخرى هامة بالنسبة لهذا العهد.

وهذا المبني مؤسسة كبيرة لا بأس بها إذ يبلغ طولها ثمانين مترًا وعرضها خمسة وأربعين مترًا والتصميم الأصلي مستطيل وعرض جدرانه الخارجية نحو مترين وهو يكون وحدة منفردة، وتدل جدرانه المقامة من الحجر على أنه في صورته يؤلِّف حصنًا وهو بدون شك يمثل برج أمير وطني.٤٣ ولا شك في أننا هنا أمام مؤسسة نوبية كما يدل على ذلك الفخار الذي وُجِدَ فيها وهو فخار مجموعة C العادي المختلط بقطع مصرية معتادة، هذا فضلًا عن صناعة البناء كلها وبخاصة الجدران المكوَّنة من ألواح الحجر المرتفعة يتخللها ملاط من غِرْيَنِ النيل وأحجار خشنة بمثابة حشو وجدرانها مغطاة بطبقة من الطين، وهذا الفن من المباني نصادف شبيهه في مساكن الأهالي في «وادي العرب».٤٤
وهذه المؤسسة التي كانت في الأصل منفصلة وحدها قد حرقت جدرانها، وأصبحت كأنها مبنى مزرعة. وقد أُرِّخَتْ هذه المؤسسة بعهد الدولة الوسطى، وذلك بسبب وجود جعران باسم «تحتمس الثالث» في حجرة بنيت في عصر متأخر ولكن من جهة أخرى أكد الأستاذ «ينكر» وجود فخار من الدولة الوسطى فيها وبذلك أَرَّخَهَا بالعصر المتوسط الثاني.٤٥ وقد وجد في حفرة في الجدار الخارجي في هذه المؤسسة ودائع أساس مؤلَّفة من عشرة ألواح من الفخار رُسِمَ عليها صورة رجل واقف وعلى رأسه ريشة نعام ويقبض بحبل على أسير راكع،٤٦ وهذه الآثار التي يمكن أن تتخذ لتحديد تأريخ إقامة المؤسسة لها أهمية. ولا يمكن هنا أن نعد هذه الآثار أنها آثار مصرية اسْتُعْمِلَتْ ثانية.
وقد وجد ما يشبه ذلك تمامًا في «كوبان» وفي «بهين» ففي «كوبان» وجد ذلك في أسفل طبقة بين المنزلين واحد واثنين بجوار طابع خاتم باسم «سنوسرت الثاني»٤٧ وفي «بهين» وجد هذا الشكل في أسفل طبقة (L. Stratum) في رقعة بين المعبدين تميز أن تأريخ هذا الشكل لم يكن من المستطاع. وعلى الرغم من أن هذه الطبقة (L) تمثل الأسرة الثانية عشرة فإن من الجائز أن تكون حجارتها قد اسْتُعْمِلَتْ حشوًا للمبنى في الأسرة الثامنة عشرة. ولا يوجد غير اسم «تحتمس الثالث» اسم أي ملك آخر.٤٨ فعلى حسب رأي الحفار أُرِّخَتِ القطع بالأسرة الثامنة عشرة، ولكن على حسب الآثار التي وُجِدَتْ في «كوبان» يمكن تأريخها بالأسرة الثانية عشرة وهذا على ما يظهر هو الاحتمال المرجح.

وعلى الرغم من أن «ماك إيفر» و«ولي» و«إورك بيتس» وكذلك «ينكر» يرون أن الصور الرئيسية في «الريقة» لأمير نوبي فإن «ينكر» يرى في الصورة الرئيسية التي وُجِدَتْ في «بهين» أنها لرئيس نوبي في حين أن «ماك إيفر» و«ولي» يريان أنها لمصري.

هذا وتُصَادِفُنَا صورة أخرى غير ما وُجِدَ في الحصنين المصريين «كوبان» و«بهين» وهي على لوحة وُجِدَتْ في الصحراء الغربية على مسافة عشرين كيلو مترًا جنوب غربي «أسوان» وقد كتب مع الصورة فقط تاريخ السنة الثامنة عشرة،٤٩ ولكن هذه الكتابة في الواقع مصرية دون أي شك.
وليس لدينا شك في أننا هنا أمام صورة مصرية فالرجل الواقف وهو المنتصر يجب أن يُفَسَّرَ بأنه مصري، ولكن كونه في «الريقة» ومثل لابسًا ريشة نعام على رأسه لا يمكن أن يُقال إنه هنا من أصل نوبي لأن مثيله في الصورة التي عُثِرَ عليها في «بهين» و«كوبان» لا يلبس هذه الريشة. وهذا التفسير يظهر طبعيًّا عندما يفكر الإنسان في أن الصورة في «بهين» رقم ١٠٩٣٣ قد رُسِمَ فيها الشكل الرئيسي مثل الصورة الهيروغليفية التي تمثل الجندي، وأن هذه الصورة الهيروغليفية كانت لا تزال في عهد الأسرة الثامنة عشرة تُمَثَّلُ أحيانًا في صورة جندي٥٠ واقف. فإذا كان الشكل الرئيسي مصريًّا فلا بد أن يكون الأسير عدوًّا للمصري، والعلامة التي مع العدو يمكن تحديد معناها بأية حال. ففي صورة «بهين» نجد العلامة هي علامة «أمنت» (الغرب) أو علامة تدل على صورة معزى. وفي «كوبان» نجد علامة «أمنت» وكذلك صورة المعزي أو الثور، وفي القطعة المستخرجة من «الريقة» يحتمل وجود رسم معزي على الرغم من أن الرسم غير واضح.٥١
فعلامة «أمنت» (الغرب) يمكن أن تُفَسَّرَ بأنها انتصار على البدو سكان الصحراء الغربية، كما أن صورة الحيوان التي توجد فوق رأس الأسير يمكن أن تُمَثِّلَ عدوًّا، ويمكن أن تكون علامة هيروغليفية تدل على قوم أجانب أو تدل على معنى جغرافي ليس بمعروف لدينا، وعلى ذلك يمكن أن تدل على نوع من الشارات التي يُرْمَزُ بها للقبيلة. والآن نعرف أن الجزء الأعظم من أفراد مجموعة C كانوا يعيشون على رعي الماشية ولذلك نجد الثيران والماعز والغزلان كانت تلعب دورًا هامًّا في الشعائر الجنازية الخاصة بالقبائل النوبية، ولا أدل على ذلك من القربان الذي كان يُقَدَّمُ من هذه الحيوانات، هذا فضلًا عن النماذج المصنوعة من الفخار التي تمثل حيوانات مودعة في القبور وهي بلا شك تمثل صورًا سحرية، ويضاف إلى كل ذلك صور بقرات وُجِدَتْ على لوحات للأهالي.٥٢
ومن هنا كانت الحيوانات التي وُجِدَتْ مُصَوَّرَةً على ألواح الفخار في الواقع شارات قبائل تدل على قبائل نوبية، والصور التي مع هذه الشارات تفسر الانتصار على هؤلاء النوبيين.٥٣ على أن وجود مثل هذه الصور في برج نوبي في «الريقة» يمكن أن يُتَّخَذَ دليلًا مضادًّا للتفسير السابق، ولكن الصورة في تكوينها مصرية تمامًا، ولا يمكن أن تكون بأية حال نسخة صُنِعَتْ محليًّا في بلاد النوبة، يمكن أن تكون صورة مصرية قد أُعِيدَ استعمالها، وأن معناها الأصلي لم يفهمه صاحب البناء إلا نصف فهم، أساء استعمالها لنفسه تقليدًا للمصري. ولدينا أمثلة من هذا التقليد الأعمى للمصري دون فهم أي معنى له ما وُجِدَ من كتابات مصرية قديمة لا معنى لها في مقابر أفراد من أهالي بلاد النوبة من هذا العهد؛ وهذه الألواح الخزفية التي تظهر من شكلها أنها قطع مصرية أُعِيدَ استعمالها لا يمكن أن يُعْتَمَدَ عليها اعتمادًا مباشرًا في استخلاص تأريخ المكان الذي وجدت فيه، غير أن استعمالها كان في الوقت الذي سبق تمصير مجموعة C مباشرة. أما عن وجود مؤسسة مثل التي كانت في «الريقة» فإن الفكرة السياسية لها لا توجد إلا في وقت يكون فيه النوبيون أحرارًا أي في وقت لم يكن المصري في قدرته أن يعوق أميرًا من أهل البلاد أن يؤسس لنفسه بيتًا وطيد الأركان. وعلى ذلك فإن انقلاب المؤسسة السابقة الذكر إلى مزرعة مفتوحة يُعَدُّ إصلاحًا قام به المصري بعد إعادة فتح البلاد ممَّا يدل على أنه لم يعد يطيق رؤيته، ومن المحتمل أن هذا يدل على ما كان يسود البلاد من سلام وهدوء.
ومن المحتمل أنه كان يوجد في بلاد النوبة السفلى مؤسسات أخرى من هذا النوع، ولكن الذي كان في «الريقة» هو المؤسسة الوحيدة الكبيرة الحجم التي نشرت. وقد جاء ذكر مختصر لمستعمرة على مسافة ٣٠٠ متر شمالِي «عنيبة»٥٤ وكذلك من بقايا مباني في «مصمص» وهما يدلان على أنهما يشبهان مؤسسة «الريقة» ومع ذلك بقي مبهمًا إذا كان كل منهما مستعمرة مفتوحة أم لا.
هذا ونجد أن المصري في الجزء الأخير من النصف الثاني من العهد المتوسط الثاني قد نزل عن الحدود الجنوبية عند «سمنة» وهي التي كانت تُعْتَبَرُ الحد الفاصل بين مصر والسودان، وبذلك أصبح المرور عند هذه النقطة حرًّا، ويدل على ذلك ما جاء في لوحة «كاموس» إذ ذكر فيها أن الحد الفاصل بين مصر وبلاد النوبة هو الشلال الأول، وعلى ذلك فإن الهجرة العظيمة التي كانت تتدفق من بلاد النوبة إلى مصر قد أصبحت منتظمة. ومقابر مجموعة C الموجودة «بالكوبانية» يُنْسَبُ الجزء الأعظم منها إلى عصر مبكر مما يوضح لنا بجلاء أن هذه البقعة القديمة التابعة للمقاطعة الأولى من مقاطعات الوجه القبلي، والتي يرجع أصل أهلها إلى قبيلة تُنْسَبُ إلى بلاد النوبة السفلى لم تكن مفصولة بحدود بين البلدين، ولم يكن هناك بأية حالة من الأحوال حد فاصل للهجرة. والواقع أنه كانت توجد مراقبة على هجرة النوبيين إلى مصر منذ عهد الدولة القديمة، ولكن يُلْحَظُ أنه في العصر المتوسط الثاني كانت هذه الهجرة لمصر واسعة النطاق بدرجة لم تُعْرَفْ من قبل، ففي العهود المبكرة نجد أن دفن النوبيين في الأراضي المصرية يكاد يكون معدومًا، وذلك لأن النوبي كان بعد الانتهاء من خدمته في مصر يعود لِيُدْفَنَ في موطنه الأصلي كما ذكرنا من قبل، ولكن نجد الآن في الوجه القبلي جبانات نوبية ومستعمرات، وهي التي تُسَمَّى ثقافة المقابر القعبية الشكل وتمتد في البلاد المصرية حتى بلدة «ريفه» شمالًا والأماكن الأثرية المعروفة التي وُجِدَ فيها آثار حتى الآن من هذا النوع هي:
  • (١)
    «ريفه».٥٥
  • (٢)
    «مستجدة»٥٦ وفي هذه البلدة وجد حتى الآن أكبر جبانة من هذا النوع ويبلغ عدد مقابرها سبعًا ومئة هذا فضلا عن وجود مستعمرة.
  • (٣)
    «قاو»٥٧ وفيها سبع وثلاثون مقبرة ومستعمرة.
  • (٤)
    «العرابة»٥٨ وتوجد بها حفر قبور مسطحة وبها فخار من فخار «كرمة».
  • (٥)
    «البلابيش»٥٩ وبها ٤٩ مقبرة.
  • (٦)
    «هو».٦٠
  • (٧)
    «بلاص».٦١
  • (٨)

    «الخزام» لم تطبع نتائج الحفائر بعد.

  • (٩)
    «طيبة»٦٢ وقد وجد كل من الدكتور «هول» و«إيرتون» جبانة منهوبة بالقرب من «الكرنك» ووجد غير ذلك قطع فخار من مقابر قعبية شرقي معبد «الكرنك».
  • (١٠)
    «أرمنت»٦٣ ولم يتم طبع محتويات الحفائر بعد.
  • (١١)
    «الدير»٦٤ عثر عليها الأثري «سايس» ولم يتم طبع تقاريرها.
  • (١٢)
    «الكاب».٦٥
  • (١٣)
    «إسنا».٦٦
  • (١٤)
    ما بين «هيراكنپوليس» و«الحصاية»٦٧ لم يتم طبع تقاريرها.
  • (١٥)
    قبالة «دراو»٦٨ لم يتم طبعها بعد.

وعلى الرغم من كل ما ذكرنا فإن معلوماتنا ليست كاملة وذلك لأن لدينا خمس جبانات فقط قد نُشِرَتْ نشرًا مفصلًا وهي «ريفة» و«مستجدة» و«قاو» و«البلابيش» و«هو» ومع ذلك يمكننا أن نكوِّن صورة لا بأس بها عن هؤلاء القوم. هذا ويمكن أن يجد القارئ وصفًا شافيًا عن ثقافة هؤلاء هؤلاء القوم فيما نشر بوجه خاص في الكتابين اللذين كُتِبَا عن «البلابيش» و«مستجدة». وسنقتصر هنا على ذكر بعض اعتبارات أساسية لنقاط هامة في هذا الصدد.

ففيما يتعلق بتأريخ هذه المقابر يمكن وضع تأريخ أقصى وتأريخ أدنى بصورة مؤكدة، وذلك لأن وضع بحث مفصل للتواريخ النسبية لهذه المقابر المحطمة المنهوبة لم يمكن الشروع فيه حتى الآن، هذا بالإضافة لعدم نشر محتويات هذه المقابر نشرًا علميًّا مستفيضًا.٦٩

وتدل الأشياء المستعملة تمامًا من عهد الأسرة الثانية عشرة وكذلك الفخار الذي من زمن العهد المتوسط على أن المقابر التي وُجِدَتْ فيها يرجع عهدها إلى ما بعد الأسرة الثانية عشرة، في حين أن الخرز وكذلك الاختفاء التام لآثار من الدولة الحديثة في العهد الذي قبل الأسرة الثامنة عشرة يبرهن على ذلك.

ولدينا بلطة عُثِرَ عليها في «مستجدة» باسم ملك يظهر أنه قبل عصر الهكسوس وهو «نب ماعت رع»٧٠ هذا إلى جعران باسم ملك الهكسوس «شيشي» وآخر باسم حامل الخاتم المشهور «حار» الذي يُذْكَرُ كثيرًا في العهد المتوسط الثاني وكلاهما وُجِدَ في «ريفة».٧١ ويضاف إلى ذلك في عهد الهكسوس تمثال بولهول المصنوع من سن الفيل الذي وُجِدَ في «العرابة» والذي قلنا عنه إن ملامح وجهه سَامِيَّةٌ، وقد مُثِّلَ وهو ينشب مخالبه في جسم أسير مصري.
ومن ثَمَّ نفهم أن بداية الهجرة لا يمكن تحديدها على وجه التقريب ولكن التبعية الجنسية لقوم المقابر القعبية يمكن أن تقوم لنا دليلًا هامًّا على معرفة هؤلاء القوم. فعلى حسب رأي كل من «ينكر»٧٢ و«كروان»٧٣ ليس لدينا هنا على ما يظن تطور في مجموعة ثقافة C وحدها، بل إنه مع قبيلة أخرى أيضًا. وثقافة المقابر القعبية تختلف بداهة عن ثقافة مجموعة C هذا إلى أن طراز المقابر القعبية قليل الوجود في بلاد النوبة السفلى. وقد أضاف الأستاذ «ينكر» إلى هؤلاء القوم الأفراد اللذين دُفِنُوا في الجبانة ٧ الواقعة في منطقة الشلال٧٤ والجبانتين رقم ١١٠ و١١٣ في كوبان، وفي حين أنه لا توجد إلا بعض مقابر في «الشلال» بينها وبين المقابر القعبية وجه شبه كبير، نجد في الجبانتين الأخريين وجه شبه يربطهما بدون شك بثقافة «كرمة». وأسوار المعصم المصنوعة من لويحات من الصدف وهي التي قال عنها «ينكر» إنها رمز قبيلة لا يمكن البرهنة على كونها كذلك في مقابر مجموعة C الخالصة.٧٥ وفي حين نجد أن «ينكر» قد ربط أهل المقابر القعبية بمقابر المجموعة المتوسطة التي بين مجموعة «كرمة» ومجموعة ثقافة C التي أضاف لها فخار «تل اليهودية» نجد أن «كروان» أشار إلى أنه من الممكن ربطها بالعصر الأخير «لكرمة». وعلى أية حال فإنه طالما لم نعرف بعدُ الآثار المحلية التي بين «كرمة» والشلال الثاني ولم نعرف التطورات الأخيرة في «كرمة» التي لم يُتَوَصَّلْ إليها فإن هذا الموضوع سيبقى غامضًا.٧٦
ولكن إذا أردنا أن نسلم بالزعم القائل إن أهل المقابر القعبية كان أصلهم من البقعة الواقعة جنوبِي حدود «سمنة»، فإن هجرتهم إلى مصر تكون أولًا قد تلت محو حواجز الحدود التي عند الشلال الثاني، ويشير إلى هذا الاتجاه كذلك انتشار هؤلاء القوم في مصر حيث بلغ أقصاه في الشمال على حسب ما جاء في قصة «كاموس» إلى «قوص» وهي الحد السياسي بين مملكة الوجه القبلي التي تمثل بالأسرة السابعة عشرة وبين مملكة الهكسوس. وتدل الكشوف الأثرية على أننا أمام قبيلة محاربة،٧٧ وهذه القبيلة هي التي نوحدها بالجنود المرتزِقة الذين جاء ذكرهم في قصة «كاموس» باسم «مزوي» وعلى ذلك فإنا نكون هنا أمام جنود استخدمهم ملوك الأسرة السابعة عشرة في حرب التحرير التي أشعلوا نارها على الهكسوس.٧٨ ففي شمالِي «قوص» في الجهة الأخرى من الحدود الشمالية من مملكة الأسرة السابعة عشرة لم نجد قط أي أثر للمقابر القعبية البحتة، وإذا كان قد حدث أن بعض أفراد من النوبيين قد تقدموا نحو الشمال ودخلوا على فرض في خدمة الهكسوس فإنه لم تصلنا عن هؤلاء معلومات مؤكدة.٧٩

وإذا فكرنا من جهة الانتشار العظيم للمقابر القعبية في الوجه القبلي، ومن جهة أخرى ما ذكر عن قصد عن الدور الذي لعبه جنود مزوي في الحرب القصيرة نسبيًّا التي جاءت في قصة «كاموس» فإنا لا نكون قد شططنا كثيرًا إذ ذهبنا إلى أن هؤلاء الجنود قد لعبوا دورًا فاصلًا في تحرير مصر من نير الهكسوس، وأنهم قبل كل شيء في الحرب الأخيرة كانوا فقط يحاربون في جانب المصريين. وهذا ما أشارت إليه نقوش اللوحة الجديدة الخاصة بحروب كاموس التي شنها دفاعًا عن نفسه على الهكسوس.

ولا نعرف شيئًا على وجه التأكيد عن هؤلاء القوم من الوجهة الاجتماعية، ولكن على حسب ما وُجِدَ من آثار ذهبية في مقابرهم في «مستجدة» وكذلك ما نجده من تخريب شامل لمقابرهم نفهم أن هؤلاء الجنود كانوا يُكَافَئُونَ مكافأة حسنة، ولم يكونوا بأية حال من الأحوال فقراء.٨٠ ويلحظ أن شكل أسلحتهم كان مصريًّا محضًا بوجه عام، فقد وُجِدَتْ في مقابرهم بلط وخناجر وسهام وأغطية أصابع. وقد كانوا مثل نوبيي الدولة الحديثة على ما يُظَنُّ يُسْتَعْمَلُونَ مشاة خفافًا وكما ذكرت لنا لوحة «كاموس» أن المزوي كانوا يُسْتَعْمَلُونَ جنود استطلاع.
وقد تمصر أهل المقابر القعبية تمامًا كما تمصر أهل مجموعة C في بلاد النوبة السفلى، ونجد فقط في المقابر المتأخرة لهؤلاء القوم بعض أواني فخار من صنع أجنبي أما باقي الأواني فمصرية. وكذلك تلحظ نفس العملية في المستعمرات من حيث الانتقال من الأكواخ المستديرة إلى المباني ذات الأضلاع الأربعة.٨١ وعلى هذا الأساس يكون من الواضح عدم وجود المقابر القعبية في الدولة الحديثة؛ ولكن على الرغم من صعوبة وجود برهان أثري فإن أصحاب المقابر القعبية على أية حال بتمصيرهم تمامًا واختفائهم بوصفهم قومًا مُمَيَّزِينَ قد انتهى دورهم السياسي في التاريخ المصري.
وكذلك فإنه مما لا شك فيه التسليم بتمصير قوم ثقافة مجموعة C الذين ساروا شوطًا بعيدًا في بلاد النوبة السفلى، وأنهم في خلال عهد التحرير قد أصبحوا تابعين ثقافيًّا لمصر بسبب ضعف مقاومتهم الداخلية لها؛ فقد استعادت قوتها ووضعت لنفسها من جديد سياسة توسع وفتوح. وعلى ذلك فإن الطريق أمام إرجاع السيادة المصرية القديمة في بلاد النوبة السفلى قد مهدت. وعلى العكس من ذلك فإن وحدة الثقافة العظيمة التي كانت بين أهل بلاد النوبة وأسيادهم المصريين الذين عادوا إلى بلادهم قد سهلت الأمر أكثر من قبل، وبذلك أصبحت هذه البلاد قاعدة أكثر ملاءمةً لتكوين إمبراطورية مصرية عظيمة في الجنوب من التي كانت في عهد الدولة الوسطى.

هوامش

(١) راجع: Bull. Boston, M.F.A, Vol, 28, p, 47 ff; Sudan Notes and Records, 14,(1931) p. 1 ff.
(٢) راجع: Sethe, Lesestucke, P. 99.
(٣) راجع: Kerma, II, p. 516 and p 111.
(٤) راجع: Journal Asiatique Ser., 11, 6 (1915) 2, Ser. 11, 9 (1917), 194 f.
(٥) راجع: Rec. Trav., 22, 138; LR, II, 84.
(٦) راجع: Gauthier, L.R., II, 151 h.i.
(٧) راجع: Montet, Kemi I, 90 ff., Fig. 8.
(٨) راجع: Buhen, P. 201, Pl. 74.
(٩) راجع: L.D., II, p. 151 h.i.
(١٠) راجع: A. J. S. L (1908), p. 41 ff., Drioton-Vandier, L’Egypt, p. 278.
(١١) راجع: مصر القديمة الجزء الثالث ص ٣٨٨.
(١٢) راجع: Sethe, Achtung, etc.
(١٣) راجع: Peet, Cemeteries of Abydos, II, 70 and J.E.A., 14, p. 204.
(١٤) راجع: save, Ibid, p. 12, Note 2.
(١٥) راجع: Firth, III, p. 24.
(١٦) راجع: Aniba, II, 99, No. C 2; 2, etc.
(١٧) راجع: Buhen, p. 185, ff.,.
(١٨) راجع: Tell-el-Yahudiya-Vasen, p. 82 f.
(١٩) راجع: Save Soderbergh, Ibid, p. 123, Note 5.
(٢٠) راجع: Sjoqvist, Problems of the Late Cypriote Bronze Age, p. 86, etc.
(٢١) راجع: Otto, Studien Zur Keramik der Mittleren Bronzezeit in Palästina (Zeitscher. d. Deutsch-Pälast. Vereins, Bd. 61 (1938), p. 168 ff.
(٢٢) راجع: MBZ II b.
(٢٣) راجع: Otto, Ibid, p. 171.
(٢٤) راجع: Aniba, II, p. 16.
(٢٥) راجع: Areika, p. f. and Pl. 4.
(٢٦) راجع: Aniba, II, p. 30.
(٢٧) راجع: Aniba, II, p. 21.
(٢٨) راجع: Rec. Trav., 16, 42; 14, 26.
(٢٩) راجع: Aniba, I, 9; Emery-Kirwan, p. 504.
(٣٠) راجع: J.E.A., Vol, 25, p. 108.
(٣١) راجع: J.E.A. Vol., 35, p. 50 ff.
(٣٢) راجع: J.E.A. Vol, 35, p. 54, (Philadelphia 10984).
(٣٣) راجع: Rec, Trav., 39. p. 236.
(٣٤) وقد كان ثوري هذا أول نائب للملك في بلاد النوبة حمل لقب «ابن الملك» كما سنرى بعد.
(٣٥) راجع: J.E.A, 35; Ibid., 55 f.
(٣٦) راجع: Buhen, p. 90 ff.
(٣٧) راجع: Ermenne, p. 37 ff.
(٣٨) راجع: Gardiuer, Onomastica 1, 73, II, 269.
(٣٩) راجع: J.E.A., 7, p. 100.
(٤٠) راجع: Gunn, A.S., 29, p. 5 ff.
(٤١) راجع: Fouilles, Inst. Fr., VII, 96 F; IX, P. 7.
(٤٢) وهذا نفس ما حدث في بلاد لوبيا في الأزمان القديمة عندما كانوا يَتَزَيَّوْنَ بالزي المصري.
(٤٣) راجع: Maciver and Woolley, Areika, p. 5.
(٤٤) راجع: Emery-Kirwan, p. 106.
(٤٥) راجع: Junker, Ermenne, p. 35.
(٤٦) راجع في أسفل على يمين Save, Ibid, 133, Fig. 12.
(٤٧) راجع: Emery-Kirwan, p. 55.
(٤٨) راجع: Buhen, Ibid, p. 117.
(٤٩) راجع: A.S., 38, p. 389 and Pl. LV., 3.
(٥٠) راجع: Urk., IV, p. 888.
(٥١) راجع: Areika, p. 9.
(٥٢) راجع: Aniba, I, 38.
(٥٣) راجع: Save, p. 134, Note 4.
(٥٤) راجع: Aniba, II, p. 35.
(٥٥) راجع: Petrie, Gizeh and Rifeh.
(٥٦) راجع: Brunton, Mostagadda, p. 114 ff.
(٥٧) راجع: Brunton, Qau and Badari, III, p. 3.
(٥٨) راجع: L. AAA, 10, 33 ff.; J.E.A., Vol. 14 p. 46 f.
(٥٩) راجع: Wainwright, Balabish.
(٦٠) راجع: Petrie, Diospolis Parva, p. 45 ff.
(٦١) راجع: Arch. Survey of Nubia, Bull. No 4, p. 12; Reisner, Report, p. 6.
(٦٢) راجع: Weigall Report, p. 25.
(٦٣) راجع: J.E.A., 23, p. 118; Chronique D’Egypte, 12 (1937), p. 172.
(٦٤) راجع: Weigall Report, p. 25.
(٦٥) راجع: Ibid., p. 26.
(٦٦) راجع: A.S,8, p. 141 f., J.E.A., 14, p. 46 f.
(٦٧) راجع: A. S., 8, p. 137 f.
(٦٨) راجع: Weigall Report. p. 25.
(٦٩) راجع: Ermenne, p. 108 ff.
(٧٠) راجع: Mostagadda, p. 117, 127, 131; L.R., II, 51 f.
(٧١) راجع: Gizeh and Rifeh, p. 21; comp. Kerma, I, 300 Anc. Egypt. Sup. (1935), p. 143.
(٧٢) راجع: Kubanieh-Nord, p. 32 f; Tell-el-Yahudiya vasen.
(٧٣) راجع: J.E.A., Vol., 25, p. 108 f.
(٧٤) راجع: Kubanieh-Nord, p. 30 f.
(٧٥) راجع: Firth, II, 139; Emery-Kirwan, p. 314, 323, 326.
(٧٦) راجع: Oric Bates, Harvard African Studies, 8, 17.
(٧٧) راجع: Balabish, p. 6.
(٧٨) راجع: Aniba, I, p. 9.
(٧٩) راجع: Save, p. 139.
(٨٠) راجع: Mostagadda, p. 122.
(٨١) راجع: Qau and Badari, III, P. 41.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠