الفصل الثالث عشر

الدولة الحديثة (١٥٨٠–١٠٩٠ق.م.)

العلاقات السياسية بين مصر وبلاد النوبة

(١) «أحمس الأوَّل» (١٥٨٠–١٥٥٨ق.م.)

أشرنا فيما سبق إلى أن بداية تحرير مصر من يد الأجنبي قد جاء ذكرها في قصة الملك «كاموس» بصورة واضحة وبخاصة في اللوحة التي كُشِفَ عنها حديثًا بالكرنك. ففي خطابه لمجلس مستشاريه يقول: «إني أريد أن أعرف أين قوَّتي عندما يكون أمير في «أواريس» وآخر في «كوش» وأنا أجلس في وسطهما (أي متحدًا مع الآسيويين والنوبيين) وكل واحد منهما يسيطر على نصيبه من مصر ويقاسمانني هذه الأرض». وقد حاول أعضاء المجلس في جوابهم أن يُهَدِّئُوا من روعه فأجابوه: «بأن الآسيويين لا يحكمون إلا إلى «قوص» ونحن نحكم ما لنا من مصر في سلام. و«إلفنتين» قوية». وبعبارة أخرى أنه على الرغم من أن بلاد النوبة قد استقلت فإن حدودنا الجنوبية في أمان، وأنه لا خوف من زحف النوبيين على بلادنا؛ لأن «إلفنتين» كانت محصنة تحصينًا قويًّا. وهذا الموقف السياسي يتفق مع الكشوف الأثرية التي أشرنا إليها من قبل في بلاد النوبة. ومما يجدر التسليم به كذلك أن جنود المزوي الذين جاء وصفهم في ساحة القتال بين المصريين والهكسوس في هذا المتن هم الذين عرفناهم في المقابر القعبية التي أسهبنا الكلام عنها في الفصل السابق، هذا ويدل وجودهم في الجيش المصري على انتشار المقابر القعبية.

ولم كان الجزء الأعظم من قصة «كاموس» قد ضاع من لوحته على ما يظهر فإن اللوحة الثانية التي كُشِفَ عنها تحدثنا عن حروب «كاموس» مع الهكسوس وانتصاره عليهم مبدئيًّا. والواقع أن اسم «كاموس» قد وُجِدَ في نقش على حجر في بلدة «توشكى» غير أن هذا النقش خاص على وجه التأكيد بعهد خلفه الملك «أحمس الأول» الذي وُجِدَ اسمه تحت اسمه مباشرة. ويُلْحَظُ هنا أن «أحمس» يحمل لقب «مُعْطَى الحياة». وهذا يدل على أنه كان لا يزال عائشًا عند كتابة هذا النقش غير أنه لا يجب أن نفهم هذا اللقب على هذا الوجه دائمًا، وإذا فهمناه كذلك فإنه يعني هنا أن الملكين كانا يحكما بالاشتراك في وقت واحد، ولكن ليس لدينا ما يُعَزِّزُ هذا الرأي ويؤكده، يضاف إلى ذلك أن الجعران الذي عُثِرَ عليه في بلدة «قوص» وهو الذي نقش عليه اسم «واز-خبر-رع» (؟) لا يعني أنه قد حدث تغلُّب على بلاد النوبة قبل عهد «أحمس الأول»١ ويرجع السبب في ذلك إلى أن سياسة طرد الآسيويين من مصر، وهي السياسة التي وصفها «كاموس» — كما أشرنا إلى ذلك من قبل — لم تكن قد حُقِّقَتْ بعدُ في أوائل حكم «أحمس الأول» لذلك لم يكن جائرًا أن يقوم «أحمس» بعمل هجومي على الجنوب قبل أن يستولي على «أواريس» عاصمة الهكسوس في الشمال.
ويقص علينا «أحمس» بن «إبانا» في وصف الحرب التي وقعت في «أواريس» ما يأتي: «وقد وقعت الحرب في مصر في الجزء الواقع جنوب هذه المدينة وأحضرت أسيرًا.٢ «وقد عارض كل من الأثرى «شيفر» والمؤرخ «إدوارد مير» وكذلك «برستد» و«زيته» وغيرهم بحق في أن ذلك كان لا يعني إخماد ثورة في الوجه القبلي أو حملة على بلاد النوبة، بل المقصود من عبارة «هذه المدينة» هو «أواريس». وأن الغرض من العبارة في المتن هو محاصرة ومحاربة جزء من «أواريس»، إذ نجد مباشرة بعد وصف الحرب عبارة «جنوبي هذه المدينة» وقد جاء ما يأتي: «وقد استولى على أواريس»، ومن ذلك يظهر أن فتح بلاد النوبة لم يبدأ إلا بعد أن قُضِيَ على النفوذ الآسيوي كما تحدثنا بذلك صراحة في نقوش «أحمس» بن «إبانا» فاستمع لما يقول: «وبعد أن ذبح جلالته منتيو آسيا صعد في النيل نحو «خنت-حن- نفر» وهزم النوبيين وقد أوقع جلالته مذبحة عظيمة بينهم وقد أُحْضِرَتْ غنائم … وبعد ذلك انحدر جلالته في النيل وكان قلبه مملوءًا بالشجاعة والنصر الذي أحرزه على الجنوبيين والشماليين».
وهذا النقش بعينه يصف هزيمة ثائرين، واسما الثائرين هما «أيتيو» و«تيتي-عن» (= تيتي جميل)، والأول منهما قيل عنه إنه أتى من الجنوب، ولكن آلهة الوجه القبلي قد قبضوا عليه، وقد وجده جلالته (يعني أحمس الأول) في «تنتاع» وأحضره جلالته بمثابة أسير وكل أهله بمثابة غنيمة، وأحضرت اثنين من المجا (مزوي) وهما اللذان استوليت عليهما من سفينة «أيتيو». واسم المكان «تنتاع» ليس معروفًا لدينا، ولكن الأستاذ «زيته» يظن أنه محطة بئر في الصحراء، غير أن رأيه لا يستند على برهان هذا وليس بواضح من المتن أين حدثت هذه الثورة. أما التعبير «وآلهة الوجه القبلي قد قبضوا عليه» فيمكن أن يحدد مكان الثورة في الوجه القبلي، غير أن ذكر «أحمس» بن «إبانا» أنه استولى على اثنين من المزوي يحتمل أن يكون إشارة إلى أن الثورة قامت في بلاد النوبة ويُعَزِّزُ ذلك ما ذكره «أمنحتب الثالث» على لوحة «سمنة» أنه كان ضمن الغنائم التي استولى عليها في «إبهت» مئة وعشرة من رجال المزوي، يُضاف إلى ذلك أننا نجد لقب المشرف على المزوي في القبر رقم ٧٨٣ «بطبية» وهذا الموظف نلحظ من قرطيه الكبيرين في الصورة أنه لم يكن مصري الجنس في ملامحه، على الرغم من أنه يحمل اسمًا مصريًّا هو وأخو صاحب المقبرة. ويشاهد خلف هذا الموظف رجل يجلب محصول الصيد، من ذلك أرنب بري وبيضة نعام وريش نعام. ومما يُؤْسَفُ له أن لدينا صورة جنود المزوي مهشمة في «تل العمارنة» ولذلك لا يمكننا أن نؤكد إذا كانوا أجانب٤ أم لا، ولكن وجود جزء كبير من الجنود النوبيين لم يكن الأمر غير العادي. وعلى ذلك لا يُسْتَغْرَبُ من وجود صور جنود المزوي وصور جنوبيين. وعلى الرغم من أن هذا المصدر لا يشير بوجه التأكيد إلى أن المزوي هم نوبيون حقيقيون إلا أنه مع ذلك على ما يظهر يشير إلى هذا الاتجاه. وبالإضافة إلى ما ذكرنا من أن «أيتيو» قد وفد من الجنوب فإنه من الجائز على أقل تقدير أن نفهم أن هذه كانت أول ثورة قامت في بلاد النوبة السفلى وفي وادي نهر النيل كما يدل على ذلك ذكر سفينة الثائر «أيتيو». ولا يمكننا أن نعرف من النقوش التي في متناولنا إلى أي حدٍّ زحف «أحمس» بجيشه جنوبًا، وذلك لأن اسم «خنت-حن- نفر» لا يدل على الرقعة المفتوحة كما وَضَّحَ ذلك «ستيندورف» بقوله: «حقًّا لا تدل على جزء صغير من بلاد النوبة». وفضلًا عن ذلك فإن هذا الاسم قد ظهر أولًا في الدولة الحديثة كما أوضحنا ذلك من قبل، ولكن الآثار التي كُشِفَ عنها في بلاد النوبة السفلى توحي بأن «أحمس» قد استولى على الأقل حتى ما بعد «بهين». وعُثِرَ في «كوبان» على مخروط جنازي عليه النقش التالي: «الإله الطيب «رع نب بحتي» (لقد «أحمس الأول») مُعْطَى الحياة أبديًّا، إنه الكاهن الأول لآمون وحامل الخاتم «حورسات»؛ يُضَافُ إلى ذلك نقش على الصخر ذكرناه آنفًا في «توشكى» وكذلك نقوش على أجزاء مبانٍ من أقدم معبد عُثِرَ عليه في «بهين»، وقد وُجِدَ تحت أرضية معبد «أمنحتب الثاني»٥ أنه قد رسم على كوة باب الملك «أحمس الأول» والملكة «أعح حتب» أمام آلهة مختلفين، ووُجِدَ كذلك رسم قربان لقائد حامية «بهين» الْمُسَمَّى «ثوري». و«ثوري» هذا هو نفس «ثوري» الذي أصبح فيما بعدُ نائبًا للملك،٦ وليس لدينا أي شك في أن هذا الأثر قد أُقِيمَ في عهد هذا الملك. وقد كانت «بهين» على ذلك وهي سوق التجارة القديم قد عادت في عهده إلى يد المصريين، إذ من المحتمل أن الرقعة الْمُحَصَّنَةَ هنا زاد فيها «أحمس» زيادة كبيرة. والواقع أن جدران الدولة الحديثة التي تلف حول الحصن القديم الذي يشغل مساحة كبيرة لا يمكن تأريخها على وجه التأكيد، غير أن تأسيس معبد خارج سور الدولة الوسطى على يد «أحمس الأول» يدل على أن تحصينات الدولة الحديثة كان قد بُدِئَ في بنائها في عهده فعلًا.
ولما كانت الحالة السياسية في بلاد النوبة السفلى المفتوحة حديثًا لم تكن حتى الآن في حالة استقرار وسلام فإنه مما لا يكاد يُسَلَّمُ به أن هذا المعبد قد حُفِظَ ببناء سور حوله.٧ ومن الجائز أن «أحمس الأول» قد زحف إلى جنوبي الشلال الثاني وذلك لأنه وُجِدَ في حصن مُقَامٍ على جزيرة «ساي» تمثال نُقِشَ عليه اسم هذا الملك، ولكن من المحتمل في الوقت نفسه أنه نُقِلَ إلى هذا المكان.٨ وفي عهد خلفه «أمنحتب الأول» تم إعادة فتح بلاد النوبة فقد قامت حملة إلى بلاد «كوش» لتوسيع حدود مصر،٩ ومصدرنا الرئيسي عن ذلك هو تاريخ حياة «أحمس» بن «إبانا»، يُضاف إلى ذلك عبارة قصيرة عن هذه الحملة جاءت في نقوش مقبرة «أحمس بننخت» وقد وُصِفَتْ هذه الحملة كما هي العادة في المتون المصرية وصفًا مختصرًا جدًّا. والواقع أننا لا نعرف شيئًا تقريبًا عن هذه الحملة، كما أن المتن لا يدلنا أين وقعت الحرب فاستمع لما يقول المتن: «إن جلالته هزم هذا النوبي في وسط جيشه وقد أُحْضِرُوا مُكَبَّلِينَ دون استثناء، أما الذين هربوا منهم فقد صُرِعُوا على جُنُوبِهِمْ وصاروا كأن لم يَغْنَوْا بالأمس … وأهله ماشيته أُسِرُوا وقد أحضرت جلالته في يومين من محطة البئر العليا». وتدل شواهد الأحوال على أن نهاية الحرب على الأقل قد وقعت في الصحراء، وهذا يعني أن نوبيي وادي النيل قد اقتفى أثرَهم الفرعونُ حتى الصحراء، أو أنه كان يحارب بدو الصحراء. هذا ولا نعلم أين تقع محطة «البئر العليا» التي على مسيرة يومين من مصر. فإذا لم يكن في هذا التعبير مبالغة كما هي عادة المصري في تقدير المسافة فإنه لا بد أن يكون المقصود بالعدوِّ هنا البدو الذين لم يكونوا قد أُخْضِعُوا بعدُ للحكم المصري في جهة بالقرب من «أسوان»، وهؤلاء هم الذين كانوا يسكنون الصحراء الغربية بالقرب من وَاحَتَيْ «كركر» و«دنقل» أو هم من البدو مثل قبيلة البجا الذين يسكنون في جبال الصحراء شرقِي وادي النيل. ويُلَاحَظُ هنا أن تسمية العدو باسم «أونتي-ستي» يمكن أن نستخلص منها شيئًا وهو أن الاسم القديم «أونتيو» كان يُطْلَقُ على القبائل الأجنبية المتوحشة أعداء مصر، وعلى ذلك فإنه من الممكن كذلك أن يُطْلَقَ على سكان النوبة في وادي النيل كما شرحنا ذلك من قبل. هذا وقد وُجِدَ تمثال للملك أمنحت الأول حديثًا في جزيرة «ساي»؛ مما يدل صراحة على أنه قد تَغَلَّبَ على هذا الجزء من البلاد الكوشية وهذا الأثر محفوظ الآن بمتحف وادي حلفا عَثَرَ عليه الأثري ثابت في حفائره الحديثة في جزيرة «ساي».

(٢) أمنحتب الأوَّل (١٥٥٧–١٥٣٠ق.م.)

ونعلم للمرة الأولى من الآثار أنه في عهد الملك «أمنحتب الأوَّل» قد أُقِيمَتِ الحدود المصرية الجنوبية عند سمنة. وقد عُثِرَ في «ورنرتي» وفي «سمنة» على نقوش لنائب الملك «ثوري» مؤرخة بالسنين السابعة والثامنة من حكم هذا الفرعون،١٠ وقد ذُكِرَ «أمنحتب الأوَّل»: «بأنه رب الأرضين «زسر كارع» سيد التيجان «أمنحتب» صاحب أرض «كاري» «الإله الطيب».١١ غير أن هذا النقش، وهو للكاهن الأوَّل لآمون المُسَمَّى «بنتا وسرت» كان بلا شك من عصر متأخر، وعلى أية حال ليس لدينا برهان قاطع على أن «أمنحتب الأول» قد وصل في زحفه حتى «كاري» الواقعة بالقرب من «نباتا». ولكن وجود تمثال له في جزيرة ساي حديثًا قد يجعل من الجائز وصوله إلى هذه النقطة ولعل الحفائر الحديثة تُحَدِّثُنَا بشيء عن ذلك في المستقبل القريب.

(٣) «تحتمس الأول» (١٥٣٠–١٥٢٠ق.م.)

والواقع أن الذي وَسَّعَ نفوذ مصر الحقيقي بدرجة أكثر مما وصلت إليه مصر في عهد الدولة الوسطى هو الفرعون «تحتمس الأوَّل» في حملته الأولى على هذه البلاد، والمصادر عن هذه الحملة لا بأس بها ويوجد لدينا فضلًا عما جاء في ترجمتي «أحمس» بن «إبانا» «وأحمس بننخت» لوحة أقامها «تحتمس الأول» عنوانًا على انتصاره في «تومبوس» على هذه البلاد وتقع جنوب الشلال الثالث، يُضاف إلى ذلك نقوش صغيرة وُجِدَتْ في نفس المكان، وكذلك نقوش على صخور جزيرة «ساي» و«تنحور» وأخيرًا ثلاثة نقوش عند الشلال الأول. ونجد كذلك أن الأسرى الذين أُسِرُوا في هذه الحروب قد صُوِّرُوا في مقبرة العظيم «إنني». وقد جاء ذكر بناء الحصون التي أقامها هذا الملك وأعمال أخرى له قام بها في بلاد النوبة في نقوش من عهد الملك «تحتمس الثاني».١٢ (١٥٣٠–١٥٢٠ق.م.).

والوصف الوحيد الذي وصل إلينا عن حروب هذا الفرعون هو ما قَصَّهُ علينا «أحمس» بن «إبانا» فاستمع لما جاء فيه: «لقد رافقت ملك الوجه القبلي والوجه البحري. «عا خبر كارع» المرحوم عندما زحف إلى «خنت-حن-نفر» ليعاقب الثورة التي قامت في البلاد الأجنبية وليصدَّ طغيان البلاد الأجنبية (أو ليصدَّ هجمات البلاد الأجنبية أي الصحراء). ولقد كنت شجاعًا أمامه على الماء الرديء (الدوامات) عندما كان يجر الأسطول على مياه الشلال، وكنت قد نُصِّبْتُ رئيسًا أعلى للبحارة. وقد عمل جلالته له الحياة والسلطان والصحة … وقد سار جلالته من أجل ذلك غاضبًا كالفهد، وقد فَوَّقَ جلالته سهمه الأول فسكن في جسم عدوه، وقد فقد هذا العدو شجاعته أمام صِلِّهِ، ووقعت هناك مذبحة في لحظة عين وسيق قومه أسرى، ثم سار جلالته منحدرًا في النيل عندما أصبحت كل الأراضي في قبضته. أما هذا النوبي فقد عُلِّقَ مشنوقًا منكسًا في مقدمة سفينة جلالة الملك وأرسى سفنه في الكرنك».

ويدل ما جاء في هذا المتن على أن سبب هذه الحملة كانت ثورة في بلاد النوبة، غير أنه من المشكوك فيه أن يكون مدلول هذا القول قد حدث حرفيًّا، ولكن المظنون هو أن القبائل التي كانت تسكن جنوب الشلال الثاني وهو الإقليم الذي كان قد فُتِحَ منذ زمن قصير كانت تقوم بهجمات مُهَدِّدَةٍ للأمن هناك، ولدينا عامل آخر وهو رغبة المصريين في أن تصبح البلاد الجنوبية التي كانوا يتعاملون معها في عهد الدولة الوسطى في قبضة أيديهم ليستولوا منها على المواد الغفل التي تُنْتِجُهَا بلاد السودان. وقد وقعت هذه الحملة في السنة الثانية من عهد «تحتمس الأول»، وقد عُثِرَ في جزيرة «ساي» على نقش مُدَوَّنٍ على الصخر مُؤَرَّخٍ بهذا التاريخ وهو «السنة الثانية من عهد «تحتمس الأوَّل»»، وكذلك نقش آخر في «تنجور» مُؤَرَّخٌ بنفس السنة جاء فيه: «صعد جلالته في النيل ليهزم الكوشي الخاسئ عندما كان كاتب الجيش «أحمس» يُحصي السفن»؛ ومن ثَمَّ نفهم أن السفن كانت تجري في الشَّلَّالَيْنِ الثاني والثالث أي فيما كان يسميه «أحمس» ابن «إبانا» «تاتبعيت» (ربما كان يقصد بذلك الانحناء العظيم الذي عند «أكور»؟). وإذا كان ما جاء على نقش في «تنجور» — وقراءته ليست مُؤَكَّدَةً — مُؤَرَّخًا بالشهر الأول من فصل الصيف السنة الثانية من عهد «تحتمس الأول» يُعْتَبَرُ صحيحًا١٣ فإن عبور الشلال كان يحدث في شهري مايو/أيار ويونيو/حزيران، إذ في هذا الوقت من السنة تبتدئ زيادة النيل وعندئذٍ تكون لدى المهاجم فترة مبكرة للهجوم فيمكنه أن يبقى على اليابسة بقدر المستطاع قبل أن تعوق الدوامات النيلية المتزايدة عودة السفن إلى أوطانها. ونعرف من النقوش أن الحملة وصلت حتى «تومبوس» و«أرفو» وأنها كانت موجودة هناك حوالي أكتوبر/تشرين الأول، ومن جهة أخرى ليس لدنا ما يبرر القول بأن «تحتمس الأول» قد وصل إلى «نباتا». ويرجع أقدم أثر وُجِدَ في «كاوا»١٤ إلى عهد الفرعون «أمنحتب الثالث»؛ وَوُجِدَتْ في «نباتا» الواقعة في جبل «برقل» لوحة «لتحتمس الثالث»١٥ وهي على وجه التأكيد أول نقش وُجِدَ من عهد الأسرة الثامنة عشرة في هذه الجهة.
ولكن نعلم من قبل أن فتح وادي «كرمة» كان يعني خطوة فسيحة للأمام في بناء الإمبراطورية المصرية في أفريقيا، وبخاصة لأن ذلك الفتح قد تَغَلَّبَ على كل الصعوبات الحربية مما مهد الطريق للذين أتَوا بعد من الفاتحين وساروا في فتوحهم حتى الشلال الرابع. والواقع أن خط الدفاع الطبعي لأهل الجنوب قد اخْتُرِقَ وقد ذكر ما يفيد هذا المعنى تمامًا «تحتمس الأول» في نقوش «تومبوس»: «إنه هو الذي فتح الوديان وهي التي لم يعرفها الأجداد، ولم يرها حامل التاج المزدوج من قبل، وحدوده الجنوبية قد وصلت مباشرة حتى هذه الأرض».١٦ والواقع أن فتح منطقة «كرمة» كان له أهمية سياسية عظيمة لأننا نعرف من حفائر «ريزنر» أن المستعمرة الأهلية لمجموعة C في «كرمة» قد امتدت حتى الأسرة الثامنة عشرة، وأخلاف أمراء الدولة الوسطى في «كرمة» هم الذين أصبحوا أعداء «تحتمس الأول»، ولذلك فإن فتح هذا الإقليم يُعَدُّ ضربة في صميم نواة دائرة الثقافة السودانية.
ومما تنبغي ملاحظته هنا أن الأسرى الذين استولى عليهم «تحتمس» في هذه الحملة وأحضرهم إلى مصر كما نشاهد ذلك في الصور التي بقيت لنا في مقبرة «إنني» لا تدل هيئتهم على أنهم زنوج بل هم من الجنس الْحَامِيِّ،١٧ وهذا يتفق مع الرأي القائل بأن مستعمرة «كرمة» قد تغلب عليها «تحتمس الأول»، لأنه قد وجد في مقابرها العظيمة طراز من صور الزنوج غير أنهم ليسوا السائدين هناك.١٨ والواقع أن تصوير الزنوج لم يظهر في الفن المصري بكثرة إلا فيما بعد، وقد يُفَسَّرُ ذلك بأن الحملات التي قام بها أخلاف «تحتمس الأول» قد أوغلت في بلاد الزنوج أكثر من أن الزنوج قد زحفوا نحو الشمال، وكذلك يلحظ أن اتجاه الزي الشائع في الفن المصري كان يميل إلى رسم الزنوج بتقاطيعهم الخاصة.
ولم تذكر لنا النقوش على وجه التأكيد إلا حملة واحدة قام بها «تحتمس الأول» على بلاد النوبة وهي التي أُرِّخَتْ بالسنة الثانية كما ذكرنا من قبل، غير أن الأستاذ «زيته» قد سلم بوجود حملة أخرى مستنبطًا ذلك من رسم هذا الملك في نقشين صغيرين في «تومبوس»١٩ وقد بني ذلك من إضافة عبارة: «الذي يظهر مثل «رع» لاسمه». وهذه العبارة لم تظهر قط في نقوش في السنين الأربع الأولى من حكمه، وعلى ذلك فإن هذا النقش كان قد كُتِبَ بعد السنة الرابعة، ومن ثَمَّ لا يجوز لنا أن نستخلص من ذلك قيام حملة ثانية، لأن هذا النقش أولًا يحتوي على نعوت عادية للملك مثل الذي يضرب «كوش»؛ وثانيًا فإنه من الجائز كذلك أن نقش «تومبوس» الكبير الذي أُرِّخَ بالسنة الثانية وقد جاء فيه نهر ذكر نهر الفرات الذي جاء ذكره في حملة حَدَثَتْ فيما بعدُ لم يكن قد كتب في هذا التاريخ الذي أُرِّخَ به. ومن الواضح أن النقوش التي تُدَوَّنُ بعد الموقعة لم تكن لتسجل الغزوات العابرة بالنسبة لأرض العدو بل كانت خاصة باستعمار الأرض المقهورة.
وليس لدينا ما يدل على أن «تحتمس الأول» قد أقام في «تومبوس» حصنًا عند الحدود الجنوبية الجديدة ليكون مركزًا لجنود الحامية، إذ لم يُعْثَرْ على آثار أكيدة في منطقة «تومبوس» تثبت ذلك. ومن ثَمَّ لا ينبغي أن نستخلص شيئًا من هذا القبيل من السطر العاشر من لوحة «تومبوس»، إذ إن ما جاء فيها لا يخرج عن كونه استعارة تشبيهية وهي «أنه حصن لكل جيشه». ونجد في نقش لخلفه «تحتمس الثاني» عبارة صريحة تدل على أن «تحتمس الأول» أقام حصنًا في بلاد النوبة على الأقل في المنطقة التي فُتِحَتْ جديدًا إذ يقول: «وقد كان الثوار على وشك أن يسرقوا المصريين؛ وذهبوا للاستيلاء على قطعان الماشية التي كانت خلف الحصون التي أقامها والدكم في حملته المظفرة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «تحتمس الأول» عاش مخلدًا، ليصد البلاد الأجنبية الثائرة».٢٠ والحصن المنسوب هنا «لتحتمس الأول» ليس من السهل تحديد مكانه على وجه التأكيد، إذ لا توجد هناك مبانٍ تدل على ذلك، ومن المحتمل أنه في عهده أقيم حصن في جزيرة «ساي» لأنه قيل في نقش بناء مُؤَرَّخٌ بالسنة الخامسة والعشرين من حكم «تحتمس الثالث» إن معبدًا قديمًا مقامًا من اللَّبِنَاتِ قد بُنِيَ بدلًا منه آخر بالحجر، ولكن اسم «حتشبسوت» ذكر كذلك في جزيرة «ساي»، وعلى ذلك يرجع الموقع القديم إلى عهدها.٢١
هذا وقد قُسِّمَتْ بلاد النوبة في عهد «تحتمس الأول» خمسة أقسام تحت إدارة أمراء نوبيين كان لهم نصيب٢٢ في إدارة مقاطعات البلاد. والظاهر أن الملك قد حط رحاله بعد الحملة الأولى بسنة في بلاد النوبة: «ففي اليوم الثاني والعشرين من الشهر الأول من فصل الصيف السنة الثالثة مر (الملك) في الشلال الأول عندما هزم «كوش» الخاسئة وقد أمر بحفر قناة هناك وجدها مملوءة بالحجارة ولم يكن في مقدور أية سفينة أن تسير فيها وقد أقلع فيها لأن قلبه كان فرحًا بعد أن ذبح عدوه». وهذا الإصلاح في طريق التجارة في الشلال الأول لم يكن بالشيء الجديد إذ نعرف أنه حدث منذ الدولة الوسطى. والآن لما أصبح من الضروري أن تستولي مصر على الإدارة في بلاد النوبة السفلى وبلاد كوش صار من الأمور الهامة حل مسألة المرور لضمان مرور السلع الآتية من السودان.

(٤) «تحتمس الثاني» ١٥٢٠–١٤٨٤ق.م. (ومعه حتشبسوت)

وفي السنة الأولى من حكم «تحتمس الثاني» قامت في شمالي بلاد كوش ثورة، وكان الإقليم النوبي قد أصبح فعلا يشمل «كوش» و«واوات» وبذلك كان المقصود ببلاد «كوش» الإقليم الواقع جنوب الشلال الثاني، ومن جهة أخرى لم تكن هذه الثورة كما كان المنتظر في الإقليم المفتوح حديثًا جنوبي «سمنة» بل شبت في بلاد النوبة السفلى. وتتلخص في أن أحد الأمراء النوبيين قد حاول بسبب الضعف الذي أصاب البلاد من جراء تَغَيُّرِ المتربِّع على العرش أن يفيد من هذه الفرصة ويحرر البلاد نفسها من النير المصري. ومن المحتمل أن أطماع القائم بهذه الثورة لم تذهب إلى هذا الحد، وأنه أراد بثورته هذه النهبَ لإثراء نفسه وحسب. ومن جهة أخرى يقول «زيته» إن هذه الثورة لها ارتباط وثيق بتغيُّر الجالس على عرش ملك مصر٢٣ وأن «حتشبسوت» قد لعبت دورًا في هذه الثورة، وبخاصة إذا كانت كما يقال قد وقفت في وجه زوجها «تحتمس الثاني» فعلًا وعاملته معاملة الأسير، وإذا كان هذا صحيحًا كان لدينا لذلك مثيل في التاريخ المصري، وأعني المؤامرة التي حيكت ضد «رعمسيس الثالث». وقد كانت بلاد النوبة عاملًا قويًّا في الدسائس السياسية الداخلية التي حيكت ضده.٢٤ على أن نظرية الأستاذ «زيته» فيها شك، إذ كان يتوقف كل الموضوع على فهم الارتباك الذي حدث بعد حكم «تحتمس الأول» وهو الارتباك الخاص بمن يتولى العرش بعده. وهذه المسألة المعقدة لا يمكن الخوض فيها هنا أكثر مما تحدثنا به عنها في عهد حكم «حتشبسوت»٢٥ وكل ما يمكن أن يقال هنا هو اتِّبَاعُ الرأي الذي أدلى به المؤرخ «أجرتون» ويشتمل على نظرية سهلة بسيطة الفهم. وسنترك جانبًا نظرية «زيته» وكذلك نضرب صفحًا عن علاقة ارتباك تولية عرش الملك بالثورة النوبية كما ذكرها «زيته» إذ فيها شك كبير.٢٦
هذا ولا نعرف إلى أي حد ذهب الأمير النوبي الثائر في ثورته للتحرر من النير المصري. ولكنا نعرف أن الثورة قد أُخْمِدَتْ وعاد النظام إلى نصابه. وتدل النقوش صراحة على أن الملك «تحتمس الثاني» لم يرافق هذه الحملة بنفسه كما جرت العادة مع ملوك مصر في حروبهم. ونفهم من منطوق المتن أن الهزيمة كانت دامية والانتقام من الثائرين كان وحشيًّا.٢٧

(٥) حتشبسوت

وقد مرت مدة طويلة بعد هذه الحملة التأديبية التي قام بها «تحتمس الثاني» قبل أن نسمع بحروب عظيمة في بلاد النوبة. وتدل الأحوال على أنه في عهد الملكة «حتشبسوت» التي تولت العرش بعد زوجها «تحتمس الثاني» قد سادت العلاقات السلمية في كل أرجاء الإمبراطورية المصرية ولدينا منظر في الدير البحري «نشاهد فيه الإله «ددون» إله بلاد النوبة يقود البلاد الجنوبية (خنت-حن-نفر) وكذلك يقود في أسفل بلاد «ميو» إلى الملكة بوصفها بلادًا (تابعة)، غير أن هذا المنظر لا يمكن أن يعد دليلًا تاريخيًّا لحملة قامت بها الملكة على بلاد النوبة٢٨ كما ظن ذلك الأثري «نافيل». يُضاف إلى ذلك النقش الْمُهَشَّمُ الذي عُثِرَ عليه في قبر «سنموت» وهو الذي يتحدث فيه عن أعمال حربية في بلاد النوبة لا يمكن أن نستخلص منه برهانًا قاطعًا عن حروب قامت في هذه البلاد في عهد «حتشبسوت»، ومن الْمُحْتَمَلِ أن هذا النقش كان خاصًّا بحياة «سنموت» قبل عهد الملكة «حتشبسوت»، وكذلك يمكن أن تكون الفقرة التي جاءت في لوحة «تحوتي» التي يتحدث٢٩ فيها عن فحص غنائم الملك في «كوش» (؟) لا تمثل هنا إلا مجرد تعابير تقليدية. وفضلًا عن ذلك فإن الفقرة الفاصلة التي يُحْتَمَلُ أن تكون قد ذُكِرَتْ فيها «كوش» في هذا النقش وُجِدَتْ مهشمة جدًّا.
وكذلك عندما يقول الموظف «نبو حوي» في ترجمته: «لقد أقصيتُ العدو الذي ثار على جلالته»٣٠ فإنه لم يستعمل هذا التعبير ليدل بأية حال من الأحوال على الموقف السياسي في السودان. وعلى أية حال نلحظ من النقوش العدة التي اقْتُبِسَتْ هنا أن هذا المتن هو الوحيد الذي قد يشير إلى حرب ومشروعات ضخمة لا إبهام فيها؛ فمن المحتمل أن هذه الحرب كان المقصود منها مناوشات مع بدو الصحراء. هذا ولا تدل الحفائر التي عُمِلَتْ في السودان على شيء مؤكد عن مد نفوذ مصر في السودان في عهد «حتشبسوت»، وكذلك لم يعثر حتى الآن على لوحات أثرية من هذا العهد جنوبي جزيرة «أرقو»، ومن جهة أخرى يمكن اعتبار وجود بعض أشكال زنوج في مناظر لأهالي «ثميو» وهم يقدمون الجزية في معبد «الدير البحري» بمثابة رمز على علاقة ودية مع الأقطار الجنوبية.

وقد أخبرني الأستاذ لبيب حبشي أنه يوجد في الجهة البحرية الشرقية من جبل تاجوج بجزيرة «سهيل» نقش للأمير الحاكم رئيس المالية «تي» يتكلم فيه عن الملكة حتشبسوت وكيف أنها هاجمت بلاد النوبة وانتصرت عليها. وهذا يُعَدُّ أول نص صريح عن حرب حقيقية للملكة حتشبسوت وكان «تي» هذا يحمل فضلًا عن ذلك لقب المسجل للغنائم.

(٦) تحتمس الثالث (١٥٠٤–١٤٥٠ق.م.)

وكان أول ما قام به «تحتمس الثالث» بعد نهاية مشاريعه الحربية الضخمة في آسيا أنه سار على رأس حملة إلى السودان. ويحدثنا نقش عند الشلال الثالث مُؤَرَّخٌ بالسنة الخامسة من حكمه بنفس الكلمات التي ذُكِرَتْ في نقش «تحتمس الأول» وهي أنه: «حفر قناة (أي القناة التي عند الشلال الأول) لأنه وجدها مملوءة بالأحجار» وبعد ذلك يقول إنه «قد ساح فيها فَرِحَ القلب بعد أن ذبح عدوه واسم هذه القناة هو «فتحت الطريق الجميلة لتحتمس الثالث». هذا وكان لزامًا على صيادي السمك في «إلفتنين» أن يكروها سنويًّا.

ونجد في تواريخ «تحتمس الثالث» أن الجزية من «كوش» و«واوات» منذ ٣١/٣٢ من حكمة كانت تُدْفَعُ لمصر وفضلًا عن ذلك نقش هذا الفرعون على بوابته بمعبد «الكرنك» قوائم طويلة بأسماء أهالي الجنوب الذين انتصر عليهم٣١ من «أونتيو-سيتي» و«خنت حن-نفر» وهم الذين ذبحهم جلالته عندما قام بمذبحة عظيمة فيهم حتى أصبح عددهم لا يُحْصَى، و«كل أهلها قد اقتيدوا إلى «طيبة» أسرى ليقوموا بالعمل اللازم لبيت والده «آمون رع» رب «الكرنك»، وكل بلد أجنبي أصبح رعية لجلالته كما أراد والده «آمون».» هذا ونعلم من اللوحة التي عَثَرَ عليها «ريزنر» في جبل «برقل» للملك «تحتمس الثالث» أن النفوذ المصري كان فعلًا في السنة السابعة والأربعين من حكم هذا الفرعون يمتد إلى هذه الجهة الواقعة تحت الشلال الرابع. ولا نزاع في أن هذا الأثر لم يُؤْتَ به إلى جبل «برقل» كما يدل على ذلك متن النقش نفسه، وكذلك المنظر الذي في أعلى المتن إذ نجد فيه الملك يقدم «لآمون رع» رب الجبل المقدس (أي جبل برقل) الماء والخمر. وفي السطر الثالث والثلاثين من المتن يقول في خطاب له: «إن الناس (رمث أي المصريين) الذين في الأرض الجنوبية وهم الذين في الجبل المقدس الذي يُسَمَّى «عرش الأرضين» كانوا تحت حكم الناس (أي المصريين) عندما لم تكن معروفة بعد»، ومن ثَمَّ نفهم أن اللوحة منذ كُتِبَتْ، كانت موجودة في جبل «برقل»؛ مما يدل على أن العلاقة بين مصر والسودان كانت من الأهمية بمكان. ونحن نعلم أن الحدود الجنوبية حتى «قرن الأرض» قد وصلت إلى هذه الجهة أو كما جاء في فقرة أخرى: «لقد وصل خوف جلالته حتى الأرض الجنوبية» فالتعبير الأول قد استعمله «تحتمس الأول» في صورة مشابهة في لوحة الحدود التي أقامها في «تومبوس» وكذلك في «برقل» قيل إن الحدود تقع بالقرب من هذا المكان، وهذا يتفق مع الوثائق الأثرية لأننا لم نجد جنوبًا أي أثر في مكانه الأصلي من عهد الأسرة الثامنة عشرة حتى الأسرة العشرين يثبت ذلك. هذا بالإضافة إلى أنه لدينا متن «من جبل برقل» يحدثنا عن وجود حصن، وكذلك عن وجود معبد على ما يُظَنُّ فنقرأ في إهداء اللوحة ما يأتي: لقد عملها بمثابة أثره لوالده «آمون رع» رب عروش الأرضين (الكرنك أو جبل برقل) في الحصن المُسَمَّى «شمع خاستيو» عندما اتخذه مأوى أبديًّا … «ولم ينسب أي معبد من المعابد التي كُشِفَ عنها على وجه التأكيد للملك «تحتمس الثالث». ويقول «ريزنر» إنه من الجائز أن هذا الكلام يشير إلى المعبد الصغير (B 300) وإن تحتمس الثالث هو الذي أقامه. والواقع أن المعبد الأول قد أُرِّخَ بصورة قاطعة بحكم «تحتمس الرابع».٣٢ والحصن المذكور هنا لا يوجد فيه أي أثر يدل على مُؤَسِّسِهِ. ولدينا في النقوش وصف عن التغلب على هذه الأرض من «أرقو نحو جبل برقل» غير أنه مستتر،٣٣ ولكن على الرغم من ذلك فإن هذا التوسع في ممتلكات مصر ينسب إلى «تحتمس الثالث». وليس لدينا دليل على ذلك لأن المادة المقتبسة لا ترتكز على أساس تاريخي متين، ولكن مع ذلك نعرف أن الملك أو موظفيه في عام سبعة وأربعين من حكم «تحتمس الثالث» كانوا يقومون بنشاط في جبل برقل، وإن هذا الملك في العام الخمسين من حكمه قد عاد من رحلته في الجنوب إلى مصر، وهذا الرأي هو الطبعي جدًّا، وفضلًا عن ذلك نجد أن الآثار التي كشف عنها حتى الآن تتفق مع ذلك. ومن ثَمَّ نرى أن الإمبراطورية المصرية قد أخذت صورتها الطبعية في الجنوب في عهد هذا العاهل. وفي هذا المكان الذي وصلت إليه الحدود كان الشلال الرابع يُعَدُّ نقطة الحدود التي كان من السهل حمايتها كما كان من غير الممكن التغلب عليها أيضًا.
وبذلك بقيت مستعمرة «نباتا» الواقعة بالقرب من جبل «برقل» مدة مئة سنة تقريبًا مركز الحدود، ولم يمد الفراعنة ملكهم بعد هذه النقطة قط، وقد أصبحت محط تجارة ولعبت دورًا هامًّا حيث كانت المحاصيل الجنوبية تُصَدَّرُ منها إلى الإمبراطورية المصرية.٣٤

(٧) أمنحتب الثاني (١٤٥٠ق.م.)

كان آخر من وَسَّعَ رقعة البلاد المصرية وثَبَّتَ حدودها من الجهة الجنوبية هو الفرعون «تحتمس الثالث»، وبذلك يُعَدُّ عصره نهاية الفتح السياسي في هذه الجهة، ولذلك نجد أن الحملات التي قام بها الملوك الذين خلفوه لم تكن حملات لِمَدِّ حدود مصر بل كانت حملات تأديبية في وادي النيل على بدو الصحراء الذين كان لا غرض لهم إلا النهب والسلب من الأهالي الذين أخذوا يتمصرون بازدياد على مر الأيام.

وأول ملك قُرِنَ اسمه ببلاد السودان بعد «تحتمس الثالث» هو ابنه «أمنحتب الثاني»، غير أنه ليست لدينا نقوش أو مناظر تحدثنا عن قيامه بمشاريع حربية في هذه البلاد، وكل ما نعرفه عنه هو ما جاء في نقشين موحدين من حيث الألفاظ٣٥ فقد جاء فيهما أن الملك بعد أن عاد من حملة في آسيا قتل سبعة أمراء٣٦ من أهل «نخسي» وعلق ستة منهم على جدران «طيبة» في حين أن السابع قد أُرْسِلَ إلى «نباتا» في «تاستي» (بلاد النوبة) وعُلِّقَ جسمه على جدرانها «لأجل أن يظهر انتصارات جلالته أبد الآبدين في كل الأراضي وفي ممالك أرض السود، ومنذ ذلك استولى على أهل الجنوب وغل أهل الشمال».
وقد قص علينا في نقش على قطعة خزف أحد موظفي الملك ويُدْعَى «أمنحتب»٣٧ أنه أقام لوحة في النهرين وأخرى في «كاراي»، وعلى ذلك فإن الأخيرة قد نُصبت في «نباتا» ومن ثَمَّ لا بد أن يبحث الإنسان عن «كاراي» في أقصى الجنوب. وهذه اللوحة الأخيرة لم يُعْثَرْ عليها بعد في جبل «برقل» ولكن عثر الأثري «ريزنر» على أثر آخر من هذا العصر في الحفائر التي قام بها في هذه الجهة.٣٨ هذا وقد وُجِدَ لهذا الملك تمثالان صغيران في «بن نجا» (وادي بانجع) الواقعة بين «الخرطوم» و«مروي»٣٩ ولا شك في أنهما قد نُقِلَا إلى هذا المكان، وعلى ذلك ليس هناك أي أساس للرأي القائل إن سلطان مصر قد وصل في عهد «أمنحتب الثاني» إلى ما بعد الشلال الرابع.٤٠
وقد ترك «أمنحتب الثاني» آثارًا عدة في بلاد النوبة.٤١

(٨) «تحتمس الرابع»

ولدينا من عهد الملك «تحتمس الرابع» وصف لحملة قام بها هذا الملك على بدو الصحراء.٤٢ ولكن مما يُؤْسَفُ له أن تلك النقوش التي عُثِرَ عليها في «كونوسو» قد وصلت إلينا رديئة الحفظ ولا يمكن فهمها فهمًا تامًّا٤٣ وقد جاء فيها بعد ذكر اسم الملك ما يأتي: «السنة الثامنة الشهر الثالث من فصل الزرع اليوم الأول عندما كان الملك في «طيبة» … وقدم لوالده «آمون» … جاء رجل وقال لجلالته: «لقد نزل إلينا نوبي (من الهضبة الصحراوية؟) في مكان ما في «واوات» وأنه دبر فتنة على مصر وجمع معه كل أجانب مصر المهاجرين والثائرين من الأراضي الأخرى». وقد ذهب الملك إلى معبد «آمون» ودعا والده «آمون» أن يُسْدِيَهُ النصح والمساعدة، وبعد ذلك سافر نحو الجنوب ليضرب العدو في بلاد النوبة …». (ويأتي بعد ذلك قطعة مهشمة) «وكانت العربات في صفوف بجانبه وكانت جنوده المظفرة معًا وبجانبهم المجندون، والأسطول المجهز كان في ركابه، وقد سافر جلالته نحو الجنوب مثل النجم الجبار (الجوزاء Orion) وقد أعمى أهل الجنوب (سكان الوجه القبلي) جَمَالُهُ، وهَلَّلَ الناس له وفرحت النسوة بالرسالة.٤٤ وكل آلهة الوجه القبلي ساعدوه». وهكذا يتبع الوصف الخاص بالقضاء على العدو: «وقد اخترق الصحراء الشرقية لأنه سار في الطريق كأنه الفهد … وقد وجد كل الأعداء النوبيين مختبئين في وديانهم التي لا يعرفها الإنسان». وما يأتي بعد ذلك من المتن قد هُشِّمَ ولذلك لم نفهم منه شيئًا وقد تلف نحو اثني عشر سطرًا تلفًا بالغًا لدرجة أنها على وجه عام لم تُنْشَرْ، ولكن ما تبقى منها يكفي للدلالة على أن الموضوع ينحصر في أن المتن كان الغرض منه التحدث عن حملة تأديبية على بدو الصحراء الشرقية.
ولدينا منظر خاص لنفس الحملة في نفس المكان٤٥ فنشاهد فيه الملك وهو واقف أمام الإلهين «ددون» إله «تاستي» والإله «حمن» سيد الصحراء الغربية٤٦ يضرب الأعداء، وقد أُرِّخَ بنفس التاريخ السابق، وكذلك يُلْحَظُ أن المنظر الذي صُوِّرَ على الجدار الداخلي لصندوق عربة «تحتمس الرابع» يمثل هذه الموقعة٤٧ ففي الجزء الأعلى نشاهد الملك في صورة «بولهول» يدوس ثلاثة من النوبيين، وفي أسفل من ذلك صورة ستة أناس أجانب عاديين نُقِشَ معهم اسم الأعداء المغلوبين وهم أهل «كوش» و«كاراي»، و«ميو»، و«أرم»، و«جورسس»، و«ترك». وملابسهم غريبة بالنسبة لأهل الجنوب، إذ يرتدي كل منهم قميصًا ذا ألوان، و(شالًا) على أحد الكتفين، وقرطًا ضخمًا وأَسْوِرَةَ معصم. ويُلْحَظُ أن بعضهم زنجي خالص. والأراضي التي ذُكِرَتْ هنا في أغلب الظن تقع في السودان (ولا بد أن تكون «كاراي» بالقرب من «نباتا»). وفي تواريخ «تحتمس الثالث» نجد أن جزية النوبة مقسمة بين «كوش» و«واوات». و«أرم» تعد جزءًا من بلاد «كوش» وهي بلاد جزيتها من ضمن جزية «كوش».٤٨ ويُلْحَظُ أن «ترك» و«أرم» يُذْكَرَانِ معًا ولا تقع الواحدة منهما بعيدة عن الأخرى، ومن المشكوك فيه أن «أرم» هي «ألم» بلغة «الجالا».٤٩
ومما يشير إلى عدم أهمية هذه الحملة من الناحية السياسية وعلى وجه عام إلى السياسة السلمية في الجنوب أن هذا المنظر قد وُضِعَ في الخلف بالنسبة لصور الحملة الأسيوية. ولدينا صورة مشابهة كذلك في المنظر الذي على الجزء الداخلي لكرسي عُثِرَ عليه في مقبرة «تحتمس الرابع» ولم يَبْقَ منه إلا قطعة؛٥٠ وخلافًا لذلك لا نعلم إلا القليل عن هذه الحملة، فلدينا نقش من غربي «طيبة» يبرهن على أن الأسرى قد سِيقُوا إلى مستعمرة.٥١ ويقول كاهن أوَّل للإله «أنوريس» إنه رافق الملك من «النهرين» حتى «كاراي»،٥٢ وكذلك لدينا نقش من «أمدا»٥٣ يحتوي بعض عبارات قد لا تمت بمعلومات عن حملة حربية.

(٩) أمنحتب الثالث (١٤٠٥–١٣٧٠ق.م.)

تدل الآثار المكشوفة حتى الآن على أن عهد الملك «أمنحتب الثالث» كان كله عهد سلام ومهادنة ولم تَكَدْ تحدث فيه حروب. ففي ممتلكاته الأسيوية لم يقم «أمنحتب» بأي مشروع حربي، على الرغم من أن العلاقات بينه وبين هذه الممتلكات المصرية تقوم على ما له من حاميات في مختلف جهات المستعمرات المصرية هناك؛ أما في «كوش» فلم يقم إلا بحملة واحدة.٥٤ والمصادر التي استقيت منها أخبار هذه الحملة هي: لوحتان ملكيتان على الصخور في الطريق التي بين «أسوان» و«فيلة»،٥٥ وكذلك لوحة لموظف،٥٦ وكذلك لوحة «كونوسو».٥٧ وتاريخ هذه الحملة كان في «السنة الخامسة، الشهر الثالث من فصل الفيضان، اليوم الثاني، عندما كان يُحْتَفَلُ بيوم عيد تتويج الملك وفي الحال قام بحملته المظفرة». وفي خلال السنة نفسها رجع النظام إلى نصابه.

أما لوحة «كونوسو» التي تتحدث عن عودة الملك بعدما انتصر في حملته الأولى الْمُظَفَّرَةِ في بلاد «كوش» الخاسئة فإنها تُؤَرَّخُ دائمًا بالسنة الخامسة.

ومن جهة أخرى تحتوى لوحة «سمنة» على الوصف المسهب للحملة وبدايتها مفقودة، ولذلك لا نعلم ماذا ذُكِرَ في السطر الثالث عن المقصود «بحصاد العدو» في «ابهت»». ويأتي بعد ذلك ذكر استعراض جيش الفرعون الذي كان تحت إدارة ابن الملك صاحب «كوش». فقد اسْتُعْرِضَتْ جنود من قبائل من حصن «كوبان» وحصن «تاراي». وقد بدأت الموقعة ولم يُفْلِتْ رجل ولا امرأة، وكانت «ابهت» فخورة لأنها كانت منتفخة الصدر، ولكن هذا السيد قتلهم بنظرته المتوحشة الأسدية كما أمره بذلك والده «آمون الفاخر». وفي ختام المتن تأتي قائمة الأسرى الذين غنمهم وخطاب قصير لنائب الملك «مر موسى».

ويلحظ أنه من الصعب تحديد مكان حصن «تاراي» من المتن، ولا نعلم إذا كان يقع على مسافة ٣٢ «أترو»٥٨ شمال أو جنوب «كوبان» هذا فضلًا عن أن طول المقياس «أترو» ليس معروفًا لدينا. وكذلك لا يُلْقِي هذا المتن ضوءًا كبيرًا على موقع «ابهت»، ولكن على حسب نقوش أخرى نفهم أن بدو صحراء النوبة كانوا هم العدو الرئيسي؛ ففي نقوش «فيلة-أسوان» قيل عنهم «إن عين الملك كانت مثل عين الأسد المتوحش، وهو الذي أنشب مخالبه في «كوش» الخاسئة، وهو الذي داس تحت قدميه عظماءهم في وديانهم حتى إنهم تخبطوا في دمائهم …».
ويقول الملك في لوحة «كونوسو» (من السطر السادس): «إنه وضع حدوده حيث أراد حتى أعمدة السماء الأربعة ولوحة انتصاره إلى ما بعد «كيحو-حر» ويعني بذلك هنا حتى نهاية الشمال٥٩ ولم يقم بعمل مماثل لذلك ملك مصري غير جلالته». وعلى حسب النقوش التي أضيفت للمنظر ذُكِرَتْ «كوش» الخاسئة و«أرم» و«ترك» ثم «ورشن (؟)». ولا نعلم تمامًا إذا كانت كلمة كوش قد أُرِيدَ بها معناها الضيق أي إنها تعني الأرض التي جنوب الشلال الثاني أم أريد بها كل بلاد النوبة، وعلى أية حال لا بد أن نبحث عن كل من موقع «أرم» و«ترك» في الجزء الجنوبي من إقليم بلاد النوبة. على أن ما كان يبديه الملك هنا من نشاط يظهر من المؤسسات التي أقامها في «صلب» و«سدنجا» ومن المحتمل كذلك ما وجد له من أعمال في «كاوا»، وكذلك نعلم من نقش خاص بمبانٍ٦٠ أن الملك أحضر ذهبًا من «كاراي» إلى مصر «مصر» في حملته الأولى المظفرة عندما هُزِمَتْ «كوش» الخاسئة. على أن امتداد أعماله الحربية بعيدًا إلى هذا الحد لدليل على أن الثورة قد أنشبت أظفارها في كل إقليم «ابهت» في الشمال حتى «نباتا» في الجنوب وهو ما لا يكاد يسلم به، بل الغالب أن الملك بهذه المناسبة قد قام بتفتيش في هذا الإقليم.
وقد كتب «برستد» عن نقش وجد في «بوبسطة»٦١ من عهد «أمنحتب الثالث» وجد فيه دليلًا عن حملة على هذه الأراضي الواقعة في الجنوب الأقصى بعد «كاراي» على النيل (فوق «العطبرة») وكما رأى «برستد» بحق أن هذه اللوحة كُتِبَتْ في عهد الدولة الحديثة. والبرهان الرئيسي لدي «برستد» أن النقش لا بد قد أُضِيفَ في عهد «أمنحتب الثالث». وهذه إشارة لم تُلْحَظْ حتى الآن عن عيد تتويج الملك وهي ذات أهمية بالنسبة لذكر يوم تتويج الملك كما جاء في لوحة «فيلة-أسوان».
والفقرة التي يقال إنها تحمل هذا المعني تُتَرْجَمُ كما يأتي: «وقمة جبل «حوا» عندما طلع جلالته في الأراضي العالية». وهي كما ترى ليس فيها أية تورية ليوم تتويج هذا الفرعون.٦٢
والتاريخ الوحيد للنقش هو الشهير الثالث لفصل الفيضان، وقد وُضِعَ في وسط الوصف الْمُهَشَّمِ للحملة إلى «حوا»، وهو يذكر لنا يوم تتويج الملك في لوحة «فيلة-أسوان» في السنة الخامسة. وهذا التاريخ الذي وُجِدَ في النقش الأخير لا يمكن أن يكون خاصًّا بعودة الحملة بل يُقَدِّمُ لنا تاريخ الزمن — كما في المتون المماثلة لملوك آخرين — الذي وصل فيه خبر قيام الثورة.٦٣ ولدينا من جهة أخرى نقش آخر من بهين مُؤَرَّخٌ بالسنة الخامسة الشهر الأول من فصل الصيف يُحْتَمَلُ أنه من عهد حكم الملك «أمنحتب الثالث»٦٤ وعلى ذلك يكون من المحتمل أنه قد نُقِشَ بمناسبة هذه الحملة. وتدل شواهد الأحوال على أن لوحة «فيلة-أسوان» لا تُقَدِّمُ لنا التاريخ الذي وقعت فيه الواقعة كما يُسَلِّمُ بذلك «برستد»؛٦٥ إذ إن ذلك غير محتمل من أساسه، لأنه لا يُقَدِّمُ لنا وصفًا معينًا للموقعة، بل ما جاء فيه هو في الواقع عبارة عن أوصاف ونعوت. وإذا كان ينبغي لنا أن نعتبر أن تاريخ الثورة قد جاء حقيقة في اليوم الثاني من الشهر الثالث من فصل الفيضان فإنه لا بد أن تكون الثورة قد أُقْمِعَتْ في مدى ثمانية وعشرين يومًا في بلاد النوبة وأن يكون قد تقدم حتى «حوا» كما يقول «برستد» أي بعد الشلال الرابع وهذا غير جائز بل أمر لا يمكن تنفيذه تقريبًا.
وكذلك فإن مؤسسة «حوا» غير معروفة لنا ومن المحتمل أنها هي التي ذُكِرَتْ في قائمة أهل الجنوب التي وضعها «تحتمس الثالث» باسم «حوعت-حريت» (رقم ٨٩)،٦٦ وهي ليس لها أية صلة ببلاد «بُنت» ويمكن أن تكون واقعة في أقصى الجنوب. وإذا سلمنا بالترتيب الذي وُضِعَ في قائمة أهل الجنوب فإن «حوعت-حريت» من باب أولى يمكن أن تكون واقعة في الصحراء الغربية بين «تحنو» (رقم ٨٨) و«نب نخب» (رقم ٩١) كما جاء في القائمة،٦٧ وعلى ذلك فإن العبارة: «وقد طلع جلالته من الأرض العليا» تتلاءم مع ذلك.

والواقع أن هذا المتن من الوجهة التاريخية لا يقدم لنا شيئًا يُذْكَرُ، إذ لا يمكننا أن نُؤَرِّخَهُ على وجه التأكيد، كما لا يمكننا أن نعرف شيئًا مؤكدًا عن البلاد التي جاء ذكرها فيه.

(١٠) «أمنحتب الرابع-أخناتون» (١٣٧٠–١٣٥٢ق.م.)

لقد وَجَّهَ «أمنحتب الرابع» كل اهتمامه للمسائل الدينية السياسية الخاصة بمصر، فلم يقم بأية حملة حربية في المستعمرات المصرية الأسيوية حيث كانت الأحوال تدعو لذلك، ولا في الجنوب أيضًا. وفي عهده لم تضعف سلطة الحكومة المركزية في المستعمرات النوبية بأية حال من الأحوال، ولم تخرج أية بقعة من بقاع وادي النيل عن دائرة سلطان البلاط كما يدل على ذلك صراحة ما حدث من محو اسم الإله «آمون» وصور الآلهة في كل أنحاء بلاد الوادي حتى جبل «برقل»، وكذلك فإن اسم نائب الملك في عهد «أمنحتب الرابع» وهو «تحتمس» كان موجودًا حتى الحدود الجنوبية،٦٨ يُضَافُ إلى ذلك النشاط الذي أظهره هذا الفرعون في البناء والتعمير في الجنوب فإنه يُعَدُّ بمثابة تطور في العلاقات السلمية أكثر من ذي قبل. ففي «سسبي» التي أقام جدار مدينتها يوجد معبد صغير للإله «آتون»،٦٩ وكذلك نشاهد مناظر في المعبد الكبير وفي معبد «صلب» باسمه٧٠ وقد وُجِدَ في «سدنجا» جعران باسم هذا الملك، وتدل ظواهر الأحوال على أن بلدة «كاوا» القديمة قد أُسِّسَتْ على ما يظهر في عهد «أمنحتب الثالث»، وقد سُمِّيَتْ أولًا «جم آتون» على ما يُظَنُّ في عهد «أمنحتب الثالث» لا في عهد «أخناتون» ثم سُمِّيَتْ في العهد الكوشي كما سنرى بعد باسم «جم با آتن».٧١ كل هذا يبرهن بوضوح على أن بلاد النوبة كان يسودها السلام والنظام. وفي الوقت الذي نجد فيه في المستعمرات الأسيوية أن العلاقات السياسية كانت في حالة فوضى تامة فإننا لا نجد في بلاد النوبة أي متن يحدثنا عن حملة حربية ضخمة لقمع أية ثورة هناك، ولدينا له لوحة سيئة الحفظ من هذا العهد عُثِرَ عليها في «بهين»٧٢ تقول صراحة: «لم توجد أية ثورة في هذا العهد» وكذلك تشمل قطعة أخرى من نفس اللوحة على ما يظهر قائمة جزية أو تعداد غنائم حروب، والنقش مهشم درجة أنه لا يمكن للإنسان أن يستخلص منه شيئًا. وهاك الكلمات التي يمكن قراءتها: «… مذبوح … اكاتيا (اقته) النوبيين أحياء ٩٠ (؟ + ؟) … زوجة ١٢ (؟) فيكون المجموع ١٥٥ (أو ٢٤٥) الذين كانوا تحت إمرته … ٢٢٥ مهرًا (؟) (أو بقرة حلوب) ٣٣١. وابن الملك صاحب كوش المشرف على الأراضي الأجنبية …». فالكلمة الأولى «مذبوح» يمكن أن تشير إلى موقعة حربية أيضًا ما دامت لا تشير إلى جزء من لقب الفرعون. و«اكتيا» تقع في الصحراء شرقي «كوبان» ومن المحتمل أنها ذكرت بمناسبة حملة تأديبية على بدو الصحراء في هذه الجهة، وإنه لمن المهم أن نجد اسم «اكتيا» الذي لا يُذْكَرُ كثيرًا في النقوش قد كُرِّرَ في نقش من نقوش «أمدا»٧٣ مرة أخرى.
هذا ولا يمكن أن نَعُدَّ صور توريد الجزية من الجنوب بأية حال حملات حربية مُظَفَّرَةً، وهذا ما يجب أن نتبعه في حالة الواردات الآتية من الشمال أيضًا، أما إن الفرعون «أخناتون» لم يقم بأية حملة في آسيا فيدل على ذلك خطابات٧٤ «تل العمارنة» التي كان يرسلها الأمراء المخلصون يرجون فيها الفرعون أن يرسل جيشًا مصريًّا إلى سوريا وفلسطين لمساعدتهم؛ إذ لم نجد فيها ما يدل قط على إرسال أي جيش لشنِّ حرب.

(١١) حور محب

وفي العهد الذي تلا عهد «أخناتون» نجد أن «حور محب» قد لعب دورًا سياسيًّا عظيمًا، وقد كان في عهد حكم «توت عنخ آمون» هو القائد الحقيقي للسياسة الخارجية والسياسة الداخلية معًا، وقد قبض على زمام الحكم في القطرين عدة سنين. «وقد حضر رجال البلاط منحنين أمام باب القصر وأمراء البلاد الأجنبية من الجنوب والشمال قد أَتَوْا بأيديهم مرفوعة مادحين إياه كأنه إله وكل شيء يطلب عمله كان يعمل على حسب أمره».٧٥ وقد قام «حور محب» بوصفه قائدًا لحملة حربية على بلاد آسيا كما قام برحلة إلى بلاد النوبة. ويلحظ أن المادة الخاصة بالحكم على الحالة السياسية في بلاد النوبة في ذلك الوقت، والفكرة المنطوية في رحلة «حر محب» إلى النوبة هي في الواقع لا تخرج عن كونها فكرة عابرة.
ونستخلص من منظر في مقبرة «حور محب» التي أقامها في «منف» السلطة المهددة الأركان لحكومة مصر في ذلك الوقت وهي التي نشاهدها مُمَثَّلَةً في ممتلكاتها الأسيوية وما أصابها من ارتباك، وهذه المناظر التي عُثِرَ عليها في نقوش هذه المقبرة هي في الواقع إيضاح مفيد لما جاء في خطابات «تل العمارنة»٧٦ عن سوء الحال في المستعمرات المصرية فنشاهد في هذا المنظر «أناسًا قد أَتَوْا من كل حدب وصوب من آسيويين ولوبيين يتضرعون إلى الفرعون أن يسل سيفه البتار» فكان إذن لزامًا على الملك أن يقبض بجيشه على زمام الأمام وأن يخرج البلاد من الفوضى إلى النظام. وقد ذكرت هنا بلاد «كوش» في جملة مهشمة وذلك في خطاب «حور محب» إلى الموظفين المصريين وهي: «إن بعض الأجانب الذين لا يعرفون كيف ينبغي عليهم أن يعيشوا قد أتوا … الفرعون مثل ما فعل آباء آبائهم … ويوجد لديكم الفرعون ليحرس حدوده … بضوئه … من بداية الجنوب من «كوش» … وكل أرض قد اجْتُثَّتْ مثل هذه …».
وفضلًا عن ذلك لاحظ الأثري «شيفر» في فقرة المتضرعين للفرعون رسم زنجي وهذا بصرف النظر عن سائس الجواد المصور في هذه الصورة وهو الشخص الذي لم يرسل لحيته. وتدل تقاطيع وجهه على أنه ليس بزنجي وليس فيه من الملامح ما يدل على أنه جنوبي الأصل، إذ لا نجد فيه الميزات التي تميز ابن الجنوب وهو القرط الكبير وأسورة الساعد والريشة التي على الرأس، هذا إلى أن شعره المستعار الذي كان يحليه شريط عريض على الجبهة لا يُعَدُّ بأية حال من الأحوال من الخواص التي يُمَيَّزُ بها النوبي أو الزنجي. وفضلًا عن ذلك فإنه يمكن التعرف عليه صراحة من كمه الطويل الضيق وهو الذي لا يكاد يوجد عند أهل بلاد الجنوب.٧٧ ويُلَاحَظُ أن النوبي والزنجي يلبسان بوجه عام تلفيعة عريضة فقط على الجزء الأعلى العريان من الجسم أو على ثوب مصري واسع.٧٨ وقد كان الزي المحبب في ذلك العهد أن يصور المفتن أهل الجنوب بملامح خارجة عن حد المألوف بوصفهم زنوجًا. ونشاهد في ذلك صورة أخرى في نفس المقبرة واضحة الرسم فنجد على قطعتين٧٩ صفًّا من العبيد جالسين القرفصاء بملامح هزيلة تمثل الزنوج، ولدينا قطعة حجر أخرى٨٠ يظهر أنها كذلك من مقبرة «حور محب» مثل عليها فرقة من الجنود نجد من بينهم بعض الجنوبيين يظهرون بلباس شعر قصير وملامح زنجية. وأخيرًا لدينا قطعة حجر محفوظة بمتحف اللوفر٨١ تُعَدُّ من المناظر المماثلة التي نحن بصددها وهي هامة بوجه خاص، إذ نجد فيها ممثلًا جنبًا لجنب أسيويًّا ولوبيًّا وجنوبيًّا، وهكذا كانوا في الواقع كذلك يمثلون منظر السفراء الأجانب إذا كانوا في الحقيقة يمثلون الأقوام المجاورين لمصر.
والواقع أن شواهد الأحوال لا تدل على أن العلاقات السائدة في الجنوب كانت تشبه التي في الشمال، وكذلك الرأي القائل بأنه كانت توجد اضطرابات في كل مكان على حدود المملكة، وأنه كانت تنبعت أصوات استغاثات من كل جانب لدرجة أن المملكة كانت مهددة عند حدودها الثلاثة أو على الأقل يوجد ما يكدر الصفو، كل ذلك مشكوك فيه من كل الوجوه. وفضلًا عن ذلك فإنه الحالة في البلاد تحدثنا على العكس من ذلك، إذ في عهد «توت عنخ آمون» قد أقيمت بلدة جديدة أو على الأقل أسس معبد في «فرص» وخُصِّصَ لعبادة الفرعون، وقد كان النظام في بلاد النوبة سائدًا، وعلى ذلك فإن رحلة «حور محب» في بلاد النوبة كانت تمليها السياسة الداخلية. على أن المادة اللازمة للحكم على نوع المشروع الذي كان يقوم به في رحلته هذه في تلك البلاد ليست كافية لدينا إلى حد ما، وأهم أثر لدينا عن ذلك هو قطعة نقش من مقبرة «حور محب»٨٢ نقرأ فيها ما يأتي: «أنه (أي «حور محب») قد أُرْسِلَ بوصفه مبعوث الملك إلى بعد ما يضيئه «آتون» (قرص الشمس) ليعود بعد أن يكون قد انتصر … دون أن تستطيع أية أرض أن تقف أمامه وقد استولى عليها في لحظة عين وحده، واسمه قد استوعب بيقظة … وقد سار (؟) نحو الشمال. وهناك ظهر جلالته على عرش تقديم الجزية، وقد أُحْضِرَتِ الجزية من الجنوب ومن الشمال. وكان يقف بجانبها «حور محب» …» ويعلن «إدوارد مير» اقتراحه بأن هذا النقش خاص بالصورة المفقودة من المنظر الخاص بالغنائم النوبية في هذه المقبرة وأن الصورة التي في مقبرة «حوي» تُنْسَبُ إلى نفس الاحتفال الذي أقيم في مقبرة «حور محب».
ولم يبق لنا من مقبرة «حور محب» في منف إلا القطعة التي نحن بصددها.٨٣ هذا ويدل متن قطعة الإسكندرية التي من هذه المقبرة على أنه خاص بمنظر كان مصورًا فيه جزية الشمال،٨٤ ومن المحتمل أن القطعة التي في متحف «بولوني» وهي التي تحدثنا عنها فيما سبق مع صورتها وكذلك قطعة «اللوفر» هما من هذا المنظر. وإذا كان ينبغي علينا أن ننسب منظر تقديم الجزية الذي في مقبرة «حوي» إلى نفس الاحتفال الذي نحن بصدده في مقبرة «حور محب» فإن ذلك بلا نزاع يكون دليلًا على أن المنظر لا يمثل غنيمة حرب جاءت عن طريق موقعة حربية نشبت في بلاد النوبة، وذلك أنه لم يُذْكَرْ قط في مقبرة نائب الملك «حوي» أي حرب أو عصيان قام في بلاد النوبة، بل على العكس نجد في صورة أخرى جمع الضرائب في هدوء وسكينة.٨٥ وكذلك لا تمت قطعة «الإسكندرية» إلى غنيمة حرب بسبب بل هي خاصة بجزية كما يدل على ذلك مدلول الألفاظ المصرية القديمة التي وردت عليها، ولا بد لقيام حملة حربية حقيقية من أن يكون سببها قيام ثورة ثم القضاء عليها والمادة التي لدينا ليس فيها ما يشير إلى ذلك في السودان في عهد قيادة «حور محب».

يضاف إلى ذلك أن المنظر الذي على صندوق الملك «توت عنخ آمون» الذي نشاهد فيه هذا الملك في عربة حربية مع طائفة من الجنود الزنوج مجدَّلين لا يدل في الواقع على موقعة حربية حقيقية لها علاقة بجملة قام بها القائد «حور محب» في بلاد النوبة. وأخيرًا فإن العبارة التي جاءت في لوحة «الكرنك» وهي: «لقد ملأ بيوت أعماله بالعبيد والإماء وبالجزية من غنائم سيف جلالته». قد اسْتُعْمِلَتْ جملة تقليدية وليس لها بأية حال من الأحوال علاقة بمشروع حربي نوبي.

والأجدر إذن أن تكون هذه الرحلة التي قام بها «حور محب» المدير لأمور الدولة رحلة تفتيش في بلاد النوبة ليطمئن على إخلاص موظفيه في عملهم في بلاد النوبة والواقع أن بلاد النوبة بثروتها الغنية كانت تلعب دورًا هامًّا في سياسة مصر الداخلية وبخاصة في الأوقات المضطربة إذا كانت في أوقات الحرب مليئة بالأحزاب الكبيرة، فإذا كان نائب الملك وموظفوه وكذلك السيطرة على موارد المواد الغفل في الجنوب وبخاصة مناجم الذهب العظيمة في يد الفرعون فإن ذلك يكون سببًا في الانتصار على عناصر الدسائس في سياسة البلاد الداخلية والقبض على زمام الموقف كما سنرى ذلك بعد.

ولما اعتلى «حور محب» عرش البلاد قام بحملة حربية على بلاد «كوش» وهنا كذلك لا نعلم شيئًا على وجه التقريب عن هذه الحملة، ومن المحتمل أن هذه لم تكن إلا مجرد مظاهرة قام بها رجل أعلن نفسه ملكًا على البلاد ولم يكن لديه سند شرعي يَدَّعِي به تَوَلِّي الملك، وقد صُوِّرَتْ عودته إلى البلاد المصرية على صخور «السلسلة»٨٦ فنشاهد أمام الملك الذي كان محمولًا في محفة يسير خلفه الأسرى النوبيون والجنود المصريون وفي النقوش التابعة لهذا المنظر أن جلالته يعود من بلاد «كوش» بالغنائم التي أحرزها سيفه كما أمر به والده «آمون». وكذلك نجد أن الموقعة هنا قد مُثِّلَتْ غير أن الصور قد هُشِّمَتْ لدرجة أنه لم يكن التعرف على كيفية تأليفها، ومن المحتمل أنها كانت على غرار تلك الموقعة التي شاهدناها مصورة على جدران عربة «تحتمس الرابع». ونجد بعض التفاصيل ثانية في الصور التي مُثِّلَتْ فيما بعد في عهد «رعمسيس الثاني» و«رعمسيس الثالث»،٨٧ وهذا هو الأثر الوحيد الذي لدينا نتخذه دليلًا على حملة الملك هذه، وعلى ذلك فإنه لا يمكن أن نحكم حكمًا صحيحًا أكيدًا على أهمية هذه الحملة وما لها من قيمة سياسية.

وكذلك ليس لدينا معلومات عن الحملات الحربية التي قام بها الملوك الذين خلفوه من عهد الرعامسة. فنجد في رسوم المناظر الكبيرة في النقوش المملوءة بالعبارات البراقة الأعمال الحربية التي قام بها الفرعون، ولكن لا نكاد نجد مع كل ذلك ذكر تاريخ محدد أو مكان معين، بل كل ما نجده هو ذكر بلاد دون أن يقال عنها شيء. وقد كانت العادة عند الفراعنة أن يُمَثَّلَ الفرعون منتصرًا على أهالي الجنوب، وأن النوبي مهزوم وقراه مُخَرَّبَةٌ دون أن تقوم على وجه عام حملة حربية عظيمة على ما يظهر نحو الجنوب. والواقع إذن أن المعلومات التي نستقيها من هذه المناظر تكاد تكون لا شيء، ومع ذلك فإننا سنلقي نظرة خاطفة على ما لدينا من مادة عُثِرَ عليها في هذا العهد.

(١٢) «رعمسيس الأول»

ففي نقش من السنة الثانية من عهد «رعمسيس الأول» وكذلك في صورة منه يرجع تاريخها إلى السنة الأولى من عهد «سيتي الأول» قد قص علينا أن الملك قد أقام معبدًا في «بهين» وجهزه بكهنة وملأ بيت أعماله بالعبيد والإماء الذين أحضرهم جلالته غنيمة.٨٨ ففي لوحة «رعمسيس الأول» يقال صراحة إن الملك كان في «منف» ونجد كذلك اسم «سيتي الأول» في نهاية النقش دون أن يكون له أية علاقة بالمتن ويريد الأستاذ «برستد»٨٩ أن يرى في ذلك احتمال أن «سيتي الأول» قد قام لوالده بحرب في بلاد النوبة. ولكن النقوش لا تحدثنا بشيء من ذلك، أي إن الأسرى كانوا من بلاد النوبة، وفضلًا عن ذلك فإن التعبيرات التي ذُكِرَتْ في المتن إن هي إلا تعابير كلامية ليس لها قيمة تاريخية تذكر فقد نُعِتَ «رعمسيس الأول» في نقوش معبد «العرابة» بأنه «الثور القوى الذي ضرب النوبيين».٩٠

(١٣) «سيتي الأول»

ولدينا لوحة وجدت في «العمارة غرب» مُؤَرَّخَةٌ بالسنة الرابعة أو الثامنة من عهد «سيتي الأول» تُحَدِّثُنَا أن هذا الملك قام بحملة حربية على إقليم «أرم»،٩١ وتدل شواهد الأحوال على أن هذه الحملة لم يكن لها أية أهمية، وذلك لأننا لم نجد في المناظر العدة في معبد الدولة في «الكرنك» الذي تحدثنا عن حملاته في آسيا ولوبيا صورة واحدة عن حروب له قام بها في البلاد الجنوبية. والواقع أنه يوجد فقط منظران حيث نجد هذا الفرعون ممثلًا وهو يضرب أمام «آمون» أهل الشمال وأهل الجنوب. والنقش الذي يتبع ذلك كما قال «برستد»٩٢ هو نقش مُنْتَحَلٌ نصفه الأول يُنْسَبُ إلى نقش بناء للفرعون «أمنحتب الثالث» والنصف الثاني مأخوذ من أنشودة النصر للفرعون«تحتمس الثالث»، ولدينا في نقوش معبد «وادي مياه» (الرديسية) منظران يمثلان ضرب العدو أمام الإله؛٩٣ واحد منهما يمثل أهل البلاد الشمالية والآخر يمثل أهل البلاد الجنوبية. غير أن صبغة النقوش التقليدية نجدها ظاهرة في المتن التابع لهذا المنظر؛ على الرغم من أن النقش الذي بجوار صورة الملك يقول صراحة «إنه هزم عظماء كوش الخاسئة وإن الإله آمون أمر الملك بقوله: «خذ سيفك أنت يأيها الملك القوي و«حور» الحي صاحب القوس لتهزم عظماء «كوش» ولتقطع رءوسهم». وهكذا نطق «آمون» عندما قدم للملك الأراضي المأسورة: «إني أعطيك الجنوب وكذلك الشمال مجتمعَيْن تحت نعليك». وكذلك الأراضي العشر التي ذُكِرَتْ هنا بعدُ ليست بأية حال من الأحوال أراضيَ جنوبية كلية بل جاء بعد «كوش الخاسئة» قائمة تقليدية بأسماء أقوام الأقواس التسعة وهي التي وجدناها للمرة الأولى مذكورة في مقابر عظماء القوم في عهد الأسرة الثامنة عشرة،٩٤ وهي التي على وجه عام نجدها مرسومة تحت أقدام الفرعون على كرسي العرش، وهؤلاء الأقوام هم نظريًّا الأقوام الخاضعون لحكم الفرعون. وعلى ذلك فإن هذه القائمة تكون لا معنى لها في منظر يصف هزيمة أهل الجنوب قبالة أهل الشمال، وهذا مما يدل على أن الإنسان يجب أن يكون حذرًا عندما يستنبط نتائجه التاريخية من مثل هذه المناظر أو من قوائم الأقوام الخاصة بهذا العصر.

(١٤) «رعمسيس الثاني»

ولدينا من عهد «رعمسيس الثاني» مادة غزيرة ولكنها على الرغم من غزارتها لا تقدم لنا شيئًا يُذْكَرُ عن الحوادث التاريخية في موضوعنا. فلا نجد المناظر العدة الدالة على حروب نوبية ما يمكن أن نستخلص منه تاريخًا معينًا أو مكانًا معروفًا وقعت فيه حروب بوجه عام.

والرسوم الخاصة بالمناظر الحربية نجدها في ثلاثة معابد وهي «أبو سمبل» و«بيت الوالي» و«الدر».٩٥
ففي «أبو سمبل» مُثِّلَ ضَرْبُ أحد ممثلي أهل الجنوب كما مثل موكب الظفر بعد النصر وسوق الأسرى٩٦ ويلفت النظر في النقوش التابعة للمنظر أنها تتحدث عن أهل الشمال أيضًا، فمثلًا نجد مع موكب المظفر: «أنه (أي الملك) لهيب نار عندما تندلع دون أن يوجد ماء لإطفائها»٩٧ وفي منظر الاستعراض نقرأ: «إحضار جزية بوساطة الإله الطيب (أي الملك) لوالده «آمون رع» بعد أن خرب الأراضي الأجنبية الثائرة وهزم النوبيين في عقر دارهم وتشمل (الجزية) فضة وذهبًا ولازوردًا وفيروزجًا وكل الأحجار الكريمة الفاخرة وهي التي أخذها بقوته ونصره على كل بلاد أجنبية». والكتابة التي على الأسرى هي: «إن عظماء كوش الخاسئة أحضرهم جلالته بنصره من أرض كوش ليملأ بهم بيت أعمال والده الفاخر «آمون رع» سيد الكرنك …». ونجد مثل هذه الجمل مع أسماء أخرى من أهل الشمال.٩٨ وهذا مما يقلل من قيمتها بوصفها مصادر عن حملة حربية أو أنها نوع من المحاصيل الجنوبية التي غنمت في ساحة القتال.
أما في «بيت الوالي» فنجد تسلم جزية كبيرة ومنظر واقعة حربية،٩٩ وهذا المنظر الأخير له نظيره في «الدر»١٠٠ ونشاهد في هذا المنظر الملك يقبض وهو في عربته على النوبيين الهاربين. وعلى اليسار من ذلك بلدة نوبية تحت شجر النخيل ونشاهد كذلك امرأة جالسة تنوح أمام كوخ وبجوارها راعٍ معه قطيعه وجريح حمل إلى هذا المكان من موقعة القتال.
والواقع أن تأليف هذا المنظر قد أُخِذَ عن مناظر مواقع قديمة، وأكثر من ذلك نجد أن بعض تفاصيله قد صُوِّرَ في مصادرَ قديمة.١٠١ وقد جاء مع منظر القرية النوبية ما يأتي: «كل عدو (؟) قال: «لا تجعل الأسد يخرجه من الوادي … «رعمسيس الثاني»»، ومعنى هذه العبارة نجده في منظر موكب الظفر الخاص بالملك «حور محب» في «السلسلة» ففيه نقرأ مع رجل وامرأة نائمة على رجل أُخِذَ في الأسر: «آه أنتم أيها الأطفال الذين كانوا كبارًا في قلوبهم يا من نَسُوا ما قد قيل لهم من قبل لا تجعل الأسد يخرج ويدخل بلاد كوش».١٠٢
ومن ثَمَّ نرى أنه ليس لدينا مصدر وثيق عن حملة حربية قام بها «رعمسيس» على بلاد النوبة وعلى ذلك فإن هذه المناظر التقليدية التي نجدها في المعابد ليست ذات بالٍ ولا يُعْتَمَدُ عليها.١٠٣ هذا ولدينا كذلك لوحة١٠٤ على صخور الطريق الممتدة بين «أسوان» و«الفيلة» مؤرخة بالسنة الثانية الشهر الثالث من فصل الصيف اليوم السادس والعشرين، ولا يمكن أن يكون هذا التأريخ لحملة حربية لأن المتن لا يحتوي إلا علي جمل عادية تشير إلي انتصار في الشمال أيضًا، فإذا كان المتن يتناول في الواقع موضوع حملة حربية معينة لجاء ذكرها صراحة فيه كما هو المنتظر.
والواقع أن كثيرًا من الألقاب والنعوت التقليدية كانت لا معني لها قط في العلاقات السياسية الغابرة، وذلك أنه عندما يفكر الانسان في أن بلاد النوبة كانت إقليمًا مصريًّا اقتصاديًّا علي جانب عظيم من الأهمية يدير شئونها موظفون من قبل الملك ولم يكن للأمراء المحليين بالتأكيد بعدُ إلا دور غير هامٍّ في هذه الإدارة؛ يجد أنه لم يكن لهؤلاء الأمراء أية قوة يجابهون بها المصريين اللهم إلا بعض زعماء من قبائل البدو كانوا يقومون في وجه المصالح المصرية، وعلي ذلك فإنه لا ينبغي أن تكون الجمل التي ذُكِرَتْ صورة تمثل السياسة المصرية في الجنوب مثل: «الملك الثور القوي ضد كوش الخاسئة، ومن خواره يخترق بلاد النوبة، ومن حافره يدوس النوبيين، ومن قرنه يخترقهم عندما يستولي بقوة على «خنت-حن-نفر» ومن الفزع منه يصل إلى «كاراي»»، أو «من يجعل أرض كوش لا شيء»١٠٥ فكل هذه ليس إلا جملًا جوفاء تقليدية.
وفي بلدة «العمارة القديمة»١٠٦ عُثِرَ حديثًا على مناظر في داخل البوابة لها قيمتها الأثرية وهي من عهد «رعمسيس الثاني» فعلى الجدار الجنوبي نجد المنظر المبتذل الذي يُمَثَّلُ فيه «رعمسيس الثاني» يهجم بعربته على مجموع من النوبيين الذين فقدوا النظام في صفوفهم، وعلى الجدار الشمالي صُوِّرَتْ عودة الفرعون منتصرًا، ففي نهاية الشرق يتقدم «رعمسيس الثاني» جنودًا وهو ممتطٍ عربته في حين نشاهد خلفه من جهة الغرب على الباب الجانبي ثلاثة من أولاده هم «مرنبتاح» و«ستمويا» وثالث فُقِدَ اسمه يقودون أسرى نوبيين. ومع ذلك نجد متنًا قصيرًا مؤلَّفًا من سطرين سُجِّلَ فيه أن الحملة قد وُجِّهَتْ على أرض «أرم» النوبية وبه ما يزيد على سبعة آلاف أسير. وهذا المتن القصير تدل شواهده على أنه سجل تاريخي أصلي، وعلى ذلك فإنه يُعَدُّ أول سجل معروف لدينا عن حملة قام بها «رعمسيس الثاني» على بلاد «أرم»؛ بل الواقع أن هذه الحملة تُعَدُّ أول حملة حقيقية تاريخية لهذا الفرعون في بلاد النوبة. ومن جهة أخرى قد كُشِفَ في «العمارة» على سجل عن حملة قام بها «سيتي الأول» على بلاد «أرم».١٠٧

(١٥) الملك «مرنبتاح»

وبعد عهد «رعمسيس الثاني» نجد أن التحدث عن المواقع الحربية قد أخذ في النقصان، ففي عهد «مرنبتاح» خلف «رعمسيس الثاني» نعرف فقط لوحة واحدة مُهَشَّمَةً في «عمدا»١٠٨ وهي تحدثنا عن إخماد ثورة في «واوات» واللوحة لا يمكن ترجمتها لما فيها من تهشيم كثير. ويبتدئ المتن باسم الملك ونعوته المختلفة مثل «الإله الطيب»، و«الأسد سيد خارو (سوريا)» و«الثور القوي ضد كوش» و«الذي يذبح بلاد مزوي»، ثم يأخذ في سرد الموضوع وهو يشبه تمامًا النقوش التي ذكرناها عن الثورة النوبية التي نشبت في عهد «تحتمس الثاني»١٠٩ والتي قامت في عهد «تحتمس الرابع» وفي عهد «أمنحتب الثالث» فقد جاء فيها: «لقد أتى إنسان يقول لجلالته إن العدو من «واوات» (قد بدأ بثورة)»، وبعد ذلك تأتي أشياء غامضة عن اللوبيين والرتنو ثم يأتي: «إن الأسد صاحب النظرة الوحشية قد أرسل لهيبًا من فمه على أرض «واوات» (سطر ٦)» «وقد بحث عن العدو في كل الأرض حتى لا يقوم مرة أخرى بثورة (١٠)» «ورجوع الأمن إلى نصابه، وقد قبض على الأراضي الأجنبية باسمه وجعل الأراضي في سلام (يعيشون)، وجعل مصر فرحة وجعلها فاخرة (سطر ١٣)»، وإنه لمن المستحيل أن نستعمل هذا المتن الْمُمَزَّقَ من الوجهة التاريخية ليضع أمامنا حقائق جديدة، وعلى أية حال فإنه يمكن أن نتصور أن هذه الثورة التي حدثت في بلاد النوبة السفلى كان لها ارتباط بالحروب مع بلاد لوبيا التي قام بها هذا الفرعون على هذه البلاد.١١٠ وذلك أن اللوبيين عندما كانوا يبحثون عن مساكن لهم وسبل للعيش قد منعهم «مرنبتاح» من الزحف شمالًا، على أنه ليس من المستحيل أن يكون بعض هؤلاء اللوبيين قد وَلَّى وجهه نحو بلاد النوبة السفلى بدلًا من التوجه جنوبًا نحو الواحات. وسنظل في شك من أمر هؤلاء القوم إذا كان وجود هذه الطائفة المهاجرة التي تمتاز ببياض بشرتها في بلاد الأهالي الجنوبيين أو إذا كنا نفهم اسم المكان «نخنت» في بلاد النوبة بمثابة رمز لتسرب أناس لوبيين في عهد الدولة الحديثة١١١ وحافظوا على اسمهم الأصلي.

(١٦) «رعمسيس الثالث»

وآخر أثر له علاقة بحملة حربية على بلاد النوبة يرجع عهده إلى عصر الفرعون «رعمسيس الثالث» ففي معبده الكبير الذي أقامه في مدينة «هابو» نجد صور حرب نوبية قد مُثِّلَتْ في ثلاثة مناظر وهي تشبه التي ذكرناها في عهد «رعمسيس الثاني». وخلافًا لذلك نشاهد قائمة طويلة منقوشة بأسماء أهل الجنوب المغلوبين على الجانب الأمامي للبوابة الأولى من هذا المعبد.

هذا ولدينا صورة كما أشار الأثري «أنتس» في معبد «آمون» بالكرنك نقلها «رعمسيس الثالث» عن «رعمسيس الثاني» خاصة بسَوْقِ الأسرى على حسب ما جاء في موقعة «قادش» ولكنها رُسِمَتْ مختصرة مع حذف أجزاء منها.١١٢ وكذلك نجد أن المتن في كل من النسختين موحد إلا لفظة «خيتا» التي ذكرت في عهد «رعمسيس الثاني» فقد حل محلها اللفظة «قادش» وذلك أن مملكة «خيتا» كانت قد لعبت دورها واختفت من الوجود في عهد «رعمسيس الثالث».

وكذلك نجد صورًا نوبية مشابهة تمامًا في مدينة «هابو» فالصورة الأولى التي تمثل الانتصار على النوبيين تشبه الصورة التي رسمها «رعمسيس الثاني» في «بيت الوالي» وفي «الدر»، وبتأليف موضوع الصورة وفيها الملك المهاجم في عربته والجموع الْمُجَدَّلَةُ من النوبيين المهزومين والقرية النوبية، كل هذه قد بقيت كما هي ولم يتغير إلا بعض تفاصيل فردية مثل الراعي مع قطيعه فقد حُذِفَتْ.

والمنظر الثاني ويُمَثِّلُ سَوْقَ الأسرى ونعرفه من قبل في معبد «رعمسيس الثاني» في «أبو سمبل»، ثم المنظر النهائي ويُمَثِّلُ قيادة الأسرى أمام الإله «آمون» والإلهة «موت» وهذا يرجع أصله إلى تقليد قديم. وأخيرًا نجد أن قائمة الأقوام الجنوبيين كما برهن «برستد» قد نُقِلَتْ عن قوائم قديمة.١١٣ وعلى ذلك لم يكن من باب المفاجأة أن نجد ثانية مع الملك الذي يقود الأسرى أمام «رع حوراختي» وهم مهزومون أنشودة النصر، بل إن «سيتي الأول» كان في الواقع قد نقلها في زمنه من الأنشودة القديمة التي أُنْشِئَتْ في عهد «أمنحتب الثالث» مع إضافة بعض عناصر تتناسب مع الموقف.١١٤
وقد جاء في ورقة «هاريس» الكبرى ذكر السوريين والنوبيين الذين غنم منهم جلالته غنائم كثيرة١١٥ وكذلك لدينا لوحة من مدينة «هابو» تصف لنا سَوْقَ الأسرى النوبيين إلى مصر.١١٦

غير أن كل هذه المصادر لا تكاد تكون لها قيمة تاريخية ولا يمكنَّا مرة واحدة أن نثبت على وجه التأكيد قيام حملة حربية نحو بلاد النوبة على حسب ما جاء بها. وفي ورقة «هاريس» الكبرى التاريخية لم نجد في الفصل المخصص للأحداث التاريخية وهو الذي نجد كل أعمال الملك العظيمة قد ذُكِرَتْ فيه أية إشارة إلى قيام حملة حربية على بلاد النوبة، وهذا يعني عل كل حال أن «رعمسيس الثالث» لم يقم في مدة حكمه بأي أعمال حربية في الجنوب.

والواقع أن بلاد النوبة كانت من الآن لمدة طويلة لا تعد بلادًا أجنبية لها ثقافة مميزة بل كانت تعد جزءًا من المملكة المصرية مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا لدرجة أن شخصيتها من حيث الجنس والثقافة قد فُقِدَتْ. وعلى الرغم من أنه على ما يظهر لم تقم أية مشاريع حربية في هذه البقعة فإنها بقيت في قبضة الحكومة المصرية، وكذلك كان من المفهوم أنه في عهد «رعمسيس الحادي عشر» كان نائب الملك في «كوش» في عهد الاضطرابات السياسية في مصر مع جنوده النوبيين منحازًا للحكومة المنفية.١١٧

هوامش

(١) راجع: L.A.A.A., 8, Pl. XVIII.
(٢) راجع: URk., IV, 14.
(٣) راجع: Mem, Miss. Fr. V, 420, Pl. III.
(٤) راجع: Davies, El Amarna, III, Pl. 12.
(٥) راجع: Maciver and Woolley Buhen, p. 86, PI, 35.
(٦) راجع: Reisner, J. E.A., Vol. 6, p. 29.
(٧) راجع: Buhen, p. 99.
(٨) راجع: J.E.A., Vol. 25, p, 142, Note.
(٩) راجع: Urk., IV, 7.
(١٠) راجع: Urk., IV, 78.
(١١) راجع: Urk., IV, 50.
(١٢) راجع: Urk., IV, 8, 36, 70, 78-90 and 139; sai and Tangur Graffité A. J. S. L (1908), p. 100, 104, f.
(١٣) راجع: Breasted, A.J.S.L. (1908), p. 104; P.S.B.A., 7, p. 121 and Sethe Untersuchungen I, 41.
(١٤) راجع: J.E.A., Vol. 22, p. 200 Kalic ff.
(١٥) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٤٠٦.
(١٦) راجع: Urk., IV, 85, L, 11 ff.; Jnnker, Kubanieh Nord, p. 16, 21.
(١٧) راجع: Junker, J.E.A., 7, 129; wreszinski, Atlas I, 265.
(١٨) راجع: Kerma, II, 556; 1, pp. 152, 215, 224, 314.
(١٩) راجع: Urk., IV, ubersetzung, p. 46. Note I.
(٢٠) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٢٩٤.
(٢١) راجع: Urk., IV, 192; L. D., Text V, 226.
(٢٢) راجع: Save, p. 184 ff.
(٢٣) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٢٩٥.
(٢٤) راجع مصر القديمة الجزء السابع ص ٥٤٤.
(٢٥) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٣٠٧.
(٢٦) راجع: The Thutmosid Succession (Studies in Anc, Oriental Civilisation) 8; Chicago Oriental Institute.
(٢٧) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٢٩٥.
(٢٨) راجع: The Temple of Dier El Bahari, III, Text, p. 11, and Urk., IV, p. 315 f.
(٢٩) راجع: Urk. IV, 438, L. 10.
(٣٠) راجع: A.Z., 36., 71.
(٣١) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٤٦٨.
(٣٢) راجع: A.Z., 66, p. 76.
(٣٣) راجع السطر ٣٥ من النقش.
(٣٤) أقرن Schafer, Aethiop. Konigsinschr, (Nastasen), p, 33.
(٣٥) راجع: Amade stele und Elephantine Stele Bibliotheque d’Etude, 10
(٣٦) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٦٦٨.
(٣٧) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٦٧٨.
(٣٨) راجع A.Z., 66, 81.
(٣٩) راجع: L.D., III, p. 70.
(٤٠) راجع: Schafer, Aethiop, Konigsinschr, (Nastasen), p. 31.
(٤١) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٦٨٦.
(٤٢) راجع مصر القديمة الجزء الخامس ص ٢٠.
(٤٣) راجع: Rec, Trav., 15, 178 f.
(٤٤) ولا يمكن الإنسان أن يرى من هذا الوصف تجمع الجيش كما يظن «برستد» (Br., A.R., II. §. 828) وقد تُرْجِمَ المتن بصورة أخرى مغايرة بعض الشيء.
(٤٥) راجع: L.D., III, 69 e.
(٤٦) راجع: Kees, Totenglauben p. 28 f., Rev. Egyptol. N.S., II, 25.
(٤٧) راجع: Wrcszinski, Atlas II, 3, Carter and Newberry, The Tmob of Thoutmosis, IV p. 31 f.
(٤٨) راجع: Urk, IV, 708.
(٤٩) راجع: Rec. Trav, 8. 84 ff: 10, 97 ff; 21, 227.
(٥٠) راجع: The Tonb of Thoutmosis IV p. 21.
(٥١) راجع: Petrie, Six Temples, Pl. I; A.Z., 36, p. 84
(٥٢) راجع: Br. Mus. No. 902 (Hierog, Texts. VIII, 8 PI. IX)
(٥٣) راجع: L.D. III, 69 f.; Gauthier. Amada, p. 153
(٥٤) راجع: مصر القديمة الجزء الخامس ص ٥٤–٥٧.
(٥٥) راجع: De Morgan Cat. I, 4, 5; L.D., III, 81 g, h.
(٥٦) راجع: L. D. Text IV 119
(٥٧) راجع: L.D, III, 82 a; Brugsch Thesuarus, p.1218 f. De Morgan, Cat. I, 67 f Semneh Stele (B.M. No. 657, Hierog, Texts, VII, p. 21 f Pl. xx; Merenptah Stele (Rec.Trav, 20. 42); Petrie Six Temples, Pl, X.
(٥٨) أترو = ١٫٥ كيلو مترًا على وجه التقريب.
(٥٩) راجع: Urk, IV, P. 808 L. 2.
(٦٠) راجع: Rec, Trav., 20, 42, L. 23.
(٦١) راجع: Naville, Bubastis, Pl, 34.
(٦٢) راجع: Urk., I, p. III.
(٦٣) راجع: Urk., IV, 137, f.
(٦٤) راجع: Buhen, P. 81.
(٦٥) راجع: Br., A.R., II, P. 388, Note
(٦٦) راجع: Urk., IV, P. 800.
(٦٧) راجع: Holscher. Libyer und Agypter, p. 21.
(٦٨) راجع: J.E.A., 6, p. 34.
(٦٩) راجع: J.E.A., 23, p. 143 f.
(٧٠) راجع: A.J.S.L. (1908), p. 51 ff.
(٧١) راجع: Sudannotes and Records, 12, p. 87 f.
(٧٢) راجع: Buhen, p. 91 f.
(٧٣) راجع: A.S., 10. 122 f. and Gauth., D.G.I, 110.
(٧٤) راجع مصر القديمة الجزء الخامس ص ٣٦٧ إلخ.
(٧٥) راجع: Fluger and Die Amarna Zeit, p. 28.
(٧٦) راجع: A.Z., 38, p. 48.
(٧٧) راجع: Ermann-Ranke, Taf. 39.
(٧٨) راجع: Wreszinski, Atlas II, 3.
(٧٩) راجع: Eremann Ranke Taf, 39.
(٨٠) راجع: The Brooklyn Museum Quarterly, Vol. XIX (1932), No. 48 and p. 147 ff.
(٨١) راجع: Wreszinski, Atlas, II, 3 B b4.
(٨٢) راجع: Alexandria, Fagment, P.S.B.A, II, p. 424, Comp. Ed, Meyer, p. 406 and Fluger Ibid. P. 38 f. 55.
(٨٣) راجع: Helck., p. 83.
(٨٤) راجع: Fluger, Ibid, p. 31.
(٨٥) راجع: Davies, The Tomb of Huy, Pls. XVI, XVII, Wreszinski, Atlas I, p. 162 ff.
(٨٦) راجع: L.D.III, p. 120, 121; wreszinskix Atlas, II, 162 and Fluger, 6 وراجع كذلك مصر القديمة الجزء الخامس ص ٦٠٥.
(٨٧) راجع: Wreszinski Atlas II, 161.
(٨٨) راجع: Br., A.R., III § 74 ff. Louvre C. 57, and B.M. No. 1189.
(٨٩) راجع: Br., Ibid. § 75.
(٩٠) راجع مصر القديمة الجزء السادس ص ٥٧.
(٩١) راجع: J.E.A., 25, 142
(٩٢) راجع: Br. A.R. III § 113.
(٩٣) راجع: L.D., III, 139 a, 140 a, Bull. Instit Fr. 17. I, ff.
(٩٤) راجع مصر القديمة الجزء التاسع ص ١١٨.
(٩٥) راجع مصر القديمة الجزء السادس ص ٢٤١–٢٤٣.
(٩٦) راجع: Wreszinski, Atlas, II, 180, 171, 184, a; Br., A.R., III § 450 ff.
(٩٧) راجع: wresz,., Ibid, 181.
(٩٨) راجع: Wresz. Ibid, Pl, 179.
(٩٩) راجع: Wresz., Ibid, 165-168.
(١٠٠) راجع: Wresz., Ibid, 168 a.
(١٠١) راجع: Jaquier, Fouilles à saqqarah, La Monument Funerire de Pepi II, Tome. II, Le Temple, P. 14; Comp. Kees, O.L.Z. (1941), p. 106.
(١٠٢) راجع: Brmus., Hierog. Texts, VIII, P. 22, Pl, XX.
(١٠٣) راجع: Roeder, Betel Wali, P. 161.
(١٠٤) راجع: L.D., III, 1759.
(١٠٥) راجع: Kuban stele, L. 4; Abu Simbel Hymnes Ramses II, L.D., III, p. 195 a.
(١٠٦) راجع: J.E.A., Vol, 35, p. 8.
(١٠٧) راجع: J.E.A., Vol. XXIII pls. 13, 19 cf Pl. 15, 1.
(١٠٨) راجع: Rec. Trav. 18, p. 156, f. Gauthier, Amad, p. 187.
(١٠٩) راجع: Urk, IV, 138.
(١١٠) راجع مصر القديمة الجزء السابع ص ٣٥ إلخ.
(١١١) راجع: Holscher, Ibid, P. 21 f.
(١١٢) راجع: A.Z., 65, P. 26 ff.
(١١٣) راجع: Br. A.R. IV. § 138
(١١٤) راجع: Medinet Habu, II Pl. 102.
(١١٥) راجع: Ericksen, 75, I ff.
(١١٦) راجع: Wresz, Atlas II, 160.
(١١٧) راجع مصر القديمة الجزء الثامن ص ٥٢٣ و٥٥٠ و٥٨٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠