الفصل الثامن عشر

اختلاط النوبيين بالمصريين في عهد الدولة الحديثة

كان النوبي منذ أقدم العهود ينزح إلى البلاد المصرية ويعمل فيها كادحًا بطرق مختلفة، غير أن هذا النزوح كان محدودًا لدرجة عظيمة فلم يكن النوبي يرغب في أن يُدْفَنَ في مصر كما كان المصري يرهب أن يُوَارَى جثمانه في أي بلد أجنبي. وقد ظلت الحال كذلك حتى عهد الدولة الحديثة عندما أصبحت بلاد السودان تكاد تكون جزءًا لا يتجزأ من مصر، وقد حدث أنه في أوائل عهد الدولة الحديثة عندما ما أرادت مصر أن تسترد سلطانها في بلاد النوبة أن أخذ الفراعنة يسوقون أسرى الحرب الأجانب والعبيد إلى مصر ويستغلون الرجال منهم في زرع الأرض وغسل الذهب، أما النساء فكن يعملن غازلات أو ناسجات، هذا وكان هؤلاء العبيد من جهة أخرى يُسْتَعْمَلُونَ في مناجم الذهب، فمن ذلك نعلم أن أفرادًا كانوا يؤجرون عبيدهم لهذا الغرض.١ وكانت الحكومة تفيد من ذلك بجمع ضريبة السماح بإيجار هؤلاء العبيد.
ونشاهد الاستغلال الخاص للعبيد النوبيين بصورة ظاهرة في تخديمهم في البيوت كما كانت الحال في عهد الدولة القديمة، وكما هي الحال في مصر الحديثة، إذ نشاهد معظم خدم البيوتات الكبيرة من النوبيين. ولدينا من هذا العهد قصيدة غزل تتحدث عن خادم المحبوبة التي كانت من أصل نوبي فاستمع لما جاء فيها بالنسبة لهذه النوبية٢ فيقول المحب: آه لو كنت الجارية تابعتها! حقًّا كنت أرى لون كل جسمها. هذا وكان «لمريت رع» وهي زوج رجل عظيم في عهد الملك «آي» خادمتان نوبيتان٣ على أن ظهور النوبي في ركاب سيده في خلال نزهته في عربته وغير ذلك من الخدمات لدليل على أن هذه كانت عادة منتشرة بين الملوك كما كانت بين علية القوم؛٤ وكان النوبي يُسْتَخْدَمُ بوصفه خادمًا خاصًّا رشيقًا لحمل المروحة لسيده.٥ ونجد في أحد المصادر نوبيًّا كان يشتغل بحارًا في مصر.٦ ولكن كان أكثر خدمة النوبي في الجندية والشرطة؛ وظهر استخدامه في هذه الأعمال منذ الدولة القديمة، وقد ذكرنا من قبل ما قام به في حرب تحرير مصر من نير استعباد الهكسوس. وكان النوبي بوجه عام يُسْتَعْمَلُ في فرقة الرماة كما كان يُسْتَعْمَلُ جنديًّا يحمل الدرع ويسوق العربة كما يدلنا على ذلك نقش من عهد الرعامسة،٧ وقد كان لتغلب الأزياء التي كانت تتأثر بالفن صفة بارزة في تغيير ملابس النوبي في العصور المختلفة. ففي عهد «حتشبسوت» نجد نقشًا تفسيريًّا على صورة ت مثل نقل مسلة فيه العبارة التالية: «شبان (جنود) من «خنت-حن-نفر» بجانب جنود من المصريين»، ونشاهد جميع من في هذه الصورة يلبسون ملابس مصرية وهم مسلحون بالفئوس أو البلطة وبعصا رماية. وليس هناك فرق بين المصري والنوبي فلم نجد الفرق الذي كان يميز به عادة النوبي وهو تسليحه بعصا الرماية.٨ وهذا النوع من السلاح نجد مسلحًا به جنديًّا نوبيًّا في مقبرة «ثنني» كاتب المجندين حيث نجده يرتدي قميصًا مصريًّا ومع ذلك فإنه كان يلبس فضلًا عن ذلك الريشة التي تميز النوبي في لباس رأسه، يضاف إلى ذلك أننا نجد جنود رئيس الشرطة «محو» في «تل العمارنة» من عهد «أخناتون» يلبسون قمصانًا مصرية ويختلطون بالمصريين،٩ ونجد أمثال هؤلاء كذلك في رجال الشرطة التابعين لرئيس الشرطة «نب آمن».١٠ هذا ونعلم أن الجنود الأسيويين واللوبيين والنوبيين الذين يعملون حرسًا للفرعون نفسه كانت ملابسهم خاصة بهم. وعلى ذلك نجد أن النوبي لا يختلف كثيرًا عن المصريين الآخرين بل كان يلبس أحيانًا ملابس مصرية خالصة. وقد ظل يلبس قميصًا طويلًا له هدابة من الأمام كما كانت الحال في العهد الإهناسي.
ومن مميزات ملابسه كذلك الوشاح الذي كان يَتَّشِحُ به على كتفه والقرط الكبير الذي كان يتحلى به وريشة النعامة التي كانت يضعها في شعره المجعد. وقد صُوِّرَ في «تل العمارنة» نوبي يلبس قميصًا من الجلد. وهذا اللباس نشاهده ثانية في عهد «توت عنخ آمون»١١ كما نشاهده في عهد الرعامسة.١٢ ويشمل رجال الشرطة في مصر عددًا كبيرًا من أهالي الجنوب وقد سُمُّوا «المزوي» على الرغم من وجود مصريين بينهم وهؤلاء الجنود نجدهم في أمهات المدن مثل «منف» و«قفط» و«طيبة». ولم يكن عملهم قاصرًا على حفظ النظام والأمن بل كان لهم كذلك نشاط في جمع الرديف والضرائب.١٣ وقد وجدنا في نقوش رئيس شرطة «طيبة الغربية» أنه فضلًا عن عمله كان مكلفًا بجمع أموال ضياع الملك.١٤ وغالبًا ما يكون رئيس الشرطة من جنود الفرعون القدامى مثل «نب آمن» السابق الذكر، ولكن رئيس الشرطة، كان له مجال آخر معروف؛ فقد كان أولًا من خدم الملك المقربين ويسير أمام خيله ويخدمها، وبعد أن يظهر إخلاصه في هذا العمل كان يُرَقَّى شرطيًّا في طيبة الغربية وفيما بعد يصبح رئيس شرطة. وبالنظر لأن هذا المجال كان يرقى في مدارجه غالبًا رجل نوبي الطراز فإنه قد يكون من المحتمل هنا أن يكون هذا النظام خاصًّا بالجنوبيين (راجع ما كتب عن رجال المزوي فيما سبق).
ونصادف نوبيين في مصر مُقَسَّمِينَ طوائف عُرِفُوا بأنهم حرس للملك.١٥ ففي عهد «أمنحتب الثاني» نجد رجلًا يُدْعَى «نخت» يحمل لقب المشرف على النوبيين «لثور كوش» والأخير هو بالتأكيد في هذه الحالة اسم طائفة نوبية صحيحة. وقد لقب نفسه فضلًا عن ذلك حامل العلم لهذه الفرقة نفسها ولقب المشرف على النوبيين، هذا وقد جاء ذكره في منشور «نوري» وهو وحامل المروحة هناك في درجة واحدة. أما فرقة المزوي في تل العمارنة فهي على الرغم من كل الظواهر ليست من أصل نوبي في حين أننا نشاهد في فرقة مصورة في مقبرة «حور محب» بعض السود.١٦ وحامل علم هذه الفرقة مصري الجنس، ومن المُسَّلَمِ به بوجه خاص أن مقدم هؤلاء الجنود بصفة عامة ليس نوبي الأصل.
وكذلك قد اندمجت في الجيش المصري فرق نوبية فنجد في خطابات «تل العمارنة» أن حكام آسيا من أتباع الفرعون المخلصين كانوا يرجونه في أن يرسل إليهم فرقة من جنود «كاش وملوخا» والمقصود هنا بلا نزاع فرقة جنود من أهل كوش.١٧ ومما يسترعي النظر هنا أنه في حين نجد أن قوم «ملوخا» قد ذُكِرُوا هنا بوجه خاص مع جنود آخرين من مصر وأنهم لم يظهروا قط بوصفهم أعداء بل أتباع الفرعون فلا بد أن تكون الحال كذلك مع «كاش»، ولكن من جهة أخرى قد جاء ذكر كلمة «كاش» لتدل على الكاشيين (Kossaer)١٨ ولذلك تجب الحيطة على الرغم من أنه ليس بمستحيل أن الجنود النوبيين قد استغلوا الفوضى للقيام بثورة، هذا إذا سلمنا مع الأستاذ «ينكر» بأن النوبيين كانوا فعلًا موجودين في الأرض الآسيوية وقتئذٍ، غير أن ذلك فيه شك كبير.١٩ ولكن الرجاء الذي نجده في خطابات «تل العمارنة» من جانب أتباع الملك ليرسل إليهم رجال حامية من جنود «ملوخا» ليحموهم على حسب العادة التي كان يسير عليها أجداده من قبل وهي إرسال نجدات إلى آسيا، يُعَدُّ دليلًا قاطعًا على أن هؤلاء الجنود كانوا يُسْتَعْمَلُونَ في هذه الجهات من قبل، هذا وقد ظهر هؤلاء الجنود النوبيون كذلك في عهد الأسرة الثامنة عشرة في جزيرة «كريت» فنجدهم مُمَثَّلِينَ على جدران قصر «كنوسوس».٢٠
وكذلك ظهر في عهد الرعامسة نوبيون في الجيش المصري بين الجنود الأجانب، وإن كان عدد اللوبيين يفوق عددهم دائمًا في الجيش المصري. فلدينا بردية من عهد الرعامسة٢١ تذكر جيشًا مُؤَلَّفًا من ١٩٠٠ مصري و٥٢٠ من الشردانيين و١٦٠٠ من الكهك و١٠٠ من المشوش و٨٨٠ من النوبيين. وكذلك تدلنا المناظر الباقية على وجود هؤلاء الجنود النوبيين.٢٢ وأخيرًا نشاهد فرقًا نوبية في عصر الاضطرابات التي حدثت في عهد نهاية الأسرة العشرين تحت إمرة نائب الملك «بانحسي».٢٣
وتدل شواهد الأحوال على أن المصريين كانوا ينظرون إلى هؤلاء النوبيين نظرة الأكثرية القوية إلى الأقلية الضعيفة، فنشاهد في المناظر التي تمثل العدو المقهور أن الملك كان يقود النوبيين أمام الإله ليذبحهم. ولا نزاع في أن التقاليد القديمة كانت تلعب دورًا في مثل هذه المناظر، وعلى ذلك لا نعلم على وجه التأكيد إذا كان هذا الاحتفال بإحضار الأسرى أمام الإله في عهد الدولة الحديثة كان واقعيًّا أم مجرد تقليد والرأي الأخير هو الأرجح.٢٤
وكذلك مما يدل على امتهان النوبيين الدورُ الذي كان يلعبه النوبي في احتفال «شعيرة جرتكنو» وكذلك قطع رأس حيوان الضحية مما وجدناه ممثلًا في منظر هام في مقبرة «منتوحر خبشفس»٢٥ مما يدل على هذا الاتجاه. فعلى اليمين نشاهد في هذا المنظر رجلين يحملان جرارة (يظهر أنها «جرارة تكنو») واثنين آخرين يلقيان بآلة خاصة في حفرة، والكتابة المفسرة لهذا المنظر هي: «الجر إلى الإعدام» وعلى اليسار من هذا المنظر نشاهد نُوبِيَيْنِ مضطجعَيْن على جنبَيْهما مزملين إلا أيديهما فإنها كانت طليقة، ويتبع ذلك منظران آخران متشابهان معهما رجلان يحمل كل واحد علامة خاصة وأحدهما نوبي يتدلى من رقبته خيط فيه حلقتان ولا نعلم إذا كان ذلك المنظر تذكاريًّا أو يمثل تضحية فعلية. وعلى أية حال فإن المنظر يشهد على طريقة معاملة بعض الطغاة للنوبي، وهذا يكفي لإظهار أن المصري القديم كان يعتبر أحيانًا النوبي كالحيوان يُقَدَّمُ ضحية عند إقامة الشعائر الجنازية. ومن هذا القبيل لدينا أمثلة عدة مصورة تدل على وضاعة النوبي في عين المصري، ولم يكن هذا قاصرًا على المناظر الأثرية الكبيرة بل كذلك نجده في الأشياء الصغيرة الفنية،٢٦ وفضلًا عن ذلك ما كان ينظم من مبارزة بين المصريين والأجانب المختلفين التي لم يكن القصد منها فقط التسلية والرياضة بل كانت تقام على وجه خاص لأجل أن نظهر عظمة المصري وحقارة الأجنبي.٢٧ وهذا الاحتقار والامتهان نجدهما في متن من متون عصر الرعامسة حيث يقول المدرس لتلميذ قذر ما يأتي: إنك مثل متكلم أجنبي (تتعلثم في الكلام) نوبي عندما يأتي بالجزية.٢٨ وكذلك لدينا وثيقة من عهد الأسرة العشرين تكشف لنا عن موقف مماثل للنوبي من حيث امتهان مركزه. وذلك أن رجلًا تزوج من اثنتين٢٩ وأراد أن يعمل مع زوجته الثانية تسوية قانونية طيبة وقد استفسر أولاده الذين من زوجته الأولى فيما إذا كان له أي حق في ادِّعاء هذه الملكية المعينة، وقد أجابهم الوزير الذي كان يحقق القضية على سؤالهم قائلًا: إن متاعه هو ملكه وله الحق أن يتصرف فيه كما يشاء، وحتى إذا لم تكن زوجته، بل كانت مجرد سورية أو نوبية يحبها وأعطاها متاعه فهل ينبغي أن يتعارض ذلك مع ما فعله؟
ولو صح أن النوبي يحتل مكانة حقيرة وأنه يُنْظَرُ إليه بغير عين الرضا فإن ذلك لا يعني أنه كان يُهْضَمُ حقه في إرث أو وصية. والواقع أن مكانه العبيد الاجتماعية في مصر قد وضحت لنا من وثائق أخرى. على أنه لا بد أن نفهم أن العبيد لم يكونوا يُسْتَعْمَلُونَ في أحط الأعمال، بل على العكس نجد أن «توت عنخ آمون» كان يستعمل عبيدًا وإماء في أعمال راقية كمغنين ومغنيات وراقصين وراقصات، وكذلك كانوا يُوَظَّفُونَ كهنة مُطَهَّرِينَ، ومن ثَمَّ نرى أنهم كانوا بلا شك يَتَوَلَّوْنَ وظائف اجتماعية لا بأس٣٠ بها كالمصري.
هذا ولا نجد عائقًا قانونيًّا يحول دون تحرير الخادمات الإماء في البيوت، ولدينا متن من عهد «رعمسيس الحادي عشر» يحدثنا عن تبني أَمَةٍ مُحَرَّرَةٍ،٣١ وقد جاء ذلك في وثيقة عن المرأة الْمُتَبَنَّاةِ بوصفها وارثة لزوجها الذي تبناها في مدة حياته ليحفظ ثروته. والوصية غريبة في بابها وقد شرحناها شرحًا مُسْهَبًا في الجزء الثامن، ونجد ما للعبيد من حقوقه اجتماعية وقضائية في المتن الذي أشرنا إليه سابقا الخاص بموضوع الزوجة الثانية وما أشير فيه من حقوق العبيد.
ولا يتسرب للذهن أن هذه الحقوق كانت قد ظهرت متأخرة فقط في عهد الرعامسة بل الواقع أنها كانت موجودة من قبل ولا أدل على ذلك من أن أمة نوبية تُدْعَى «مراقا شاتي» قد ظهرت بوصفها شاهدة في عقد إيجار من عهد الأسرة الثامنة عشرة.٣٢
هذا ولدينا مثال آخر عن نوبية في مكانة أرقى وقبرها في «القرنة» ومن المؤكد أنه يرجع إلى عهد الأسرة السابعة عشرة٣٣ وهذا القبر نسبيًّا كان غنيًّا من حيث ما أُودِعَ فيه من أثاث جنازي، وتدل محتوياته على اتصاله بثقافة «كرمة» اتصالًا واضحًا بخاصة. فنجد فيه مثلًا الأواني الموضوعة في شباك وهذه من مميزات مقابر «كرمة»٣٤ هذا إلى المخدات ذات القاعدة الطويلة فإنها كانت من الطُّرُزِ السائدة في مقابر كرمة بصورة عظيمة، وهذه قد وُجِدَتْ كذلك في مصر،٣٥ وكذلك يشير وجود حجر المسن في هذه المقبرة وهو الذي يوجد في بلاد النوبة بكثرة٣٦ إلى هذا الاتجاه، وعلى ذلك يميل الإنسان إلى التسليم بأن هذا القبر هو لامرأة من الجنوب كانت إما حرة مع أسرتها، أو كانت قد جاءت إلى مصر بوصفها أَمَةً ثم أصبحت زوجة أو حظية لأحد عظماء البلاد المصرية، وقد جهز لها زوجها قبرًا ودًفْنَةً حسنة على حسب الطريقة النوبية. ومما سبق يتضح أن المصري كان يشتد أحيانًا في معاملة النوبي ولكنه في معظم الأحيان كان يعامله معاملة الند للند.

الجنود النوبيون:

وتدل الأحوال على أن معظم الجنود النوبيين كانوا أحرارًا وكذلك الجنود النوبيون الذين وُجِدُوا مدفونين في المقابر القعبية أو المستديرة في مصر فكانوا أحرارًا كذلك في هذا العهد. وعلى ذلك فإن جنود المزوي الذين ساعدوا في حرب التحرير كان موقفهم مشابهًا لهؤلاء، وكذلك يخيل إلى أن الجنود النوبيين الذين كانوا في آسيا وكذلك الذين كانوا في «كريت» قد جاءوا إلى هذه الجهات أحرارًا،٣٧ وأخيرًا نعلم من نقوش عصر الرعامسة المتأخر أن الجنود النوبيين كان لهم عبيد٣٨ وهذا ما يتفق مع الجنود الأحرار وحدهم.

ويظهر من كل الأمثلة السابقة أن النوبي في مصر وكذلك في إقليم السودان نفسه كانت لديه الفرصة ليرقى إلى مراتب عالية في الدولة المصرية.

ومن المفهوم أنه لم يكن من المنتظر وجود مجاميع أثرية لها طابع سوداني كالتي وُجِدَتْ في قبر «القرنة» السابق وبخاصة بعد الخطوات الواسعة التي خطتها البلاد نحو التمصير، وعلى ذلك فإن السواد الأعظم من هؤلاء النوبيين قد أصبحوا مجهولين لدينا.

ومع ذلك فإنه لدينا حالات يحتمل أن نُسَلِّمَ فيها بأننا أمام أفراد نوبيين يشغلون وظائف عالية. فمثلًا مقبرة «ماي-حر-بري» التي يرجع تاريخها إلى عهد الملكة «حتشبسوت» وقد تحدث لنا عنها «ريزنر» فقال إنه لاحظ في الجثة أن عظمتي الصدغين كانتا ناتئتين غير أنه لم يفحص الجسم فحصًا علميًّا، وفي حين نجد أن «ريزنر» يقول عن صاحب الجثة إنه نوبي قد اختلط دمه بالدم الزنجي تمامًا فإن «دارسي» يصف الجثة كما يأتي:٣٩ إن هيئة الجثة تذكرنا كثيرًا بصور التحامسة. وينبغي على ما يظهر أن يكون أصل صاحبها من الوجه القبلي من الإقليم الذين بين «إدفو» و«أسوان» حيث نجد أن اختلاط المصريين بالنوبيين ينتج عنه هذا الطراز من الناس الملون باللون الغامق دون أن يكون من أصل زنجي ويلحظ أن شعر هذا الرجل قد ظهر بمظهر شعر الزنجي بعض الشيء غير أنه شعر مستعار، ولذلك فإنه لا يقدم لنا شيئًا جوهريًّا عن أصله. ومع ذلك فإن صورته كما صُوِّرَتْ على البردي الجنازي تدل على أنه من أصل أجنبي. والصورة التي نشرت له لا نعرف منها شيئًا كثيرًا، وقد وصفها لنا «دارسي» كما يأتي: «إن الْمُتَوَفَّى الملقب بالغلام «ماي حر بري» طرازه زنجي وجلده أسمر جدًّا وشعره مجعد». ولا يدل بلباسه المصري على أي شيء بالنسبة للسلالة البشرية التي ينتمي إليها.
ويُضاف إلى المميزات السلالية لهذا الرجل ميزة أثرية وأعني بذلك التشابه العظيم الذين تجده بين الأشياء المصنوعة من الجلد التي وُجِدَتْ في قبره بالأشياء التي وُجِدَتْ في كرمة، فالملابس المصنوعة من الجلد التي مثل عليها نماذج غاية في دقة الفن نجد مثيلاتها في «كرمة» وإن كانت في تفاصيلها أبسط. فقد وُجِدَ طوق كلب له مثيله في الصنعة في «كرمة»،٤٠ يُضَافُ إلى ذلك نموذج حزام منظوم بالخرز فقد وُجِدَ نظيره في مجموعة ثقافة C.٤١
وكل هذه الأشياء توحي بالتسليم أن «ماي-حر-بري» كان نوبيًّا، وكذلك لا تتعارض ألقابه مع هذا الرأي فنجده قد لُقِّبَ في مقبرته: الغلامَ حامل المروحة على يمين رب الأرضين صاحب الحظوة عند الإله الطيب والتابع الذي يقفو خطوات ملك الوجه القبلي في البلاد الجنوبية والشمالية.٤٢ وعلى حسب ذلك يمكننا تأليف مجال حياته الحكومية فيما يلي. فنحن نعلم أن أولاد الأمراء النوبيين كانوا بوصفهم غلمانًا ينشئون مع أمراء البيت المالك وأولاد عظماء القوم في بلاط الفرعون كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وقد كان من المحتم عليه بعد تنشئته كذلك أن يكون من خُدَّامِ الفرعون الشخصيين في بادئ مجال حياته الحكومية ثم يرتقي إلى درجة أعلى فيلقب حامل المروحة على يمين الفرعون، وهذا اللقب الذي وُضِعَ هنا للمرة الأولى على رأي «ريزنر» كان لقب وظيفة ذات قيمة بسبب اتصالها الوثيق بالفرعون، هذا وقد صار هذا اللقب بمثابة لقب فخري لموظفي القصر في عهد «أمنحتب الثاني» وذلك عندما أصبحت صيغة اللقب ثابتة وهي: «حامل المروحة على يمين الملك». وفي عهد «أمنحتب الثالث» كان هذا اللقب يُمْنَحُ لنائب الملك صاحب كوش، ومن ثَمَّ أصبح لقب شرف تقليديًّا يحمله حامل هذه الوظيفة الأخيرة، وكذلك كانت نفس الحالة مع لقب «التابع للملك في سفراته في الجنوب والشمال» و«تابع سيد الأرضين». وبهذه المكانة التي بلغها «ماي-حر-بري» بحظوة الفرعون له أقام مقبرته الغنية بمحتوياتها في «وادي الملوك» وهذه ميزة نادرة في هذا العهد ومنها نفهم أنه كان لا بد يشغل حقًّا وظائف عليا كثيرة لم يمكن استخلاصها تمامًا مما بقي لنا من محتويات قبره.
هذا ولدينا أمثلة يحوم حول صحتها بعض الشك٤٣ عن نوبيين كانوا يشغلون وظائف عالية. فمن المحتمل مثلًا أن كاتب المجندين «ثنني» كان من هذا الصنف٤٤ وهو الذي عاش في عهد «تحتمس الثالث» وختم حياته الحكومية في عهد الفرعون «تحتمس الرابع». و«ثنني» هذا على حسب رأي الأستاذ «زيته» قد مُثِّلَ في قبره في صورة رجل يشبه البشاريين الحاليين، ومن الجائز كذلك أن أخاه صاحب المقبرة رقم ٧٨ بطيبة الغربية وهو الذي كان يحمل لقب المشرف على المزوي (مجا) وصُوِّرَ متحليًا بقرط كبير كان كذلك من أصل أجنبي أي نوبي، ومن المحتمل أن كلًّا من «ثننى» وأخيه كان مصريًّا ويقود جنودًا أجنبية ويلبس ملابس كملابسهم أيضًا.
هذا وقد ذهب «جوتييه» مما وجده على لوحة في متحف «جيميه» (Stela Nr. C. 12) في نقش ابن الملك «باسر» (النوبي؟) إلى أن نائب الملك «باسر» الذي عاش في عهد كل من «آي» و«حور محب» كان نوبيًّا.٤٥ غير أن هذا النقش الذي يشك في قراءته لا يمكن الاعتماد عليه في الأخذ بهذا الرأي.
وقد ظهر في عهد الرعامسة مدير بيت للملكة يدعى «نختمين» وهو نوبي الأصل وقبره الذي في «بقع» قد نشره الأثري هرمان وقد تحدث عن أصل هذا الرجل كما يأتي:٤٦

كان «نختمين» الذي تقلد هذه الوظيفة مرتبطًا بوساطتها ببلاد «طيبة». ويمكن تفسير دفنه في بلاد النوبة بأنها كانت مسقط رأسه وقد يدل على ذلك تعبير في صيغة الدفن إذ جاء فيها: «إنك في قبرك الذي أقمته في بلدتك بأمر السيد». غير أن ذلك ليس له أهمية فاصلة لأن هذا تعبير كلامي وعام نجده في أحوال كثيرة ولكن الدفن في بلاد النوبة بدلًا من مصر، وبخاصة في حالة موظف صاحب وظيفة عالية مثل نائب الملك في كوش، يعد من الأمور المدهشة الغريبة، ومما يلفت النظر في هذه الحالة أن لدينا هنا رجلًا صاحب لقب عالٍ يدفن في «بقع» ولم يدفن في إحدى المدن الهامة في السودان مثل «عنيبة» أو «بهين» ومن أجل ذلك فإننا لا نخطئ إذا سلمنا أن «نختمين» كان على ما يظهر نوبيًّا من أهالي بقع نفسها.

هذا ويمكن لنفس الأسباب أن نعتبر نائب الملك «بانحسي» الذي عاش في عهد «رعمسيس الحادي عشر» من أصل نوبي لأن قبره وُجِدَ في «عنيبة»٤٧ في حين أن كل أسلافه على قدر ما نعلم قد دُفِنُوا في مصر. ومن جهة أخرى فإن اسمه «بانحسي» الذي يعني النوبي لا يقدم برهانًا مؤكدًا لأن هذا الاسم كان يتسمى به كثير من المصريين٤٨ وعلى أية حال فإنه كان يتقلد وظائف الدولة العالية واحد من رجال الأقاليم التابعة للدولة في عهد الرعامسة المتدهور. هذا فضلًا عن أنه يصادفنا سائقون لعربة الملك قد وصلوا إلى أعلى الرتب الهامة في وظائف الحكومة منذ عهد «مرنبتاح» من عصر الأسرة التاسعة عشرة.

وهؤلاء هم من أهالي الأقاليم التابعة للدولة من كل صنف، وكذلك كان منهم بالفعل من كان نوبي الأصل، وعلى الرغم من أن النوبيين في مصر لم يكونوا على قدم المساواة مع المصريين وعلى الرغم من أن المصري كان ينظر إلى النوبي نظرة الأعلى إلى الأدنى فإن مجال النوبي قد هَيَّأَ له فرصًا واسعة أمكنه بها أن يتصل بالملك مباشرة ويصل إلى أعلى مراتب الدولة وبخاصة أنه لم يقم أمامه أي عائق قانوني. ولا يمكننا القول بصفة قاطعة إذا كان النوبيون قد وصلوا إلى هذه المراتب بطريق الاستثناء أو إذا كان هذا أمرًا كثير الحدوث وبخاصة في العهد المتأخر من تاريخ البلاد. والأرجح أن النوبي كان يتولى هذه الوظائف في حالات كثيرة وبخاصة بعد أن أصبح متمصرًا تمامًا ولا فرق بينه وبين المصري نفسه في كل الأحوال.

هوامش

(١) راجع: A.Z., 43, 17; P.S.B.A., 30, 272 ff; comp. Kees, Kulturgesch. P.48.
(٢) راجع: Muller, Die Liebespoesie der Alten Agyp, (Lps. 1899), 43; BulI, Inst, Fr. 14, 243 A.S., 17, p. 109.
(٣) راجع: Davies, The Tomb of Neferhotep, p. 26, PI. 15.
(٤) راجع: Davie, Ibid, p. 23 Pl. 18 Pap. A nstasi IV, 3,5 f; Gardiner, Late Eg. Misc. p. 37.
(٥) راجع: Pap. Anastasi, IV, 16, 55; Gardiner, Ibid, p. 52; A. Z., 14, 75; L.D. III, 218 c; Davies, The Tomb of Kenamon PI, 20 f, P. 32; Wresz Atlas, II, 14.
(٦) راجع: Mem. Miss. Fr., 5, 551.
(٧) راجع: L.D. III, 218.C.
(٨) راجع: Naville, The Temple of Deir el Bahari VI, 155 .
(٩) راجع: El Amarna, IV Pl. 19 ff.
(١٠) راجع: Davies, The Tomb of Two Officials of Thutmosis IV. PI. 27.
(١١) راجع: Bissing. [Bruckmann Denkmaler Taf. 84.
(١٢) راجع: Wresz., Atlas, II. 128, 135, 185.
(١٣) راجع: Kees, Kulturgesch., p. 47.
(١٤) راجع: Thompson (Gardiner), Theban Ostraca, p.16 g. ff.
(١٥) راجع: Helek, Der Einfluss der Militarfuehrer. p. 57 f.
(١٦) راجع: The Brooklyn Mus, Quarterly, Vol. 19 (1932) Nr. 4. comp. p. 150.
(١٧) راجع: Ed. Meyer, Gesch, Alt. 2 Il, I p. 137; Junker, Tell el Yahudiye Vasen, 123, J.E.A., Vol. 6 p. 89; 7, p. 80 ff; Weber in Knudtzon, Die El Amama-Tafeln. p. 1100 f; 1154 f.
(١٨) جاء ذكر قوم «كوشو» في متون اللعنة التي نشرها «بوزنر» خاصة بعهد الدولة الوسطى مرتين وهم قوم أسيويون. راجع Posner, Princes et pays etc, p. 88.
(١٩) راجع: Save, Ibid, p. 234.
(٢٠) راجع: Evans, The Palace of Minos II, p. 756 f.
(٢١) راجع: Pap. Anastasi I, 17, 4. ff; (Gardiner, Eg. Hieratie Texte, I, 58 وكذلك راجع الأدب المصري القديم الجزء الأول ص ٣٨٨.
(٢٢) راجع: Wresz, Atlas, II, 128, 135, 185.
(٢٣) راجع مصر القديمة الجزء الثامن ص ٥٣٧ و٦٠٥.
(٢٤) راجع: Bissing Bruckmann, Denkmaler, Text Zu. Taf. 33 Wresz. Atlas II, 184 a: Sphins 3, p. 129 ff.
(٢٥) راجع: Mem. Miss., Fr., 5, fig. 7
(٢٦) راجع: Holscher, Medinet Habu, PI. 19 (Morgenland 24), Wresz, Atlas II, 3; Carter, The Tomb of Tut Ankh Amon I, P1 70; A.S. 4, 41; and Pl. 6; J.E.A. 4, 22, PI. 20, 2; (Ancient Egypt 1921), p. 13 and Pl. 1.
(٢٧) راجع: Wilson, J.E.A., 17, 211 ff.
(٢٨) راجع: Gardiner, Late Eg. Misc, p. 85, PSBA, 37, p. 121.
(٢٩) راجع مصر القديمة الجزء الثامنة من ص ٥٧٧ إلخ.
(٣٠) راجع: Kees, Kulturgesch, p. 260 and Helck, Der Einfluss etc, p. 9. amm. I.
(٣١) راجع مصر القديمة الجزء الثامن ص ٥٨٤ والمتن الخاص بذلك J.E.A. Vol, 26, p. 33 ff.
(٣٢) راجع: A. Z., 43, 27 Pap. A, 12.
(٣٣) راجع: Petrie, Qurneh p, 6 ff and Pl. 22 ff comp. Junker Toscke, p. 56, 59 Anm 3, 77; Kerma II, 232.
(٣٤) راجع: Kerma II, P. 301 ff.
(٣٥) راجع: Kerma II, 232 and 236 ff and Carnarvon-Carter, Five years Explorations at Thebes Pl. 68, 69; Sedment I, pl. XV 18 etc.
(٣٦) راجع: Junker, Toacke. p 77.
(٣٧) راجع: Save, P. 234.
(٣٨) راجع: Kees, Herihor, p. 8.
(٣٩) راجع: Daressy. Fouilles de la Valleé des Rois 1898-1899 = Cat Gen, Mus (1902) p. 60.
(٤٠) راجع: Kerma, II, 19.
(٤١) راجع: Aniba, I, p. 45.
(٤٢) راجع: Daressy, Ibid, p. 54.
(٤٣) والظاهر أن الرأي السائد كان عدم استخدام صغار النوبيين في الوظائف الكبيرة بل كانوا بقدر المستطاع يُبْعَدُونَ من مثل هذه الوظائف ولا أدل على ذلك من الخطاب الذي أرسله «أمنحتب الثاني» إلى ابن الملك حاكم كوش المسمى «وسرساتت» يحذره فيه من إسناد وظائف كبيرة إلى صغار النوبيين إلا عند الضرورة. راجع: J.N.E.S., XIV, I, p. 25.
(٤٤) راجع: مصر القديمة الجزء الرابع ص ٣٩٧.
(٤٥) راجع: Rec. Trav., 39, 700.
(٤٦) راجع: Mitt, D. Inst., 6, 23.
(٤٧) راجع: Aniba, II, p. 241.
(٤٨) راجع: J.E.A., Vol, 14. p. 68 Note 2.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠