الفصل الثاني

عصر ما قبل التاريخ في بلاد النوبة السفلى

المجموعة الثقافية (أ) A (وتؤرخ من حوالي ٤٠٠٠–٣٠٠٠ ق.م.)، والمجموعة (ب) B (من حوالي ٣٠٠٠–٢٤٠٠ق.م.).

دلت الكشوف الأثرية التي قامت في بلاد النوبة السفلى على أنه كانت توجد سلسلة مراكز للسكان يقع كل منها عند فم وادٍ أو خور من التي ألفت فيها رواسب النهر مساحات مختلفة الحجم صالحة للزراعة، وقد كان عماد هؤلاء السكان الذين يسكنون هذه المساحات في حياتهم هو الزراعة يؤازرها الصيد البري والمائي ونقل السلع من مكان لآخر. وقد بقيت حياة هذه الجماعات مستمرة ما بقيت الأرض صالحة للزراعة. وفي بعض الأحيان كانت تتكون طبقات جديدة من الغرين يرسبها النهر، كما كان النيل ينحسر عن طبقات أخرى فتصبح جافة قاحلة. ولقد دلت الحفائر التي عملت في هذه الجهات على أن مدافن كل جماعة من السكان قد استمرت ممثلة منذ عهد ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا على الرغم مما أصاب تلك المدافن من نهب وتعرية. أما عدد هذه الجماعات ومقدار ما كان عليه أهلها من سعادة فكان يختلف كثيرًا من عصر لعصر. وهذا الاختلاف يرجع أحيانًا إلى التغيرات التي كانت تحدث في منسوب النيل، وبعضه يرجع إلى الأحوال الإدارية والتجارية في البلاد فيلحظ مثلا أن ارتداد الزراعة من طبقات عليا إلى أخرى سفلي من الأرض بين عهد ما قبل الأسرات وعهد الدولة القديمة يرجع سببه إلى انخفاض في منسوب النيل العالي، في حين أن الزيادة العظيمة في عدد السكان في عهد الدولة الحديثة ثم في عهد البطالمة والرومان قد يرجع إلى إقامة المؤسسات الدينية التي كانت تعتمد في تموينها على الضرائب التي تُجْبَى من نقل السلع من السودان إلى مصر وبالعكس، وهذه المؤسسات لا تزال آثارها باقية حتى الآن.

وقد دَلَّتْ نتائج الفحص عن الهياكل البشرية التي وجدت في أقدم الجبَّانات النوبية من عهد المجموعتين الثقافيتين (أ) A و(ب) B على أن أقدم سكان عثر عليهم كانوا موحدين١ مع أقدم سكان ظهروا في مصر، أي مع القوم الذين يسمون مصريي عهد ما قبل الأسرات. فقد وجد أن هؤلاء القوم أنفسهم — بعد فحص هياكلهم الباقية — من نفس سلالة المصرين الذين سكنوا مصر قبل ظهور الأسرات المصرية، كما أن فخارهم وآلاتهم المصنوعة من الظران ومدخراتهم من المواد الغفل ومصنوعاتهم من المعدن وأوانيهم الحجرية وجلودهم المدبوغة ونسيجهم وحصيرهم وحليهم وتعاويذهم المصنوعة من الحجر والعاج والخزف المطلي كانت كلها مطابقة في مادتها وشكلها وصناعتها للأشياء التي وجدت من نفس العهد المصري. وبعبارة أخرى لم يكن مصريو عصر ما قبل التاريخ يحتلون وادي النيل من إقليم القاهرة حتى الشلال الأوَّل وحسب، بل كانوا يمتدون حتى منطقة الشلال الثاني على ما يظهر.٢ وكانت الحيوانات الأليفة والبرية المعروفة للسلالة النوبية القديمة تشبه كثيرًا الحيوانات التي في عصر هؤلاء. ولا نزاع في أن الزراعة كانت شائعة في النوبة كما كانت في مصر، يضاف إلى ذلك أن التعامل الدائم بين القبائل القاطنة على امتداد النهر كان موجودًا، يدل على ذلك ما نجده من وحدة في أشكال ومادة وصناعة كل الأشياء التي كان يستعملها الأهلون وقتئذٍ، هذا إلى أن الأشياء التي وجدناها مصنوعة من مواد مستخرجة من مساحة واحدة فقط من الوادي كانت توجد بنفس الكثرة في سائر جهات الوادي الأخرى. مثال ذلك السكاكين المصنوعة من الظران. هذا وكانت طرق النقل هي السفن التي تجري في النيل منذ القدم.
وقد دل الفحص على أن سكان بلاد النوبة ومصر كانوا ينسبون إلى الجنس الحامي،٣ وكذلك ثبتت نسبتهم على وجه التأكيد للوبيي شَمَالِيِّ أفريقية٤ والأجناس الذين يقطنون في شَرْقِيِّهَا وهم سكان الصحراء الشرقية الواقعة بين النيل والبحر الأحمر وبلاد الصومال.
ولا نعرف حتى الآن إذا كان سكان وادي النيل قد نشئوا من طبيعة تربتهم الأصلية أو وفدوا إلى البلاد عن طريق الهجرة. وإذا كانوا من المهاجرين فرضًا فمن أي طريق أتوا إلى وادي النيل؟ ومن جهة أخرى لا نعرف إذا كان المصريون والنوبيون في الأصل ينسبون إلى ثقافة حامية مشتركة أو لا ينسبون، وذلك لأن كل الطبقة الأثرية التي بعد شلال «أسوان» قد اختفت، غير أن الأستاذ «ينكر»٥ يعتقد أن الوحدة التي توجد بين الأواني المصنوعة من الفخار، وكذلك تشابه العادات الجنازية مثل دفن الجسم مقرفصًا تعد من الثقافة الحامية. وعلى ذلك يظن أن مركز هذه الثقافة هو شمالِي بلاد أسوان، وأن هذا الجنس من الناس قد زحف في استعماره نحو الشمال حتى الوجه القبلي. ومع ذلك نجد أن الأستاذ «ينكر»٦ لا يقطع برأي فيما إذا كان هؤلاء القوم هم أول جماعة وفدوا على وادي النيل أو أنه كان يوجد قبلهم سكان أصليون خضعوا للسكان الوافدين الجدد. وعلى أية حال فإن رأيه النهائي هو أن الثقافة الحامية هي أصل ثقافة الوجه القبلي. ومن جهة أخرى لا نعرف إذا كانت ثقافة «البداري» التي تؤرخ بحوالي ٤٠٠٠ق.م. وتقع في مصر الوسطى لها ارتباط بالثقافة النوبية أيضًا أو لا ترتبط بها. ولا مراء في أنه توجد علامات في الفخار الذي وجد في «البداري» وبخاصة أواني الفخار الأحمر المصقول ذي الفوهة السوداء، فإن هذه الأواني تمتاز بخفة الوزن كما يمتاز سطحها بتموجات، وقد وجدت مثيلاتها في الفخار النوبي الذي يرجع إلى عهد المجموعة الثقافية A الأولى والثانية، غير أن هذا التوافق يوجد بجانبه تخالف من نواحٍ كثيرة، فلا يعد برهانًا كافيًا لإثبات الرأي الذي اشترك فيه كل من «ينكر» والأستاذ «شارف»، وهو القائل بأن منطقة «البداري» الثقافية تمتد حتى بلاد النوبة القديمة، أي إن ثقافة البداري بنيت عليها ثقافة المجموعة A. هذا ويعتقد الأثري «برنتون» أن ثقافة البداري قد امتدت إلى بلاد النوبة حيث تطورت هناك كثيرًا وانحطت إلى درجة محسة٧ إذ يقول: إن كثيرًا من الأمثلة المقابلة للأشياء التي ترجع إلى عهد ما قبل الأسرات المبكر المستخرجة من حفائر «البداري»، وبخاصة الصوان والمخارز المصنوعة من العظم وما أشبه ذلك قد وجدت في بلاد النوبة. وقد استمر استعمال الأواني الفخارية ذات السطح المموج في صور مختلفة إلى أزمان متأخرة (حتى الألْف الأولىق.م.). وأهم ما يلفت النظر بين هذه الأشياء أشكال الفخار المستعملة في كل من المنطقتين فنجد أن الكأس التي كانت أكثر الأشكال شيوعًا واستعمالًا في «البداري» كانت توجد كذلك بكثرة في بلاد النوبة حيث استمرت عدة قرون مستعملة في أنحاء هذه البلاد. وهذا التشابه في المواد المستعملة وهو الذي يَدَّعِي هؤلاء العلماء أنه جاء عن أصل ثقافة حامِيَّةٍ عتيقة لا يقدم لنا أي برهان على وجود أي اتِّصال ثقافي بين ثقافة «البداري» وثقافة بلاد النوبة القديمة في عصر ما قبل التاريخ.
ومن جهة أخرى نرى أن ثقافة «البداري» التي ترجع إلى حوالي ٤٠٠٠ق.م. قد أعقبتها أوَّل حضارة قامت في الوجه القبلي في مدينة «أمبوس» (نبتي) وموقعها الآن البلدة المعروفة باسم «نقادة» وهي التي يطلق على حضارتها «ثقافة نقادة الأولى» غير أن هذه الثقافة الأخيرة لم تؤسس بدورها على غرار الحضارة النوبية. والغريب أنه لم يوجد لهذه الثقافة الأخيرة أثر في بلاد النوبة إلا في جَبَّانَةٍ واحدة وهي جَبَّانَةُ «بهان» الواقعة على مسافة قريبة جنوب شلال أسوان، أي في أقصى الحد الشمالي لبلاد النوبة. وبذلك يكون من الجائز وجود محطة في عهد «نقادة» الأوَّل يرجع تاريخها إلى عصر ما قبل التاريخ، ويحتمل أنه قد أُقِيمَ فيها مستودع تجاري وكان لعمال هذا المستودع الجَبَّانَةُ رقم ١٧، وعلى أية حال فإن هذه الجبانة تشمل عددًا من المقابر يلفت ما عثر عليه فيها النظر، إذ يدل ما وجد فيها من أشياء على أنها تنتمي إلى حضارة «نقادة» الأولى، ونخص بالذكر من بينها أواني أسطوانية وسطها مفرطح وذات قاعدة مصنوعة من حجر البازلت أو البرشيا، وأواني من الفخار الأملس لها حافة عريضة سوداء (Black-topped)، وأواني حمراء مصقولة وأخرى سوداء مصقولة أيضًا وأطباقًا مدهونة باللون الأبيض٨ وأطباقًا على هيئة المقمعة من أحجار ذات ألوان منوَّعة ومكاحل من الأردواز على شكل معين.٩ وعلى أية حال فإن موقع «بهان» لا يعتبر دليلًا مقبولًا١٠ على أن أوَّل ثقافة نوبية قد أسست في الوجه القبلي كما أسست في بلاد النوبة السفلي. هذا ويظن الأستاذ «ستيندورف» أنه في هذا العهد العتيق لم يكن أهالي النوبة من الأقوام المتحضرين بل كانوا لا يزالون يعيشون عيشة البدو الجائلين وكانوا رعاة أكثر منهم مزارعين، ومن أجل ذلك لم يكن لديهم ضرورة ملحة لتذوُّق عيشة الاستقرار الثقافية والاشتغال بالتجارة.
وكشفت أعمال الحفر للمرة الأولى في أديم بلاد النوبة عن عدد عظيم من المقابر تحتوي على أشياء ثقافية ترجع إلى الألف الرابعة قبل الميلاد، وهذه الأشياء تنسب بلا شك إلى «ثقافة نقادة الثانية» التي نبعت من «ثقافة نقادة الأولى»١١ وقد ظهر فيها عناصر جديدة كثيرة وبخاصة الفخار ذا المقابض المُمَوَّجَةِ. وهذا الفخار يضرب بأعراقه إلى فلسطين وسوريا اللتين نقل عنهما. وقد انتقل إلى بلاد النوبة عن طريق الحدود المصرية وقد وجد هذا الفخار مستعملًا في بلاد النوبة حتى الشلال الثاني في «جمي»١٢ الواقعة على مسافة خمسة عشر ميلا جنوب «وادي حلفا».

وعلى ذلك نجد أنه قد أصبح لدينا في عصر ما قبل التاريخ ما يمكن أن نطلق عليه اسم «مصر الكبيرة» الموحدة من حيث الجنس والثقافة وتمتد من أول «وادي حلفا» حتى «الدلتا».

ولدينا بجانب المواد الثقافية المصرية البحتة التي انتقلت من مصر إلى بلاد النوبة مواد ثقافية أخرى من أصل نوبي لا توجد مثيلاتها في مصر، ونخص بالذكر من بين هذه أواني الفخار الدقيقة الصنع المصقولة ذات اللون الأحمر والتي يزين حافتها شريط ضيق أسود. وهذه الأواني تُعَدُّ نتاجًا خاصًّا ببلاد النوبة. وقد لاحظ الأستاذ «ينكر»١٣ بحق أن هذه العلامة ليست المميز الرئيسي لهذا النوع من الفخار بل تعد المادة واللون والطلاء الأسود الداخلي وخفة وزن الفخار بوجه خاص هي الأسس القويمة التي تميز هذه الأواني عن الأواني المصرية. وقد اختلفت الآراء في أصل هذه الأواني ذات الحافة السوداء فيقول الأثري «فرث» إنها تقليد للأواني الفخارية ذات الشريط الأسود، ويعني بذلك أن صانع الفخار النوبي قد عمل تجربته الأولى من فخار مستورد من مصر. ويرى الأستاذ «ينكر»١٤ أن هذه الأواني من صناعة مصرية نوبية مشتركة في عصر ما قبل التاريخ المبكر. وقد أخذت تتغير في مصر شيئًا فشيئًا ولكنها بقيت ثابتة في بلاد النوبة، ويوافق على هذا الرأي الأستاذ «ستيندورف» ويقول إن أقدم فخار مما له مقبض قد جلب إلى بلاد النوبة من مصر غير أنه لم يستعمل وحده باستمرار، إذ نجد منذ العصور القديمة أن الأواني الفخارية المهداة للمتوفى كانت تصنع في البلاد نفسها دون مشقة على أنها تقليد للأواني ذات الشريط الأسود، ولا نزاع في أنها كانت متأثرة بها ومأخوذة عنها.

بدء الخلاف في حضارة القطرين

وقد تم اتحاد البلاد المصرية سياسيًّا كما هو معلوم على يد «مينا»١٥ حوالي عام ٣٢٠٠ق.م.، ومن ثَمَّ بدأ العصر التاريخي في الجزء الأسفل من النيل، وعندئذ نشأت مصر الحقيقية. وقد ولدت مصر ذات كيان جديد قوى لم يتغير مدة ألف سنة من الزمان. ومن ثَمَّ خُلِقَ في مصر فن جديد واخْتُرِعَتِ الكتابة المصرية، وبذلك خُتِمَ العصر البدائي المعروف بعصر الثقافة النحاسية الحجرية التي يميز بها عهد ما قبل التاريخ أو ما قبل الأسرات.

وهذا التطور العجيب الذي حدث في مصر في مدة قرن أو بضع عشرات من السنين لم تسهم فيه بلاد النوبة بنصيب ما، إذ لم يمتد الروح المصري الجديد الذي دب في أرض الكنانة إلى ما وراء الشلال الأول بعد «أسوان» بل ظلت تلك البلاد في سباتها العميق متخلفة عن ركب الحضارة، ومن أجل ذلك نجد هوَّة سحيقة بين الثقافة النوبية التي تنسب إلى العصر الحجري والثقافة التي ازدهرت في مصر الجديدة على يد «مينا». وهذه الهوَّة قد ازداد عمقها ولم تُسَدَّ قط طَوال العصور التاريخية. وقد زاد في شُقَّةِ التباعُد في المدنية في البلدين ظهور العنصر الزنجي الجنوبي بكثرة مُحَسَّةٍ. وهؤلاء من جنس مختلف عن سكان بلاد النوبة وعن المصريين أنفسهم في الوقت ذاته. وسنتحدث فيما بعد عمَّا أسفرت عنه نتائج أعمال الحفر من الوجهة الثقافية والاجتماعية.

وتنقسم الثقافة A إلى عصرين مميزين: أحدهما قديم ويرجع إلى عصر ما قبل التاريخ أو ما قبل الأسرات، والآخر أحدث منه ويقابل العصر التاريخي المبكر الأسري، وهو يقابل عهد ملوك الأسرتين الأولى والثانية في التاريخ المصري.

المجموعة الثقافية A (رقم ١)

وجدت مقابر من عهد هذه المجموعة ومن المجموعة B وكثير غيرها من العصور التي تلتها وبخاصة المجموعة الثقافية C في الأماكن التالية من بلاد النوبة:
  • (١)
    «الكوبانية» وتقع شمال «أسوان» على الشاطئ الأيسر للنيل.١٦
  • (٢)
    وبلدة «رزق الله» الواقعة بالقرب من «دبود» في الجبانة رقم (٣٠).١٧
  • (٣)
    وكذلك في جبانة «مريس» و«مرقص» رقم ٤١ في مستعمرة قريبة تابعة لها.١٨
  • (٤)
    وفي بلدة «دهميت» في الجبانة الشرقية رقم ٤٣.١٩
  • (٥)
    وفي «جرف حسين» بالجبَّانتين رقم ٧٣ و٧٩.٢٠
  • (٦)
    وفي جبانات «دكة» ١٠١ إلى ١٠٣.٢١ وتحتوي على أكثر من ست مئة مقبرة وتعد من أعظم المدافن النوبية من عهد ما قبل التاريخ حتى العهد النوبي المتوسط أي المجموعة الثقافية C. وأقدم مقابر هذه الجبانة تقع في مستعمرة عتيقة في الجنوب وتمتد منها الجبانة نحو الشمال، وقد أقيم على الجبانة الجنوبية التي في هذه الجهة مقابر جديدة.٢٢
  • (٧)
    وكذلك في «كوبان-العلاقي» في الجبانة رقم ١١١.٢٣
  • (٨)
    و وفي «السيالة» بالجبانة رقم ١٣٤.٢٤

وفي هذه الجبانات السالفة الذكر نجد أن القبر كان صغيرًا ومسطحًا وأن الجسم قد وضع فيه مضطجعًا ومقرفصًا على الجانب الأيسر والرأس متجه نحو الجنوب وكان في العادة يُغَطَّى الجسم بحصير، أو جلد حيوان.

أما الأثاث الذي وضع مع المُتَوَفَّى فيحتوي على أوانٍ من الفخار صناعتها مصرية نذكر منها القعاب الحمراء اللون المصقولة التي يحيط بها شريط أسود، والأواني ذات الحافة السوداء والفخار الأسود المصقول، والفخار ذا العروة المموجة والأطباق الصلبة ذات اللون الأحمر الداكن وهي التي يرسم عليها أشكال هندسية أو صور،٢٥ هذا إلى أوانٍ من الحجر مخططة تشبه الأواني المصرية التي من عصر ما قبل التاريخ. وقد جيء من مصر بأوانٍ للكحل من الأردواز الأخضر بعضها مستطيل الشكل وبعضها شكله معين أو ممثلة في هيئة حيوانات أو بيضية الشكل برأس طائر، هذا إلى قلائد من الخرز،٢٦ كما وجدت أطباق ورءوس مقامع كمثرية الشكل مصنوعة من أحجار مختلفة الألوان، وقد وجد كذلك مع المُتَوَفَّى سكاكين مصنوعة صنعًا جميلًا وأسلحة كالحراب ورءوس سهام مصنوعة من حجر الظران، ويلحظ هنا أن النحاس كان نادر الوجود في هذه المقابر.

المجموعة الثقافية A (رقم ٢) وتقابل في التاريخ المصري العصر الأسري المبكر

وجدت آثار لهذه المجموعة في غير الأماكن التي ذكرناها فيما سبق في جبانتي «السيالة» رقم ١٣٦ و١٣٧ وفيهما وجدت مدافن الأمراء النوبيين وقد قام بأعمال الحفر فيها الأثري «فرث».٢٧ وفي «نجع وادي» بمركز «السيالة» بِالْجَبَّانَةِ رقم ١٤٢.٢٨ وفي «السبوع» بِالْجَبَّانَةِ رقم ١٤٨٢٩ وفي جبانة «عنيبة»٣٠ وأخيرًا في «فرص».٣١
ويلاحظ في مقابر هذا العهد أن الْمُتَوَفَّى كان يُدْفَنُ في حفرة مكسُوَّة بالحجر الرملي كما كانت توجد أحيانًا مقابر على هيئة خلية النحل،٣٢ ووجدت الجثة موضوعة نفس الوضع الذي وجدت عليه في مقابر مجموعة A (رقم ١) وكان يدفن في غالب الأحيان شخصان أو أكثر في قبر واحد.
أما الأثاث الذي كان يوضع مع جثة الْمُتَوَفَّى فيحتوى على أوانٍ من الفخار المصري كالتي وجدت في مقابر المجموعة A (رقم ١)، هذا إلى وجود فخار نوبي مصنوع في معامل محلية يضاف إلى ذلك أوانٍ من الفخار الأحمر المصقول ذات فوهة سوداء (Black-mouthed) وأشكال جديدة أخرى مثل الفخار المدبب من أسفل وعلى سطحه أشكال مطبوعة، وأوانٍ جميلة دقيقة السمك لونها أحمر.٣٣ وأوان منٍ الحجر كالتي ذكرناها في المجموعة A (رقم ١) وأطباق للزينة من الأردواز المائل للخضرة ذي الشكل المستطيل، هذا إلى أوانٍ من هذا النوع لكل منها رأس طائر.٣٤ أما الأشياء الجديدة التي عثر عليها في مقابر هذا العصر فهي أطباق للزينة مستطيلة الشكل وبعضها على شكل معين مصنوعة من حجر الكوارتس الأبيض وأحجار أخرى صلبة، وكذلك عثر فيها على قلائد للزينة٣٥ ومقامع كمثرية الشكل وآلات من النحاس كالمخراز والبلطة والمنقاش وهذه الأشياء قد وجدت بكمية تفوق التي وجدت في مقابر المجموعة A (رقم ١).٣٦

علاقة مصر ببلاد النوبة في العصر الطيني٣٧

يجدر بنا قبل أن نتحدث عن المجموعة الثقافية B وهي التي تقابل «عصر الأهرام» أن نتحدث عن العلاقات السياسية والتجارية التي كانت بين مصر وبلاد النوبة في العهد الطيني؛ لنعرف مدى الاتصال بين البلدين في تلك الفترة التي أخذت فيها مصر في أسباب التطور، ووقفت فيها بلاد النوبة جامدة لم تتحرك في سبيل الحضارة والعمران.
لقد كان المظنون من الثقافة النوبية، وهي من نوع الثقافة المصرية في عصر ما قبل التاريخ، أن تسير بخُطًى واسعة مثلها ولكنها تأخرت عنها وقد وُجِدَتْ فعلًا كما ذكرنا في مجموعة A الثقافية في بلاد النوبة أوانٍ من الْفَخَّارِ والحجر مصرية الأصل مما يدل على تبادل التجارة بين البلدين. هذا وقد وجدت في مقابر مصرية معاصرة محاصيل تدل على اتصال التجارة بين البلدين. ففي بعض المقابر المقامة من اللبنات ﺑ«العرابة المدفونة» وجدت أشياء من خشب الأبنوس٣٨ والمفهوم بوجه عام أن خشب الأبنوس من شجرة هندية الأصل (Diospyros)، ولكن برهن كل من الأثري «لوريه» و«بوريفاج» على أن هذا النوع من الشجر كان ينمو في السودان؛ وعلى ذلك كان يتجر فيه مع مصر.
ومن جهة أخرى وجد العاج بكثرة في مقابر هذا العهد وغيره من مقابر العصر الطيني، وهذا يدعونا إلى التساؤل عن سبب وجوده، والواقع أن الفيل كان ينتقل من مكان لآخر فمثلًا نعلم أن ملوك البطالمة كانوا يصطادون هذا الحيوان من الجهات الواقعة على الساحل الغربي للبحر الأحمر٣٩ ويدل وجود عدد كبير من الآلات المصنوعة من سنِّ الفيل في عهد «ثقافة نقادة الأولى»، ووجود صور للفيل على الآثار المصرية في عصر ما قبل الأسرات وما بعده، على أن هذا الحيوان كان على الأقل موجودًا حتى الحدود المصرية،٤٠ ويحتمل جدًّا أن اسم بلدة «إلفنتين» أبو)٤١ فيه إشارة تدل على ذلك. وقد كتب الأستاذ «زيته» عن «إلفنتين» التي يكتب اسمها بصورة فيل أنها المكان الوحيد في وادي النيل السفلي الذي وجد فيه الإنسان الفيل. أما التفسير القديم الذي يقول إن «إلفنتين» قد سميت بهذا الاسم لتبادل تجارة سنِّ الفيل فيها فلا يؤخذ به.
وتدل شواهد الأحوال على أن الحدود بين مصر وبلاد النوبة السفلى من حيث الجنس لم تكن قط في كل العصور هي الشلال الأوَّل، بل كانت أبعد من ذلك شمالًا عند مضيق النيل الذي يشاهد عند بلدة «السلسلة» الحالية وكانت بلدة «إلفنتين» تعد دائمًا أرضًا مصرية تفصل بلاد النوبة عن مصر؛ ومن أجل ذلك كانت تسمى أقصى مقاطعة مصرية في الجنوب «تاستي» أي أرض النوبة.٤٢ وليس لنا علم بالوقت الذي وسعت فيه للمرة الأولى مصر حدودها نحو الجنوب. ولكن الْمُحَقَّقَ أن هذا التوسع قد حدث في وقت مبكر إذ في عهد الأسرة الثالثة كانت توجد على ما يظهر بعض حصون في «إلفنتين» فقد وجد اسم الملك «حوني» على قطعة من الجرانيت يحتمل أنها من حصن قديم هناك. غير أن ذلك مجرد تخمين.٤٣ ويقول «ينكر» من جهة أخرى إن تأسيس هذا الحصن كان في عصر ما قبل الأسرات٤٤ مباشرة. وقد يكون ذلك فرضًا صحيحًا غير أنه ليس لدينا ما يؤيد هذا الفرض.

وجاء على لوحة للملك «عحا» عبارة «ضرب ستي» غير أننا لا نعرف إذا كان المقصود هنا بكلمة «ستى» هو بلاد النوبة أو مقاطعة «تاستي» أولى مقاطعات الوجه القبلي من الجنوب.

ونجد في قبر الملك «ودمو» أحد ملوك الأسرة الأولى «بالعرابة المدفونة» أنه استعمل فيه قطعًا من الجرانيت الأسود؛ مما يدل على أن «إلفنتين» كانت على ما يظن في يد المصريين لأن هذا الحجر كان يستخرج منها.٤٥
وفي عهد الأسرة الثانية نرى نشاطًا سياسيًّا مصريًّا خارج حدود مصر ضد بلاد «تاستي» يدل على ذلك لوحة النصر التي أقامها الملك «خع سخم» وقد عثر عليها في بلدة «هيراكنپوليس»٤٦ (الكاب الحالية).٤٧ ولكن ممَّا يؤسف له جد الأسف أن هذا الأثر قد وُجِدَ مُهَشَّمًا ولكن بقيت منه صورة العدو المقهور على أمره ظاهرة، وعلى رأسه العلامة الدالَّة على لفظة «ستي» أي النوبة. وقد ظن الأستاذ «نيوبري» أن أسطورة الإله «حور» التي وضعت في العصور المتأخرة في معبد «إدفو» توجد فيها نواة تاريخية وأنها تعكس أمامنا الحرب التي شنها هذا الملك على أعدائه النوبيين.٤٨ ففي نقش «إدفو» هذا ذكر كيف أن الملك المؤله «حور أختي» عند عودته من حملة مظفرة على بلاد النوبة كشف عن مؤامرة ثورية في مصر، وبعد أن قضى على الثوار واقتفى أثرهم حتى «ثاروا» على الحدود الشمالية للدلتا، رجع إلى الجنوب وهزم البقية الباقية من الأعداء في بلاد «واوات» في «شاسحرت». وقد تناول الأستاذ «كيس» هذه الخرافة بالنقد مفندًا٤٩ إياها، وقال عنها إنها تشير إلى حرب متأخرة، هذا إلى أن اسم «شاسحرت» من عنصر طرازه متأخر وضعت في عصر حديث نسبيًّا،٥٠ فهذا المكان موقعه هام كما يدل على ذلك نقش في متحف «اللوفر»٥١ من عهد الأسرة السادسة والعشرين؛ إذ جاء في هذا النقش أن الجنود المرتزِقة في عهد الملك «ابريز» (٥٨٨–٥٦٨ق.م.) قد هاجروا إليه وقد منعهم من ذلك المشرف على فتح باب الجنوب للبلاد الأجنبية.٥٢ ومن أجل هذا يجب ألَّا نجعل لما جاء في هذه الخرافة الدينية صلة بسياسة الملك «خع سخم».
هذا وقد نسب كل من «إمري» و«كروان» سقوط مجموعة A وهي التي وجدت آثارها في هذا الوقت في المقابر النوبية إلى الحروب التي شنها «خع سخم»٥٣ غير أنه يصعب البرهنة على صدق هذه النظرية.
ولدينا نقش آخر عثر عليه في «جزيرة سهيل» يرجع عهده لعصر البطالمة، جاء فيه أن الملك «زوسر» يهدى للإله «خنوم» رب «إلفنتين» إقليم «دودكاشوينوس»٥٤ النوبي. وحقيقة الأمر في ذلك أن كهنة الإله «خنوم» إله «إلفنتين» أرادوا أن يحموا حقوق هذا الإله القديمة من جور الإلهة «أزيس» التي أدخلت عبادتها حديثًا على شعائر القوم في معبد «الفيلة» (أنس الوجود)، وقد لعبت دورًا هامًّا في تاريخ مصر في هذا العهد، وكان لها مكانة عظيمة بقيت حتى نهاية العهد الوثني، فلجأ كهنة «خنوم» كما كانت الحال دائمًا إلى الخرافات القديمة لتجديد حقوقهم، وتمسحوا بملك قديم ذائع الصيت كان مُؤَلَّهًا، ولا تزال ذكرياته في أذهان القوم. ولا غرابة في أن انتخب هؤلاء الكهنة «زوسر» فإن وزيره «إمحتب» كان في الأزمان المتأخرة يعد إلهًا أو بطلًا من أبطال التاريخ المصري. وليس في الْتِجَاءِ كهنة «خنوم» إلى وثائق قديمة أي دليل على أن أرض «الدودكاشوينوس» كانت ملكًا للفرعون «زوسر» فعلًا وأنه كان مستوليًا عليها — كما ادَّعَى بعضهم ذلك — فإنه لم توجد لدينا أية وثيقة أصلية تدل على أن هذا الملك كان ذا نشاط سياسي في البلاد الواقعة جنوبي مصر أي في بلاد النوبة.
أما أول حملة رسمية تاريخية على بلاد النوبة فكانت في عهد الملك «سنفرو» أول ملوك الأسرة الرابعة وقد جاء ذكرها على حجر «بلرمو». وهذا الحجر الذي وجد ناقصًا يحتمل أنه نقش حوالي نهاية الدولة القديمة. وقد جاء فيه ذكر أسماء ملوك المصريين من أوّل الأسرة الأولى وما بعدها بالترتيب التاريخي، وكذلك الحوادث الهامة لكل سنة من حكمهم. ولما كانت الوثائق في عهد العصر المبكر تُؤَرَّخُ على حسب هذه الحوادث الهامة فإن مثل هذه القائمة كانت ضرورية للرجوع إليها. وقد وجدنا واحدة من سني الملك «سنفرو» (حوالي ٢٩٠٠ق.م.) قد جاء فيها: سنة بناء الـ … سفنًا طولها مئة ذراع من خشب مر، وتخريب أرض السود وإحضار ٧٠٠٠ أسير من الرجال والنساء و٢٠٠٠٠٠ رأس من الماشية الكبيرة والصغيرة،٥٥ إلخ. ولكن في هذا الوقت كانت ثقافة مجموعة A في بلاد النوبة السفلى قد انقرضت وظهرت في مقابر الثقافة التي خلفتها، (أي ثقافة مجموعة B) علامات الفقر المدقع؛ ومن ثَمَّ يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأن ثقافة مجموعة A قد لاقت ضربتها القاضية في هذه الحروب التي شنها «سنفرو».٥٦ وهذه السياسة التي ظهر نشاطها في بلاد النوبة يحتمل أنها السبب الموضح لذكر إله النوبة «ددون» في متون الأهرام. ومما يجدر ذكره هنا أن الإله «ددون» هذا قد جاء ذكره في متون الأهرام بوصفه جالب البخور الذي يعد من محاصيل البلاد الجنوبية.٥٧

ثقافة المجموعة B في بلاد النوبة

بعد هذه اللمحة عن علاقات مصر ببلاد النوبة في العهد الطيني حتى أوائل الأسرة الرابعة نعود إلى التحدث عن ثقافة المجموعة B كما نستنبطها من مقابر بلاد النوبة.
وثقافة هذا العصر تقابل من حيث الزمن عصر بناة الأهرام حتى الأسرة السادسة، غير أنه لم يوجد فيها أي تأثير مصري بارز، فلم نجد في مقابر القوم أي نوع من الكتابة، هذا إلى أن الفخار الذي وجد في مصر في عصر الأسرة الثالثة لم ينقل إلى بلاد النوبة والواقع أن الحضارة النوبية لهذا العصر ليست إلا صورة منحطة من ثقافة المجموعة A التي على ما يظهر تختلف عنها.
وقد عثر على آثار لهذه الثقافة في جبانة «الشلال»٥٨ رقم ٧ وفي خور «أمبوكول» بالجبانة رقم ١٤٥٩ وفي «جرف حسين» بالجبانة رقم ٧٧ المقابر ١٠٠ إلخ. وهذه الجبانة هامة لأنها تبين لنا الانتقال من الثقافة A رقم (٢) إلى الثقافة A رقم (٣)٦٠ هذا إلى مدافن صغيرة جدًّا عن المدافن السابقة كالتي في الجبانتين رقم ٤١٦١ و٤٥.
ويلحظ أن مقابر هذا العصر كانت بيضية أو مستطيلة الشكل ذات أركان مستديرة والجسم فيها وُضِعَ مضطجعًا ومقرفصًا على جانبه الأيمن أو على الجانب الأيسر في اتجاهات غير منتظمة، وغالبًا ما نجد الجسم ملفوفًا في جلد ماعز أو في حصير. أما الأثاث الذي كان موضوعًا مع الجسم فكان في العادة يتألف من أوانٍ من الفخار، غير أنها لم تكن كثيرة العدد، وأهم نوع هو فخار سميك مصقول لونه أحمر وفخار ذو شريط أسود يشبه فخار ثقافة مجموعة A (١–٢)، غير أنه أكبر منه وأقبح شكلًا، هذا إلى أطبقا ساذجة نصف مستديرة، ولم يوجد في مقابر هذا العهد أوانٍ من الحجر. وكذلك كان الخرز والكرنالين والأشياء المصنوعة من المحار أو الميناء الزرقاء نادرة الوجود. ولم يعثر بين الآلات النحاسية إلا على المخراز. أمَّا الأدوات المصنوعة من العظم مثل أطراف السهام والإبر ومقابض السكاكين والملاعق فكانت توجد بكثرة في مقابر هذه الثقافة.

علاقات مصر ببلاد النوبة في عهد ثقافة المجموعة B

وصلت بلاد النوبة في عهد ثقافة المجموعة B إلى درجة عظيمة من الفقر؛ ولذلك كان في استطاعة المصريين أن يرسلوا بضائعهم بدون عائق إلى الجنوب. وقد كان من جراء تهدئة الأحوال في بلاد النوبة السفلى تهدئة واسعة النطاق أن أخذ المصريون يستغلون محاجر الديوريت التي تقع على مسافة تتراوح ما بين ٦٥ إلى ٨٥ كيلو مترا في الصحراء في الشمال الغربي من بلدة «توشكى» فكانت الأحجار تجلب إلى «توشكى» هذه، ومن ثَمَّ ترسل إلى مصر على ظهر النيل، وقد عثر في هذه المحاجر على أسماء الملوك «خوفو» و«ددفرع» و«ساحورع» و«زدكارع» و«أسسي».٦٢ وهذا المكان الذي كانت تقطع منه الأحجار يسمى في النقوش المصرية «حامت» ولا يبعد كثيرًا عن طريق واحة «النخيلة» و«دنقلة». وتدل شواهد الأحوال على أن ملوك الأسرة الرابعة كانوا يقطعون تماثيلهم من حجر الديوريت من هذه الجهة. ولا نزاع في أن استغلال هذه المحاجر الواقعة في صحراء بلاد النوبة وجلبها إلى «توشكى» ثم إلى مصر يدل على أن أهالي بلاد النوبة لم يكونوا محاربين، ولا غرابة فإن أهل النوبة الفقراء لم يكن لديهم القوة ليقفوا أمام المصريين الأقوياء، ولذلك كان من صالحهم أن يعيشوا في سلام ومهادنة مع مصر وأن يعملوا على تنمية العلاقات الودية بينهم وبين المصريين.
وهذا النشاط السلمي الذي كانت تسلكه مصر في بلاد النوبة السفلى تدل عليه النقوش التي عثر عليها في «توماس» في عهد الملوك «ساحورع» و«أسسي» و«تيتي» و«بيبي الأول».٦٣ يضاف إلى ذلك أنه وجد اسم الملك «خوفو» في «جزيرة سهيل».٦٤ هذا وقد نقش عدد عظيم من الموظفين أسماءهم وألقابهم على صخور «توماس»، وبعض هؤلاء الموظفين كانوا يعملون في عهد الأسرة السادسة، ومن المحتمل أنهم كانوا معروفين في «إلفنتين». وتلقي ألقاب هؤلاء الموظفين ضوءًا على ما كان لهم من نشاط في بلاد النوبة، فنجد بعضهم كان يحمل لقب «المشرف على السفينة» أو «كاتب السفينة» مما يدل على قيام السياحات في النيل من مصر إلى بلاد النوبة، هذا إلى أن عددًا كبيرًا من هؤلاء الموظفين كان يحمل لقب «المشرف على التراجمة»، ولدينا اثنان من هؤلاء يحمل كل منهما لقب «المشرف على الجنود»، ومن المحتمل أن عملهما كان متصلًا بالنشاط الحربي في الصحراء.٦٥
وفي عهد الأسرة السادسة أسعفتنا النقوش الأثرية بمعلومات ثمينة تكشف لنا النقاب عن صفحة جديدة في تاريخ العلاقات التجارية بين مصر وبلاد النوبة، وذلك أنه في هذا العهد أخذ الموظفون الذين قاموا ببعوث تجارية مع الجنوب يتحدثون عن رحلاتهم في الجنوب ويوضحون علاقة بلاد النوبة بمصر. ولا بد لنا عند التحدث عن المادة التي لدينا من هذا العهد أن نكون على بصيرة من أن حدود مصر بقيت حتى العهد الروماني عند «الشلال الأول» وأن المصري لم يبحث يومًا من الأيام — على قدر ما نعلم — وراء ضم الجزء الجنوبي من هذه النقطة إلى بلاده، ويبرهن على ذلك نقشان هامَّان خلفهما لنا الملك «مرنرع» أحد ملوك الأسرة السادسة في منطقة «الشلال». والنقش الأول حفر في الصخور الواقعة على الشاطئ الشرقي قبالة «جزيرة هيس» والثاني نقش على الصخور التي في الشارع القديم لمدينة «أسوان» المؤدي إلى «الفيلة».٦٦ والنقشان موحدان في كلماتهما وهي: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري «مرنرع» محبوب «خنوم» رب «الشلال» السنة الخامسة الشهر الثاني من فصل الصيف اليوم الثامن والعشرون. لقد أتى الملك بنفسه وعاد وقد وقف على ظهر الجبل وقَبَّلَ أمراءُ «وأرثت» و«واوات» الأرضَ بين يديه ومدحوه كثيرًا».
وهذا النقش يدل صراحة على تفتيش للحدود الجنوبية التي أتى إليها من بعيد الأمراءُ الأجانب من مختلف أنحاء البلاد النوبية ليقدِّموا لجلالة الملك خضوعهم وولاءهم. ولا نزاع في أن هذا النقش خاص بالحدود، ومن المحتمل أنه كان من نوع النقش البالغ القصر الذي نقشه الملك «وناس» آخر ملوك الأسرة الخامسة في «إلفنتين» وقد جاء فيه: «حور-واز-تاوي» ملك الوجه القبلي والوجه البحري «وناس» سيد البلاد الأجنبية معطي الحياة والصحة إلى الأبد محبوب «خنوم» معطي الحياة أبديًّا».٦٧

ومما يدل كذلك على أن الحدود السياسية لمصر كانت بالقرب من «إلفنتين» أنه عندما أنشئت وظيفة «المشرف على الوجه القبلي» في النصف الثاني من الأسرة الخامسة كانت «إلفنتين» أو بعبارة أخرى المقاطعة الأولى من مقاطعات الوجه القبلي تعد الحد الجنوبي لنفوذ حامل هذه الوظيفة. ففي كل مرة ذكرت فيها على النقوش كانت تعتبر حدود الدولة منتهية عند الشلال.

وقد أخذت تظهر الأهمية البالغة لمراقبة الحدود عند «إلفنتين» في منتصف الأسرة السادسة، وذلك عندما ظهرت أمامنا وظيفة «حارس باب الجنوب» في ألقاب أمير المقاطعة فقد سمي «كار» في نقش عثر عليه في «إدفو» من عهد الملك «مرنرع الأوَّل»: «السمير الوحيد وكاتم السر الأوَّل لكل كلمة سرية تأتي من باب «إلفنتين» وكاتم السر لكل كلمة تأتي من الباب الضيق للبلاد الأجنبية، ومن البلاد الجنوبية».٦٨ ومثل هذه الألقاب لم يكن يحملها أمراء الجزء الجنوبي من مصر وحدهم بل نجد كذلك أن حاكم مقاطعة (القصر والصياد) (Chenobsokion) المسمي «ثاوتي» في نقش له ببلدة «القصر والصياد»٦٩ يحمل لقب «المشرف على الوجه القبلي» وينعت بلقب «الذي يملأ قلب الملك (أي ثقته) في الباب الضيق للجنوب وكاتم سر الباب الضيق للجنوب»؛ ممَّا يدل على أن هذه الوظيفة كانت عظيمة الخطر.
وكان الوزير «بيو» في «منف» في نهاية عهد الملك «بيبي الثاني» يلقب «المشرف على الباب الجنوبي والمشرف على الباب الشمالي لمصر»٧٠ ومن مدلول هذه الألقاب نعلم أن الوظيفة التي نتحدث عنها الآن كان لها مكانة عظيمة في شمالي البلاد كما كان لها خطرها في الجنوب، وأن مراقبة الحدود الجنوبية كانت تلعب دورًا هامًّا في سياسة البلاد كما سيتضح ذلك جليًّا عند التحدث عن الحدود المصرية الجنوبية في عهد الدولة الوسطى.

وبهذه المناسبة عثر على قطعة بردي لها علاقة بمراقبة الحدود وجدت في نفس «إلفنتين»، غير أنها بكل أسف ممزقة ولم يمكن أن نستخلص منها نتيجة حاسمة.

والظاهر أنها خاصة بمنازعات قضائية وقد جاء فيها ما يأتي: «عندما سار النوبي نحو الشمال إلى المكان الذي كان فيه كبار الموظفين … لم تحضر إلى أي نسخة من القائمة (؟)» وعلى الرغم من عدم إمكاننا استخلاص نتيجة من هذه الورقة فإن الظواهر تدل على أن الكاتب المسئول عن مراقبة الحدود يأسف لعدم إرسال القائد المصري للنوبيين أية صورة من القائمة الخاصة بأسماء المهاجرين، على أنه من جهة أخرى يجوز أن المتن ليس له علاقة بالحدود.٧١
وتدل الأحوال على أن محط الحدود كان الوافد على مصر يراقب عنده، وكذلك يراقب ما يدخل من سلع إلى بلاد النوبة كما كان يعد المكان الرئيسي للتجارة الذاهبة إلى الجنوب، أما الإقليم الذي خلفه فكان يعتبر مسرحًا للتجارة. ولا نزاع في أن هذا هو السبب الطبعي الذي جعل أمراء «إلفنتين» يقيمون مقابرهم في هذه البلدة. ومن المحتمل أن الأفراد الذين نقشوا كتابات على الصخور في هذه الجهة قد لعبوا دورًا رئيسيًّا في سياسة مصر الجنوبية في هذا الوقت.٧٢ والسواد الأعظم من كبار رجالة القوم الذين قاموا بحملات إلى بلاد السودان كانوا من مواطني «إلفنتين» هذه. وسنورد هنا إتمامًا للفائدة ما يمكن إيراده من أسماء هؤلاء الموظفين:
  • (١)

    «نيسوخو»

  • (٢)

    «حرخوف»

  • (٣)

    «بيبي نخت»

  • (٤)

    «سبني»

  • (٥)

    «وني»

  • (٦)
    «خوي»٧٣
  • (٧)
    «ثيثي»٧٤
  • (٨)
    «نوفر»٧٥ (؟)
  • (٩)

    «سابي»

  • (١٠)

    «أقب»

  • (١١)
    «تيتي عنخ»٧٦
  • (١٢)

    «أري» «والد حرخوف»

  • (١٣)
    «حابي»٧٧
  • (١٤)

    «عاوو»

  • (١٥)

    «حمنتحب»

ولدينا غير هؤلاء أسماء عدد من قواد السفن دُوِّنَتْ أسماؤهم على الآثار، فلدينا قائد سفينة يدعى «حنتي» ذكر اسمه على لوحة جنازية، وكذلك لدينا عدد من أسماء قواد السفن نقشت أسماؤهم على الصخور النوبية نخص بالذكر منهم «أحي» و«خنوم حتب» و«حني» وبعض أسماء لم يمكن قراءتها، وسنورد فيما يلي أعمال بعض هؤلاء الموظفين:
(١) «نيوسوخو»: عاش في عهد الملك «بيبي الأول» وقبره في «إلفنتين»٧٨ ويحتمل كذلك أن النقش الذي وجد على صخر «توماس» من عمله. و«نيسوخو» هذا يحمل كذلك اسم «شماي» ويلقب السمير الوحيد وحامل خاتم الوجه البحري والكاهن المرتل والمبجل عند الإله العظيم. ونقش «توماس» يقص علينا أنه في عند «بيبي الأول» وأن هذا الفرعون أرسله ليخترق بلاد «أرثت» إلخ.
(٢) «حرخوف»: عاش في عهد كل من الملك «مرنرع» و«بيبي الثاني» وقبره في «إلفنتين» وهاك ترجمة نقوشه:
قربان٧٩ يقدمه الملك لأنوبيس الذي على جبله والذي على رأس محرابه الذي في الواحة وسيد البلاد المشرقة (الجبانة)، لأجل أن يدفن «حرخوف» في الجبل الغربي (بعد) أن يصل إلى شيخوخة جميلة جدًّا بوصفه مبجلًا أمام الإله العظيم … الإله العظيم. الأمير الوراثي حاكم الجنوب وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد والكاهن المرتل والمشرف على التراجمة والمبجل عند الإله «بتاح سكر».
«حرخوف»

قربان يقدمه الملك و«أوزير» سيد «ددو» (بوصير) لأجل أن يسير (أي «حرخوف») في سلام على الطرق الجميلة للغرب، وهي التي سار عليها المبجلون، ولأجل أن يصعد نحو الإله رب السماء بوصفه مبجلًا أمام … الأمير الوراثي (والتشريفاتي) ونائب الملك في «نخن»، ورئيس الشعائر في نخب (الكاب الحالية) والسمير الوحيد والكاهن المرتل المبجل عند «أوزير».

«حرخوف»

قربان يقدمه الملك لأجل أن يحدث خروج الصوت من أجله في الْجَبَّانَةِ والكاهن المرتل يقوم بتأدية الشعائر في كل أعياد رأس السنة وعيد «تحوت» وفي كل الأيام … حامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد والكاهن المرتل والمشرف على التراجمة.

«حرخوف»
ترجمة حياته:

لقد أتيت اليوم من ضيعتي، ونزلت من مقاطعتي، وبنيت بيتي وأقمت له أبوابًا، وحفرت بحيرة وغرست أشجار (جميز) وقد مدحني الملك وقد عمل والدي وصية في صالحي لأني كنت ممتازًا … ومحبوبًا من والدي ممدوحًا من والدتي ومحبوبًا من كل إخوتي وأعطيت الجوعان خبزًا وكسوت العريان وعبرت النهر بمن لا يملك قاربًا (في قاربي).

وأنتم يا أيها الأحياء الذين يسيرون على الأرض وسيمرون بالقرب من هذا القبر في أثناء انحداركم في النهر أو صعودكم إذا قلتم: ألفًا من الخبز وألفًا من جرار الجعة لأجل صاحب هذا القبر فإني سأتدخل من أجلكم في عالم الآخرة؛ لأني روح ممتاز مجهز وكاهن مرتل ذو فم مثقف.

على أن كل من سيدخل هذا القبر وهو نجس فإني سأقبض عليه كالطائر الجارح وسيحاكم على ذلك أمام الإله العظيم» (يقصد هنا المحاكمة أمام الإله «رع» أو أمام الإله «أوزير» الذي أصبح منذ نهاية الدولة القديمة إله الموتى الذي سيحاكم في عالم الآخرة).

وإني رجل يقول ما هو حسن ويعيد ما يحب (لا ينم)، ولم أقل قط ما هو خبيث لرجل قوى أو لأي إنسان لأني رغبت في أن تكون الأشياء طيبة من أجلي أمام الإله العظيم.

وإني لم (أفصل بين الأخوين) بطريقة تجعل الابن يحرم ميراث والده.

قربان يقدمه الملك و«أنوبيس» الذي على جبله والمشرف على الساحة المقدسة ليخرج الصوت بالقربان له في الجبانة لأجل المبجل عند «أنوبيس» رئيس جبله والمشرف على الساحة المقدسة …

الأمير الوراثي والسمير الوحيد والكاهن المرتل (والتشريفاتي)، نائب الملك في «نخن»، ومدير الملك في «نخب» وحامل الخاتم الملكي في الوجه البحري والسمير الوحيد والمرتل والمشرف على التراجمة، ورئيس الأسرار لكل الأوامر الخاصة بالحدود الجنوبية وصاحب الحظوة عند مليكه «حرخوف»، حامل خاتم الوجه البحري والسمير الوحيد والمرتل والمشرف على التراجمة الذي يحمل الضرائب المستحقة للزينة الملكية، والمشرف على كل البلاد الأجنبية الجنوبية، والذي ينشر الفزع من حور في البلاد الأجنبية والذي يفعل كل ما يرغب فيه سيده، وحامل خاتم الوجه البحري والسمير الوحيد والمرتل والمشرف على التراجمة المبجل عند «بتاح سكر».

«حرخوف» يقول:

الحملة الأولى إلى بلاد «يام»:

إن جلالة «مرنرع» سيدي قد أرسلني في الوقت نفسه مع والدي السمير الوحيد والمرتل «أري» إلى إقليم «يام» (مكان مجهول) لنكشف عن الطريق المؤدية إلى هذا الإقليم الأجنبي، وقد قمت بذلك في مدة سبعة أشهر وقد أحضرت كل الهدايا من هناك … وقد مدحت من أجل ذلك كثيرًا جدًّا.

الحملة الثانية:

لقد أرسلني جلالته مرة ثانية وكنت وحدي. وقد خرجت على طريق «إلفنتين»٨٠ وانحدرت نحو «أرثت» و«مخر» و«ترس» و«أرثت» في ثمانية أشهر. وقد انحدرت حاملًا محاصيل هذا البلد الأجنبي بكميات عظيمة جدًّا. ولم يحدث مرة أن شيئًا مماثلًا قد حمل من هذه البلاد من قبل. وقد انحدرت من مخيم رئيس «سثو» و«أرثت» بعد أن اقتحمت مجاهل هذه البلاد الأجنبية.

ولم يشهد من قبل أن أي سمير مشرف على التراجمة قد فعل ذلك موغلًا في إقليم «يام» من قبل.

الحملة الثالثة إلى إقليم «يام»:

لقد أرسلني جلالته مرة ثالثة إلى بلاد «يام» فخرجت من (منف) متجهًا نحو العرابة المدفونة عن طريق إقليم الواحة (؟) وقد وجدت رئيس «يام» الذي كان ذاهبًا ضد بلاد تمحو (لوبيا) لمحاربتها؟ حتى حدود غرب السماء، وقد سرت معه خلفه حتى بلاد «لوبيا» (تمحو) وقد أخضعته إلى أن عبد كل آلهة مليكي. وبعد أن أخضعت رئيس «يام» انحدرت ثانية … حتى «أرثت»؛ وعند حدود «سثو» وجدت رؤساء «أرثت» و«سثو» و«واوات» … وعدت مع ثلاث مئة حمار محملة بالبخور والأبنوس وزيت حنكو وزيت ثاث وجلود الفهد وسن الفيل (؟) وكل محاصيل جميلة.

وعندما رأى رؤساء «أرثت» و«سثو» و«واوات» مقدار عظم جنود «يام» وقوتهم وهم الذين انحدروا معي نحو البلاط، بالإضافة إلى الجنود الذين كانوا قد أرسلوا معي فإن هؤلاء الرؤساء قد جلبوا إليَّ هدايا: ثيرانًا وماشيةً صغيرةً وقادوني بطريق جبال «أرثت» وكانت يقظتي بالغة أكثر من أي سمير ومشرف على التراجمة من الذين أرسلوا إلى «يام» قبلي، وعلى ذلك فإن الخادم «حرخوف» (يقصد نفسه) انحدر في النهر نحو البلاط وقد أرسل (أي الملك) إلى الأمير الوراثي والسمتر الوحيد والمشرف على حجرة المرطبات المزدوجة لاستقبالي ومعه السفن المحملة بنبيذ البلح (العرقي) والفطير والخبز والجعة. الأمير الوراثي وحامل خاتم الوجه البحري والسمير الوحيد والكاهن المرتل وحامل الخاتم الإلهي ورئيس أسرار كل الأوامر لحدود الجنوب.

المبجل «حر خوف»

خطاب الملك «بيبي الثاني» «لحرخوف»:

خُتِمَ بالملك نفسه في السنة الثانية للشهر الثالث من فصل الفيضان اليوم الخامس عشر. مرسوم ملكي للسمير الوحيد، الكاهن المرتِّل، ومدير التراجمة (القافلة) «حر خوف». لقد فهمت المقصود من خطابك هذا الذي أرسلته إلى الملك في القصر لِتُنَبِّئَهُ بأنك قد عدت سالمًا معافًى من بلاد «يام» بالجيش الذي كان معك. ولقد ذكرت في هذا الخطاب أنك أحضرت معك كل المنتجات العظيمة والطيبة التي منحتها «حتحور» سيدة «أماو» حضرة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «نفر كارع» (بيبي الثاني) الذي يحيا أبديًّا ومخلدًا. وقد ذكرت في هذا الخطاب أنك أحضرت قزمًا (دنج) يرقص رقصًا مقدسًا من أرض الأرواح (تا أخو) مثل القزم الذي أحضره حامل خاتم المقدس «بَاوِرْدَد» من بلاد «بُنت» في عهد الملك «أسسي». وقد قلت لجلالتي: «لم يحدث قط من قبل أن واحدًا مثله قد أحضر ممن زاروا «يام». حقًّا إنك فعلت ما يحبه ويمدحه سيدك، حقًّا إنك تمضي النهار والليل في عمل ما يرغب سيدك فيه ويحب ويأمر به. وجلالته يرغب في أن يمنحك كثيرًا من الشرف العظيم حتى تصبح زينة لابن ابنك أبديًّا لدرجة أن كل إنسان سيقول عندما يسمع ما فعلته لجلالتي: «هل هناك شيء مماثل لما عمل للسمير الوحيد «حرخوف» عندما عاد من بلاد «يام» وذلك بسبب اليقظة التي أظهرها لعمل ما يرغب فيه سيده، وما يحبه وما يأمر به.

عد حينئذٍ في الحال إلى البلاط منحدرًا في النهر واترك كل شيء آخر (؟) ولْتُحْضِرْ معك هذا القزم الذي جلبته معك من بلاد الأرواح حيًّا وسليمًا ومُعَافًى حتى يقوم بالرقص المقدس وليسري عن القلب وليسر فؤاد ملك الوجه القبلي والوجه البحري «نفر كارع» عاش أبديًّا.

واعمل عندما ينزل معك في السفينة على أن يكون رجالك اليقظون حوله من ناحيتي السفينة، واعمل على ألَّا يسقط في الماء، وعندما ينام في الليل يكون رجالك اليقظون نائمين حوله في حجرته وفتش عليه عشر مرات كل ليلة؛ لأن جلالتي يريد أن يرى هذا القزم أكثر من كل منتجات بلاد «بُنت» وكنوزها.

وإذا وصلت إلى البلاط وبصحبتك هذا القزم حيًّا سليمًا معافًى فإن جلالتي سيقوم بعمل أشياء عظيمة لك، تفوق التي عملت لحامل الخاتم الإلهي، «باوردد» في عهد الملك «أسسي» وذلك لرغبة قلب جلالتي في رؤية القزم، وقد أعطيت الأوامر حاكم إقليم البلاد الجديدة، السمير، مدير الكهنة ليأمر بإعداد المأكولات في كل قصر بيت المحراث (ضياع ملكية) وفي كل معبد دون استثناء.٨١
(٣) «بيبي نخت»: موظف كبير في عهد الملك «بيبي الثاني» يحمل ألقابًا عدة منها أنه كان السمير الوحيد، نائب الملك في «نخن» ورئيس عبادة «نخب» ومدير كل القوافل والمحترم من الإله العظيم «بيبي نخت» يقول:

كنت رجلًا يقول ما هو حسن، ويكرر ما يحب، ولم أقل قط شيئًا يسيء إلى رجل قوى ذمًّا في أي شخص، لأني كنت أرغب في أن تعرض الأشياء من جهتي حسنة في حضرة الإله العظيم. لقد أعطيت خبزًا للجائع وكسوت العريان ولم أقضِ قَطُّ بين أخوين بحيث يُحرَم ابنٌ متاعَ والده، ولقد كنت محبوبًا من والدي، ممدوحًا من والدتي ومحبوبًا من إخوتي ذكورًا وإناثًا. لقد أرسلني جلالة سيدي لأخرب بلاد «أرثت» فعملت ما مدحني عليه سيدي، ولقد ذبحت منهم عددًا عظيمًا. ومن بينهم أولاد الرؤساء والضباط المتفوقين من المحاربين (؟) لأني كنت بطلًا على رأس جيش عظيم من الجنود الأقوياء. وقد سُرَّ قلب سيدي مني لكل البعوث التي وَكَّلَ أمرها لي.

وعقب ذلك أرسلني جلالة سيدي لتهدئة الأحوال في هذه الممالك. وقد قمت بذلك حتى إن سيدي أثنى عليَّ كثيرًا أكثر من أي إنسان آخر. ولقد أحضرت معي رَئِيسَيْ هاتين المملكتين سالمَيْن معافَيْن إلى البلاط، ومعهما ثيران وماعز حية إلى البلاط، وكذلك أحضرت أطفال الرئيسين وضابطي المحاربين الذين كانوا معهما».

(٤) «سبني»٨٢: من حكام «أسوان» في عهد الملك «بيبي الثاني» قد قام بحملة إلى بلاد النوبة لإحضار جثة والده «مخو» الذي سطت عليه قبائل السود وذبحوه، ونقوش «سبني» مهمشة في البداية غير أنه في إمكاننا أن نفهم منها المعنى المقصود جملة، ولم يكن «سبني» عند قيامه بهذه الحملة جاهلًا بأحوال هذه البلاد التي قتل فيها والده، بل يظهر أنه كان مدربًا على ارتيادها، وكان لا بد له من ذلك؛ لأن وظيفة قيادة القوافل على ما نعلم كانت وراثية في حكام هذه المنطقة كما شاهدنا ذلك في «حرخوف» ووالده، فكان الوالد يعلم ولده الأعمال التي كانت تَتَطَلَّبُهَا وظيفته.
قام «مخو» والد «سبني» برحلة ولكنه مات في خلالها في جهة ما في قلب مجاهل أفريقيا؛ فقام ابنه بالبحث عن جثة والده فكتب على مقبرته التي لا تزال إلى الآن ﺑ«إلفنتين» مع قبر والده: «يقول الأمير حامل خاتم ملك الوجه البحري، مدير الجنوب، السمير الوحيد، الكاهن المرتل سبني»:
وعندئذ ذهب ضابط السفينة «أنتف» ومدير … «بهكسي» ليحملوا الخبر، أن السمير الوحيد والكاهن المرتل «مخو» قد مات؛ وعندئذٍ صحبت معي جنودًا من ضيعتي ومئة حمار وأخذت كذلك عطورًا وشهدًا، وملابس وزينًا و … لأقدمها هدايا في هذه الأقطار، وسرت نحو بلاد النحسي (السود) هذه … وقد أرسلت أناسًا كانوا عند بوابة إلفنتين، وكتبت خطابات لأخبر الملك بأني سافرت لأحضر والدي من «واوات» و«أرثت» ولقد هدأت الأحوال في هذه الأقطار الأجنبية … وفي الأقطار … التي تُسَمَّى «عا» ثم «ثر» ثم حملت جثة هذا السمير الوحيد على ظهر حمار ثم أرسلته مع فصيلة من جنود أوقافي. وصنعت له تابوتًا … وأحضرت معي. لأجل أن أنقله من هذه الأقطار الأجنبية. ولم أرسل قط إلى أية بلاد سود. للبلاط … وقد مُدِحْتُ كثيرًا على هذا العمل، ثم عدت نحو «واوات» و«وثك»، وأرسلت الشريف الملكي «أري»٨٣ مع اثنين من ملاك الفلاحين من ضياعي طليعة ومعهما الروائح العطرية … وحاجز من العاج لأعلم … أني حملت جثة والدي وكل أنواع هدايا هذه الأقطار. ثم عدت لأضع والدي … أما من جهة «أري» الذي كان في البلاط فإنه أحضر أمرًا بتحنيط الأمير، حامل خاتم الوجه البحري، السمير الوحيد، الكاهن المرتل «مخو» وقد أحضر … مُحَنِّطِينَ، والكاهن المطهر الأعلى والتشريفي، والكاهن الأعلى للأوقاف الجنازية والبكائين وكل قربان بيت التحنيط. وأحضر زيت الشعائر الخاص ببيت التحنيط، والأشياء السرية لبيت التطهير المزدوج والخاصة ببيت السلاح وملابس من بيت المال، وكل الملحقات الجنازية أتت من البلاط كما كانت الحال في أمر الأمير «مرو». وعندما وصل «أري» أحضر معه مرسومًا ليثنى عليَّ على ما فعلته وقد ذكر في هذا المرسوم: «لقد فعلت لك كل الأشياء الممتازة تذكارًا لهذا العمل لأنك أحضرت والدك … ولم يحدث مثل هذا من قبل».

ودفنت والدي في هذا القبر من الجبانة، على أنه لم يدفن رجل في هذه الدرجة بالطريقة التي دفن بها. ثم نزلت في النهر نحو «منف» حاملًا معي منتجات هذه الأقطار الأجنبية وكذلك ما كان والدي قد جمعه … جيشي والنحسي (السود) … والخادم «سبني» قد أُثْنِيَ عليه في البلاط؛ ووجه الملك له مدحًا لأنه كان صاحب حظوة عظيمة عند الملك … وقد أعطيت صندوقًا من خشب الخروب يحتوى على عطور وزيوت، وكذلك منحت حقيبة من الكتان … وملابس. وكذلك أعطيت ذهب الجدارة، وكذلك تسلمت قرابين من اللحم والطيور … وعندما كانت تُقَرَّبُ الذبائح كان يذكر ما فعله لي سيدي.

وقد قيل للخادم «سبني» (أي له نفسه): لقد وصل مرسوم من القاضي الأعظم والوزير … بلدة «نخب» الكاهن الأعظم «أني» الذي كان وقتئذٍ في «برحتحور رسيت» قائلًا: «إنه يمكنني أن أحضر والدي في الحال ويمكنني أن أدفنه في قبره شمال «نخب». ولقد منحت ٣٠ أرورًا من الأرض في الشمال والجنوب وقفًا من الهرم المسمى «من عنخ نفر كارع» تقديرًا لي».

(٥) «وني» أو «أوني»٨٤: أحد كبار الموظفين الذي عاصر ملوكًا كثيرين ابتداء من الملك «تيتي» وقد دفن في «العرابة».٨٥
نقوش «وني»: الأمير الوراثي، مدير الوجه القبلي (والتشريفاتي) ونائب «نخن» والرئيس الأعظم «لنخب» (الكاب) والسمير الوحيد والمبجل عند «أوزير» أوَّل أهل الغرب «وني».

عندما كنت طفلًا ممنطقًا بالحزام في عهد جلالة الملك «تيتي» كانت وظيفتي هي مدير المخازن والمشرف على القصر الملكي وملاحظ المزارع؟؟ … والمرتل للقصر في عهد جلالة «بيبي». وقد رفعني جلالته إلى مرتبة سمير وحيد وكاهن مشرف على ضيعته الجنازية (أي هرمه).

تنصيبه قاضيًا:

وعندما كانت وظيفتي وهي … نصبني جلالته قاضي فم نخن (أي نائبًا عن نخن) وكان قلبه مفعمًا بي (أي يحبني) أكثر من أي خادم آخر. وقد سمعت الأحوال منفردًا مع الوزير عن كل الأشياء السرية وكنت أحقق باسم الملك فيما يتعلق بالخدر الملكي في محكمة الستة العظام العليا؛ وذلك لأني كنت ملء قلب جلالته أكثر من أي واحد من أشرافه، وأكثر من أي واحد من عظمائه، وأكثر من أي واحد من خدامه.

إقامة قبره بوساطة الملك:

لقد رجوت جلالة سيدي أن يحضر لي تابوتًا من حجر «طره» الأبيض، وقد سمح جلالته أن يقلع حامل خاتم ملك الوجه البحري مع طائفة من البحارة تحت إدارته لأجل أن يحضر لي هذا التابوت من «طره». وقد حضر به في سفينة كبيرة من سفن القصر ومعه غطاؤه واللوحة والصدغان والقاعدة، ولم يعمل قط مثل ذلك الخادم آخر؛ لأني كنت ممتازًا في قلب جلالته، ولأني كنت محببًا لقلب جلالته، ولأني كنت في قلب جلالته (يحبني).

تنصيب «وني» المشرف على مزارع البلاط:

وعندما كنت قاضي ونائب «نخن» (فم نخن) لقبني جلالته السمير الوحيد والمشرف على مزارعي القصر، وقد حللت بذلك محل أربعة المشرفين على مزارع القصر هناك. وقد عملت حتى نلت مديح جلالته، عندما كنت أجهز القصر، وعندما كنت أنظم طريق الملك، وعندما كنت أنسق المحاط، وقد عملت كل ذلك بطريقة جعلت جلالته يمدحني من أجل ذلك أكثر من أي شيء.

تعاليم صريحة ضد الملكة «ورت حتس»:

وبمناسبة قضيته في الخدر الملكي ضد الزوجة الملكية «ورت حتس» التي أقيمت سرًّا فإن جلالته جعلني أدخل لأجل أن أسمع القضية، وقد كنت وحدي دون أن يكون معي وزير أو شريف بل كنت وحدي. وقد كنت كاملًا ومحببًا لقلب جلالته؛ وذلك لأني كنت ملء قلب جلالته. وكنت أنا الذي أعمل كاتبًا، وكنت وحدي مع القاضي نائب «نخن»، وذلك لأني كنت أشغل وظيفة المشرف على مزارع القصر. ولم يحدث قط أن حقق واحد مثلي في قضية سرية في الخدر الملكي، ولكن جلالته جعلني أحققها لأني كنت ماهرًا في قلب جلالته أكثر من أي شريف آخر وأكثر من أي عظيم آخر وأكثر من أي خادم آخر.

الاستعداد لمحاربة أهل الرمال:

وقد شرع جلالته في القيام بحملة تأديبية على الأسيويين أسياد الرمال. وقد أَلَّفَ جلالتُه جيشًا من عشرات الآلاف العديدة من الرجال من كل الوجه القبلي من أول «إلفنتين» في الجنوب حتى «أطفيح» في الشمال ومن الوجه البحري، جندتهم إدارة الجيش المرتزِقة، وجميعهم في القلعة في داخل الحصون (؟) بين نوبي «أرثت» و«المزاوي» و«يام» و«واوات» و«كاو» وبلاد «تمحو» (لوبيا).

مسير الجيش تحت إمرة «وني»:
وقد أرسلني جلالته على رأس هذا الجيش في حين أن الأمراء الوراثيين وحاملي خاتم ملك الوجه البحري، والسمار الوحيدين أصحاب القصور العظيمة (أي الحصون) والرؤساء المشرفين على القلاع في الوجهين القبلي والبحري، والسمار المشرفين على القوافل، والمشرفين على الكهنة خدام الإله للوجهين القبلي والبحري، والمشرفين على جيش الجنود المرتزِقة، وكان كل واحد منهم على رأس فرقة من المعاقل وإقطاعيات الوجهين القبلي والبحري التي كانوا يحكمونها، وكذلك «نحسيو» (السود) هذه الممالك الأجنبية، وكنت أنا الذي سهرت على نظامهم؛ وذلك بوصفي صاحب وظيفة المشرف على مزارعي قصر الملك٨٦ وبسبب مكانتي لدرجة أنه لم يوضع فرد مكان قرينه، ولم يسرق من إنسان خبز أو حذاء في أثناء الطريق ولم يسرق نسيج من أي بلد ولم يغتصب ماعز من أي شخص.

وقد قدت هؤلاء الجنود عن طريق جزيرة الشمال وبوابة «إمحتب» وإقليم «سنفرو» وذلك بوصفي أني كنت في هذه الوظيفة … وقد استعرضت كل واحدة من هذه الفرق ولم يحدث قط أن خادمًا قد استعرض جنودًا من قبل.

عودة الجيش منتصرًا:

إن هذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن حطم أرض أهل الرمال، وهذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن محا معاقلهم، إن هذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن اجْتُثَّتْ أشجار تينهم وكرومهم، إن هذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن صَبَّ النيران في كل جنودهم. إن هذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن ذبح كل جنودهم بعشرات الآلاف العدة، إن هذا الجيش قد عاد في سلام بعد أن ساق جنودًا عديدين من الأسرى. وقد مدحني من أجل ذلك أكثر من أي شيء.

إخضاع ثورة الأقوام المقهورين:

وقد أرسلني جلالته خمس مرات قائدًا لهذا الجيش لأجل أن أخرب بلاد سكان الرمال في كل مرة يثورون بفصائل من الجنود، وقد قمت بواجبي حتى إن الملك مدحني من أجل ذلك.

حملة بحرية وبرية على بلاد «أنف الغزال»:

وعندما قيل إن ثورة قامت لأمر من الأمور بين المتوحشين المجاورين لجهة «الكرمل» (بلاد «أنف الغزال») نزلت في سفن البحر مع فصائل من الجنود ورَسَوْتُ خلف المرتفعات الجبلية في شمالي بلاد سكان الرمال. وعندما قيد هذا الجيش على المرتفعات ذهبت وقبضت (على العصاة) بأجمعهم وكل واحد من الثوار هزم.

«وني» يُنَصَّبُ حاكمًا على «الوجه القبلي»:

ولما كنت ضابطًا حاملًا للحذاء في القصر العظيم، فإن ملك الوجه القبلي والوجه البحري سيدي «مرنرع» قد نصبني أميرًا حاكمًا للجنوب من أول «إلفنتين» في الجنوب حتى «أطفيح» في الشمال لأني كنت كاملًا في قلب جلالته، بقدر ما كان قلب جلالته مبتهجًا بي، وبقدر ما كان قلب جلالته مفعمًا بي.

ولما كنت ضابطًا حامل الحذاء فإن جلالته مدحني من أجل يقظتي ومن أجل الحراسة التي قمت بها في القصر. وقد مدحني أكثر من أي شريف أو عظيم أو خادم.

ولم يُمْنَحْ قط هذه الوظيفة خادم من قبل. وقد عملت للملك بوصفي حاكمًا للجنوب بما يرضيه لدرجة أنه لم يوضع إنسان في مكان جاره، ولقد مارست كل عمل، وقد عملت حساب كل شيء حمل لحساب الخزانة في الوجه القبلي هذا مرتين، وكل ساعة عمل (سخرة) وضعت في الحساب لأجل البلاط في الوجه القبلي هذا مرتين. وقد ملأت وظيفة حاكم بصفة مثالية في الوجه القبلي، هذا وقد عملت كله لأجل أن أمدح من جلالته.

رحلة إلى محاجر «إبهات» في بلاد النوبة إلى محاجر «إلفنتين»:
وقد أرسلني جلالته إلى «إبهات» لأحضر تابوتًا (صندوق الحي)٨٧ مع غطاء بالإضافة إلى هرم صغير ثمين وفاخر لأجل هرم «مرنرع» (الذي يسمى) «خع-نفر-مرنرع».

وبعد ذلك أرسلني جلالته إلى «إلفنتين» لأجل أن أحضر بابًا وهميًّا من الجرانيت بقاعدته وعارضتيه لأجل الحجرة العليا الخاصة بهرم «مرنرع» «خع-نفر- مرنرع».

وقد سحت نحو الشمال من هذا المكان حتى هرم «مرنرع» «خع-نفر-مرنرع» ومعي ست سفن نقل وخمس سفن جربها ثمانية أزواج في حملة واحدة. ولم تعمل حملة واحدة قط إلى «إبهات» و«إلفنتين» دفعة واحدة في حكم أي ملك وقد تم كل شيء أمر به جلالته بأكمله كما أمرني به جلالته.

حملة إلى محاجر مرمر «حتنوب» في مصر الوسطى:

أرسلني جلالته إلى محاجر «حتنوب» لأحضر منها مائدة قربان عظيمة من المرمر. وقد انحدرت في النهر من أجل الملك مع هذه المائدة المقطوعة من محاجر «حتنوب» في سبعة عشر يومًا، وجعلتها تحمل في النهر (نحو الشمال) في سفينة نقل. والواقع أني صنعت لهذا الغرض سفينة نقل من الخشب السنط طولها خمسون ذراعًا وعرضها ثلاثون ذراعًا وقد ركبت في سبعة عشر يومًا في أثناء الشهر الثالث من فصل الصيف. وعلى الرغم من أنه لم يكن ماء في قعر النهر فإني رسوت سليمًا عند هرم «مرنرع» (المسمى): «خع-نفر-مرنرع». وقد أنجزت كل شيء بشخصي على حسب الأمر الذي أعطانيه جلالة سيدي.

الحملة الثانية إلى الشلال:

وقد أرسلني جلالته لتعميق خمس قنوات في الجنوب ولأجل أن أصنع ثلاث سفن واسعة وخمس سفن نقل مصنوعة من سنط بلاد «واوات» في حين أن زعماء بلاد «أرثت» و«واوات» و«يام» و«المزاوي» كانوا يوردون الخشب لهذا الغرض، وقد أنجزت كل ذلك في سنة واحدة (أي في بعث) وأنزلت (السفن) في الماء محملة بالجرانيت بكثرة لأجل هرم «مرنرع» المسمى «خع-نفر-مرنرع» («مرنرع» جميل عندما يظهر).

وفضلًا عن ذلك حققت اقتصادًا بذلك في الوقت لأجل القصر بفضل هذه القنوات الخمس في مجموعها (وكل ذلك بسبب احترامي وصفاتي الشخصية والتقديس الذي عندي لقوة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «مرنرع» العائش إلى الأبد، أكثر من كل الآلهة؛ وذلك لأن كل شيء كان قد أنجز على حسب الأمر الذي أعطانيه الملك. وإني أنا المحبوب من والده والممدوح من أمه وإخوته، أنا الأمير الوراثي حاكم الوجه القبلي المبجل عند «أوزير».٨٨
«وني»

ولا نزاع في أن وجود هؤلاء العظماء في «إلفنتين» قد أكسبها ثروة طائلة وأضفى عليها بهاء ورونقًا وعظمة حافظت عليها في كل عصور التاريخ، ولا تزال من أجل ذلك حتى يومنا هذا مهبط الزوار من كل أقطار العالم؛ لما فيها من آثار جميلة وجو ممتع في أثناء الشتاء.

وتدل شواهد الأحوال على أن هؤلاء العظماء كانوا يقومون بلا شك بهذه البعوث لحساب الحكومة التي كانت مسيطرة على كل شيء. ولكن مما يؤسف له أن النقوش التي تركها لنا هؤلاء الموظفون الكبار على نحو ما رأى القارئ لم تصف لنا رحلاتهم في الجنوب إلا باختصار وهذه هي الحال في كل كتابات الدولة القديمة، إذ لا تعبر عن الوقائع إلا باختصار في كل النقوش التي وصلت إلينا؛ ولذلك ينبغي علينا ألَّا ننتظر تفاصيل ضافية عن هذه البعوث كما يرى القارئ في المتون التي أوردناها خاصة بهؤلاء العظماء.

على أن أكبر صعوبة تعترضنا في تقدير هذه النقوش هي الصعوبة الجغرافية التي تصادفنا في تعرف أسماء البلدان التي وردت في بلاد النوبة، فقد أصبح من العسير علينا تحديد مواقع الأماكن التي ذكرت في هذه النقوش، فنرى أولًا أن سرد أسماء الأماكن الجنوبية الواحدة تلو الأخرى كما جاءت في النقوش المختلفة لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة حاسمة؛ وذلك لأننا نجد أن هذا الترتيب في النقوش المختلفة بل وفي النقش الواحد يتغير، فمثلًا نجد في نقوش «وني» أولًا أن البلاد «أرثت» و«المازوي» و«يام» و«واوات» ذكرت على هذا الترتيب وبعد ذلك نجد في النقش نفسه الترتيب التالي «أرثت» و«واوات» و«يام» ثم «المزاوي».

وكذلك نجد في القوائم المتأخرة مثل قائمة «الكرنك» التي يرجع عهدها لحكم «تحتمس الثالث» أن بعض الأسماء التي ذكرت في الدولة القديمة وحفظت لنا في هذه القائمة لا تقدم لنا مادة كافية لتحديد موقع هذه الأماكن. والواقع أن معظم هذه الأسماء غير معروف لنا كلية ولذلك لا يمكن تحديد موقعها. ولا يمكن أحدًا أن يصل إلى نتيجة من ترتيب هذه الأسماء لأن هذا الترتيب يختلف في القوائم المتعددة التي جاءت في النقوش الأخرى المعاصرة.

ولكن إذا جمع الإنسان بين نقوش المقابر والنقوش التي على الصخور فإنه من المستطاع أن يحدد موقع بعض الأماكن بشيء قد يقرب من الحقيقة. ففي «توماس» حيث تخرج الطريق التي تنعطف عند منحنى النيل في كرسكو، وكذلك طريق القوافل التي تخرج من «واحة كركر» والتي ينتهي عند «واحة دنقلة» قد وجد الأثري «ويجول»٨٩ عددًا عظيمًا من النقوش التي على الصخور من أزمان مختلفة، ومن عهد الدولة القديمة بخاصة. ففي إحداها يقول «نيسوخو» السالف الذكر: «لقد أرسلت لأفتح «أرثت» للملك «بيبي الأوَّل» العائش أبديًّا، المشرف على مزارع البيت والمشرف على التراجمة «نيسوخو» ومن ذلك يظهر أن أرض «أرثت» كانت بالقرب من «توماس»٩٠ وكذلك بلاد «واوات» يمكن أن يحدد مكانها بهذه الكيفية، ولا شك في أن «واوات» في عهد الدولة القديمة كانت غير «واوات» في عهد الدولة الحديثة. فقد كانت في الأخيرة اسما عامًّا لكل بلاد النوبة السفلى، ولا يدل استعمالها في الدولة القديمة على ذلك، حيث كانت تقابل تمامًا الأسماء الأخرى الدالة على أنها جزء من بلاد النوبة، أما في الدولة الوسطى فلا نعلم على وجه التأكيد التوسع الذي أحرزته «واوات» وكل ما نعرفه أن «كرسكو» كانت ضمنها على ما يظهر. هذا ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن كلًّا من «ليونز» و«بركش» قد أشار إلى نقش لم نعثر عليه بعدُ للملك «أمنمنحات الأول». وهو: «لقد أتينا لإخضاع «واوات».٩١
ونجد في نقوش «حرخوف» في رحلته الثانية أن «سثو» و«أرثت» كانتا متجاورتين، ويدل على ذلك أن «حرخوف» هذا قد جعل هذين البلدين تحت حكم أمير واحد كما رأينا ذلك في نقوش «حرخوف» التي ذكرت سالفًا، ويجب أن تكون «واوات» مجاورة لهذين البلدين؛ لأن «حرخوف» في رحلته الثالثة وجد نفس الأمير يحكم «أرثت» و«سثو» و«واوات»، والأخيرة أصبحت تحت حكم هذا الأمير فيما بعد، ولا يمكن أن تكن واقعة بين «سثو» و«أرثت»، وأخيرًا يجب أن تكون «يام» جنوب هذه البلاد لأن «حرخوف» اخترق «أرثت» و«سثو» و«واوات» عند عودته من رحلته إلى «يام». فإذا كانت «أرثت» على ما يظهر تقع عند «توماس» كما يحتمل أن «واوات» تقع عند «كرسكو» فإنه لا بد أن تقع «سثو» إما بين «توماس» و«كرسكو» أو جنوبي «توماس»، والرأي الأخير هو المرجح؛ وعلى ذلك تكون «يام» على مقربة من الشلال الثاني في الجنوب منه. هذا هو رأي الأستاذ «تورجني سيف زودربرج».٩٢ ويميل الإنسان إلى جعل موقع «يام» في الجنوب؛ وذلك لأن وارداتها كانت لا تأتي على ما يظن إلا من بلاد في داخل أفريقية مثل خشب الأبنوس والعاج والبخور، ولكن من جهة أخرى لا نعلم إلى أي حد كانت هذه المحاصيل بعينها موجودة في الشمال في الأزمان القديمة. ومن المحتمل أن الأستاذ «ينكر» كان على حق عندما وحد هذه البلاد بالبقعة التي تسمى «المحس»،٩٣ هذا إلى أن توحيد الأثري «دراسي» «يام» بجبل «أمام» رأي يستحق التفكير.٩٤ ولكن بعد ذلك طلع علينا الأثري «جان يويوت» برأي آخر وهو أن «يام» هي نفس واحة دنقلة.٩٥
ومن الأمور التي تناولها البحث كثيرًا موضوع إحضار «حرخوف» في رحلته الرابعة قزمًا للملك «مرنرع». وهذا الأمر قد أدى إلى الظن بأن «حرخوف» قد أوغل في رحلته نحو الجنوب حتى وصل إلى أواسط أفريقية موطن هؤلاء الأقزام.٩٦ وهذا الرأي لا يستند على مصادر أصلية تؤكد هذا الزعم. فلا بد من فحص هذا الموضوع هنا على ضوء الحقائق العلمية التي أوردها علماء الآثار في هذا الصدد.٩٧ ولا بد لنا من التفرقة بين الأقزام الذين ورد ذكرهم في النقوش المصرية، ونوع من الرجال يولد قميئًا من أصل مصري. ولكن اللغة المصرية القديمة قد عبرت عن نوعي هذين القزمين بكلمة واحدة وهي كلمة «دنج»٩٨ أو كما جاء ذلك في متون الأهرام بلفظة «داج».٩٩ وقوم الأقزام يسكنون الآن في منطقة معينة في داخل أفريقيا وقد كان أول من كشف عن موقع بلاد هؤلاء القوم هو العالم الرحالة «شفينفورت»، وهو إقليم تابع لمملكة «المانجباتو» التي تقع في أعالي منابع النيل. وتنحصر مساكن كل الأقزام في الأحراج والغابات. وكانوا في الأصل منتشرين في أماكن أخرى، غير أنهم انحصروا الآن في تلك الغابات ثانية. وكذلك لدينا سكان آخرون قد تقهقروا أمام الفاتحين إلى الأماكن الجبلية التي يصعب السير فيها، مثل أهل جبال النوبا في «كردفان». ومن المحتمل أن انتشار جنس الأقزام كان عظيمًا في عهد الدولة القديمة، ويدل على ذلك أن مساكنهم فيما مضى قد امتدت نحو الشمال. أما المعلومات القائلة بأنهم أُحْضِرُوا من بلاد «بُنت»١٠٠ فلا يستند على أساس، فقد كان من الممكن أن تذكر الطريق التي أحضروا منها إلى مصر. على أن بعد «كرمة» التي تعد أقصى نقطة تجارية في الجنوب في عهد الأسرة السادسة من أقصى نقطة في الشمال يسكنها الأقزام بحوالي ٢٠٠٠ كيلو مترًا يجعل من المستحيل وجود اتصال مباشر بين المكانين، كما أن القول بوجود ارتباط تجاري مع طول المسافة وصعوبة الاتصال مع السودان كان من الأمور المستحيلة وقتئذٍ. ومن جهة أخرى ينبغي علينا ألَّا نجعل بقعة إقامة الأقزام موغلة في الشمال وإلَّا لما عُدَّ إحضار واحد من هؤلاء القوم حينئذٍ حدثًا نادرًا في بابه من الأحداث التاريخية المشهورة.

والواقع أن الأقزام كانوا مطلوبين بكثرة في مصر؛ وذلك لأنهم كانوا يقومون بالرقص الإلهي. ومما يجدر ذكره هنا أن العبارة التي نترجمها بالرقص الإلهي في هذا الصدد ليست مفهومة على الوجه الأكمل. وذلك لأنه يمكن أن تعتبر كلمة «إلهي» عائدة على الملك، لأنه كان يُعَدُّ إلهًا عند المصريين، وعلى ذلك يكون الرقص الإلهي تسلية الملك.

ولكن القزم كان ينبغي في الوقت نفسه أن يستعمل في الرقص الديني الخاص بالشعائر، ولا أدل على ذلك من أننا نرى في متون الأهرام أن الملك نفسه كان يقوم بدور القزم١٠١ إذ يقول المتن عن الملك: «إنه راقص الإله الذي يسر الإله أمام العرش العظيم» وكذلك تحدثنا الآثار عن «تيوس» (Teos) الشهير وهو قزم قزعة من عهد الملك «نقطانب» ٣١٨–٣٦١م أنه قد رقص في «كم» (؟) في يوم دفن العجل «أپيس أوزير».١٠٢
ومن المحتمل أنه يوجد في الأصل رقصة وطنية غريبة تدعى «إباو-نتر» يتقنها قصار القامة؛ لأنهم أَتَوْا من بلاد بعيدة تُعْتَبَرُ مقدَّسة، وتسمى كذلك «تا-نتر» الأرض الإلهية، وقد كان هذا المكان الخرافي هو الذي منه أتت خيرات النيل، كما كان يُعَدُّ منبع البخور. ورقص سكان هذا الإقليم ربما كان له أهمية خاصة. ونحن نرى كيف أن رقص الأقوام الأجانب في الشعائر الدينية له مكانة هامة مثل رقص «التمحو» (اللوبيين).١٠٣ ورقص «نحسيو» (السود) الذي يلعب دورًا في عيد الإله «مين» إله الخصب والنماء.
ولدينا حالة هامَّة لم تَلْقَ الْتفاتًا حتى الآن. وذلك أن الأقزام كان لهم رقصة غريبة على ما يظهر. فقد دوَّن العالم «شفينفورت» في كتاب١٠٤ له ما يأتي: «وإذا كانت رقصة السلاح الخاصة بقوم «نيام نيام» قد استرعت إعجابي وتقديري، فإن سروري كان لا حَدَّ له هذه المرة فإنه على الرغم من ضخامة كرشه (يقصد القزم) المتدلي، وعلى الرغم من قصر فخذيه الدقيقتين فإن «إديموكو» المتقدم في السن كان يؤدي حركاته بخفة ورشاقة، هذا إلى أن قفزاته وهيئته وحيويته كانت تتمثل في مُحَيَّاهُ مما كان يثير ضحك كل الحاضرين على الرغم منهم». والواقع أن مثل هذه الرقصة كانت محببة إلى قلوب المصريين في عهد الدولة القديمة. ويمكننا أن نفهم إذن كيف أن الحملات إلى بلاد السودان كانت ترسل للحصول على مثل هؤلاء الأقزام. هذا ولم تمنع غرابة حركات الأقزام اشتراكهم في إقامة الشعائر الدينية.

ويلاحظ أن الأقزام المحليين كانوا أحيانًا يُشَاهَدُونَ في الصور بوصفهم خدمًا، وكانت أجسامهم متناسبة الأعضاء؛ فنرى أن طول الذراعين والساقين متناسب مع الجذع، وكان عظم الرأس يتفق مع سائر الجسم، وقد كان نشاطه يمتد حتى النشاط الذي كان يقوم به قزم من أقزام السودان، وعلى ذلك فإن الأقزام النادرين الذين نجدهم في الصور يمثلون الأقزام الحقيقيين لا بد أنهم كانوا يَتَّخِذُونَ مكانة أخرى بصرف النظر عن أنهم أنفسهم كانوا قليلي الوجود بالبلاط، والواقع أنهم كانوا لا يُسْتَخْدَمُونَ في بيوت العظماء، وهؤلاء لا يمكن أن نعُدهم غلمانًا صغارًا يقومون بالخدمة؛ إذ يعترض ذلك الفرض صورة الجسم ولباس الرأس، وفي هذه الحالة يجب أن يكون الممثل هنا رجلًا وُلِدَ قميئًا، كما نشاهد أمثال هؤلاء المخلوقات في كل أجناس العالم، وعلى ذلك يمكننا أن نستبعد كثيرًا من الصور التي أظهرهم فيها المُفْتَنُّ لأسباب خاصة؛ إذ هم في الواقع مخلوقات صغيرة متناسقة الأعضاء، فنجد مثلًا شخصًا قميئًا قد رسم بجوار محفة سيده وهو يقود حيوان السيد المحبب إليه.

وليس من الضروري أن يكون الأشخاص الذين يُرسمون بطريقة صغيرة من الأقزام، بل كان الْمَثَّالُونَ في كثير من الأحوال يرسمون أناسًا بصورة صغيرة نسبية بوصفهم حاملين سادتهم؛ فيكون رسم التابع متناسبًا مع صورة السيد المحمول في المحفة،١٠٥ وقد لاحظ الرسام في تأليف هذه الصورة ما لاحظه في الصورة رقم ٤٤ في نفس المؤلف من مراعاة النسبة في الرسم، حيث نجد الابنة قد رُسِمَتْ بجانب والديها بصورة صغيرة جدًّا، ومع ذلك فإنه قد بقي لنا بعض حالات نشاهد فيها أقزامًا حقيقيين رُسِمُوا بصورة منظمة بوصفهم خدمًا، كما نشاهد ذلك في مقبرة «تي»،١٠٦ وكذلك صورة القزم في كتاب «ولكنسون».١٠٧

وعلى أية حال فإن أمثلة الأقزام قليلة جدًّا، وفي معظم الحالات نجد القزم قد صُوِّرَ بهيئة قبيحة فَيُرْسَمُ جذعه ورأسه مثل جذع ورأس رجل عادي، ولكنَّ ذراعيه وساقيه قصيرة مشوهة بسبب نقص في الغدة.

الأعمال التي يقوم بها القزم: لم يكن استعمال القزم في البيت بأية حال مجرد لعبة أو صورة مضحكة يَتَسَلَّى بها أصحابه أو تابعًا يقوم بعمل تافه، بل كان على العكس من ذلك يقوم في البيت بكل الأعمال التي لا تتعارض مع تكوين جسمه، فلا يزاول الأعمال اليدوية الصعبة التي لا يمكنه القيام بها بحسب تكوينه، ولكنه يقوم بالأعمال الأخرى الخاصة بالبيت كما كانت الأعمال الدقيقة كلها من اختصاصه فنجده يقوم بعمل الغلام في البيت وحارس النسيج والصانع وحارس الماشية، كما نجده يقوم بوظيفة غلام الحجرة يحضر لسيده حاجاته الخاصة كالحذاء والعصا والمخدة والكرسي والمرآة إلخ.

وعلى أية حال فإن ذكر «حرخوف» في نفس المتن الذي وضعه هو بأن مواطنًا آخر قد أحضر قزمًا من بلاد «بُنت» لا يعني أن رحلات التجار المصريين قد وصلت إلى هذا الحد في الجنوب؛ وذلك لأن هؤلاء الأقزام كما شرحنا من قبلُ ليسوا من فصيلة الأقزام الحقيقيين، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّا لا نعرف إلى أي بقعة شمالًا استوطن هؤلاء القوم في هذا العهد، إلا أنه من الجائز جدًّا أنهم جُلِبُوا بواسطة تجار الرقيق إلى المكان الذي كان يتقابلون فيه مع المصريين في بلاد النوبة.

هذا ولا يمكن أن نعتبر طول مدة الرحلتين الأخيرتين اللتين قام بهما «حرخوف» تشير إلى أن المصري قد أوغل في سياحته نحو الجنوب، وأن «يام» موقعها بعيد في الجنوب؛ وذلك لأننا لا نعرف مقدار سرعة سيره، ولم نعرف كذلك المدد التي كان يمكثها «حرخوف» في البلاد المختلفة التي جاب مجاهلها. وقد فحص الأستاذ «جاردنر» مواقع هذه الأماكن عند تحدثه عن «مجا» (مزا). فيقول: إن «مزا» أو «مجا» التي جاء ذكرها في النقوش هي بلاد يسكنها قوم من البدو الرُّحَّلِ ويحتمل أنها تقابل قبيلة «بجا»١٠٨ الحالية. وتعد «المجا» أو «المزا» في عهد الدولة القديمة أحد الأقاليم النوبية المجاور بعضها لبعض التي منها «واوات» و«يام» و«أرثت»، وهذه هي التي جاء ذكرها عادة في المتون، وسكان هذه الأقاليم يوصفون بأنهم «النحسيو» وهي كلمة عامة تطلق على الذين من أصل نوبي وليسوا زنوجًا.١٠٩ وفي الحملة التي قام بها «بيبي الأوَّل» على بدو «سيناء» نجد أن الجيش الذي كان يقوده «وني» لمحاربة بدو «سيناء» يحتوى على فيالق من الأقاليم أو القبائل السالفة الذكر.١١٠ ونجد من بين الموظفين الذين خوطبوا في منشور مؤرخ بحكم هذا الملك رئيس١١١ المترجمين «للمجا» و«يام» و«أرثت» مِمَّا يدل إلى حدٍّ ما على أنهم كانوا تحت سلطان القضاء المصري، وفي العهد التالي أي في حكم الملك «مرنرع» نجد أن رؤساء «المزا» و«أرثت» و«واوات» قد زاروا جوار «أسوان» ليقدموا خضوعهم للملك شخصيًّا كما ذكرنا من قبل، وهذه الحادثة يحتمل أنها كانت تتفق مع مساعدتهم للقائد «وني» ونجد كذلك هنا أن أمير «يام» قد قام بدوره في جر قطع خشب السنط للسفن التي استعملها في نقل الجرانيت لهرم الملك «مرنرع»،١١٢ وإذا كان قول الأثري «ويجول»،١١٣ كما ظن حقًّا، من أن هذا الخشب قد قطع من داخل هذه الأقاليم التي يحكمها هؤلاء الأمراء؛ فإن هذه الأقاليم لا يمكن أن تقع على مسافة بعيدة من مصر، والواقع أن الفكرة التي يستخلصها الإنسان من ذلك أن كل هذه الأقاليم كانت تنحصر في مساحة قدرها ٣٥٠ كيلو مترًا من النهر بين «الشلال الأوَّل» و«الشلال الثاني». ولدينا بعض تفاصيل مؤكِّدة لهذا الرأي يمكن الإنسان أن يلمسها؛ فإقليم «واوات» كان معروفًا أنه امتد شمالًا حتى حصن «سنخت» (بجه). ولدينا نقش على الصخر في «كرسكو»١١٤ مسجل فيه حملة قام بها «أمنمحات الأوَّل» ليهزم «واوات» وربما تكون الحملة في هذا الوقت قد وصلت إلى هذا الحد جنوبًا. وفي عهد الدولة الحديثة كانت تشمل كل بلاد النوبة السفلى.١١٥ ولدينا نقش على الصخر للملك «بيبي الأوَّل»١١٦ في «توماس» على مسافة ثلاثين كيلو مترًا في أعالي النهر من «كرسكو» يخلد ذكرى موظف قد أرسل إلى هذه الجهة ليقتحم مجاهل «أرثت» ومن ثَمَّ يمكن أن نستنبط أن «توماس» كانت في داخل هذا الإقليم. وعلى أية حال فإن أمير «أرثت» كان كذلك أمير «سثو» التي أشير إليها بأنها في أسفل «أرثت».١١٧ وعلى ذلك يجوز أن «واوات» في عهد الأسرة السادسة لم تصل في امتدادها إلى أعالي النهر حتى «كرسكو». وكان أمير «إلفنتين» «حرخوف» قد أُرْسِلَ في عهد الملك «مرنرع» للكشف عن مجاهل «يام»١١٨ وهي تقع بدهيًّا بعيدًا عن مصر أكثر من «سثو» و«أرثت» اللتين ذكرهما في نقوشه ولما لم يكن قد تكلم عن «مجا» (مزا) فإنه يظهر إذن أنها كانت تقع بعيدًا عن هذه الجهات، والبراهين التي تدل على موقع «مجا» (مزا) في هذا العهد المبكر تعوزنا، ولكن لا يُحْتَمَلُ أنها تقع جنوب الشلال الثاني وإن كان «ويجول»١١٩ قد أخطأ بالتأكيد في قوله إنها تمتد شمالًا حتى «الدر» القريبة من «توماس» وعلى ذلك كان من الواجب أن يكون ضمنها «أرثت». وفي عهد الدولة الوسطى يصادفنا اسم الحصن «خسف مزاو» = «صد المزاوي» (فرص) وهذا يقدم لنا شاهدًا هامًّا على أنه عندما بني هذا الحصن — وذلك لم يكن قبل الدولة الوسطى — كانت هجمات «المزاوي» منتظرة في هذه النواحي.١٢٠ وإذا لم يُعْتَبَرْ «المزاوي» في ذلك العهد من الأقوام المعتدين لكان الكلام السابق من لغو القول. وقائمة الحصون كما سنرى بعد تضع هذا الحصن بين «وادي حلفا» و«عنيبة» وقد قيل إن مكانها هو «سره الغرب» و«فرص». وعلى أية حال فإنه في عهد الأسرة الثالثة عشرة كان قوم «المزاوي» (المجاي) يسكنون خلف «الشلال الثاني» وذلك لأن ورقة «الرمسيوم» وهي التي أطلق عليها رسائل «سمنة»١٢١ تسجل وصول عدد صغير من «المزاوي» إلى «سمنة» وهم الذين يرجعون بعد بيع سلعهم إلى المكان الذي أَتَوْا منه. والذي يهمنى الآن هو موقع بلاد «مزاو» (مجاو). وتدل البراهين التي أوردناها فيما سبق على أن هذه البلاد كانت في عهد ختام الأسرة السادسة تقع شمالِي الشلال الثاني، ومن المشكوك فيه كثيرًا أنها كانت تمتد وراء ذلك الإقليم المصري الصغير. ولا نزاع في أن ملوك مصر في عهد الدولة القديمة لم يجندوا جنودًا من الجنوب الأقصى لبلاد النوبة العليا. وقد دوَّن الأستاذ «زيته» ملحوظة غريبة في بابها في كتابه الخاص باللعنات على أعداء مصر، وهي التي وجدت على قطع من الفخار جاء فيها «في الوقت الذي يجد فيه الإنسان سائر أعداء مصر من النوبيين وُصِفُوا بأنهم حكام كُلٌّ على مملكته الخاصة جاء ذكر حاكم «مزاوي» دون أي لقب «مزاي واح إب»١٢٢ وقد يدل هذا على أنه عند تأريخ كتابة هذه المتون التي يرجع عهدها إلى قبل الأسرة الثانية عشرة كانت «مزا» أو «مجا» قد أصبحت لا تحدد بوصفها وحدة جغرافية، وإن كان قوم «المزاوي» لا يزالون يوجدون بوصفهم قبيلة منفصلة. وبعد الدولة القديمة لم نعد نسمع عن «أرثت» و«يام». ومن المحتمل أن شخصية بلاد «مزا» الأصلية قد أصبحت في النهاية مندمجة في بلاد «واوات» التي أصبحت مرادفة لبلاد النوبة السفلى. ولدينا وثيقة تشير إلى هذا الرأي وأعني بها ورقة «بولاق» التي تبحث في اليوميات الخاصة بمصاريف البلاط والأحداث التي جرت في «المدمود» في عهد أحد ملوك الأسرة الثالثة عشرة،١٢٣ فقد جاء في هذه الورقة ذكر رئيسين من «المزاي» كانا قد أتيا ليقدما مع نساء وطفل وتابع ومترجم. وقد وصف أحد الرئيسين كما يأتي: رئيس المزاي للمزاي. والمقصود بكلمة «المزاي» الأولى النوبيون على وجه عام والمزاي الثانية هي قبيلة «المزاي» الخاصة. والظاهر أن كلمة «مزاي» بمعنى النوبيين قد ظهرت على ما يظن للمرة الأولى في العهد المتوسط الأوَّل في نقوش محاجر المرمر في «حتنوب»،١٢٤ وكذلك في تعاليم «أمنمحات الأوَّل» حيث نجد الملك يلقن قوله: «لقد حملت «المزاي» أسرى وهزمت أهل «واوات»؛ وربما كان المقصود هنا البلدين اللذين تتألف منهما في الأصل بلاد النوبة السفلى.
وتدل ظواهر الأمور على أنه في عهد الدولة الوسطى وحتى فيما بعدها بقليل كان اسم «المزاوي»، «مزايو»، «مزاي» يراد به النوبيون في معنًى عام؛ وذلك لأنه كان يذكر وحده ليعني أي قوم من النوبة وما بعدها، فمثلًا في تحذيرات نبي نجد العبارة التالية: «والمزاي ملاطف مع المصري».١٢٥ وربما كان المقصود من ذلك أنه كان على مصافاة مع تلك البلاد التي كانت نفسها ممزقة بالحروب الداخلية.
وبعد هذا العهد بنحو خمسة قرون كان الملك «كاموس» يستعمل جندًا من «المزاوي» في هجومه على الهكسوس،١٢٦ ولكننا لا نعرف أن هؤلاء الجنود هم من الجنس النوبي الصافي.
وإذا كانت كلمة «مزاي» قد أصبحت تعبر عن النوبيين الذين زحفوا جنوبًا بعد موطنهم الأصلي فإنه من الطبيعي أن التعبير عنهم فيما بعدُ ينبغي أن يحمل معنًى مقابلًا لاسم بلاد «مزا». ومن المحتمل أن الإشارات إلى أرض «مزا» منذ عهد الدولة الوسطى وما بعدها إمَّا أن تكون مجرد تعبير قديم محض كما نجد في قوائم البلاد التي فتحها ملوك الدولة الحديثة مثل «تحتمس الثالث»١٢٧ و«سيتي الأوَّل»١٢٨ وما بعده، أو أن الكلمة مستعملة في معنى مبهم لتدل على كل السودان بأوسع معانيه، غير أن هناك بعض اعتراض على ذلك.١٢٩ فالظاهر أنه كانت لا توجد أرض تُدْعَى بلاد «مزا» بعد بداية الدولة الوسطى كما يقول «جاردنر»١٣٠ وعلى أية حال فإنه من الحقائق الثابتة أننا لم نَعُدْ بعدُ نسمع إلا ذكر قوم «مزا» باطِّرَادٍ مستمر، وفي الوقت نفسه أخذ ذكر بلاد «مزاي» يَقِلُّ شيئًا فشيئًا في المتون.
ومما تجدر ملاحظته هنا أن علماء الآثار الألمان أخذوا يتأثرون برأي الأستاذ «شيفر» في توحيد كلمة «مجا» أو «مزا» باسم قبيلة «بجا».١٣١ وهذا التوحيد قد اعترف به «إدوارد مير»١٣٢ والأستاذ «زيته»١٣٣ والأستاذ «كيس».١٣٤ والواقع أن الرأي الذي عَبَّرَ عنه كل من «برستد» و«جوتييه» مفضل على رأي الألمان؛ وذلك لأن كلًّا منهما يعد «المزاي» من أهل الجنوب (النوبيين) لا بَدْوًا من أهل الصحراء الغربية. والواقع أننا إذا استثنينا بعض أمثلة فيها شك ذكرها الأستاذ «جاردنر» عن بلاد «مزاي» فإننا قد لا نجد مثالًا واحدًا يعبر عن بلاد «المزاي» بمعناها الجغرافي الصحيح الذي يدل على النوبيين بعد الأسرة الثامنة عشرة، بل من هذا العهد وما بعده قد نجد أن كلمة «مزاي» تعني الشرطة أو ما يشبه ذلك.
رأينا فيما سبق أنه في كل من نقوش الدولة القديمة ولوحة «كارنرفون» الخاصة بأعمال الملك «كاموس» أن استعمال «مزاوي» النوبيين كان بوصفهم مساعدين للجيش المصري. وهذا الاستعمال كان من غير شك أكثر شيوعًا في الوقت الذي سبق الأسرة الثامنة عشرة مما تَكْشِفُ عنه المصادر التي في متناولنا؛ وذلك لأنه منذ نهاية هذا العهد كانت كلمة «مزاي» قد أصبحت كثيرة الاستعمال بمعنى شُرْطِيٍّ أو رَامٍ. ومن المحتمل أن أول أثر لهذا الاستعمال كان في عهد «سنوسرت الثالث» عندما ظهر «مزاي» في موظفي معبد «اللاهون»،١٣٥ وكذلك لدينا مثال آخر وجد على لوحة خشنة النقش محفوظة الآن في متحف «جيميه» حيث تجد لقب «مزاو» قد مُنِحَهُ رجلان يحملان اسمين مصريين وهما «رس» و«بتاح ور».١٣٦ وهذه اللوحة يمكن أن تنسب إلى عهد الأسرة الثالثة عشرة. وقد لوحظ أن أحد الرجلين كان لونه أحمر على حسب ما جاء في المتن الذي دوَّنَهُ «موريه»، ولكنه لم يذهب إلى أن المقصود به نوبي. ويقول «جاردنر» إنه لم يجد في الأزمان التي خلفت الأسرة السابعة عشرة أي برهان ما غير اسم «مزاي» نفسه. واللقب «رئيس المزاي» يدل على رئيس الشرطة أو الجنود الذين كانوا يُسَمَّوْنَ بهذا الاسم، وكانوا يشملون رجالًا من أصل نوبي. ومن جهة أخرى لدينا حقائق عدة تدل على أن الضباط أو الرجال الذين وُصِفُوا بأنهم «مزاي» كانوا مصريين حقيقيين. ففي «تل العمارنة» نجد أن فرقة بأكملها قد رُسِمَتْ على جدران قبر ضابطها المسمى «محو».١٣٧ و«محو» اسم مصري ولا يوجد في منظر رجاله ما يدل على أنهم من دم أجنبي. وفي «الكاب»١٣٨ أن «مزاي» كان ابن أخت صاحب المقبرة، وليس لدينا ما يدعو إلى الشك في أن «نبأمون» صاحب المقبرة رقم ٩ في «طيبة» الذي بدأ حياته بحارًا وأصبح فيما بعدُ حامل عَلَمٍ، وختم مجاله في سلك التوظف بأن أصبح ضابط «مزاي» في غَرْبِيِّ «طيبة»١٣٩ لم يكن مصريًّا، وهكذا من الأمثلة التي لا حصر لها. والواقع أن أسماء «مزاي» (الشرطي) في عهد الدولة الحديثة كله كانوا بوجه خاص مصرين مثل ضباطهم الذين كانوا يلقبون ضباط المزاي، وكان من أهم أعمالهم حراسة الجبانة وحراسة الحدود في كل أنحاء البلاد.
ولم نسمع عن «المزاي» إلا القليل بعد الأسرة العشرين.١٤٠ وخلاصة القول أنه يمكن تلخيص نتائج هذا البحث الطويل في ثلاثة عهود مميزة في تاريخ التعبير «مزاو»، «مزاي».
  • (١)

    الأول من عهد الدولة القديمة عندما كانت كلمة «مزاي» تشير إلى إقليم صغير، ويحتمل أنه كان الإقليم الواقع شمالِي الشلال الثاني مباشرة.

  • (٢)

    الثاني من عهد الدولة الوسطى حتى عهد الأسرة السابعة عشرة عندما كان قوم «المزاي» لا يزالون نوبيين، ولكن الاسم أصبح عامًّا يشمل أناسًا يحتمل أنهم كانوا يعيشون بعد الشلال الثاني بمسافة كبيرة.

  • (٣)

    الثالث من عهد الأسرة الثامنة عشرة عندما كانت كلمة «مزاي» تستعمل بوصفها لقب وظيفةٍ وتعني رجال الشرطة ورُمَاةَ الصحراء، ويحتمل أنها قد فقدت في هذه الفترة كل علاقة فعلية مع بلاد النوبة والنوبيين.

ولدينا أسماء أماكن أخرى جاء ذكرها في متون الدولة القديمة مثل «ماخر» و«تررس» لم يمكن حتى الآن استنباط شيء عن حقيقة موقعها على وجه التأكيد.

طرق المواصلات بين مصر وبلاد النوبة

ذكرنا فيما سبق شيئًا عن الرحلات التي كان يقوم بها كبار رجال الدولة من «منف» عاصمة الملك وكذلك من «إلفنتين» إلى بلاد النوبة، وما كان بين البلدين من ارتباط تجاري، فكانت مصر في عهد الدولة القديمة تصنع سلعًا تحتاج إليها بلاد النوبة احتياجًا شديدًا، كما كانت الأرض الجنوبية تنتج كميات عظيمة من المواد الغفل — بالإضافة إلى تجارة العبيد الذين كانت مصر في حاجة إليهم. هذا ونعلم أن مصر كان يفصلها عن بلاد السودان ذلك الجزء المحدب الذي لا يأتي بثمار، وهو الإقليم الذي سُمِّيَ «كاش» أو «كوش» أو «أثيوبيا». فيما بعد، وكانت «كوش» نتيجة لذلك تعد أرض طرق تجارية، وقد كسبت أهميتها وقتئذٍ وإلى الأبد بما أوتيت من موقع جغرافي بوصفها حلقة الاتصال بين مصر وأواسط أفريقيا. ويمكن تتبع الطرق التي كانت تسير عليها التجارة في عهد الدولة القديمة من البيانات التي تركها لنا قُوَّادُ الحملات على جدران مقابرهم وعلى الصخور التي على ضفتي النيل. والظاهر أنها كانت نفس الطرق التي تُسْتَعْمَلُ حتى يومنا هذا. ففي عهد المهدي والخليفة التعايشي في السودان كانت التجارة قد قُضِيَ عليها تقريبًا. ومنذ عام ١٩٠٠م. فتحت حكومة السودان خطوط السكك الحديدية والبواخر النيلية؛ مما أنقص من تجارة القوافل، وبذلك تحول جزء عظيم من التجارة إلى طريق «بور سودان». ويلحظ أنه في القرن المنصرم من عصرنا كانت الطرق القديمة لا تزال مستعملة، وهي ثلاث طرق: الأولى طريق التجارة النيلية، والثاني الطريق التي تخترق الصحراء الشرقية، والثالث الطريق التي كانت تسير في الصحراء الغربية. وطبعي أن العامل الحاسم في صلاحية كل من هذه الطرق للسير عليه هو وجود الماء الذي يعد أهم عنصر للحياة في هذا الإقليم القاحل. هذا ولم يكن نهر النيل نفسه كله صالحًا للملاحة لما يعترضه من شلالات. وعلى أية حال كانت فيه مسافات صالحة لسير السفن منها مسافة طولها ثلاث مئة كيلو متر وتقع بين الشلال الأول والثاني، وكانت على ما يظن تستعمل للتجارة في عهد الدولة القديمة، وكانت متصلة بالنيل بقنوات عند الشلال الأول. هذا وتوجد مسافة أخرى صالحة للملاحة يبلغ طولها حوالي مئة كيلو متر وتقع بين «كوشه» و«دلقو». ثم المسافة الطويلة التي يبلغ طولها حوالي أربع مئة وخمسين كيلو مترًا في المنحنى العظيم الذي تقع فيه منطقة «دنقلة» الحالية، ولكن من جهة أخرى تكون الشلالات صالحة للملاحة في أثناء فصل الفيضان (أي مدة شهرين في السنة) ويمكن للسفن المحلية أن تقوم بالرحلة بين «دنقلة» و«حلفا» ثم تعود في تلك المدة.

ويتضح لنا من البيانات التي وصلت إلينا من عهد الدولة الحديثة أن الطرق النهرية كانت تستعمل سنويًّا لنقل الجزية التي كانت تُجْبَى من هذه الجهات كل عام.

وتدل النقوش التي تركها ملاحو السفن في عهد الدولة القديمة والدولة الوسطى على استعمال الطريق المائية حتى الشلال الثاني على الأقل. ومن المحتمل أن هذه الطريق كانت معروفة ومستعملة منذ أقدم العهود، وكانت الرحلة ذهابًا وإيابًا تستغرق في هذه الأحوال على الأقل مدة سنة فكان الرحالة يصعد في النيل في أثناء الفيضان ثم ينحدر راجعًا خلال الفيضان التالي. وتوجد على كل من شاطئ النهر طريق محاذية للنيل تتفرع عند المنحنيات التي في النهر لتخترق المسافة بطريق قصيرة تدعى «عقبة» في الصحراء، غير أن الرحالة يعود ثانية إلى النيل دائمًا لأجل أن يسير في محاذاة ماء النيل. والصحراوان اللتان تقعان خلف الوادي إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب تختلفان اختلافًا عظيمًا من حيث التركيب الجيولوجي ومن حيث السكان ونوع الطرق. ففي الصحراء الشرقية لا توجد واحات كبيرة ولكن توجد فيها أحواض عدة حيث يجتمع المطر الذي كان ينزل من وقت لآخر ويتجمع ويخزن في آبار، وهذه الصحراء الآن يسكنها من أول خط عرض قنا جنوبًا حتى منطقة الأمطار عدد قليل من البدو معظمهم من العبابدة والبشاريين، وفي الأزمان القديمة كان يقطنها كذلك قوم من البدو ربما كانوا من جنس مختلف.

وكان مورد حياة هؤلاء السكان هو قطعان الإبل والماشية الصغيرة والفحم البلدي وتجارة الملح وصيد السمك في البحر الأحمر، على أن هؤلاء البدو وما يملكون من إبل، ومن خبرة في معرفة بالآبار، قد تمكنوا بطبيعة الحال من احتكار كل طرق النقل في الصحراء، وطرق القوافل المعروفة هي:
  • (١)
    من النيل بطريق «قفط»-«قنا» أو الأقصر حتى موانئ البحر الأحمر وأهمها الآن «القصير»، وفي عهد الدولة القديمة «ساو» (الآن وادي «جاسوس») وهي ميناء بلاد «بُنت».١٤١
  • (٢)

    وطرق القوافل المؤدية إلى المحاجر والمناجم المختلفة في «حتنوب» وجبل «فطيرة» و«حمامات» (على طريق القصير) و«أم روس» و«وادي العلاقي» إلخ.

  • (٣)

    وأعظم الطرق التي في الشمال الجنوبي تخرج من عند النيل في «دراو» شمالِي «أسوان» وتمر بسلسلة آبار يوميًّا تقريبًا وبعد مسيرة مدة تتراوح ما بين ستة عشر يومًا إلى عشرين يومًا تصل إلى النيل فوق بداية منحنى «دنقلة» العظيم. وفي الأزمان الحديثة تؤدي هذه الطريق إلى «شندي» و«سنار». ومن «شندي» تخرج طرق أخرى إلى «سواكن» أو «الحبشة» وتخترق الصحراء إلى «مروي» أو «كورتي» في مديرية «دنقلة»، ومن «سنار» كانت الطرق مفتوحة إلى «كردفان» و«دارفور» وغَرْبِيِّ أفريقيا أو إلى نقط تَجَمُّعِ مياه النيل الأزرق أو النيل الأبيض.

  • (٤)

    ويوازي تقريبًا طريق «دراو»-«سنار» الطريق المؤدية من «كرسكو» إلى «أبو حمد» وكانت في الواقع طريقًا مختصرًا في طريق النهر المحاذية لشريط انحناء «دنقلة» الكبير، وهذه الطريق تُقْطَعُ في ثمانية أيام وليس فيها إلا بئر واحدة في منتصفها تقريبًا.

وأهم الطرق للتجارة الكوشية الطريقان الشماليتان الجنوبيتان بطبيعة الحال فهما الوحيدتان الهامتان لها، ومن المحتمل أنهما اللتان كانتا تُسْتَعْمَلَانِ في الأزمان القديمة. والصحراء الغربية تمتاز بسلسلة الواحات التي تَمْتَدُّ بمحاذاة الوادي. ففي الأزمان الحديثة كانت طريق القوافل الذاهبة جنوبًا وهي «درب الأربعين» أو طريق «دارفور» تخرج من النيل عند «أسيوط» وتمر جنوبًا بالواحة الخارجة وبسلسلة من الواحات الصغيرة أو الآبار حتى واحة سليمة، ومن ثَمَّ تسير إلى «بئر السلطان» حتى «دارفور» وهذه الطريق الرئيسية يمكن الوصول إليها بطرق متقاطعة تؤدي إلى الصحراء من «جرجا» أو «سوهاج» و«أرمنت» أو «الأقصر» و«إدفو» وبوجه خاص من «أسوان». وطريق «أسوان» تتجه نحو الجنوب الغربي وتمر بِوَاحَتَيْ «كركر» و«دنقل»، و«بئر أبو نجيل» وتصل إلى «درب الأربعين» عند واحة «سليمة»، ومن واحة «سليمة» تؤدي طريق قصيرة إلى النيل ثانية عند «ساقية العبد» أو إلى جزيرة «ساي» على مسافة أربعين كيلو مترًا شمالِي «معبد صلب». وهناك طريق أخرى أطول تؤدي إلى رأس الشلال الثالث وهو إقليم دنقلة الجديدة (الأردي) وجزيرة «أرقو» ثم «كرمة».

وقد كانت طريق «أسوان» — «سليمة» — «ساى» أو «كرمة» في نظر مصريي الدولة القديمة عملية أكثر من طريق «درب الأربعين» إذ كانت تسمح باستعمال النهر حتى «أسوان» ومع ذلك كانت تمر بهم على كل القبائل التي اشتهرت بالنهب وبفرض الضرائب وهي التي كانت تسكن وادي مديرية «دنقلة» التي لم تبعُد كثيرًا عن الأسواق الجنوبية الرئيسية. أما التجار الجنوبيون الذين كانوا يسعَوْنَ للوصول إلى مصر ويرغبون في تَجَنُّبِ تَعَرُّضِ الموظفين المصريين لأموالهم وقبائل «واوات» الذين يقطنون شاطئ النهر فكانت طريق «الأربعين» أوفق لهم. والغرض من اتخاذ هذه الطرق الصحراوية الشاقة تَجَنُّبُ تتابع انقضاض القبائل والحكومات الصغيرة التي يقطن أهلها ساحل النهر ومطالبة القوافل بالضريبة الحتمية على ما تحمل من سلع، وكان رئيس كل قبيلة يحدد ضريبته على كل حمولة أو كل شخص حسب إرادته، وكان يعلم أن تَأَخُّرَ القافلة من أحسن الأسلحة لديه لزيادة الضريبة، هذا إلى أن إلقاء القوافل عصا السير من أجل ذلك كان يُهِيِّئُ فرصًا لسرقة البضائع وسرقة دواب الحمل الخاصة بالقافلة. على أن نفس الطرق المفضلة لم تكن مأمونة بعيدة عن غارات سكان الصحراء الذين ينقضون من الجبال، غير أن قبائل الصحراء المتفرقة كانوا في الأزمان الحديثة ينحصرون في مجموعة أو مجموعتين وعلى ذلك فإن القافلة كانت تتقي هجماتهم بدفع الضريبة مرة أو مرتين بالمساومة من أول الطريق، وكان في إمكان القافلة بذلك أن تقطع الطريق من «أسوان» حتى «دنقلة» أو «بربر» دون أي عائق يقوم في وجهها. وعندما نفحص نقوش الدولة القديمة نجد أن من واجب قُوَّادِ القوافل وقتئذٍ أن يتعاملوا مع بلاد مثل هذه تنقصها الحكومة المركزية. يضاف إلى ذلك أن المصري القديم لم يكن لديه إبل، بل كان كل ما يستعمله في رحلاته هو الحمار الذي كان يجتاز به الصحراء وكان سيره فيها يتوقف على وجود الماء، ومن المعلوم أن قوافل الحمير القليلة التي كانت تقوم بالرحلات في الصحراء لا يمكن أن تسير أكثر من يومين. أما القوافل العادية التي تسير فيها الحمير والجمال معًا فيمكن أن تقطع مسافة طويلة في صحراء لا ماء فيها، لأن الجمال كانت تحمل الماء اللازم لقطع هذه المسافة.١٤٢ هذا ولدينا صعوبة أخرى عندما نريد أن نحكم على هذه الرحلات الصحراوية وأعني بها علاقتها بالآبار المحفورة في الصحراء، فنجد حتى يومنا هذا آبارًا عدة تكون أحيانًا مملوءة بالماء وأحيانًا أخرى تكون ناضبة.

وعندما يفكر الإنسان في الأهمية العظمى لبئر واحد تتوقف عليها حياة القائمين برحلة طويلة ومقدار ما يتعرضون له إذا طمرتها الرمال — وكثيرًا ما يحدث ذلك — أصبح من الصعب عليه أن يحكم على إمكانيات التجارة بالسير على طرق مختلفة؛ ذلك إلى أن السطو على القوافل في الوديان التي كانت آبارها مُحَافَظًا عليها كان كثيرًا بلا شك.

ويمكن أن نلخص القول عن كيفية اختيار طرق التجارة القديمة فيما يأتي:

عندما تكون الحاصلات المطلوبة في بلاد النوبة السفلى ويصعب نقلها بسرعة مثل الأحجار اللازمة للتمثيل وغيرها، ومثل قِطَعِ الخشب الكبيرة اللازمة لبناء السفن وغيرها، فإن طريق النقل بالنيل كانت هي المستعملة في هذه الحالة. ولكن عندما يكون المطلوب نقل بضائع خفيفة الوزن تنقل على ظهور الحمير على الطريق المحاذية للنيل. وفي هذه الحالة كان يتفادى الإنسان انحناءات النيل بإتباع الطريق القصيرة، أي باختراق الصحراء مباشرة، ثم العودة إلى الطريق المحاذية للنيل. وكانت الطريق المفضلة التي تربط البلاد التي خلف «الشلال الثاني» بالأراضي التي بعده هي طريق الصحراء المارة بواحات «كركر» و«دنقلة» و«سليمة» إذا لم يكن لدى المسافر أشياء يريد قضاءها في بلاد النوبة السفلى.

وتدل ظواهر الأمور، كما قلنا سابقًا، على أن التجارة كانت في هذه الأحوال احتكارًا للملوك، ولا أدل على ذلك من نظم الحكم في الدولة القديمة، فطالما ظلت الحكومة المركزية في «منف» قوية لا يفكر أحد في ارتكاب شيء يخالف القانون، وحتى في خلال عهد الملك «بيبي الثاني» الطويل الأمد (٩٧ سنة) عندما أخذ حكام الإقطاع ينفصلون شيئًا فشيئًا عن الحكومة المركزية فإن الحال بقيت كما هي عليه من حيث احتكار الملك للتجارة. وعلى الرغم من ذلك فإن ذكر هذه الحالة لم يرد في نقوش رؤساء البعوث قط، غير أن ذلك كان مفهومًا ضمنًا لأن هؤلاء المبعوثين كانوا دائمًا يتلقَّوْن تعليماتهم من الفرعون نفسه، كما كان هو الذي يعينهم للقيام بهذه البعوث، وهكذا كانت حال هذه التجارة عندما توجد حكومة مركزية قوية في عاصمة البلاد. وهذه الحال كانت كذلك سائدة في عهد «محمد علي» الذي قبض على زمام كل موارد التجارة بعد أن كانت في عهد المماليك في أيدي أشخاص مختلفين.

المعاملات التجارية

الواقع أننا لا نعرف إلا القليل عن المعاملات التجارية بين مصر وبلاد النوبة في هذا العهد، والظاهر أن هذه المعاملات في بادئ الأمر قد ظهرت عندما كانت الروابط السياسية تسير على سبيل الود والمصافاة، وكان قوامها المنفعة المتبادلة بين البلدين، فكان المصري يدفع للمواطن النوبي أجره على الأعمال التي يؤديها له، كما كان يشتري منه البضائع الغفل التي لم يجنها بنفسه، وعندما تَأَزَّمَتِ الأحوال السياسية بين القطرين فيما بعدُ، كان لزامًا على النوبي أن يدفع جزية تُدْعَى «تنجو» لمرور تجارته عند الحدود.

وليس لدينا في مقابر المجموعة الثقافية «ب B» الفقيرة من مواد التجارة إلا أشياء قليلة مستوردة من الصناعات التي كانت تتبادل بين مصر وبلاد النوبة في هذا العهد، فالأواني المصنوعة من الحجر كانت معدومة بالمرة، ولم يوجد الخرز ضمن محتويات أثاث المقابر إلا نادرًا وكان بسيطًا في صنعه مع أنه كان من الممكن وضع أشياء ثمينة مع الموتى. ولم يذكر لنا المصري نفسه في نقوشه التي تركها لنا إلا ما جاء في فقرة واحدة في نقوش «سبني» التي تركها لنا عن رحلته التي قام بها لإحضار جثة والده، ولكن مما يُؤْسَفُ له أن الكلمة الحاسمة الهامة في هذا النقش وجدت مهمشة، وعلى ذلك فإن المعنى ليس مؤكدًا على الوجه الأكمل. وهاك ما وجد فيها: «قائد السفينة «أنتف» و … ينادون: إن السمير الوحيد والمرتل «مخو» والد «سبني» قد مات وقد أخذت جنودًا من إقطاعيتي ومئة حمار معي محملة بزيت العطور والشهد والملابس وأشياء من الفخار المصقول وأوانيَ من المرمر لِأُرَفِّهَ بها عن أهل هذه الأرض الأجنبية (؟)». ولسنا على بينة تامة من أن هذه السلع التي حملها معه «سبني» كانت للاتِّجار فيها مع بلاد النوبة، ولكن شواهد الأحوال تدل على أنها كانت للتجارة، وعلى هذا فإن المتن الذي نتحدث عنه هنا له قيمة عظيمة جدًّا لأنه ذكر لنا محاصيل لم نجدها في هذا العصر في قبور بلاد النوبة مثل الملابس وزيت العطور والشهد.
ومن بين المحاصيل الطبعية الحبوب، وهذه كانت من الأشياء التي يرحب بها السكان الذين كانوا فقراء نسبيًّا، وبخاصة أنهم كانوا لا يميلون للزراعة في بلاد النوبة السفلى. ويتفق مع ذلك في عصرنا الحالي وصف «بورخارت» في رحلته التي قام بها في هذه الجهات في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.١٤٣ فقد كان في مقدور هذا الرحالة أن يشتري حب الأهلين عندما كان يقود البعث الذي جاء على رأسه لارتياد مجاهل هذه البلاد بما كان قد جلبه معه من مصر من مقادير عظيمة من الحبوب إلى بلاد النوبة، حيث كان لا يزرع فيها إلا في الأماكن الخصبة على شاطئ النهر وهي قليلة. هذا ولم يوجد في المقابر التي عثر عليها من هذا العهد (الدولة القديمة) ما يدل على أنه كانت توجد تجارة في مثل هذه المادة كما كان في ذلك منتظرًا.

حاصلات بلاد النوبة

أما ما كان المصري يبحث عنه في بلاد النوبة بوجه خاص فهو المواد الغفل لا المحاصيل المصنوعة، وتأتي في المنزلة الأولى من هذه المواد التي لا توجد في مصر أو التي كانت توجد بقلة ولا تكفي حاجة البلاد.

وقد عدَّدَ لنا «حرخوف» عند التحدث عن رحلته الثالثة في مجاهل بلاد النوبة المحاصيل التي أحضرها من بلاد «يام» فيقول: «وعُدْتُ إلى مصر مع ثلاث مئة حمار محملة بالبخور والأبنوس وزيت «حنكو» وزيت «ثاث» وجلود الفهد وسن الفيل (؟) وكل محاصيل جميلة».

وَتَسَلَّمَ من أمير «أرثت» و«سثو» و«واوات» ثيرانًا وماشية صغيرة وهذه على ما نظن لم تكن طعامًا لرجال البعث بل كانت تُحْمَلُ إلى مصر أيضًا؛ وذلك لأنه في حملة «بيبي-نخت» التأديبية التي قام بها في نفس هذا الإقليم قد أحضر غنيمة عظيمة لمصر أنواعًا من البقر («أوا» و«نزو»)١٤٤ كما جلب مثل ذلك في الحملة التي قام بها «سنفرو» إلى هذه البلاد كما ذكرنا ذلك من قبل. هذا وقد أحضر «سبني» مثل هذه المحاصيل معه من بلاد النوبة.١٤٥

ومن المحتمل أن الأبنوس والعاج كانا يُجْلَبَانِ من بلاد النوبة في العهد الطيني إلى مصر وقد عُدَّتْ منذ ذلك العهد من المحاصيل التي كان لا ينقطع ورودها تقريبًا من بلاد النوبة، ومن المحتمل أن جلد الفهد كان يُجلب كذلك إلى مصر منذ العهود المبكرة، وإن كان لم يظهر استيراده بصورة محققة إلا في تلك الفترة، ولا نعلم من جهة أخرى إلى أي عهد وُجِدَ الفهد في مصر، ولكن على أية حال فإن الحيوانات المتوحشة كانت قد أَخَذَتْ في التقهقر إلى الغابات والأحراج بدرجة ما، ثم أخذت تختفي شيئًا فشيئًا في الجبال، والواقع أنه كلما كثرت الأراضي الزراعية في مصر أخذت هذه الحيوانات الضارية تختفي أمام المدنية إما في مناقع الدلتا حيث الأعشاب وإما في جنوب الوادي؛ ولذلك كان المصري يجلب السلع التي تؤخذ من هذه الحيوانات مثل جلد الفهد من الأراضي الجنوبية. وقد كان فهد جنوب مصر يُضْرَبُ به المثل في القوة والشراسة، وقد ورد ذكره بهذا الوصف في المتون الحربية والأدبية، هذا إلى أنه كان لا يزال يوجد كذلك بكثرة في عهد الدولتين الوسطى والحديثة.

الأحجار: وكانت تأتي إلى مصر كما ذكرنا من قبلُ أنواعٌ جميلة من الأحجار١٤٦ التي كانت تقطع من محاجر بلاد النوبة ومن منطقة الشلال الأول، وهذه الأحجار كانت مرغوبًا فيها في عهد الأسرتين الرابعة والثالثة وبخاصة حجر الديوريت الذي كان يُسْتَخْرَجُ من محاجر الصحراء الواقعة في الشمال الغربي من بلدة «توشكى»، غير أننا لم نعثر إلى الآن على نقش يدل على أن ملوك الأسرة السادسة قد استعملوا أحجار هذه المحاجر، ومن المحتمل أنه لم تكن في عهدهم من الأحجار المحببة إليهم، أو كان من الصعب عليهم الحصول عليها في تلك الفترة التي كانت البلاد آخذة فيها نحو التدهور، وتدل شواهد الأحوال على أنهم استعملوا أحجارًا أخرى في هذا العهد.
وكانت الأحجار المتبلورة البركانية التي يمكن الحصول عليها بالقرب من الشلال الأول تُسْتَعْمَلُ في مصر في كل الأزمان.١٤٧ وقد كشف عن نقوش من عهد «وناس» آخر ملوك الأسرة الخامسة وكذلك من عهد الأسرة السادسة تحدثنا عن استعمال هذه الأحجار. فقد كشف المؤلف عن مناظر في طريق الملك «وناس» مُثِّلَتْ فيها سفن تحمل بعض هذه الأحجار آتية من «أسوان» لتقام في أماكنها الخاصة بها في المعبد١٤٨ وتشمل عمدًا نخلية الشكل وأبوابً من الجرانيت الأحمر وقطع الكرانيش التي كانت تُسْتَعْمَلُ في إقامة المعبد الجنازي، وقد كتب عليها: «أعمدة من الجرانيت أحضرت من أسوان»، ومن المدهش أن هذه المناظر تدل دلالة واضحة على أن هذه الأعمدة والكرانيش قد صنعت في «أسوان» ثم وضعت على زحافات وربطت ثم وضعت في السفن لتكون جاهزة لإقامتها في أماكنها بمجرد وصولها، أي إنه كان يوجد في «أسوان» مدارس صناعات لهذا الغرض، ولم يشهد التاريخ منظرًا مماثلًا من قبل أو من بعد، اللهم إلا ما جاء على مسلة «حتشبسوت» التي نقلت من «أسوان» ولم يكن قد تم نقشها.١٤٩
هذا ويقص علينا «وني» الذي عاش في عهد الملك «مرنرع» في نقوش لوحته التي عثر عليها في «العرابة المدفونة» عندما أرسله الفرعون للمرة الأولى نحو «أبهات» و«إلفنتين» أنه أحضر من «أبهات» تابوتًا بغطائه وقطعة هرمية صغيرة كما أحضر من «إلفنتين» أجزاء أبواب من الجرانيت، ولا نعلم شيئًا يذكر عن موقع «أبهات» هذه والظاهر أنها على حسب ما جاء في هذا المتن تقع في مكان ما عند الشلال الأول.١٥٠
وأول ما تصادفنا الأحجار المتبلورة في وادي النيل جنوب هذا المكان عند الشلال الثاني؛ وعلى ذلك فإن تابوت «مرنرع» الذي عثر عليه ثانية كان منحوتًا من حجر الجرانيت الأسود الذي يوجد عند الشلال الأول بكميات وفيرة. وقد ذهب الأستاذ «زيته» إلى أن موقع «أبهات» بجوار معبد أبو سمبل١٥١ أي في المكان الذي يقع على النيل بالقرب من المحاجر الواقعة في الشمال الغربي من «توشكى» وعلى ذلك يكون تابوت الملك «مرنرع» على حسب نظرية «زيته» قد قطع من محاجر «توشكى». ويقول «زيته» إنه يجب البحث في هذه الجهة عن موقع «أبهات» غير أن نظرية «زيته» قد بنيت على أساس غير متين ولا تزال تتطلب التحقق من نوع الحجر وقرنه بالأحجار التي تستخرج من هذه الجهة.
الخشب: هذا وقد ذكر لنا «وني» في حملة أخرى قام بها بعد «الشلال» في فقرة من نقوشه أنه كان يجلب نوعًا من الخشب من بلاد النوبة إلى مصر. ولا غرابة في ذلك فإن قلة نمو الخشب في مصر نفسها وكثرة استعماله في آن واحد جعلت الحاجة ملحة لجلبه من الخارج، وكان أحسن نوع يجلب منه هو خشب الأرز من بلاد «لبنان» هذا إلى أن الأنواع الأخرى التي لم تكن ذات قيمة كبيرة كالتي تزرع في مصر كانت تجلب من بلاد النوبة. ويَقُصُّ علينا «وني» في حملته الثانية إلى الشلال الوصف التالي: «أرسلني جلالته لأحفر خمس قنوات في الجنوب ولأضع ثلاث سفن واسعة الحجم وخمس سفن نقل مصنوعة من السنط المجلوب من «واوات» وقد جر أمراء «أرثت» و«واوات» و«يام» و«مجا» (مزا) الأخشاب اللازمة؛ وقد عملتها كلها في سنة واحدة وأنزلت (السفن) في الماء محملة بالجرانيت بكثرة لأجل الهرم المسمى «مرنرع» جميل عندما يظهر».١٥٢ وليس من المهم في هذا المتن المساعدة الودية التي بذلها أمراء بلاد النوبة، بل المهم في موضوعنا أنه كان في بلاد النوبة السفلى خشب كافٍ لبناء سفن منه هناك لتعود في النيل محملة بالجرانيت اللازم لبناء هرم الملك «مرنرع». وهذه الحقائق من الأهمية بمكان للباحث في العلاقات الاقتصادية بين مصر وبلاد النوبة، والواقع أن هذا المتن لا يقفنا على أن بلاد النوبة كانت تُوَرِّدُ لمصر الأحجار الجرانيتية وحسب، بل كذلك نعرف منه طريقة النقل المباشرة إلى مكان استغلال الأحجار نفسها، وذلك لأنه كما كانت مصر فقيرة في الأخشاب فإن السفن الكثيرة التي تحمل هذه الأحجار كانت تصنع من خشب بلاد النوبة نفسها، ولذلك فإن رحلة «وني» هذه كانت متعددة الفوائد لمصر. والواقع أن هذا القائد قد غادر مصر بجيش صغير على ما يظهر من الجنود والعمال إلى المكان الذي أراد أن يستغله، وهناك بنى سفنَ نقلٍ بمساعدة الأهالي، وفي الوقت نفسه قطع الأحجار ونقلها إلى الشاطئ وأنزلها في سفنه المخصصة لذلك، ثم سارت في النهر مخترقة الشلال الأوَّل إلى المكان الذي بُنِيَ فيه الهرم. أما السفن فإنها بعد تفريغ شحنتها كانت تستعمل في مصر لأغراض أخرى ولا تستعمل ثانية لنفس الغرض إذ لم تُرْسَلْ كَرَّةً أخرى إلى بلاد النوبة بل كان يصنع غيرها جديدًا.

والظاهر أن هذه السفن لم تكن كثيرة العدد كما يدل على ذلك متن «وني». هذا بالإضافة إلى أن كل أهالي بلاد النوبة كانوا يساعدون في إحضار مواد بنائها، وقد يدل هذا على أن العلاقات كانت سليمة بين البلدين، ولو ظاهرًا، على أنه من المحتمل أن «وني» قد استحضر معه سفنه في الحملة الأولى من مصر ليرى إذا كان في الإمكان تنفيذ الفكرة التي نَفَّذَهَا في الحملة الثانية، وهي كما قلنا بناء السفن في بلاد النوبة نفسها.

وفي أيامنا هذه تدل ظواهر الأحوال على أنه لا يوجد خشب كثير في بلاد النوبة، ولكن يظهر أن الوقت الذي استعمرت فيه مصر هذه البلاد كانت أخشابها مزدهرة وفيرة.

وهذه الأخشاب لم تكن وفيرة في وادي النيل وحده بل كذلك في وديان الصحراء نفسها، ولا أدل على ذلك من أن وديان الصحراء كانت عامرة بالأخشاب حتى القرن المنصرم كما جاء في وصف للرحالة «بورخارت» للصحراء الغربية إذ يقول مثلًا في وصف وادي «أم جات» الواقعة بالقرب من وادي «العلاقي»: لم يصادفنا حتى الآن وادٍ مررنا به فيه أشجار السنط الكثيفة بهذه الدرجة١٥٣ التي وجدناها في هذا الوادي.

هذا إلى ما وجدته «مس مري» من جَبَّانَاتٍ للثيران في جهات الصحراء في بقاع لا يمكن أن تُرَبَّى فيها الآن حيوانات. وهذا يدل على ما طرأ على وجه الصحراء من تغيير في أيامنا هذه.

وعلى ذلك فإنه عندما يفكر الإنسان في أن الوديان كانت ذات أشجار باسقة يانعة، فإنه ليس من المستحيل أنه كانت توجد في الصحراء الواقعة غربِي بلاد النوبة، أو في شمال السودان فيلة ترتع في الأدغال التي فيها.

ومع ذلك فإن خشب بلاد النوبة لم يَقُمْ بالدَّور الذي كان يقوم به خشب بلاد «لبنان» لأن خشب بلاد النوبة كان من النوع الرخيص الذي يوجد منه كثير في مصر، ومعظمه كان من خشب السنط. ولما كان خشب النوبة من النوع العادي الرخيص فإنه لم يُسْتَوْرَدْ بحالته الطبعية إلى مصر بل كان يُصْنَعُ هناك كما حدَّثنا «وني» عن ذلك. فكان على عكس الخشب الذي يُسْتَوْرَدُ من لبنان.

الذهب: ومن الغريب أن الذهب الذي كان فيما بعدُ يُعَدُّ أهم مادة تُسْتَوْرَدُ من بلاد النوبة لم يأتِ ذكره في نقوش الدولة القديمة قط. ويمكن أن نفسر هذا بأن مناجم الذهب الواقعة بجوار مصر لم تكن غنية في محصولها ولم تُؤَسَّسْ تأسيسًا متينًا حتى إنها لم تكن كافية لتغطية نفقات البلاد.
وفي الدولة القديمة كان يُسْتَخْرَجُ الذهب من المناطق الشاسعة في مصر بين وادي النيل والبحر الأحمر وبخاصة في الصحراء الشرقية جنوبًا من طريق قنا — القصير إلى حدود السودان١٥٤ في حين أن استخراج الذهب من السودان من «وادى العلاقي» وغيره لم يكن قد عُرِفَ عنه شيء أو على الأقل كان لا يُسْتَخْرَجُ منه إلا الشيء القليل.

هوامش

(١) والظاهر أن أول سكان وادي النيل قد سكنوا في سفح التلال وقد دخلوا مصر من الجنوب، راجع: The Cultures of Prehistoric Egypt, by Elise J. Baumgartel, p. 78.
(٢) راجع: Junker, (Kubanieh-Nord), II. F., 34.
(٣) راجع: Junker, The First Appearance of the Negroes in History, J. E. A., vol. 7.
(٤) راجع: Steindorff, Aniba I, p. 2: The Cultures of Prehistoric Egypt, p. 48.
(٥) راجع: The Cultures of Prehistoric Egypt, p. 78.
حيث تقول المؤلفة: إن السلالة الثانية من سكان «نقادة» قد أتوا من «آسيا» عن طريق «وادي حمامات» في حين أن السكان الذين كانوا موجودين قد وفدوا من الجنوب.
(٦) راجع: Kubanieh-Nord, II. F; 34.
(٧) راجع: Brunton, Badarian Civilisation, p. 40.
(٨) راجع: Reisner, Ibid, PI. 60a, b.
(٩) راجع: Reisner, Ibid, PI. 63a.
(١٠) راجع: Scharff, Vorgeschichte, p. 38-9.
(١١) تقول «إليز بومجارتل» إن السلالة الثانية من سكان «نقادة» قد غزوا وادي النيل وهم أسيويون وحضارتهم أرقى من حضارة قوم نقادة الأول. راجع: The Cultures of Prehistoric, etc., p. 50.
(١٢) J.E.A., Vol. 3, p. 219.
(١٣) راجع: Kubanieh. Süd, p. 54.
(١٤) راجع: Kubanieh. Süd, p. 59.
(١٥) يميل بعض المشتغلين بمسائل التأريخ إلى جعل بداية حكم مينا حوالي ٣٠٠٠ق.م.
(١٦) راجع: Junker, Kubanieh-süd, pp. 1-122.
(١٧) راجع: Reisner, p. 191 ff.
(١٨) راجع: Reisner, pp. 208-211, 215ff.
(١٩) راجع: Reisner, p. 246.
(٢٠) راجع: : Firth, The Archaeological Survey of Nubia Report for 1908-1909, vol. I. p. 6 f, 99 ff.
(٢١) راجع: Ibid, pp. 101-103.
(٢٢) راجع: Firth, II, pp. 51-104.
(٢٣) راجع: Firth, III, p. 98 ff.
(٢٤) راجع: Firth, III, p. 192 ff.
(٢٥) راجع مصر القديمة جزء ثان ص ٨٣.
(٢٦) راجع: Reisner, The Archaeological Survey of Nubia Report for 1907-1908, pl. 67, 1-7, 10-13.
(٢٧) راجع: Firth, III, PP. 199, 204 ff
(٢٨) راجع: Firth, III, P. 213.
(٢٩) راجع: Firth, III, p. 220 ff.
(٣٠) راجع: Steindorff, Aniba I, p. 24 ff.
(٣١) راجع: Faras, Proto-Dynastic Settlement and Cemetery, p. 4 ff.
(٣٢) راجع: Firth, I, p. 197; III, p. 127.
(٣٣) راجع: Firth, I, pl. 46 a,b; II, Pl. 128 d; III, pl. 19 a,b.
(٣٤) راجع: firth, III, pl. 21. c.
(٣٥) راجع: Reisner, pl. 67, and 68a.
(٣٦) راجع: firth, III, pl, 226.
(٣٧) راجع: The Origin and Development of Trade and Cultural Relations of Ancient Egypt with Neighbouring Countries, Papers presented by the Soviet Delegation at the 23rd International, Congress of Orientalists (Egyptology by V. Avdief.), p. 25
حيث يقول: منذ العهد العتيق أو بعبارة أدق منذ عهد ما قبل الأسرات عندما ظهرت لأوَّل مرة مساكن الفالحين للأرض في وادي النيل، أخذ المِصريون يوطدون التجارة والعلاقات الثقافية مع الأقوام والقبائل المجاورة، يؤكد ذلك أنواع المواد المختلفة التي جلبت إلى مصر من البلاد المجاورة وبخاصة الذهب والعاج والنحاس وحجر الأبسيديان؛ فقد تسلم المصريون الذهب من الصحراء الشرقية الواقعة بين النيل والبحر الأحمر. وكانوا يجلبونه غالبًا من الجزء الجنوبي من هذا الإقليم الواقع جنوبِي طريق قفط — القصير. والواقع أن المركز الرئيسي على أية حال للذهب هو النوبة الواقعة على الحدود الجنوبية لمصر. وقد أرسل المصريون إلى بلاد الجنوب في أثناء طلبهم الذهب منذ الأزمان القديمة، وقد اجتهدوا أولًا في اختراق مجاهل هذه الأقاليم ثم عملوا على الاستيلاء عليها وفي الوقت نفسه عملوا على إيجاد روابط تجارية مع القبائل المتوطنة هناك. ومن الجائز أن هذا السبب نفسه هو الذي من أجله سميت العاصمة الجديدة لمصر العليا المدينة الذهبية (نبتي) ومن هذه العاصمة كانت تخرج الطرق التجارية ممتدة شرقًا وجنوبًا والواقع أنه هنا في المقاطعة الخامسة من مقاطعات الوجه القبلي قد عثر على أغنى مقابر عصر ما قبل الأسرات وعصر الأسرات المبكر. وتبرهن الكميات الكبيرة من أدوات الزينة المصنوعة صنعًا فاخرًا والقلائد الذهبية والأسوار ومقابض السكاكين الذهبية المحلاة بالصور والنقوش على مهارة صائغي هذا العهد. ولا غرابة إذن في أن الكلمة المصرية الدالة على «الذهب» كانت ت كتب بإشارة هيرغليفية تدل على قطعة من المجوهرات ويدل شكلها الظاهري على أنها قلادة محلاة بالخرز.
وقد أحضر المصريون العاج بكميات مماثلة من الأراضي الجنوبية. ففي العهد العتيق استعملوا العاج لصناعة مختلف الأشياء مثل الأساور والخواتم والملاعق ومقابض السكاكين والأمشاط، والقلائد والدبابيس وقطع الأثاث والأختام الأسطوانية، والآلات السحرية والتماثيل الصغيرة وأدوات الكتابة إلخ. وقد وجد كثير من هذه الأشياء في مقابر العهد العتيق ويوجد على تمثال للإله مين في قفط الممثل بعضو التذكير منتشرًا صورة فيل. وقد بقيت صناعة الحفر والعاج ممتازة الصنع حتى الأسرة الرابعة، ومنها تمثال الملك خوفو، وليس لدينا من الأسباب ما يحملنا على الظن أن الفيلة كانت في مصر القديمة كما زعم «برستد». ولا نزاع في أن سن الفيل كان يجلب من أقاليم جنوبية نائية، والمكان الذي كان يخزن فيه العاج هو المدينة الرئيسية للمقاطعة الأولى من مقاطعات الوجه القبلي، وكان موقعها على الحدود الجنوبية لمصر بجوار الجزيرة التي سميت لهذا السبب: جزيرة الفيلة. وتدل شواهد الأحوال على أن المصريين قد أحضروا من الأقاليم الجنوبية النعام وريشه وبيضه وقد عثر على صور نعام على أوانٍ من الطين من العهد العتيق.
(٣٨) راجع: Petrie Royal Tombs 1, 11, 22, 40: II, 22.
(٣٩) راجع: Kortenbeutal, Der Ag., Sud-und osthandel in der Politik der Ptolemäer und Römichen Kaiser Diss, Berlin 1931, p. 27, 36 ff.
(٤٠) راجع: Sethe, Urgeschichte, p. 125.
(٤١) كلمة «أبو» بالمصرية معناها الفيل وترسم بمخصص هذا الحيوان.
(٤٢) راجع كتاب أقسام مصر الجغرافية للمؤلف ص ٣٣ إلخ.
(٤٣) راجع: Borchardt, Altagyptische Festungen, etc., p. 41; A.Z., 46 p. 12 ff.
(٤٤) راجع: Kubanieh-Süd, p. 5.
(٤٥) راجع: Petrie, Royal Tombs, II, p. 9f.
(٤٦) راجع كتاب أقسام مصر الجغرافية للمؤلف ص ٣٩.
(٤٧) راجع: Quibell, Hierakonpolis, II, Pl. LVIII
(٤٨) راجع: Newberry, Ancient Egypt, (1922), p. 40 ff
(٤٩) راجع: Kees, Kultur und Urgesch., p. 345 ff
(٥٠) راجع: Dic. Geogr., V, p. 107.
(٥١) Louvre A. 90
(٥٢) Schafer, Kriegerauswanderungen Unter Psammetik und Soldneraufstand unter Apries. Lehmann Kornemann, Beitrage zur Alten Geschichte, IV, 152 ff, Leipzig, 1904.
(٥٣) Emry-Kirwan, The Excavation and Survey between Wadi Es.Subua and Adindan. p.2.
(٥٤) أي إقليم الاثني عشر ميلًا الواقعة خلف الشلال.
(٥٥) راجع: Urk. I., p. 236.
(٥٦) راجع: Emery-Kirwan, Ibid, p. 2.
(٥٧) راجع: Pyr., 1017, 1718,. A.Z., 50 p. 74.
(٥٨) راجع: Reisner; Ibid p. 33 ff.
(٥٩) راجع: Ibid, p. 141 ff.
(٦٠) راجع: Firth, I, p. 123ff.
(٦١) راجع: Reisner, p. 211 ff and 262 ff.
(٦٢) راجع: A, S., T. 33, p. 65 ff; T. 38, p. 369 ff and 678 ff.
(٦٣) راجع: Weigall, Report, pl. 57, 58.
(٦٤) راجع: A, S., II, p. 171.
(٦٥) راجع: P. S. B. A., 37, 117 ff; Bull. Inst. Fr,. 13, 141, ff.
(٦٦) راجع: Sethe, Urk., I, 110, III.
(٦٧) راجع: Urk., I, p. 69.
(٦٨) راجع: Urk., I, 253.4.
(٦٩) راجع: Urk., I, 257.
(٧٠) راجع: Kees, Beiträge zur Gesch. Des Vezirats im Alten Reich; p. 52.
(٧١) راجع: Hierat. Pap. Berlin, III, pl. VII
(٧٢) راجع: Weigall, Report, Pl. 57.
(٧٣) راجع نقوش «خوى» في Sethe, Urk., II. N. 29 p. 140 وهو حاكم مقاطعة «إلفنتين».
(٧٤) راجع نقوش «ثيثي» Sethe, Urk. I. No. 30. p. 141. وهو حاكم مقاطعة «إلفنتين». ويعلن في نقوشه أنه جمع محاصيل الأقاليم الجنوبية للملك وعاد بها وقبره قبالة «إلفنتين».
(٧٥) راجع قائمة هذه الأسماء في: Reisner, Kerma, V,; p., 537.
(٧٦) تيتي عنخ المسمى إمحتب Davies, Rock Tombs of Sheikh Said, p. 31.
(٧٧) حابي Ibid, p. 34.
(٧٨) راجع: De Morgan., Cat. I, p. 158 ff.; Eleph-Pap, 10533; Urk. I, p. 208.
(٧٩) راجع: Urkunden des Alten Reichs, p., 120 ff.
(٨٠) تدل شواهد الأحوال على أن «حرخوف» قد بدأ رحلته من عاصمة الملك متخذًا طريقه إلى إلفنتين، ومن ثَمَّ إلى الجهات التي كان يقصدها. وهذا هو الرأي المعقول إذ كان عليه أن يذهب أولًا إلى عاصمة الملك ليتجهز ويأخذ التعليمات من مليكه وأصحاب الشأن هناك.
(٨١) راجع: Urk., I, p. 120 ff.
(٨٢) راجع: Urkunden., Ibid., no. 28. p. 135.
(٨٣) الظاهر أن «أري» هذا هو والد «حرخوف» السالف الذكر.
(٨٤) راجع: Urkunden, I., p. 98 ff.
(٨٥) راجع مصر القديمة الجزء الأوَّل ص ٣٧٧.
(٨٦) هذا اللقب يذكرنا بوظيفة وكيل الخاصة الملكية فقد كان يشرف على مزارع الملك كلها وكان له نفوذ عظيم في مصالح الحكومة بعامة.
(٨٧) يقصد بالحي هنا الْمُتَوَفَّى؛ وذلك لأن المصري كان يمقت ذكر الموت.
(٨٨) راجع: Jaques Pierenne, Histoire des Institutions et du droit Privé de l’ancienne Egypte, Tom. III, p. 262; Sethe Unkunden, I, p. 98.
(٨٩) راجع: Weigall Report, Pl. 56 ff.
(٩٠) راجع: Ed. Meyer, Gesch. Alt., I, 2, p. 231; Weigall Report, p.9; Daressy, A. S.,20, p. 135 ff.
(٩١) راجع: A.Z., 20, p. 30.
(٩٢) راجع: Agypten und Nubien, p. 15 ff.
(٩٣) راجع: Junker, Ermenne, p. 39.
(٩٤) راجع: A. S., 20, p. 134.
(٩٥) راجع ما كتب في هذا الموضوع: Bulletion De L’Institut Francais D’archeologie Orientale Tome LII, p. 173 ff.
وهذا رأي فيه شك كبير.
(٩٦) راجع: Budge, The Egyptian Sudan, I, p. 52 ff.; Moret, L’Egypte Pharaonie, p. 164. Keunz, Bull-Inst., 17, pp. 128, 146 f.
(٩٧) راجع: Junker, Giza, V, p. 6; Hans Felix Wolf, Die Kultische Rolle des Zwerges c "in Altern Agypten Anthropos, 33, p. 447, Anm 3.
(٩٨) دنج = القزم وهذا يعبر عن الشيء الصغير، وربما كانت كلمة دانق التي لا تزال مستعملة في الموازين المصرية حتى الآن (حبة ودانق) على أصغر وزن مشتقة من هذا اللفظ.
(٩٩) راجع: Wb., 5, p. 470.
(١٠٠) راجع: Urk., l, p. 128 ff.
(١٠١) راجع: Sethe, Die Altaegyptischen Pyramidentexte, L.1189
(١٠٢) راجع: Spieglberg, A.Z. 64, p. 76 f.
(١٠٣) راجع: E. Brunner-Traut, Der Tanz lm Alters Agypten, p. 73 f.
(١٠٤) راجع: Schweinfurth,. lm Herzen von Afrika, p. 358.
(١٠٥) راجع: Junker, Giza, V. Fig. 20.
(١٠٦) راجع: Epron, Le Tombeau de Ti, Pls. 16, 18.
(١٠٧) راجع: Wilkinson, Manners and Customs, II, Fig. 481, p. 444.
(١٠٨) راجع: Gardiner, Onomastica, II, p. 73.
(١٠٩) راجع: Junker, J.E.A. VOI. VII, p. 121 ff.
(١١٠) راجع: Urk., I, p. 101.
(١١١) راجع: Urk., I, p. 209 ff.
(١١٢) راجع: Urk, I, p. 109.
(١١٣) راجع: Weigall, Antiquities of Lower Nubia, p. 5 ff.
(١١٤) راجع: A.Z. XX, p. 30.
(١١٥) راجع: Reisner, J.E.A., Vol. VI, p. 84.
(١١٦) راجع: Weigall, Ibid, Pls, 56, 58, p. 108; Urk., I, p. 208.
(١١٧) راجع: Urk., I, pp. 125-127.
(١١٨) راجع: Urk., I, p. 124. ff.
(١١٩) راجع: Weigall, Ibid, p. 9.
(١٢٠) راجع: Onomastica, II, p. 271.
(١٢١) راجع: J.E.A., Vol, XXXI, p. 3 ff.
(١٢٢) راجع: Sethe, Die Achtung feindlicher Fursten, p. 36. (in Abh, Berlin, 1926).
(١٢٣) راجع كتاب مصر القديمة الجزء الثالث ص ٣٨٨ إلخ.
(١٢٤) راجع: Anthes, Die Felseninschriften 16, pp. 6.7; J.E.A., 30. p. 61.
(١٢٥) راجع: Gardiner, Admonitions, 14, p.14.
(١٢٦) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ١٤١.
(١٢٧) راجع: Urk., IV, 799, 78.
(١٢٨) راجع: Die, Geogr., III, p. 65 f.
(١٢٩) راجع: Gardiner, Onomastica, II, 78.
(١٣٠) راجع: Ibid, II, 79.
(١٣١) راجع: Die Aethéopische Koniginschrift, etc, p. 136
(١٣٢) راجع: Ed. Meyer, Gesch., 165
(١٣٣) راجع: Urk., I. p. 36 f.
(١٣٤) راجع: Kees, Kulturgesch., p. 237.
(١٣٥) راجع: A.Z., XL, p. 114
(١٣٦) راجع: J.E.A., XXV, p. 24 f.
(١٣٧) راجع: Davies, El Amarna, IV, Pl. 17 ff.
(١٣٨) راجع: Pahere, Pl, 7.
(١٣٩) راجع: Davies Tombs of Two Officials, Pl. 17.
(١٤٠) راجع: Gardiner, Ibid, I, 88.
(١٤١) راجع مصر القديمة الجزء الثاني ص ٢٦٢ والجزء الرابع ص ٣٢٧.
(١٤٢) راجع: Seligman, Egypt and Negro Africa, p. 67 ff.
(١٤٣) راجع: Burckhardt, Travels in Nubia (London 1819), p. 181 f.
(١٤٤) راجع مصر القديمة الجزء الأول ص ٣٨٩.
(١٤٥) راجع مصر القديمة الجزء الأول ص٣٩١.
(١٤٦) راجع ما كتبه المؤلف عن الأحجار المختلفة ومصادرها في الجزء الثاني من مصر القديمة ص ١٤٤–١٨٠.
(١٤٧) راجع مصر القديمة الجزء الثاني ص ١٤٨ و Sethe, Die Bau und Denkmalsteine, p. 87 ff.
(١٤٨) راجع: A.S., 38. p. 519.
(١٤٩) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ٣٣٨ إلخ.
(١٥٠) راجع: Lucas, Ancient Materials, p. 56.
(١٥١) راجع: Sethe, Die Bau und Denkmaisteine, p. 910.
(١٥٢) راجع: Boreux, Étude Nautique Egypt., p. 130 f.
(١٥٣) راجع: Burckhardt, Travels in Nubia, p. 184.
(١٥٤) راجع مصر القديمة — الجزء الثاني ص ١٩٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠