الفصل الثاني والعشرون

ملوك الأسرة الخامسة والعشرين

الأسرة الكوشية
figure
ماعت رع
figure
كشتا
ذكرنا من قبل في مواضع عدة أنه من المحتمل جدًّا أن يكون الملك «كشتا» قد دُفِنَ في المقبرة رقم ٨ التي عُثِرَ عليها في جبانة بلدة «الكورو» التي كانت تُعَدُّ الجبانة الملكية لملوك كوش. وهذه المقبرة هي عبارة عن مصطبة ضخمة وتبلغ مساحتها ١٢× ٩٫٧٥ مترًا ولها سور مُقَامٌ من الحجر الرملي الذي لا يزال بعضه محفوظًا حتى الآن ومزارها (أو مقصورتها) مبنيٌّ كذلك بالحجر الرملي، وقد وُجِدَتْ حجرة الدفن منهوبة ولم يبقَ من أثاثها إلا قطعة من آنية من المرمر وأخرى من الخزف الأزرق المطلي وثالثة من الخزف أيضًا من تعويذة «منات» (وهو عقد كانت تلبسه مغنيات الإلهة «حتحور»)١ وله مفعول سحري ومدلول ديني معلوم.
ومن المحتمل أن «ألارا» الزعيم وهو الملك الأول لهذه الأسرة هو أخو «كشتا» الأكبر، وقد جاء ذكر «ألارا» هذا على لوحة «تابيري» الموجودة الآن بمتحف «الخرطوم» وعلى ثلاث لوحات عُثِرَ عليها في «كاوا» من عهد الملك «تهرقا» (وهي رقم ٤ و٦ و٩) وعلى لوحة «نستاسن».٢ والملك «كشتا» هو والد كل من الملكين «بيعنخي» و«شبكا» وقد وُجِدَ اسمه على قطعة خزف مطلي في «الكورو» بالقبر رقم واحد.٣
ومن المحتمل أن «كشتا» هذا هو الذي أقام معبد «برقل» رقم ٨٠٠ ب (B 800)، وهذا المعبد قد أُعِيدَ بناؤه في عهد الملك «امتالقا» في العهد المروي٤ ويقول الدكتور «ريزنر» بعد فحص المباني في هذا المعبد: والظاهر من الفحص السابق أن المعبد (B 800 first) قد أقيم قبل عهد الملك «تهرقا»٥ وأن المبنى الأساسي الذي تجمع حوله المعبد الكبير كان قد أقيم في عهد قبل «بيعنخي» واستخلص أن الذي أقام الحجرات الأصلية (B 803-807) هو الملك «كشتا» سلف «بيعنخي» المباشر.
ويلحظ أنه قبل الكشف على جبانات أسرة كوش لم يكن يعرف إلا القيل عن هذا الملك، وحتى هذا القليل كان فيه خلط، فمن ذلك أن «جوتييه»٦ يقول إن هذا الملك على ما يظهر كان مشتركًا مع «بيعنخي» في ملك مصر ومن الجائز أنه بعد موت الأخير كان يحكم بلاد النوبة. وهذه النقطة مشكوك في صحتها لأنه حتى الآن لم يُعْثَرْ على أي أثر للملك «كشتا» في بلاد النوبة، هذا على أن الرأي الذي أدلى به فيما بعد الأثري بليت٧ وهو أن «كشتا» حكم في بلاد النوبة فقط رأي خاطئ. ويستمر «جوتييه» قائلًا: إنه من المحتمل أن «كشتا» هو ابن «بيعنخي» ولكنا لا نعلم شيئًا عن هذه الصلة. أما «برستد» فقد عكس الموضوع وعدَّ «كشتا» والد «بيعنخي» وهو رأي خاطئ في الحقيقة لأنه نتج من خلط في اسمي ملكين يحمل كل منهما اسم «بيعنخي». ومن مثل هذه الأقوال نعرف كيف كانت الأفكار متبلبلة غير مستقرة عن حقيقة ترتيب ملوك كوش وصلة بعضهم ببعض، والواقع أن رأي «برستد» كذلك رأي خاطئ، ولم يكن يوجد إلا ملك واحد باسم «بيعنخي» يحمل اسمي تتويج في آنٍ واحد كما ذكرنا من قبل. ويعتقد الأستاذ «سايس» أن اسم «كشتا» معناه الكوشي (أي نسبة لبلاد كوش).٨

ومما يلفت النظر هنا أن الآثار التي ذُكِرَ عليها اسم «كشتا» بمفرده نادرة جدًّا، في غالب الأحيان نجده مذكورًا مع أولاده وبخاصة مع ابنته «أمنردس» في معبد «أوزير» بالكرنك وهي التي حفظت لنا اسمه، وتدل الأحوال حتى الآن على أن «كشتا» هذا لم يقم بدور هام في التاريخ المصري إلا تولية ابنته في منصب متعبدة إلهية بعد وفاة «شبنوبت» ابنة «أوسركون الثالث» كما سنرى بعد، أما من حيث الأعمال الحربية أو غيرها فلم نعثر له على شيء في «طيبة» ولا في غيرها قط.

وأهم الآثار التي وُجِدَ عليها اسمه هي:٩

قطعة١٠ من لوحة مستديرٌ أعلاها مصنوعة من الجرانيت عثر عليها «مسبرو» في «إلفنتين» بالقرب من بوابة «الإسكندر» المصنوعة من الجرانيت، واللوحة على ما يظهر كانت صغيرة ونجد على الجزء الأعلى الباقي منها قرص الشمس المجنَّح يتدلى منه الصل الملكي على اليسار وله جناح واحد، وعلى اليمين نجد صورة العين السليمة، وفي أسفل هذا المنظر كان يوجد في الأصل على اليمين إلهان «خنوم-رع» رب «الشلال» ولكن لم يبق من صورته إلا جزء صغير، والإلهة «ساتت» سيدة «إلفنتين». ولم يبق من صورتها شيء قط، ويقدم لها الملك على ما يظهر مذبحًا عليه نار، ولم يبق من صورة الملك إلا الرأس الذي يرتدي (تقية) محلاة بِصِلٍّ ملكي واحد، وقد صَوَّرَ المثَّال الملك بأنف أفطس وذقن غائرة وشفتين غليظتين بارزتين، وبالاختصار نلحظ في صورته أنه قد مُثِّلَ في هيئة شبه زنجي وهو يشبه كثيرًا صورة «تهرقا» الذي نشاهد وجهه في الرأس المصنوع من الجرانيت الأسود المحفوظ الآن بالمتحف المصري كما سنرى بعد.

ويقول «مسبرو» إنه لم يعثر على لقب «كشتا»: «مام رع» الذي نقش على هذه اللوحة في نقوش أخرى غيرها، ولكن يحتمل أن يكون هذا اللقب قد كُتِبَ بإهمال وأن المقصود هو «ماعت رع». هذا ولما لم يكن لدينا دليل على وجود ملك آخر يُدْعَى «كشتا» فإن هذا الملك الذي على لوحتنا هذه هو «كشتا» الذي محيت طُغْرَاءَاتُهُ كثيرًا على الآثار، وإذا استثنينا ما جاء على هذه اللوحة وما جاء على قطعة الخزف المطلي نجد أن اسمه لم يُذْكَرْ بمفرده بل مع أحد أولاده وبخاصة ابنته «أمنردس» الزوجة الإلهية أو المتعبدة الإلهية.

أسرة (كشتا)

تدل شواهد الأحوال على أن زوجة «كشتا» التي تُدْعَى «بياتما» قد دُفِنَتْ معه في نفس جبانة «الكورو» في المقبرة رقم ٧، غير أن البراهين القاطعة على ذلك تعوزنا١١ وهي في الوقت نفسه أخته وقد تَبَنَّتْ «بكساتر» ابنة «كشتا».

وقد أنجب «كشتا» وزوجه ولدين هما «بيعنخي» و«شبكا» وقد صار كل منهما فيما بعد ملكًا على مصر والسودان.

أما بناته فهنَّ

  • (١) «آبار»: وقد تزوجت من أخيها «بيعنخي» وأنجبت له «تهرقا».١٢
  • (٢) «خنسا»: وقد دُفِنَتْ في «الكورو» بالمقبرة رقم ٤ وقد تزوجت من أخيها «بيعنخي» ودفنها «تهرقا» وعُثِرَ لهذه الملكة على مائدة قربان من الجرانيت في سلم قبرها وهي محفوظة الآن بمتحف «بوستون» وكذلك وُجِدَ لها مائدة قربان في حجرة الدفن كما وُجِدَ لها عدة أوانٍ من المرمر وكلها منقوش عليها طُغْرَاءَاتٌ مزدوجة وألقاب مختلفة، هذا بالإضافة إلى ثور من حجر ستياتيت محفوظ في «متحف بوستون» وطست من الفضة أيضًا.١٣
  • (٣) الملكة «بكساتر»: تزوجت من أخيها الملك «بيعنخي» ولم يُحَقَّقْ موضع قبرها حتى الآن ويذهب «ريزنر» إلى أنه القبر رقم ٥٤ في الجبانة «الكورو» وقد تبنتها الملكة «بياتما».
  • (٤) المتعبدة الإلهية «أمنردس»: وتُسَمَّى في التاريخ «أمنردس الأولى» ابنة «كشتا» واسمها مصري صريح ويمكن البرهنة على ذلك من مصادر مختلفة بصفة قاطعة. والمتون التي تثبت ذلك قد جمعها «جوتييه» في كتاب الملوك.١٤ وعند استيلاء «كشتا» على عرش ملك مصر أجبر المتعبدة الإلهية «شبنوبت» ابنة «أوسركون الثالث» على أن تتبنى ابنته «أمنردس» لتخلفها بعد موتها في هذا المنصب العظيم الذي كان يعادل منصب الكاهن الأكبر الذي اختفى مؤقتًا منذ أن تولت «شبنوبت» هذا المنصب في عهد والدها «أوسركون الثالث» والبراهين الدالة على أن «شبنوبت» قد تَبَنَّتْهَا هي و«شبنوبت الثانية» وكذلك البراهين الدالة على التبنيات التي أتت بعد ذلك هي التي نشرها «لجران» ومحصها «أرمان».١٥ ويعد الأستاذ «أرمان» أول من برهن على أن كل الصلات الزوجية المزعومة بالنسبة لهؤلاء الأميرات اللاتي ذُكِرْنَ في لوحة التبني يجب أن تُلْغَى ولا يُلْتَفَتُ إليها قط لأنها خاطئة كما سنرى بعد. وعلى ذلك فإن «شبنوبت الأولى» ابنة «أوسركون الثالث» و«تنتسا» على الرغم من أنها ذكرت بأنها أم «أمنردس» فإنها في الواقع لم تكن أمها الحقيقية ولم تكن قط يومًا من الأيام زوج الملك «كشتا» كما ادَّعى ذلك «جوتييه»١٦ وقد قرر ذلك من قبل الأثري «لجران» عندما نشر لوحة التبني. وقد بقي هذا الزعم الخاطئ قائمًا يُؤْخَذُ به حتى عهد قريب.١٧ ومما يدحض هذا الرأي بدهيًّا أنه لا «شبنوبت الأولى» ولا أية واحدة من أخلافها اللائي تبنين كاهنات لآمون كُنَّ يحملن لقب الزوجة الملكية أو الأم الملكية، وذلك بدلًا من لقب زوج الإله أو الابنة الإلهية، كما كان يحدث أحيانًا، أو لقب المتعبدة الإلهية وهو اللقب الذي كانت تحمله دائمًا. غير أن ذلك لا ينطبق على المتعبدات الإلهيات اللائي سبقتهن، ولدينا استثناء ظاهر في المتعبدة الإلهية التي تُدْعَى «ماعت كارع مو تمحب» ابنة «بسوسنس» التي كان لها طفل فعلًا وقد كان مثلها كمثل المتعبدات الإلهيات لم تحمل لقب «زوج الملك»، والواقع أنها لم تتزوج ولكن «جوتييه» يذكر١٨ أنها كانت الزوجة الملكية للفرعون «بينوزم الأول» ويرجع السبب في هذا الخطأ إلى أن لقبها «دعية الملكة» قد تُرْجِمَ خطأ بلقب «الملكة العظيمة» والواقع أن الملكة زوج «بينوزم الأول» هي «حنت تاوى» التي كانت تحمل لقب الأم التي تَبَنَّتِ المتعبدة الإلهية «لآمون». ومما يلفت النظر هنا أنه على الرغم من أنها كانت تُلَقَّبُ المتعبدة الإلهية فإن أمها التي تبنتها لم تكن كذلك، وقد يرجع السبب في هذا إلى أن اللقب والفكرة كانا جديدين.
ونعلم من جهة أخرى أن «ماعت كارع مو تمحب» قد ماتت مع طفلها الذي وضعته ولم يُعْرَفِ اسمه وكان موتها بعد الوضع مباشرة، وقد دُفِنَ الاثنان في تابوت واحد،١٩ وإذا كان قد حُرِّمَ حقيقة على المتعبدات الإلهيات الاختلاط الجنسي أو بعبارة أخرى الزواج فإن السبب في الموت العاجل الذي أصاب هذه الأم وطفلها يظهر بدهيًّا ولا يحتاج إلى تفسير أو بعبارة أخرى أنها انتحرت بعد الوضع.
هذا ونعلم أن أم «أمنردس الأول» وزوج «كشتا» الوحيدة هي «بياتما» وقد جاء ذكر اسمها على تمثال مُهَشَّمٍ «لأمنردس الأول» كما ذكرنا من قبل. وقد ذكر عليه الكلمات التالية: «زوج الإله وابنة الملك «كشتا» المبرأ والمتعبدة الإلهية «أمنردس» المبرأة وأمها المتعبدة الإلهية «شبنوبت» المبرأة وقد وضعتها زوج الملك «بياتما» المبرأة.٢٠ وفي هذا المتن نجد أن كلمة «أمها» يجب أن تشير فقط إلى صلة التبني وحسب في حين أن كلمة «وضعتها» تشير إلى الأم الحقيقية».
وقد وجدت «لأمنردس» آثار كثيرة نذكر منها ما يأتي:
  • (١)
    وجد اسمها مع اسم والدها «كشتا» على نقش دوِّن على صخرة في جهة الشلال الأول جنوبي «أسوان».٢١
  • (٢)
    ووجد لها لوحة في مدينة «هابو» عليها اسمها واسم والدها «كشتا» واللوحة محفوظة بالمتحف المصري الآن٢٢ وهي مستديرة من أعلى ومصنوعة من الحجر الرملي وارتفاعها ٥١ سنتيمترًا وعرضها ٣٫٨٥ سنتيمترات ورُسِمَ على الجزء الأعلى منها قرص الشمس وفي أسفل اللوحة من الجهة اليمني كُتِبَ: «المتعبدة الإلهية «شبنوبت»»، وقد مُثِّلَتْ واقفة تحرك صناجتين أمام ثلاثة آلهة وتلبس ثوبًا فضفاضًا شفيفًا وترتدي شعرًا مستعارًا مُحَلًّى بِصِلٍّ ملكي وشريط مُتَدَلٍّ. وقد وُضِعَ على تاج بِصِلٍّ قرنان طويلان يحيطان بقرص الشمس الموضوع أمام ريشتين عاليتين. والآلهة هم «آمون رع» حارس «طيبة» ومُثِّلَ ماشيًا ومعه النقش التالي: «كلام معطي الحياة والفلاح». وكذلك نجد نفس النقش أمام الإلهة «موت عين رع» ثم الإله «خنسو»؛ وفي أسفل نجد النقش التالي: «آمون رع» صانع الحياة وحارس «طيبة» الذي يُعْطِي كل الحياة والفلاح للمتعبدة الإلهية «أمنردس» ابنة الملك «كشتا». أُهْدِيَتْ بوساطة مغنية حريم «آمون» (المسماة) «نب تهيت محيت» ابنة الرئيس العظيم للوبيين الْمُسَمَّى «عنخ حور» وأمه «تاتنحب».

ويقول «لجران» إنه على الرغم من قصر هذا المتن فإنه يحتوي على بعض نقاط هامة يجب التنويه عنها:

تدل شواهد الأحوال على أنه كانت توجد قاعدة مُتَّبَعَةٌ في المراسيم المصرية لا استثناء فيها إلا النذر اليسير جدًّا وهي أن الملك الحاكم كان دائمًا يُرْسَمُ في المناظر أولًا أمام الإله في الأحفال الرسمية وتأتي خلفه عادة الملكة ثم الأتباع، وليس لدينا شواذ عن هذه القاعدة إذا استثنينا الملكة «حتشبسوت» في أن نجد الملكة زوج الملك تحتل هذه المكانة الأولى أمام الإله أو الآلهة بدلًا من الملك. وحتى عندما يكون الملك غائبًا كما هي الحال في اللوحة التي نتحدث عنها كان يجب أن تحتل الملكة هذه المكانة في الصورة بدلًا من «شبنوبت» كما تقتضيه المراسيم. والواقع أن الملك «كشتا» قد ذكر في هذا المتن، ومع ذلك لم نجده ممثلًا في اللوحة قيل «شبنوبت» ولا خلفها. هذا ونجد كذلك صورة الملك «أوسركون الثالث» بن «أزيس» في معبد «أوزير» حاكم الأبدية موضوعة خلف صورة ابنته «شبنوبت»، ونعلم كذلك من لوحة الأميرة «عنخنس نفرت اب رع» أن لقب المتعبدة الإلهية كان أعلى درجة من لقب الكاهن الأكبر «لآمون». وعلى أية حال فإن المثال الذي ذكرناه هنا الدال على تقدم المتعبدة الإلهية على الملك في مراسيم معبد «أوزير حاكم الأبدية» وكذلك المثال الذي نحن بصدده في لوحتنا يكفيان للبرهنة على أن هذه المتعبدة الإلهية أو على الأقل «شبنوبت» كانت تحتل مكانة أكبر من وظيفة الملك نفسه في «طيبة»، ومن الجائز أن يُعْتَرَضَ على ذلك بأن «كشتا» كان قد تُوُفِّيَ وأنها كانت وصية عندما كُتِبَتْ هذه اللوحة، ولكن هذا الاعتراض باطل لأنه كان له وارث وهو ابنه «بيعنخي» وكان يحمل لقب الملك، على أن ذلك لا يمنع من القول إنه في معبد «أوزير حاكم الأبدية» الموجود «بالكرنك» يشاهد «أوسركون الثالث» الحي واقفًا وراء ابنته «شبنوبت» التي كانت تحمل لقب الزوجة الملكية «لآمون» أي إنها كانت واقفة أمام شخصية تحمل ألقاب ملك مصر؛ ومن ثَمَّ نستنبط أن لقب الزوجة الإلهية «لآمون» وكذلك لقب المتعبدة الإلهية ولقب «يد الإله» كانت ألقابًا تجعل للمرأة التي تحملها الأفضلية على الفرعون نفسه.

وهذه الميزة تصبح ظاهرة لمن يدرس الحقائق والأعمال الخاصة بالأميرة «شبنوبت الأولى»، إذ تدل الأحوال على أنها كانت الرئيسة الْمُعَتَرَفَ بها من حيث السلطة الدينية أو الروحية في «طيبة» وذلك على غرار سلطة البابا الفعلية فقد كان ينحني أمام سلطانها الفراعنة وقتئذٍ وكانت سياستهم أن يعينوا إحدى بناتهم لتسلم هذه السلطة العظيمة. ولكن كان انتظار تولي مثل هذه الوظيفة قد يدوم وقتًا طويلًا وأحيانًا كان الانتظار بدون جدوى، وذلك أن «عنخنس نفرت أب رع» مثلًا قد انتظرت موت «نيتوكريس»٢٣ مدة إحدى عشرة سنة وأن «أمنردس» الثانية ابنة «تهرقا» قد حُرِمَتْ تولى هذه الوظيفة على يد نفس «نيتوكريس» هذه.٢٤

وعلى أية حال فإن سلطان هؤلاء الزوجات الآلهيات «لآمون» كان روحيًّا أكثر من أي شيء وذلك لأننا نَرَاهُنَّ دائمًا مصحوبات بمدير بيت عظيم. وتدل النقوش على أنه كان في يد هذا المدير العظيم للبيت زمام الأمور في كل إقليم «طيبة» بمفرده باسم المتعبدة الإلهية وباسم الفرعون الذي كان يحكم في زمنه وهو الذي نشاهد غالبًا طُغْرَاءَهُ على المباني كما نشاهد طُغْرَاءَ الزوجة الإلهية الحاكمة كذلك معه.

وأظن أن «سترابون»٢٥ قد حدَّد لنا كل ذلك عندما أخبرنا أن «أراتوتسين» يتحدث عن جزيرة أخرى تقع في أعلى «مروي» وأنها ستُحْتَلُّ بنسل هؤلاء المصريين الهاربين وهم الفارون من جيش «بسميتك» الذين يسميهم الأهالي «سمبريت» ولذلك قيل عنهم الأجانب وهم السكان الذين كانت السلطة الملكية عندهم في يد امرأة كانت تعترف هي نفسها بسلطان ملك مروي.

ولا نشك في أن هذا القول لا يبعد عن الحقيقة على الأقل بعد الهجرة إلى بلاد كوش (أثيوبيا) وذلك أن الملكة أو بعبارة أدق زوج «آمون» الإلهية كانت تعترف بسلطان ملك كوش العظيم الذي منحها إقليمًا من الأرض، وعلى ذلك فهي بصورة ما تابعة له ومضيقته، ولكن لا نظن أنها كانت كذلك في «طيبة حيث نجد كما قلنا من قبل أن «شبنوبت» الزوجة الإلهية كان لها الأسبقية على الملك «أوسركون» الذي كان فيما سبق الكاهن الأول «لآمون» أي إنه كان أقل درجة من درجتها».

ويلحظ أن «شبنويت» التي نشاهدها في منظر اللوحة التي نحن بصددها ترتدي في معبد «أوزير حاكم الأبدية» بالكرنك نفس الملابس التي ترتديها في اللوحة التي تتحدث عنها؛ فهي تتحلى بالصل الملكي ويحتمل أن سبب ذلك لا يرجع إلى أنها أميرة ملكية وابنة «أوسركون الثالث» وابنة الملكة «كاراثيت» ولكن بوصفها زوج الإله «آمون». وعلى أية حال فإن هذه النقطة من المراسيم الفرعونية٢٦ ستبقى غير واضحة دائمًا، وذلك لأن «شبنوبت» والزوجات الإلهيات اللائي خلفنها كُنَّ من دمٍ ملكي، وفضلًا عن ذلك كُنَّ يتسمين بالزوجات الإلهيات اللائي كُنَّ يشغلن الوظيفة فعلًا. وهذه الأسباب قد أعطتهنَّ الحق فعلًا في التحلي بالصل الملكي مفضلات ذلك على النسر الذي كانت تتحلي به الملكات.
ووجد لأمنردس حديثًا تمثال من الجرانيت الرمادي٢٧ طوله متر عُثِرَ عليه مُلْقًى على وجهه مستعملًا أسكفه وقد مُثِّلَتْ عليه الملكة «أمنردس» واقفة على قاعدة مرتديه ثوبًا يُفَصِّلُ أعضاء جسمها وبيدها اليمني منديل وفي اليسرى درة وترتدي على رأسها التاج الذي تلبسه عادة الزوجات الإلهيات ويتألف من ساق عليه قرص الشمس بين قرنين مستندين على ريشتين ولها شعر مستعار مُزَيَّنٌ بنقاب وتتحلى بأسورة وعقود حول رقبتها والتمثال يستند على لوحة نُقِشَ عليها ما يأتي: «الأميرة صاحبة الحظوة العظيمة والمديح الْمُسْتَفَاضِ وربة الرشاقة والحلاوة والحب سيدة كل ما يحيط به «آمون» وسيدة التاج ذي الريشتين وجميلة اليدين بصناجتيها عندما تهدي الأب «آمون رع» والتي تنشد المدائح وتحضر الإله إلى مكانه، وتتحد مع الحكم الإلهي، بنت «آمون» محبوبته التي يلذ بها قلبه، كل شيء يعمل لها بقدر ما يحبها أي ابنة الملك (…) المبرأة واليد الإلهية «أمنردس» المبرأة عملته (أي هذا الأثر) ابنتها التي صنعته لأجلها الزوجة الإلهية «شبنوبت» لأجل أن تجعل اسمها ثابتًا في بيت «آمون» سرمديًّا». ونرى من هذا النقش أنه قد أُهْدِيَ، للأميرة «أمنردس» بعد موتها من ابنتها «شبنوبت» التمثال الذي نحن بصدده، وقد كشف فعلًا لهؤلاء الزوجات الإلهيات عن عدة تماثيل معظمها كبير الحجم. وتمثال «أمنردس» الذي نحن بصدده الآن تمثال جميل المنظر صناعته متقنة جدًّا وليس في النقوش ما يدل على أن صاحبته كانت في «الكرنك» في الأصل أو في «الأقصر» وإن كان ذكر «بيت آمون» يشير إلى أنه كان في معبد «الكرنك»، كما يدل على ذلك الآثار الحديثة التي كشف عنها الأثري ربيشون».

هذا ونجد في «الكرنك» المباني التالية جاء عليها ذكرها:

  • (١)

    مقصورة في الشمال الشرقي لقاعة الأعياد التي أقامها «تحتمس الثالث».

  • (٢)
    مقصورة في معبد الإله «منتو» وقد وجد فيها تمثال جميل مصنوع من المرمر٢٨ ومجموعة تماثيل مُثِّلَتْ فيها مع الإله «آمون».٢٩ هذا إلى آثار أخرى جاء عليها اسمها.٣٠

هوامش

(١) راجع: Porter and Moss, Vol. 8, p. 196; El Kurru, pp. 46-47.
(٢) راجع: Nastasen Stela (Berlin 2268) Urkunden III, 137 ff.
(٣) راجع: J.E.A. Vol. XXXV, PI. XV [34 a.b]; El Kurru I, 19-3-537 [34 a]; L.R. IV, p. 5 ff. [34 b.].
(٤) راجع: J.E.A. Vol. VI p. 347-259; Porter and Moss 8 b. 212 ff.
(٥) لم توجد في المعبد ودائع أساس.
(٦) راجع: L.R. IV. P. 5.
(٧) راجع: A.Z., XIV, p. 50.
(٨) راجع: Sayce Moroe (1911) p. 3.
(٩) راجع: Revue D’Egyptologie Tom. 8 p. 215 ff. حيث نجد قائمة بأسماء الآثار التي وُجِدَ عليها اسم هذا الفرعون.
(١٠) راجع: A.S.,X. p. 9-10.
(١١) راجع: El Kurru, No. 7, p. 44.
(١٢) Kawa sttela V, Barkal Temple 300; L.D. V, Pl, 7c; J.E.A. Vol. XXXV, p. 141.
(١٣) راجع: El Kurru, 4, p. 30; J.E.A. Vol XXXV, p. 144.
(١٤) راجع: L.R., IV p. 5, 6, 7.
(١٥) راجع: A.Z., 35, p. 28-29.
(١٦) راجع: L.R., IV, p, 8.
(١٧) راجع: Frank Knight. Nile and Jordan (1921) p. 290; Sir Armand Ruffer Proc. Royal Soc. Med, (1920) p. 12.
(١٨) راجع: L.R. III, p. 282.
(١٩) راجع: Elliot Smith, Royal Mummies, No, 610, 88-89; Momies Royales, p. 77.
(٢٠) راجع: A.S., 10, p 111.
(٢١) راجع: Petrie, a Season in Egypt, p. 12 Pl. IX and No 263; De Morgan, Cat. de Mon. and Inscr. De I’Egypte Ant. Tom. I. 38 Nr. 164.
(٢٢) راجع: Legrain, A.S., Tom. IX, p. 277.
(٢٣) راجع: A.S., V, p. 84 ff.
(٢٤) راجع: A.Z., XXXV, p. 18.
(٢٥) راجع: Strabon, XVII, 1.
(٢٦) أي تقديم الزوجة الإلهية في المراسيم على الملك.
(٢٧) راجع: A.S., LI, p. 456.
(٢٨) راجع: Cairo Museum, 565.
(٢٩) راجع: Cairo Museum 42199; Porter and Moss, p. 69, 5 and 97.
(٣٠) راجع: Revue D’Egyptologie, Tom. 8, p. 215 ff.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠