الفصل الثالث والعشرون

العلاقة بين السياسية والدين في الدولة في أثناء تلك الفترة

مقدِّمة: ذكرنا من قبل أن المتعبدة الإلهية أو كاهنة الإله آمون العظمى كانت صاحبة سلطان روحي قبل كل شيء وأن الإدارة الدنيوية لكل أمورها في إقليم طيبة كانت في يد المدير العظيم للبيت، وهذه الوظيفة كان لها مكانة هامة في البلاط الفرعوني منذ الأسرة الثامنة عشرة، فكان صاحبها يسيطر على كل أملاك الفرعون الخاصة، بل أحيانًا كانت تتعدى سلطته ذلك فيطغى على سلطات كبار موظفي الدولة١ وهو في الواقع يشبه ما كان موجودًا في مصر في عهد الطغيان حديثا. فكثيرًا ما كان مدير الخاصة الملكية أو رئيس الديوان الملكي يتدخل في كثير من أمور الدولة. وقد عُثِرَ على مجاميع من التماثيل لبعض هؤلاء المديرين العظام لأملاك الْمُتَعَبِّدَاتِ الإلهيات وما جاء على هذه التماثيل من نقوش يقدم لنا صورة واضحة عمَّا كان لهم من نفوذ وسلطان، ومن جهة أخرى تكشف لنا تماثيلهم عن صفحة جديدة في نهضة الفن التي بدأت في هذا العهد وكان غرضها الرجوع إلى القديم وبخاصة العهد الذي ازدهر فيه الفن المصري.

الزوجة الإلهية أو المتعبِّدة الإلهية أو يد الإله:

ولكن قبل أن نتحدث هنا عن المديرين العظام للبيت في تلك الفترة، ينبغي علينا أن نذكر كلمة عن الزوجة الإلهية «لآمون» في هذا العهد الذي نحن بصدده خلافًا لما ذكرناه من قبل عنها.٢

والواقع أنه كُتِبَ كثيرًا عن الأميرات اللائي كُنَّ يحملن لقب زوجات الإله وطبيعة وظيفتهنَّ وقد أصبحت الآن معروفة. وعلى أية حال فإنه على الرغم من أن الكشوف الحديثة التي قام بها «ريزنر» في «نباتا» و«مروي» قد وضعت ترتيب ملوك كوش على أساس شبه متين كما رأينا من قبل، وبذلك أزالت عدة فروض خاطئة عن شخصية هؤلاء الملوك، فإنه لا تزال تذكر بعض أخطاء قديمة في هذا الصدد في الكتب الحديثة وعلى ذلك يمكن أن تدلي بالموجز الآتي عن هؤلاء الزوجات الإلهيات.

كانت «شبنوبت الأولى» ابنة «أوسركون الثالث» في وقت الفتح الكوشي لمصر تشغل وظيفة الزوجة الإلهية «لآمون طيبة»، ولكن لا بد من الملاحظة هنا أن «أوسركون الثالث» هذا كان له ابنتان تُدْعَى كل منهما باسم «شبنوبت». ولكن إحداهما أصبحت الزوجة الإلهية؛ ومن ثَمَّ حدث ارتباك لا فائدة منه عندما كانت تُدْعَى الأخرى «شبنوبت الثانية» كما حدث كثيرًا. ومن ثَمَّ اعْتُقِدَ أن «شبنوبت الأولى» سبقتها في الوظيفة وهذا خطأ.

والزعم السائد هو أن «بيعنخي» قد أجبر «شبنوبت» على أن تتبنى «أمنردس» ابنة «كشتا» والده وأن تكون خليفتها في هذه الوظيفة، وقد وقعت هذه الحادثة في عهد فتح «بيعنخي» للبلاد المصرية حوالي عام ٧٢٠ق.م. وقد عزا بعض الأثريين هذا التبني الإجباري للملك «كشتا» نفسه لا للملك «بيعنخي»٣ وآخر من اتبع الرأي الأخير هو «دوس دنهام»٤ وعلى أية حال لا يوجد دليل مادي يُعَزِّزُ أحد الرأيين. والمتن الوحيد الذي يشير إلى تاريخ التبني هو المتن الذي عُثِرَ عليه في «وادي جاسوس» وهو الذي جاء فيه أن السنة التاسعة عشرة من عهد «شبنوبت» تقابل السنة الثالثة عشرة من عهد تبنيها للزوجة الإلهية «أمنردس».٥ ومن ذلك نعلم أن «شبنوبت الأولى» كانت تشغل وظيفة الزوجة الإلهية مدة ست سنوات قبل تَبَنِّي «أمنردس» وأن الأميرتين قد حَكَمَتَا على أقل تقدير نحو ثلاث عشرة سنة معًا.
هذا ونعلم من آثار «أمنردس» الكثيرة أنها كانت ابنة الملك «كشتا» وأخت الملك «شبكا»، وكذلك أخت الملك «بيعنخي».٦ ولم يصل إلينا تاريخ تَوَلِّي «أمنردس» وظيفتها، كما لم يصل إلينا تاريخ نهاية حكمها، أي إن مدة توليها الملك بعد «شبنوبت الأولى» ليست معروفة لدينا. هذا ولا نعرف كذلك حتى الآن السنة التي تبنت فيها «شبنوبت الثانية» ابنة أخيها «بيعنخي» وكل ما يمكن الإدلاء به هو أن جزءًا من حكمها يتفق مع جزء من حكم «شبكا» إذ نجد في نقوش «وادي الحمامات» السنة الثانية عشرة من حكم «شبكا» وقد وُجِدَتْ طُغْرَاؤُهَا مع طُغْرَائِهِ،٧ والظاهر أنها ماتت إما في عهد الملك «تهرقا» أو قبله وقد وُجِدَتْ «شبنوبت الثانية» مُمَثَّلَةً مع «تهرقا» في معبد «أوزير» بالكرنك بوصفها لا تزال على قيد الحياة، في حين أن «أمنردس» مُثِّلَتْ بوصفها في عالم الآخرة.٨ وتعد في العادة أخت هذا الفرعون وبنت «بيعنخي»، وكانت «شبنوبت الثانية» تشغل وظيفتها في عهدي الملكين «تهرقا» و«تانون آمون» والجزء الأول من عهد «بسماتيك الأول» حتى السنة التاسعة من حكم هذا الفرعون الأخير (٦٥٤ق.م.).٩ وقد ماتت قبل السنة السادسة والعشرين من حكم «بسمتيك». ويمكن استنباط ذلك من نقوش مدير البيت العظيم «إبا» (Iba) إذ نجد على تمثاله المحفوظ بالمتحف المصري١٠ سرد الوظائف التي كان يشغلها في عهد «نيتوكريس»، وكذلك يتحدث عن ترقيته إلى وظيفة مدير البيت العظيم في السنة السادسة والعشرين من عهد الملك «بسمتيك الأول». وواضح من المتن ومن نقوش قبره في «طيبة»١١ أن الزوجة الإلهية التي كان هو المدير العظيم لبيتها هي «نيتو كريس» أو بعبارة أخرى كانت «شبنوبت» قد ماتت وقتئذٍ.

وقد تبنت «نيتو كريس» ابنةَ «بسميتك الأول» في السنة السادسة والعشرين من حكمه. أما «أمنردس الثانية» التي لا نعرف عنها شيئًا يُذْكَرُ فهي ابنة «تهرقا» وقد تبنتها أولًا «شبنوبت الثانية» ثم خُلِعَتْ ونُصِّبَ مكانها «نيتوكريس» وهي لا تعنينا هنا لأنها لم تَتَوَلَّ هذه الوظيفة قَطُّ.

وقد امتدَّ حكم «نيتو كريس» طوال حكم «بسمتيك الأول» وحكم الملك «نكاو» ثم «بسمتيك الثاني». وقد تبنَّت «عنخنس نفرت أب رع» ابنة «بسماتيك الثاني» في السنة الأولى من حكم هذا الفرعون حوالي ٥٩٣ق.م. وماتت في السنة الرابعة من حكم الملك «أبريز» ٥٨٤١٢ق.م. وقد شغلت «عنخنس نفرت أب رع» هذه الوظيفة مدة تعادل مدة سابقتها وهي آخر من ظهر مع «بسمتيك الثالث» في الرسوم في سنة الفتح الفارسي ٥٢٥ق.م. في معبد «أوزير» بالكرنك.١٣

وقد حكمت هذه الزوجات الإلهيات الأربع اللائي عِشْنَ في العهدين الكوشي والصاوي ما يقرب من مئتي سنة، وقد تولى في عهد هؤلاء الزوجات الإلهيات أو المتعبدات الإلهيات وظيفة المدير العظيم للبيت سبعة رجال كانوا يقومون بإدارة شئون ملكهنَّ، وقد حكم في نفس المدة أحد عشر ملكًا على عرش مصر بالتوالي. وأول هؤلاء المديرين العظام لبيت الزوجة الإلهية هو: «حاروا».

مدير البيت العظيم حاروا:

جاء ذكر هذا المدير العظيم على ثمانية التماثيل التي عُثِرَ عليها له بأنه كان يدير بيت الزوجة الإلهية، كما ذُكِرَ عليها ألقابه الأخرى، غير أنه لم يذكر اسم الملك الذي كان عائشًا في عهده١٤ ومن المحتمل أنه في عهد توليه منصب المدير العظيم لبيت الزوجة الإلهية «أمنردس» قد شاهد حفل تبنيها للزوجة الإلهية «شبنوبت الثانية» وبما أنه لم يذكر لنا هذا الحادث فمن المحتمل أنه لم يكن يشغل وظيفته هذه بعدُ، وأن «أخآمون رو» كان قد حل محله في إدارة بيت المتعبِّدة الإلهية وسنتحدث عنه فيما بعد.
وتعد تماثيل حاروا مدير البيت العظيم للمتعبدة الإلهية «أمنردس» من الأهمية بمكان من وجوه عدة وبخاصة من الوجهة الفنية إذ نجد أن بعضها يعبر تعبيرًا صادقًا غير عادي في الفن المصري. والواقع أن الأسلوب الذي ابتدعه الفنان في نحتها يُعَدُّ فريدًا في بابه فهو يدل على أن المَثَّالَ الذي نحتها كان من مدرسة تميل إلى تمثيل الأشياء على حقيقتها دون مراعاة إخراج صورة جميلة أو عمل تحسين فيها مهما كانت قبيحة في الأصل كما سنرى هنا التماثيل الأربعة التي أخرجها لنا هذا الفنان المجهول الاسم. وتدل شواهد الأحوال على أن الاختلافات الدقيقة التي نتجت من فحص هذه التماثيل لم تكن عن تقصير من الْمُفْتَنِّ، بل لأن هذه التماثيل قد نُقِلَتْ صورها في أزمان متفاوتة العهد، أي في فترات مختلفة من مجال حياة هذا الرجل العظيم. والواقع أننا لا نرى في تماثيله صورة كلاسيكية مثالية رُوعِي فيها أن تكون جميلة بل نجد صورًا حقيقية لم يَسْعَ في إبرازها المثال وراء الجمال بل وراء الحقيقة بعينها، إذ نجد أنه قد مثله بخدين متدليين وفم مكشر عن أنياب وبطن ذي تجاعيد مكدسة بالشحم وصدر ذي ثديين عظيمين لا فرق بينهما وبين ثديي المرأة. ويذكرنا رأسه الكبير وصدره الضخم بتمثال يقرب تاريخه من تاريخ التماثيل التي نحن بصددها وهذا التمثال هو لفرد يُدْعَى «أريجاديجانن» الذي عُثِرَ عليه في خبيئة الكرنك (Nr. 38218)١٥ وهو من الجرانيت الأسود وقد مُثِّلَ برأس أصلع وبطن ضخم وثديين ضخمين كثديي المرأة، وهو يشبه المرأة في صورته حتى إنه كان من المتعذر معرفة إن كان ذكرًا أو أنثى لولا ما ذكر معه من ألقاب تدل على أن التمثال لرجل، فقد كان يلقب الأمير الوراثي وقريب الملك ومحبوبه «أريجاديجانن» وهذا العظيم يظهر أنه كان ذا صلة بملوك كوش في عهد الأسرة الخامسة والعشرين، وعلى الرغم من أنه وُجِدَ مع تماثيل «حاروا» في مكان واحد فإن الأثري «مسبرو» لم يقرنه به، ولكن الواقع أن كل من «حاروا» و«اريجاديجانن» يعد من عهد واحد ومعاصرين لما بينهما من تشابه من جهة الفن، هذا فضلًا عن أنه يوجد تشابه في الجسم وعلى ذلك فهما من أصل سوداني واحد. ولا بد أن الفتح الكوشي لمصر قد جلب معه إلى «طيبة» — وهذا أمر طبعي — عددًا عظيمًا من مواطني الحكام الجدد ولذلك نرجح أن كلًّا منهما من أصل سوداني. ويلفت النظر أن اسم «حاروا» لا يوجد كثيرًا في أسماء الأعلام المصرية، ومع ذلك يمكننا أن نذكر أربعة أشخاص بهذا الاسم عاشوا في نفس الوقت الذي عاش فيه «حاروا».١٦
وقبر «حاروا» هذا معروف تمامًا في «طيبة» غير أنه مهشم، وقد عثر «لجران» على بعض تماثيل في خبيئة الكرنك لم تنشر ومجموعة التماثيل التي وُجِدَتْ له حتى الآن سبعة وقد نشرها الأستاذ «جن» (Gunn) وعلق عليها كل من الأستاذ «كوبر» والأثري «ريدر». وسنحاول هنا أن نصف هذه التماثيل بصورة موجزة ونترجم نقوشها ثم نقدم لمحة عن أهميتها وبخاصة أنها من عصر غامض لا يعرف القارئ العادي بوجه عام عنه إلا القليل وإن كانت الكشوف الحديثة قد أظهرت كثيرًا مما يلقي الضوء على هذا العهد.١٧
(١) التمثال الأول: محفوظ بالمتحف المصري وهو يمثل «حاروا» قاعدًا وهو مصنوع من الحجر الأخضر الصخري المتحول وارتفاعه ٤٥ سنتيمترًا ورأسه مكسور وهو يمثل «حاروا» بجسم ضخم كما هي الحال في تماثيله الأخرى. وقد حاول المثال أن يجعل مُحَيَّاهُ صورة ناطقة طبق الأصل. ويلحظ أن الأنف قد كُسِرَ أما الشفتان فمُدَلَّاتَانِ ومن المحتمل أن ذلك يرجع إلى فقدان الأسنان، ويسود على طابع الهدوء وملامح الشفقة مما يتفق مع صفاته التي ذُكِرَتْ في المتن الذي نُقِشَ على التمثال.
المتن: نجد على جانبي صدر التمثال صورة للإله «أوزير» ومعها الكلمات التالية: «المدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية». هذا ونُقِشَ على الجزء الأعلى من الذراع: يد الإله المرحومة «أمنردس». ونُقِشَ على الكتاب الذي يحمله ما يأتي: يا «أوزير» الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد المحبوب، والمدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية وقريب الملك الحقيقي المحبوب المبرأ «حاروا» قربان يقدمه الملك ليمنحك في كل أماكنك وفي كل مراتبك والتمتع بنفس الحياة بعد الموت ولتصير روحًا ويصير قلبك شابًّا مغمورًصا بالطعام ولتتمتع بالنبيذ ولتأخذ من اللحوم كل ما ترغب ولتصير منعمًا في السماء وقويًّا على الأرض ولتعبد «رع» بين المبجلين لديه وليكون لك فمك ولسانك اللذان يرشدانك والرياح الأربعة لأنفك ولتأخذ الأشكال (التي تروق في عينك) ولتكون عائشًا بالسحر مع «أنوبيس» ومع «أوزير» ومع «الجبانة الغربية».

ونقش على ظهر التمثال متن مُهَشَّمٌ تبقى منه ما يأتي: «… آلاف … آلاف من النسيج والعطور … (الأشياء) التي ينشرح بها الإله لأجل روح الأمير الوراثي والحاكم «حاروا»».

ونُقِشَ على أسفل العمود الذي يرتكز عليه التمثال ما يأتي: «الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد المحبوب والصديق الحميم المحبوب من سيده ومن فضله الملك على أقرانه، ومن يشق الطريق والمنعم عليه وعظيم العظماء وأشرف الشرفاء والموظف على رأس الموظفين ومن يصغي الملك لكلامه في اليوم الذي يُقَادُ إليه فيه المديرون، ومدير القصر المبرأ «حاروا»».

(٢) التمثال الثاني: يوجد في المتحف المصري وهو بدون رأس وقد مُثِّلَ قاعدًا وهو مصنوع من الجرانيت الرمادي وارتفاعه ٤٤ سنتيمترًا وعثر عليه في خبيئة الكرنك١٨ وهاك المتون التي نُقِشَتْ عليه:
المتن المنقوش على البردية المطوية أمام «حاروا»: الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد المحبوب والمدير العظيم لبيت زوج الإله المبرأ «حاروا» يقول: إن من سيمد يده إلى (؟) بقربان يقدمه الملك، وإن من يدعو لروحي بسبب شفقة قلبي سيكون أسن بلده، وأكثر الناس تبجيلًا في مقاطعته وذلك لأني رب المحبة وإنسان حبه عظيم، ورجل أخلاق وموهوب بالرقة وصائد صيد عظيم من الطيور البرية والسمك، ورجل ميسور جدًّا يطعم فقراء مقاطعته. وقد قضيت الشيخوخة … فمي وإني لم أخلص المجرم. وإني في حظوة كبيرة عند الملك، ومكانتي بارزة في بيت سيدتي. وإني لم أغتب أحدًا آخر ولم أضر فاعل خير، وقد علمني قلبي أن أكون لطيفًا وقادني إلى الفضيلة وقد تكلمت الصدق وعملت الحق، وإني أعلم يوم الوصول (أي يعلم يوم الوصول إلى عالم الآخرة حيث يُحَاسَبُ هناك). وإني لم أفعل شيئًا مُسِيئًا وليس لي ذنب أمام الآلهة وعندما يكون الإنسان قد عمل (طيبًا) فإن الناس تعمل له (طيبًا) ومن … ما هو قديم فهو باقٍ (؟) المبجل عند رب السماء المبرأ «حاروا».
النقوش التي على السطح العلوي للقاعدة: المكرم عند «يد الإله» المبرأة «أمنردس» وحظيها الحقيقي الذي اختارته، والذي يعمل ما تريده يوميًّا، والذي يشق طريقه إليها، وبذلك فإنه مبجل، والذي يفعل له ما هو حق دون معارضة حضرتها، وبذلك تصبح سعيدة بما ترغب فيه؛ وإنه رفيق حقيقي لفك من قيد وإخراج من قد غمر في حضرة سيدته، وإنه واحد يتكلم طيبًا ويبلغ حقًّا وإن لذته الرئيسية أن يجعل مدن «آمون» ممكنة. وإنه مبجل عند رب السماء، المبرأ «حاروا» سيد الاحترام ابن المبرأ القاضي «بديموت».
ونقش حول القاعدة: قربان يقدمه الملك للإلهة «موت» ربة السماء وعين رع التي في وجهه. ليقدم مئونة جنازية لروح قريب الملك «حاروا» المبجل حقًّا ابن المبرأ القاضي «بديموت» سيد التبجيل من أَنْجَبَتْهُ ربة البيت المبرأة «نست ورثت»، قربان يقدمه الملك للإله «خنسو» الواحد العظيم الخارج من المحيط الأزلي لأجل أن يمنح النسيم العليل من ريح الشمال الذي يخرج منه لأن «حاروا» والمبجل حقًّا … إلخ.
(٣) التمثال الثالث: محفوظ بالمتحف المصري.١٩ وهذا التمثال بدون رأس وقد مثل «حاروا» قاعدًا وهو مصنوع من الجرانيت الأسود وارتفاعه ٦٣ سنتيمترًا عُثِرَ عليه في خبيئة الكرنك وقد نُقِشَ على كتفه الأيمن طُغْرَاءُ غير أنها مُحِيَتْ، وعلى كتفه الأيسر نقش طُغْرَاءُ «أمنردس».
النقش الذي على البردية المطوية: المبجل عند «آمون» رب تيجان الأرضين والأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد والمدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية والمسيطر على كل وظائفها المقدسة … المبرأ «حاروا» يقول «أنتم يأيها الكهنة والكهنة آباء الآلهة والكهنة الْمُرَتِّلُونَ والكهنة المؤقتون لمعبد «آمون» وكل الذين يدخلون في معبد «آمون» ليقيموا شعائر صالحة إن إلهكم الفاخر سيعيش لكم وسيثبتكم لنفسه (؟) على حسب ما تقولون، قربانًا يقدمه الملك من خبز وجعة وثيران وأوز وكل شيء طيب طاهر مما يعيش منه الإله لأجل … «حاروا» ولروحه، إن حبي حلو في قلوبكم، ومديحي معكم فقدِّموا قربانًا لي لأني المحبوب من سيده والحظي عند الإله، وإني شريف تمامًا مجهز بمدائحه، وإنسان محبوب من مدينته وممدوح في مقاطعته رحيم بالعظيم (؟) … وإنسان يتكلم جميلًا ويقرر كل حسن … طيب. وإن نفس فمك مفيد للصامت. وهو ليس بالشيء الذي يصير به الإنسان متعبًا وأن من يحيي ذكرى المبرأ «حاروا» فإنه يكون مؤديًا ما يحبه «آمون» رب السماء».
النقش الذي على ظهر التمثال: «قربان يقدمه الملك لآمون رب الأرضين الذي يخترق السماء كل يوم باستمرار ليقدم خبزًا وجعة وثيرانًا وأوزًا وكل شيء طيب وطاهر مما يخرج يوميًّا على مائدته في عيد الشهر وعيد نصف الشهر وكل يوم عيد سرمديًّا لروح من هو في حظوة «آمون» رب السماء وقريب الملك الحقيقي ومحبوب سيدة والممدوح من سيدته والذي يفعل ما يحبونه يوميًّا المدير العظيم لبيت يد الإله «حاروا» بن المبرأ «نست ورثت»».
(٤) التمثال الرابع:٢٠ لم يبق من هذا التمثال إلا جذعه وهو مصنوع من الجرانيت الأسود وارتفاعه ٥٣ سنتيمترًا عُثِرَ عليه في «طيبة» وعلى الرغم من تهشيم الاسم فإن كل الدلائل توحي بأنه للمدير العظيم للبيت «حاروا». وقد نُقِشَ على قميصه من أسفل: «المقرب عند الملك والأمير الوراثي والحاكم وقريب الملك الحقيقي ومحبوبه والذي يعمل ما … يرغب فيه». ونقش على الظهر: «… الإله العظيم رب «العرابة» ليته يمنحه مئونة جنازية من خبز وجعة وثيران وكتان ونسيج وعطور وكل الأشياء الطيبة مما يعيش منه الإله … رب الأرض المقدسة، ليته يمنح دفنًا جميلًا في الجبانة الغربية الطيبة العظيمة بمثابة رجل مبجل».
(٥) التمثال الخامس:٢١ يبلغ ارتفاع هذا التمثال حوالي ٠٫١٧٥ مترًا وهو مصنوع من الجرانيت الأخضر أو الديوريت ولا يُعْرَفُ المصدر الذي أتى منه، ويشاهد فيه أن «حاروا» يرتدي ثوبًا بكمين قصيرين وهو يجلس بصورة غير عادية ظهره متجه نحو لوحة منقوشة ممسكًا بصورتي إلهتين وهما «حتحور» و«تفنوت» ومن المحتمل أن «أمنردس» قد مُثِّلَتْ في صورتي هاتين الإلهتين، وبخاصة عندما نعلم أن اسمها قد نُقِشَ بين صورتين هاتين الإلهتين هذا إلى أن كلًّا منهما يلبس الصِلَّ الملكي. ويدل منظر التمثال الجانبي على أن صاحبه رخو سمين، غير أن ثوبًا يغطي جسمه حتى الرقبة، وبذلك غطى طيات الشحم التي نشاهدها في تماثيله التي في متحف القاهرة، ووجه هذا التمثال أعرض من وجه التمثال رقم واحد٢٢ ولكن نشاهد فيه طول الرأس وفرطحته غير مألوفين.
النقوش: نقش على الصدر بين صورتي الإلهتين ما يأتي: «يد الإله المبرأة «أمنردس». ونقش على الجانب الأيمن من القاعدة: «عمله الحظي «حاروا» لأجل الخادم (يقصد نفسه) الذي ليس ببعيد من سيده».
وعلى الجانب الأيسر من القاعدة نُقِشَ: عمله الحظيُّ «حاروا» ابن «بديموت». ونُقِشَ على اللوحة التي خلف التمثال ما يأتي: «يا يد الإله يا «أمنردس» المبرأة إن أختك «إزيس» تأتي إليك فرحة بحبك وإنها تشاهد وإنها تصد (؟) قدميك وإنها تحميك من الغرق وإنها تمنحك الهواء لأنفك حتى تعيشي وإنها تفتح حنجرتك، وإنك لن تموتي أبدًا يأيتها المتعبدة الإلهية يا «أمنردس» ابنة الملك «كشتا» المبرأ».
(٦) التمثال السادس: يوجد هذا التمثال بمتحف اللوفر٢٣ وهو مصنوع من الديوريت وارتفاعه ستون سنتيمترًا عُثِرَ عليه في «طيبة» وهو من التماثيل التي على هيئة حزمة ويظهر عليه علامات الترهل ووجهه من طراز أوجه تماثيل العصر الصاوي التقليدية ومتون هذا التمثال بينها وبين متون التمثال السابع أوجه شبه كبيرة.
(٧) التمثال السابع: محفوظ الآن بمتحف «برلين»٢٤ وهو من الجرانيت الأسود ويبلغ ارتفاعه ٠٫٤٨٧ مترًا ومن طراز التماثيل الشائعة في هذا العهد أي مُثِّلَ في صورة رجل قاعدًا القرفصاء وملفوفًا في ملابسه ولا يظهر من جسمه إلا الرأس.
النقوش: وهاك ما جاء على التمثال السادس من نقوش فعلى الكتف الأيمن: «زوج الإله ويد الإله «أمنردس» المبرأة والنقش المقابل لذلك على التمثال السابع» يد الإله «أمنردس» المبرأة.
ونقش على الجزء الأمامي من التمثال السادس ما يأتي: «الأمير الوراثي والحاكم، قريب الملك والصديق الحميم لسيدته خارج أرضها، وحافظ تاج متعبدة الإله وكاهن «أنوبيس» المحنِّط لزوج الإله وكاهن يد الإله المرحومة «أمنردس» في بيت زوجها والمشرف على بيت الروح لكهنة الروح وكاهن «أوزير» مُعْطَى الحياة، والذي يدخل أولًا ويخرج آخرًا، ومن تتحدث إليه سيدته عندما تكون وحدها، ورئيس الخدم (سنرم عش) للمتعبدة الإلهية «حاروا» المبرأ يقول: «إن كل من يدخل ليعمل قرابين وليؤدي خدمة كاهن الشهر، فإن الإله الفاخر سيعيش لك وإنك ستكون طاهرًا له على حسب ما ستقول قربان، يقدمه الملك، ألف من الخبز والجعة والفطائر والثيران بعد أن يكون الإله قد أخذ كفايته لقريب الملك «حاروا» ولروحه لأني شريف طيب مُحَلًّى بمدائحه، وإنسان تعرف الأرضان فضائله، وإني لست قاسيًا، فإني مَنْجَى الغريق ومرقاة لمن في الهاوية والمبجل «حاروا» المرحوم».
النقش الذي على الجانب الأيمن من التمثال السادس: «من يبجله الملك والمدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية المحبوب حقًّا وقريب الملك والمشرف على خدام المتعبدة الإلهية لآمون «حاروا» المرحوم يقول: «أنتم يأيها الكهنة والكهنة آباء الآلهة والكهنة المرتلون إن كل واحد منكم سيمر بهذا التمثال — ذلك الروح الذي في «طيبة» (؟) والإله الفاخر الذي يشرف على حريمه سيعيش من أجلكم على حسب ما تقولون: ألفًا من الخبز وألفًا من الجعة وألفًا من الفطائر وكل الأشياء الطيبة لأجل روح المبجل المرحوم «حاروا» لأنني شريف وينبغي على الإنسان أن يعمل له شيئًا، وإني قويُّ القلب حتى نهاية الحياة، وإني إنسان محبوب من مدينته وممدوح من مقاطعته ورحيم القلب لمدنه. ولقد عملت ما تحبه الناس وكل ما تمدحه الآلهة. وإني إنسان مبجَّل حقًّا، لا عيب فيه، يُعطي الجوعان خبزًا والعريان لباسًا، ويقضي على الألم ويزيل المصيبة، ويدفن المبجلين ويساعد المسن ويقضي حزن المعوز … ولقد عملت هذه الأشياء عالمًا بوزنها، ليست المكافأة عليها تكون عند الآخرين هي البقاء في فم الناس دون أن تفنى أبديًّا والذكرى الحسنة بعد مرور السنين وأن يكون نفسي في أفواهكم مفيدًا للصامت (أي الْمُتَوَفَّى) ولا يكلف شيئًا من متاعكم».
وعلى الجهة اليسرى: «الأمير الوراثي والحاكم المبجل عند سيدته وصاحب الحظوة عند سيدته حلو الفم حسن الكلام للكبير والصغير والذي يقدِّم النصيحة للخجل عندما يكون حظه سيئًا، والذي يقوم شاهده ليتكلم (؟) رحيم اليد مطعمًا كل الناس، ومرضيًا من لا شيء عنده بما ينقصه، قريب الملك ورئيس خدم المتعبدة الإلهية «حاروا» ابن الكاتب «بديموت» يقول: إني أتحدث إليكم يا من تأتون في المستقبل بوصفكم مخلوقات جدد في ملايين السنين. إن سيدتي قد جعلتني عظيمًا عندما كنت صبيًّا صغيرًا وقد رفعت مكانتي عندما كنت طفلًا وقد أرسلني الملك في بعوث وأنا شاب. وحور سيد الأرضين ميَّزَنِي، وكل بعث أرسلني فيه جلالته أنجزته تمامًا، ولم أقل كذبًا قط عنها، وإني لم أسرق أحدًا وإني لم أرتكب ذنبًا وإني لم أذم أحدًا أمامهم وقد ذهبت إلى الحضرة لفك المغلول ولأخلص الرجل الفاضل وأعطيتُ مَنْ لا شيء عنده أشياء وأغنيت اليتيم في مدينتي لتبقى روحي بسبب رحمة قلبي».
النقوش التي على ظهر التمثال: قربان يقدمه الملك «لآمون رع» وللآلهة «موت» ربة السماء وللإله «خنسو نفر حتب» ليقدموا قربانًا جنازيًا وكل أشياء طيبة وطاهرة مما يعيش عليها الإله في الأعياد الشهرية ونصف الشهرية وكل عيد لروح المبجل عند آلهة «طيبة» وصاحب الحظوات، ومن حبه منتشر ومن نعماؤه سببت حبه، ومن أعطى المحتاج طعامًا وفارغ اليد مئونة، والمحروم ملاذ، رئيس خدم المتعبدة الإلهية المبرأ «حاروا».
نقوش التمثال السابع: لا تختلف نصوص هذا التمثال كثيرًا عن نقوش التمثال السادس وهاك ترجمته:
على الكتف اليمني: الكاهنة يد الإله «أمنردس» المبرأة.
على الكتف اليسري: الكاهنة يد الإله رب الأرضين «أمنردس» المبرأة.
على الجزء الأمامي: الأمير الوراثي والحاكم حامل خاتم الوجه البحري قريب الملك الحقيقي ومحبوبه وحافظ تاج الزوجة الإلهية، ومن هو عند قدمي الملك في الحريم الملكي وكاهن «أنوبيس» المحنط التابع لزوج الإله «أمنردس» المبرأ وكاهن بيت روحها والمشرف على خدم بيت الروح وكاهن «أوزير» مُعْطَى الحياة والمدير العظيم للبيت «حاروا» ابن الكاهن «بديموت» المبرأ يقول: «أنتم يأيها الكهنة والكهنة أباء الآلهة والكهنة المطهرون والكهنة المرتِّلون وكل الذين يدخلون معبد «آمون» صاحب «الكرنك» ليقيموا الشعائر الصالحة لعمل القربان وللقيام بخدمة الكهانة الشهرية، إن الإله الفاخر سيعيش من أجلكم وإنكم ستكونون مطهرين له، وإنه سيجعلكم ثابتين في حظوته طالما تقولون قربانًا يقدمه الملك: ألف من الخبز والجعة والفطائر والثيران وأواني المرمر والملابس والبخور والعطور وكل شيء جميل طاهر، وستقولون ذلك بعد أن يكون الإله قد أخذ كفايته منها، لأجل قريب الملك «حاروا» ولأجل روحه لأني شريف طيب مُزَيَّنٌ بالمدائح، وإنسان تعرف الأرضان فضائله وإني لست قاسيًا بل إني عائمة نجاة للغريق وسلم لمن في الدوامة وإنسان يتكلم في صالح المصاب وينقذ اليائس ويساعد المظلوم بكلماته الممتازة عند الملك «حاروا»».
النقوش التي على الجانب الأيمن: المبجل عند الملك والمدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية والكاهن المحنط «لأنوبيس» التابع لزوج الإله وقريب الملك الحقيقي ومحبوبه ورئيس عمال الجبانة للمتعبدة الإلهية «لآمون» «حاروا» يقول: يأيها الكهنة والكهنة آباء الإله والكاهن المطهر والكهنة المؤقتون لكل معبد «آمون» إن كل واحد سيمر بهذا التمثال. فإن ذلك الروح الذي في «طيبة» وذلك الإله الفاخر الذي يشرف على حريمه سيعيش من أجلكم طالما تقولون ألفًا من الخبز والجعة والفطائر وكل الأشياء الطيبة لأجل روح المبجل عند يد الإله قريب الملك «حاروا» المبرأ: صاحب الشرف! لأني شريف ويعمل له الإنسان أشياء وإني رجل فاضل جدًّا وكامل في حياته، وإني محبوب مدينته وممدوح مقاطعته وشفيق على مدنه، ولقد عملت ما يحبه الناس وما تمدحه الآلهة، وكنت إنسانًا مبجلًا لا عيب فيه وأعطيت الجائع خبزًا والعريان كساء، وإني إنسان يقضي على الألم ويزيل المصائب، ويدفن المبجلين وينجد المسن ويكشف الضر عن البائس، وظل للطفل ومساعد للأرمل، ويمنح الوظيفة لمن في مهده. ولقد فعلت هذه الأشياء عالمًا بأهميتها (أي وزنت أهميتها) والمكافأة عليها من رب الأشياء وهو البقاء في فم الناس دون نسيان أبدًا وذكرى حسنة في السنين المقبلة. إن نفس أفواهكم مفيد للصامت (الْمُتَوَفَّى) ولا يكلف شيئًا من أملاككم (؟؟) دع الخبز لسيدة القرابين٢٥ والطعام لإلههم وتنعيم الروح وهو مجرد ذكر اسمه. وأنه المبجل عند سيده المبرأ «حاروا» لم يرتح من العمل في المعبد والذي … المعبد … الذي يجني. وأن روح الرجل تذكر لأعماله الطيبة في المعبد.
على الجانب الأيسر من التمثال: الأمير الوراثي والحاكم المبجل عند سيده والمحظوظ عند سيدته حلو الفهم شهي الكلام، شفيق على الكبار والصغار، ومن يقدم النصيحة للخجل عندما يكون حظه سيئًا، ومن شهاده يقفون ليتكلموا (؟) رحيم اليد، ومموِّن كل الناس، ومن يرضى من لا شيء بما يحتاج إليه، تشريفاتي يد الإله وقريب الملك «حاروا» يقول: «إني أتحدث إليكم يا من ستأتون في المستقبل مخلوقات مستحدثة في ملايين السنين. إن سيدتي قد جعلتني عظيمًا وأنا لم أزل ولدًا صغيرًا، ورفعت مكانتي وأنا لا أزال طفلا وأرسلني الملوك في بعوث وأنا شاب. وكنت مميزًا في القصر وكل بعث أرسلني فيه جلالته نفذته تمامًا ولم أخبر كذبًا عنه. ولا يوجد إنسان سرقته ولم أرتكب خطيئة، ولم أغتب واحدًا أمامهما وذهبت في الحضرة لأفك مَنْ في الأغلال وأخلص الرجل الفاضل. وقد أُعْطِيتُ أشياء لمن لا شيء عنده بسبب إنعامي ولأجل أن تبقى روحي لشفقة قلبي: «حاروا»».
النقش الذي على ظهر التمثال: قربان يقدمه الملك للإله «منتو» رب «طيبة» ليمنح طعامًا جنازيًّا من الخبز والجعة والفطير والثيران والدجاج وأواني المرمر والنسيج والبخور والزيوت. وكل الأشياء الطيبة التي يعيش منها الإله والتي تقدمها السماء وتخرجها الأرض ويأتي بها النيل من مائدة رب الأبدية في أعياد الشهر ونصف الشهر وعيد «تحوت» وفي كل عيد وكل يوم لروح من هو مبجل عند «منتو» رب «طيبة» قريب الملك الحقيقي ومحبوبه «حاروا».
التمثال الثامن:٢٦ يبلغ ارتفاعه أربعين سنتيمترًا وهو مصنوع من حجر الشيست الأخضر والتمثال ملفوف في عباءة وقاعد القرفصاء ويشبه في شكله التمثال السادس الذي تحدثنا عنه فيما سبق.
النقوش: نُقِشَ على مقدمة التمثال المتن التالي: «يأيها المشرف العظيم على … والأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم ملك الوجه البحري السمير الوحيد المحبوب وحارس تاج يد الإله وقريب الملك «حاروا» اقلب نفسك على جانب الأيسر، وضع نفسك على جانب الأيمن، فإن الإله «جب» (إله الأرض) قد فتح لك عينيك، وإن الإله «أنوبيس» قد مد ركبتيك لك، وإن قلبك الذي من أمك فُتِحَ لك، وهُيِّئَ قلبك الخاص بجسمك، وإن روحك يذهب إلى السماء وجسمك في الأرض، وإنك تدخل على الإله دون أن تطرد، وإنك تخرج دون أن تبعد، وإن «حور» قد تعرف على والده فيك وإنه قد عدل بين الآلهة، والإله «سيا» يذكر عند الإله «شو» (؟) وفضائلك تعظمك، ليت لجسمك خبزًا ولحنجرتك ماء، ولأنفك هواءً نقيًّا. أنت يا من يبجله «آمون» رب السماء والمتعبدة الإلهية «أمنردس»، والذي يعمل ما ترغب فيه سيدته حتى يشق طريقه إلى سيدته، والشفيق حقًّا ومن لا عيب فيه «حاروا» صاحب التبجيل».
ونقش على الجانب الأيمن: المبجل عند إله مدينته والممدوح لدى سيدته المبرأ «حاروا» والمقرب يقول «إني أتكلم إليكم أنتم يا أحياء كلكم وكل من سيأتي بعد إلى الوجود. إني أحذركم بشدة. تذكروا روحي عندما تمر السنون فإني صديق حقيقي لفك المغلول وفم المحتاج بسبب استقامته عندما يكون سيئ الحظ (؟) وإني طعام المحروم ومئونة المحتاج وإني إنسان طيب للذين ينعمون باستذكاره، وإنسان مجيئه مرغوب فيه بالنسبة لكل عمل مستحب. ولقد خلصت المغرق، وإني نيل عالٍ غلته طيبة تملأ الأرض، وإني قمح فاخر لمدينتي وقد حميت المسن وأعطيت الأرمل المنح؛ ومددت يدي لمن حزنه عميق، وإن من يذكر روحى سيذكر في المستقبل ومن لا يذكرها سيموت، بوساطة المقرب حقًّا المبرأ «حاروا» صاحب الشرف الذي أنجبته ربة البيت «نست ورثت»».
ما نقش على الجانب الأيسر: «الأمير الوراثي والحاكم … المبجل لدى «آمون» رب السماء «حاروا» يقول: «أنتم يا كل الناس (؟) الذين يدخلون والذين يخرجون مارِّين بي كل يوم أعطوني حياة من هواء نطقكم (؟) أعطوني أشياءكم كما ساعدتكم بأشياء … بالسعادة … أنا … هذا المكان، وعلى ذلك فإن هؤلاء الذين فيها سيتسلمون السرور، والكهنة صلوا للإله من أجلي: والكهنة المرتلون احتفلوا بطيبتي وكل رجل من بينهم يقود (؟) … الكهنة المؤقتون للمعابد يقتسمون أشياء (؟) والمسنون في عيد في صحبة الشباب … شهد، وكل فم مفعم بالاحتفال بروح، سخي اليد ورحيم القلب، وإني أطعمت الجائع وكسوت العريان، وأسكت الضحك في حضرة كل متظلم، وإني سبقت بشكاياته، وأزلت مصيبة المظلوم، وإن مكافأة الطيبة ليس مضرًّا لأنها ستفيدك في السنين المقبلة». (أن أي المكافأة على الشيء الطيب لا يضر بل سيشفع فيما بعد)».
النقوش التي على ظهر التمثال: (الأسطر الأربعة الأولى قد فُقِدَتْ): (قربان يقدمه الملك؟ …) ألف من … ألف من البخور والعطور وألف من كل شيء طيب وطاهر مما يعيش منه الإله … وستقول طبقًا لذلك إني أريك … بعد أن يكون الإله قد أخذ كفايته منه، لأجل روح من هو مبجل عند إله هذه المدينة المبرأ «حاروا» صاحب الشرف، وذلك لأني حقًّا رجل مبجل خالٍ من الشر سخي اليد … وإن البقاء في الذكرى لأفيد للروح أكثر من القربان (أي القربان الذي تقدم لها) والمكافأة مني هو ما سأفعله لكم. وإن من لا يقول … وإنه مبجل عند «آمون» رب السماء: «حاروا» الذي وضعته «نست ورثت».
هذا وقد وجد للمدير العظيم للبيت «حاروا» بعض تماثيل مجيبة في «المدمود» بعيدًا عن قبره وقد كتب عليها الفصل السادس من كتاب الموتى كالمعتاد.٢٧
تعليق: هذه هي متون تماثيل «حاروا» ومنها يمكن أن نستخلص شيئًا عن حياته وأخلاقه. وعلى أية حال تظهر أمامنا عدة نقط صغيرة يمكن أن نذكرها عنه وعن عصره، فالوظائف التي شغلها «حاروا» معظمها وظائف إدارية وليس من بينها وظائف دينية إلا وظيفتا الكاهن المحنط لزوج الإله وكاهن الإله «أوزير» ويظهر أن «حاروا» لم يشغل وظيفة ما من وظائف كهنة «آمون»، ومن الجائز جدًّا أن وظائف الكهانة كانت في عشيرة أو طبقة خاصة كما ذكر ذلك «هردوت» عن هذا العصر،٢٨ ولذلك لم يكن في مقدور «حاروا» على الرغم من مركزه ونفوذه الإداري أن يكون له نصيب فيها. وتدل النقوش أن والد «حاروا» كان مجرد كاتب لأن لقبه الآخر الذي كان يحمله وهو لقب «قاضٍ» ليس إلا لقب شرف وحسب وبخاصة عندما كان ينعت به والد رجل من كبار موظفي الدولة، وهو يكاد يقابل في عهدنا فلان بن الشيخ فلان أو ابن المحترم فلان.
وتدل العلاقة الوثيقة التي تربط «حاروا» بشئون المتعبدة الإلهية وكذلك شغله وظيفة المشرف على الحريم هذا إلى عدم وجود ولد له يخلد اسمه، ومن الجائز أنه كان خصيًّا، وإن لم يكن لدينا سبب يقطع بصحة ذلك، لأن المصريين القدامى لم يكونوا على ما يظهر يستعلمون الخصيان في منازلهم على الرغم من أن بعض الكتاب كان يعتقد أن عزيز مصر الذي اشترى يوسف كان خصيًّا كما ذكر الكاتب «توماس مان» في روايته المشهورة (Joseph the Provider) وكذلك قد أشير إلى ذلك في القرآن من طرف خفي عندما قال العزيز لزوجه: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا.
ولم تكن وظائف «حاروا» بالنسبة للملكة والحريم توجب على الإنسان أن يكون أعزب، فنجد مثلًا أن «شبشنق» الذي كان يحمل لقب المدير العظيم لبيت المتعبدة الإلهية كان ابن رجل يُدْعَى «بدينيت» الذي كان بدوره يحمل نفس الوظيفة،٢٩ وفضلًا عن ذلك كان «وسرحات» الذي عاش في عهد الفرعون «أمنحتب الثالث» يحمل لقب المشرف على الحريم الملكي وكان له زوجة تُدْعَى «مايا».٣٠ والواقع أن عدم ذكر والد «حاروا» لا يعني أي شيء قط، وإن ذلك قد يكون أمرًا شاذًّا وليس بالقاعدة في الحالة التي نحن بصددها. أما موضوع وجود لحية له أو انعدامها في تماثيله في هذا العهد فكان يتوقف على ذوق الحفار ومزاجه. وأخيرًا فإن ما في تماثيل «حاروا» من خصائص جسمية غريبة قد ترجع في أغلب الظن إلى تقدمه في السن لا لأي سبب آخر، وبخاصة إذا راعينا سجلاته الطويلة. وقبر «حاروا» في طيبة الغربية (رقم ٣٧) وهو من أكبر المقابر في هذه الجهة، وقد كُشِفَ عن جزء منه، وجدرانُه غاية في الجمال غير أنها أصبحت في حالة يُرْثَى لها من الخراب وتحتاج إلى درس طويل ليتمكن الإنسان من استخلاص شيء من نقوشه وبعضها على ما يظهر يُشْبِهُ التي على تماثيله.

هوامش

(١) راجع مصر القديمة الجزء الخامس ص ٥٢١.
(٢) راجع مصر القديمة الجزء السابع ص ٦٢٧.
(٣) راجع: A.S., VII, p. 48; Hall, Cambridge Anc. Hist., III. p. 268.
(٤) راجع: A.J.A.L.(1646) p. 385.
(٥) راجع: Schweinfurth and Erman, Alte. Baureste und Hieroglyphische Insch. im Wadi Gasus (Abhandlungen Berlin Akad [1885]; II.
(٦) راجع: J.E.A. Vol. 35, p. 147.
(٧) راجع: L.D., V, I; Mariette, Karnak, Pl. 450.
(٨) راجع: Legrain, Rec. Trav. XXIV, p. 202-10; A.S. IV, (1904) p, 181-182.
(٩) راجع: Adoption Stela of Nitocris, A. Z. XXXV, p. 16 ff.
(١٠) راجع: Journal D’Entree No 36158; A.S., V p. 94 ff .
(١١) راجع: Thebes Nr. 36.
(١٢) راجع: A.S., V, p. 84 ff.
(١٣) راجع: A.S., VI, p. 131.
(١٤) راجع: Gunn and Engeback, The Statues of Harwa B.I.F.A.O. XXX (1931) 791-815 and Ibid, XXXV, p. 143.
(١٥) Melanges Maspero, A Sudanese of the Saite Period, p. 373.
(١٦) راجع: B.I.O.F.A., XXXV, p. 145.
(١٧) Caire, Journal D’Entree Nr. 3786.
(١٨) راجع: Journal D’Entree No. 63711.
(١٩) Journal D’Entree Nr. 36930.
(٢٠) راجع: Cairo Cat, Gen, No. 902.
(٢١) راجع: British Mus, Stat, Nr. 32555.
(٢٢) راجع: Cairo Mus. No 37386.
(٢٣) Louvre Nr. A. 84.
(٢٤) Berlin Nr. 8163.
(٢٥) هذه الجملة صعبة الترجمة لحد بعيد في الأصل.
(٢٦) راجع: British Musenm Stat. No 5506.
(٢٧) راجع: B.I.F.A.O. Tom. XXXIV. P. 129.
(٢٨) راجع مصر القديمة الجزء التاسع ص ٤٨٢ إلخ.
(٢٩) راجع: A.S., VI, p. 131.
(٣٠) راجع: A.S., IV, p. 178.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠