الفصل السابع

علاقة مصر ببلاد النوبة في عهد الدولة الوسطى

مقدمة: كانت الأحوال التي حافظت فيها قوافل التجارة على تبادل السلع في عهد الدولة القديمة بين مصر والأراضي الجنوبية قد عرَّضت هذه التجارة إلى النهب والسلب اللذين يقوم بهما جمهرة من الولايات الصغيرة المستقلة بما يتبع كل ذلك من غرور وطمع وعدم اكتراث كان يبديه أمراء هذه الولايات. وقد كان الضمان الوحيد للمحافظة على هذه القوافل هو أن تُحْرَسَ بفرقة من الجنود لا يزيد عددها عن بضع مئات، غير أن هذا النوع من الحماية كان غالبًا تحيط به المتاعب والمناوشات، فقد كانت هذه القوافل على الرغم من حراستها تُهَاجَمُ في طريقها، ومع ذلك فإن ملوك الأسرة السادسة لم يتخذوا إجراء حازمًا للقضاء على مثل هذه الحالة المقلقة لتجارتهم اللهم إلا بعض حملات تأديبية تَحَدَّثْنَا عنها في مكانها.

ومما لا شك فيه أن فتح بلاد السودان لم يحتجْ إلى مخاطر كبيرة، فقد كانت بلاد النوبة مقسمة إلى ممالك صغيرة كما كانت الحال في باكورة القرن الماضي عندما قامت قوة مؤلفة من مئتي مملوك طردهم «محمد علي» من مصر فساروا دون أية مشقة إلى مديرية «دنقلة» وفتحوها وقبضوا على زمام الأمور فيها عدة سنين. وفي عام ١٨٢٠م قام إبراهيم باشا على رأس حملة مؤلَّفة من أربعة آلاف مقاتل ففتح كل السودان واستولى عليه. على أن فتح بلاد مثل السودان التي تعد بلاد طرق للوصول إلى أجزائها المختلفة كان يحتاج إلى الاستعانة بحامية كافية لضمان طرق القوافل والحملات التي تحمل الجزية للحكومة. وبإقامة الحاميات في أنحاء بلاد النوبة أصبحت طرق التجارة بوساطة النهر والطرق المحاذية له هي التي تسير فيها التجارة آمنة. وقد دلت النقوش التي من عهد الدولة الوسطى كما كان المنتظر على أن النقل بطريق الماء كان مستعملًا كثيرًا، وبخاصة في الحملات الكبيرة، وكان النهر محميًّا من خطر الغارات بسلسلة من الحصون نعرف منها اثني عشر حصنًا بالاسم، تمتد من سمنة العليا حتى جزيرة «بجة» (أسوان).

والمقدمات المتعلقة باحتلال الدولة الوسطى لبلاد السودان لا بد من الإدلاء بها هنا لأنها تشير مباشرة إلى الأحوال التي اقتضت تأسيس مستعمرة «كرمة» (جدار أمنمحات)، والنقوش التي عُثِرَ عليها مدوَّنة على صخور بلاد النوبة السفلى وعلى اللوحات التي من «الجبلين» التي تشير إلى العصر الذي قبل الأسرة الثانية عشرة وسنتحدث عنها فيما يلي كل على حسب مناسبته في الكلام.

(١) الأسرة الحادية عشرة

كانت الكفة الراجحة في الحروب التي قامت بين أمراء «أهناسية المدينة» الذين كان يعاضدهم أمراء «أسيوط» وبين أمراء «طيبة» في جانب حكام «طيبة» وهم الذين أسسوا الأسرة الحادية عشرة.١

وبعد أن قضى ملوك هذه الأسرة على كل مقاومة في داخل البلاد وأصبحت مصر من جديد موحدة الكلمة أخذت تنهج سياسة نشاط وتوسُّع في الخارج، ولدينا وثائق أثرية خاصة بتوسع مصر في بلاد النوبة وغيرها، وتدل شواهد الأحوال على أن سياسة التوسع هذه كانت قد بدأت تظهر منذ العهد المبكر من تاريخ الأسرة الحادية عشرة. فمن بين هذه الآثار منظر عثر عليه في «تل الشيخ موسى» في «الجبلين» على مسافة بضعة أميال من «أرمنت» إذ أقيم معبد صغير احتفالًا بإقامة باب عظيم لمعبد ما محلي لإظهار الفرح بإحدى انتصارات الملك «منتوحتب الثاني».

وهذا المنظر يمثل الملك «حورحزت» «منتوحتب الثاني» يضرب أربعة من الأسرى، الأوَّل يرتدي القميص المصري المعتاد، وعلى الرغم من عدم وجود كتابة عليه فإنه يمثل رجلًا مصريًّا، والثاني يرتدي قميصًا قصيرًا وتدل النقوش التي عليه أنه نوبي (ستيو) ولا يحلي رأسه بالريشة التي كان يلبسها النوبي، والثالث أسيوي ويلبس ريشة على رأسه، والرابع يلبس كذلك ريشة على رأسه ويُدْعَى تحنو (أي لوبي) وفوق المنظر المتن التالي: «إنه مسيطر على رؤساء الأرض الصعيد والدلتا والأجانب وشاطئ النيل والأقواس التسعة وكلا الْمِصْرَيْنِ».٢
ولدينا منظر آخر يشبه منظر «الجبلين» مثل على مقصورة للملك نفسه في «دندرة» وقد أشير فيه إلى توحيد الأرضين فنشاهد الملك يقبض على النَّبَاتَيْنِ اللذين يمثلان الوجه القبلي والوجه البحري، ويُرَى تحت هذه الصورة فضلًا عن ذلك علامة توحيد الأرضين العادية. وفوق الملك صورة صقر يحلق وهو يمثل الإله «حور» الذي يبطش بالبلاد الأجنبية وخلف الملك نقش مهشم خاص بالبلاد الأجنبية التي هزمها الملك، ويلفت النظر بوجه خاص في هذا المتن أن أهالي البلاد الأجنبية قد وصفت بما يأتي: «والنوبيون قد أصبحوا يدفعون الضرائب». وكذلك ذكر بوضوح أهل «المزوي» و«واوات» بجانب «التمحو» (اللوبيين)٣ والواقع أنه ينبغي علينا ألا نجعل لهذه المناظر في حدِّ ذاتها قيمة تاريخية عظيمة، غير أنها تُعَدُّ بمثابة إشارة للاهتمام العظيم والنشاط الكبير اللذين كان يظهرهما الملك في سياسته الخارجية. وقد ذكرنا من قبل في نقوش «زمي» أن النوبيين قد أصبحوا خاضعين يدفعون الضرائب لمصر دون أن يكون في مقدورنا أن نستنبط بحق أن بلاد النوبة كانت خاضعة لمصر عسكريًّا، وكذلك في عهد «منتوحتب الثاني» تكاد تكون الحالة واحدة، ولكن وجدت آثار من عهد الأسرة الحادية عشرة تدل على سياسة نشطة في الجنوب. فقد عثر في معبد «منتوحتب» بالدير البحري على قطعة من منظر يقول عنها الأثري «نافيل» إنه مُثِّلَ فيها أسير نوبي أسود،٤ ولكن مما يُؤْسَفُ له أن الصورة ليست واضحة تمامًا، ولذلك لم يكن في مقدورنا أن نعطي عنها رأيًا قاطعًا. ويتساءل الإنسان كيف يمكننا أن نفسر من جهة أخرى تمثيل الأميرة «كمسيت» في قبرها ببشرة سوداء مع أنها مُثِّلَتْ مرة ببشرة صفراء وهذا شيء غير واضح. ومن المحتمل في هذه الحالة أن هذه السيدة قد وفدت إلى مصر من الجنوب بوصفها من سبايا الحرب أو عن طريق تجارة الرقيق ودخلت البلاد بهذه الكيفية. ولكن من جهة أخرى نجد أن الملكة «أحمس٥ نفرتاري» التي يرجع تاريخها إلى بداية الأسرة الثامنة عشرة كانت تُصَوَّرُ باللون الأسود على الرغم من أنها مصرية بحتة على ما يظهر؛ مما يجعلنا نتخذ جانب الحذر في الحكم على الملكة «كمسيت». هذا ولا يفوتنا أن نذكر أنه قد وجدت صورة الملك «أمنحتب» والملكة «نفرتاري» ملونتين باللون الأسود وذلك في قبر من مقابر الأسرة التاسعة عشرة.٦ والظاهر أن تفسير هذا اللون الأسود يرجع إلى اعتقاد ديني خاص وهو أن الإنسان بعد الموت يفقد دمه وعندما يعود إلى الحياة ثانية يجري في عروقه الدم كما نشاهد ذلك في صورة البقرة «حتحور» المحفوظة بالمتحف المصري فنجد «تحتمس الثالث» يقف أمام صدر البقرة بلونه الأسود، فإذا ما رضع من لبنها جرى الدم في عروقه. ولهذا نجد أن تمثالي «توت عنخ آمون» الملونين باللون الأسود وهما واقفان أمام قبره يمثلانه وهو ميت وهو في ذلك كالإله «أوزير». على ذلك يمكن تفسير كل هؤلاء الأشخاص الذين مُثِّلُوا باللون الأسود على هذا النمط. غير أن «نافيل» قد ادَّعى أن جمجمة الأميرة «كمسيت» من سلالة نوبية أو على رأيه زنجية.٧
ولدينا صورة أخرى في معبد «منتوحتب»٨ من عهد الأسرة الحادية عشرة وقد كُتِبَ معها «نحسيو» (نوبي) محضرًا جزية من المعدن الثمين في صورة حلقات. ولكن الفحص دل على أن هذه الصورة ترجع إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة.
وفي «أسوان» يوجد نقش على صخر مُؤَرَّخٌ بالسنة الواحدة والأربعين من عهد الملك «منتوحتب الثالث» جاء فيه ذكر حامل الخاتم «خيتي» الذي كان معروفًا تمامًا في «طيبة»٩ ومما يؤسف له أن هذا النقش قد وُجِدَ مهشمًا جدًّا ولكن يفهم مما تبقى منه أنه قد أتى إلى هذه الجهة كما جاء ذكر سفن من بلاد «واوات»، وإنه على ما يظن سافر بها إلى الجنوب. وبالاختصار تدل شواهد الأحوال على أنه قد أرسلت حملة في عهده وأنها كانت في سفن. وهذا يدل على نشاط السياسة الخارجية للأسرة الحادية عشرة في بلاد النوبة.
وحامل الخاتم «خيتي» هذا كان قد قام بحملة في بلاد النوبة وقد تحدثنا عنها عند الكلام على منظر «شط الرجال» بالتفصيل.١٠ وخلاصة القول أن هذا المنظر يمثل عودة حملة من بلاد النوبة ولا يمثل خلافًا في داخل البلاد، ولا نعلم عن هذه الحملة شيئًا، ولكن الظاهر أن «خيتي» كان قائدها وكان عائدًا مع رجاله في عام ٣٩ من حكم «منتوحتب» من حملته هذه.
ولدينا كذلك في بلاد النوبة بعض نقوش دُوِّنَتْ على الصخور خاصة بعهد هذا الملك، فمن ذلك مجموعة النقوش الموجودة في إقليم «دهميت» (على مسافة عشرة كيلو مترات جنوب «أسوان») في قرية «أيبيسكو» وقد كشف عنها «ويجول» ونقلها بسرعة ثم نقلها فيما بعدُ الأثري «ريدر»١١ نقلًا صحيحًا. وهذه النقوش كُتِبَ نصفها بالخط الهيراطيقي على غرار نقوش «حتنوب». والنقش الأول وهو الوحيد الذي نقش نقشًا غائرًا ولا يزال محفوظًا حفظًا جيدًا وقد كتب عكسيًّا وجاء فيه: «الأمر (حملة) الذي صدر لـ«ثمار» في السنة … (؟) وقد بدأت أحارب في عهد «نب-حبت-رع» بوصفي جنديًّا عندما كان يسير شمالًا نحو «بن» وقد سار معي ابني إلى الملك وقد استولى الملك على كل الأراضي. وقد فكر في ذبح أسيوي «زاتي» (يحتمل أن المقصود هنا بلاد «زاهي»). وقد اقتربت من «طيبة» في عودتي (؟) ولكن النوبيين عادوا. وقد هزمت زاتي وعلى ذلك أقلع جنوبًا».

والنقش الثاني مهشم تمامًا ولا يمكن أن يقرأ منه الإنسان إلا بعض ألفاظ منها «سافر جنوبًا … وعاد إلى الجنوب مع الناس».

والنقش الثالث هشمت بداية أسطره ولم يمكن فهم محتوياته وجاء فيه ذكر بلاد تدعى «معا» وبدو الرمال و(؟) وبلاد «واوات». هذا وأشير فيه إلى حرب كما أشير فيه إلى أن «ثماو» سافر نحو الشمال. وفضلًا عن ذلك يُحتمل أنه ذكر فيه الاستيلاء على مقاطعة، وكذلك جاء ذكر ابن الملك وجيشه الذي أحضره.

والنقش الرابع في حالة لا بأس بها وجاء فيه: «لقد انحدرت في النهر إلى جهة «طيبة» ووجدت الناس على الشاطئ واقفين وقد ظنوا أنهم سيقومون بحرب؟ وهربوا أمامي …».

أما النقوش من رقم خمسة إلى سبعة فلم يَبْقَ منها إلا القليل وهي غير مفهومة.

ومن الطبيعي أنه لا يمكننا أن نصل إلى صورة مفهومة من المتون السبعة السابقة ومن الجائز أن المقصود من النقشين الأول والرابع وهما اللذان يمكن أن نقرأ منهما شيئًا ما يأتي: كان في قبضة «ثماو» جنود مساعدون من النوبيين يشن بهم حربًا للملك «منتوحتب» على بلاد «زاتي» التي يُحتمل أن تكون هي بلاد «زاهي» في آسيا، وبعد اعتلاء الملك العرش سافر إلى «طيبة» يتبعه نوبي كان ذا شهرة حتى إن اسمه لم يُذكر. وقد عاد هذا النوبي إلى «طيبة» ثم عاد إلى وطنه. وعندما وصل «ثماو» مع جيشه من الجنود المرتزِقة إلى «طيبة» فزع الأهالي الذين كانوا واقفين على الشاطئ وظنوا أنه عدوٌّ فَوَلَّوُا الأدبار أمام «ثماو» هذا.

هذا ما يمكن فهمه، على أننا لسنا واثقين من أن هذا المعني هو الحقيقي، وقد فهم الأستاذ «ريدر» هذا المتن بصورة أخرى إذ يقول إن المتن يقص علينا أن «نب حبت رع» ليس موحدًا مع الملك بل كان تابعًا له، أي كان يُعْتَبَرُ ولي عهد، ولكن استنباط «ريدر» جاء من سوء فهم المتن.

وإذا كان المعني الذي استنبطه «سيف زودربرج» لهذا المتن وهو ما لخصناه فيما سبق هو المعنى الصحيح، فإن «ثماو» كان في قبضته جيش من الجنود المرتزِقة لمساعدة «منتوحتب» الثاني في حرب على آسيا؛ وذلك ينبئ بأن بلاد النوبة كانت في مصافاة مع مصر في هذا الوقت. ولدينا نقش آخر عُثِرَ عليه في بلدة «بلاص» يشير إلى هذا الاتجاه السلمي في بلاد النوبة.١٢ ومما يؤسف له أن كل نهايات الأسطر في هذا المتن وُجِدَتْ مهشمة حتى أصبح من الصعب فهم المتن في مجموعة وترجمته ترجمة كاملة، ففي السطر الثاني نقرأ: «وسافرنا منحدرين في النهر بعد أن هزمنا العدو»، وفي السطر الثالث نقرأ: «إنهم أَتَوْا إليك منحنين ومقبِّلين إياك من كل أعضائك؛ ومن أجل هذا ينبغي أن يكون قلبك هادئًا في جسمك والجنوبيون …»، وفي السطرين السادس والثاني عشر قيل إن «واوات» والواحات قد ضُمَّتْ إلى الوجه القبلي، «ولا يوجد ملك كانت تُدْفَعُ له الجزية من قبل»، وفي السطر الثامن جاء: «إن الطرق المغلقة التي في البلاد الأجنبية قد فُتِحَتْ لك».

ومن هذا النقش نفهم كما فهمنا من نقش «ثماو» السابق أنه كانت توجد بين مصر وبلاد النوبة علاقة ولكن بصورة مبهمة.

ولا يمكن الاستنباط مما سبق أن بلاد النوبة السفلى كانت مُنْضَمَّةً إلى مصر أو أنها محتلة عسكريًّا، كما أنها لم تكن كذلك في عهد نقوش «زمي» و«منتوحتب الثاني». ولا أدل على ذلك من العبارة التي جاءت في سياق الكلام السابق وهي أن هذه البلاد لم تكن تدفع الجزية، ومن المحتمل إذن أن أمراء بلاد النوبة السفلى كانوا مضطرين بعد غزوة أو أكثر لبلادهم إلى دفع ضرائب دون أن تكون بلادهم قد احْتُلَّتْ عسكريًّا، ونشاهد مثل هذه الحالة في العهد الإسلامي، حيث نجد أن بلاد النوبة الحرة كانت تدفع جزية سنوية معينة.١٣ ولا يبعد أن يكون ما جاء في المتون السابقة من أن بلاد النوبة كانت تدفع الضرائب لمصر من هذا القبيل؛ فيكون ما جاء في نقوش «بلاص» دليلًا على تنفيذ نظام كان متبعًا من قبل.

ولا نزاع في أن الحروب الداخلية التي نشبت في نهاية الأسرة الحادية عشرة قد أودت بها إلى الدمار كما فصَّلنا القول في ذلك في الجزء الثالث من مصر القديمة ص ١٤٠–١٤٨.

ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن متون «اللعنة» التي نشرها الأستاذ «زيته»١٤ قد يرجع زمنها إلى هذا العهد، غير أن المتون المشابهة التي نشرها «بوزنر» يرجع تاريخها للأسرة الثانية عشرة؛ ولذلك فإن تاريخ «زيته» للمتون التي نشرها أصبح يعتوره الشك.١٥ ويقول الأثري «سيف زودربرج»:١٦ إذا كان ينبغي علينا أن نؤرِّخ متون اللعنة هذه بعهد نهاية الأسرة الحادية عشرة فلا بد من أن الرجال الموالين لبيت الملك القديم في عهد الأسرة الحادية عشرة كانوا قد كتبوا هذه المتون على قطع من الخزف ووضعوها في قبر أحد الملوك الذين سُمُّوا باسم «منتوحتب» وأن هذه النقوش كانت إذن أحد الاحتجاجات الأخيرة التي احتجت بها الأسرة الفانية على الأسرة الثانية عشرة التي كانت لا تزال في دور النهوض في تلك الفترة، وذلك أنه جاء ضمن الأعداء — وهم على وجه عام الأمراء والأقوام الأجانب — أسماء «أمنمحات» و«سنوسرت». ويلحظ أن معظم الأمراء الأفريقيين والأقوام الذين ذُكروا في هذه المتون غير معروفين لدينا. هذا ونجد بعض تأثير مصري ضعيف في أسماء هؤلاء القوم، ففي حالة نجد أن نوبيا يحمل بجانب اسمه الأصلي اسم علم مصري، وفي حالة أخرى نجد رجالًا من قوم المزوي يسمى «واح أب» (الهادي). ومما يلفت النظر أن الاسم الأخير لم يكن مثل سابقه أمير قوم بل مجرد أحد أفراد «المزوي». وبالنسبة للدور الذي كان يلعبه هؤلاء «المزوي» كما رأينا من قبل نُرَجِّحُ أن هذا «المزوي» المسمى «واح أب» (الهادي) كان من الجنود المرتزِقة وكان يقوم بدور هام في العصر المضطرب الذي وقع بين التغيير الأسري؛ ولذلك فإنه بمكانته هذه في مصر قد اتخذ لنفسه اسمًا مصريًّا.

(٢) فتح مصر لبلاد النوبة على يد ملوك الأسرة الثانية عشرة

أصل الأسرة الثانية عشرة: تدل شواهد الأحوال على أن «أمنمحات الأوَّل» مؤسس الأسرة الثانية عشرة هو نفس «أمنمحات» وزير الفرعون «منتوحتب الرابع»١٧ والمرجح أن سلطان هذا الوزير أخذ يعظُم ونفوذه يزداد ويقوى في عهد «منتوحتب» هذا حتى تمكن في نهاية الأمر من الاستيلاء على عرش الملك عنوة، ويقوى هذا الظن أن «منتوحتب» الرابع هذا، كان مغتصِبًا المُلكَ ولم يكن صاحب حق وراثي فيه، على أنه من الجائز أن يكون «أمنمحات» قد تولى العرش بعد وفاة «منتوحتب» مباشرة بفضل ما كان له من قوَّة ونفوذ في البلاط، ويعدُّ هذا الرأي الأخير مقبولًا جدًّا إذا ثبت أن «أمنمحات» هذا ينتسب إلى أحد فروع الأسرة الملكية الشرعية القديمة.١٨
ويميل الأستاذ «ينكر» إلى أن أم «أمنمحات» أو «أميني» كانت من أصل نوبي كما ذكر الكاهن المرتل «نفر رهو» في نبوءته التي قيل إنها أُلْقِيَتْ أمام الملك «سنفرو»١٩ عندما يقول: «ابن امرأة من «تاستي» ولد في «نخن» (الكاب)». والظاهر أن أم الملك هذه تُدعى على ما يظهر «نفرت» وذلك لأنه وُجِدَتْ مائدة قربان في هرم هذا الملك «باللشت» جاء عليها النقش التالي: الأميرة أم الملك «نفرت». ومما يلفت النظر أنها لا تحمل أي لقب ملكي، ويمكن تفسير ذلك بأن «أمنمحات» قد أسس أسرة جديدة٢٠ والظاهر أن أم الملك كان لها اسم مصري، غير أن هذا لا يحدثنا بشيء عن أصلها؛ لأنها لو كانت نوبية الأصل لما كان لها اسم أجنبي بوصفها أم الملك. والواقع أن التعبير «تاستي» يحمل معناه الأصلي، أي نوبي، وقد يعني المقاطعة الأولى من مقاطعات الوجه القبلي. غير أن المعنى الأقرب للذهن هو أنها كانت نوبية الأصل.
ومن جهة أخرى يجب ألا يغرُب عن ذهننا أن قصة «نفررهو» لا تخرج عن كونها قصة أسطورية؛ ولهذا ينبغي أن نكون على حذر عند التحدث عنها من الوجهة التاريخية. فنعلم أن بلدة «نخن» (الكاب الحالية) كانت منذ أقدم العهود تحمل معنى خاصًّا بالنسبة للملك. فمن المحتمل أن كل هذه القصة التي أوردها هذا الفيلسوف الأديب تعني ببساطة أن مصريًّا صميمًا قد وُلِدَ في البلد الذي كان يُتَوَّجُ فيه الملك في الأزمان القديمة (أي نخن) فنُسِبَ من أجل هذه الولادة إلى الملك، وهذا رأي ضعيف.٢١ والرأي الصواب هو الذي أدلى به «ينكر» إذ يقول: إن طراز محيا الملك الجديد يحتمل أنه من أصل نوبي وبخاصة أن عظم الوجنتين فيه ما يدل على أنه من دم نوبي.٢٢

الملك أمنمحات الأوَّل وحملاته في بلاد النوبة (٢٠٠٠–١٩٧٠ق.م.).

تدل ظواهر الأمور على أن «أمنمحات الأوَّل» قد وطد سلطانه في بلاد النوبة بصفة جدية، ولدينا نقوش عدة تؤكد لنا ذلك، ونخص بالذكر منها: أولًا تلميحه بذلك في تعاليمه المنسوبة إليه وهي التي ألقى فيها على ابنه دروسًا في الحياة فيقول: لقد أذللت الأسود، واصطدت التماسيح، وقهرت أهل «واوات»، وأسرت قوم «المزوي» إلخ.٢٣
ومن المحتمل أن الجنود المرتزِقة الأجانب قد لعبوا دورًا في الحروب الداخلية التي أدَّت إلى تسلُّط ملوك الأسرة الثانية عشرة على البلاد. والواقع أنه لدينا متن مهشم جدًّا في مقبرة «خنوم حتب الأوَّل» في «بني حسن».٢٤ ومن المحتمل أن هذا النقش يصف حملة نهرية وقد جاء فيها ذكر النوبيين (نحسيو (؟)) و(ستتيو؟) بصورة غامضة. وقد اختلف المؤرخون في تفسير ذلك فيقول «إدورد مير»٢٥ إن «ستتيو» هم الأسيويون ويقول «ريزنر» إن «ستتيو» هم أهالي «الشلال الأوَّل».
وقد قص علينا «خنوم حتب» أنه ظهر مع الملك في أسطول يبلغ نحو عشرين سفينة مصنوعة من خشب الأرز وأنه هزم العدوَّ في مصر، وأخضع السود والأسيويين الذين كانوا في معسكر العدوِّ، واستولى على الأراضي المنخفضة والأراضي العالية في كلا القطرين. وقد كافأ الفرعون «خنوم حتب» على ذلك بأن جعله أميرًا على بلدة «منعات خوفو» (بني حسن) التي كانت إلى هذا الوقت تابعة لمقاطعة الغزال وفصلت عن حكومة هذه المقاطعة، وكذلك ضم إليه إدارة الصحراء الشرقية، ولقد امتدت سيطرة هذه البلدة حتى شملت كل مقاطعة «الغزال» (بالقرب من المنيا الحالية)، والظاهر أن أسرة الأمراء القديمة في هذه الجهة كانت قد انضمت إلى المعسكر المعادي للفرعون فخلعوا من حكم هذه المقاطعة؛ ولذلك يظن أن السود والأسيويين الذين ذُكِرُوا في هذه الحروب ليسوا إلا جنودًا مرتزِقة كانوا يحاربون في المعسكر المُعادي للفرعون.٢٦

وليس لدينا مصادر كثيرة تحدثنا عن علاقة «أمنمحات الأول» السياسية ببلاد النوبة، ولذلك أصبح من الصعب علينا حتى الآن أن نحدد على وجه التأكيد التغييرات التي طرأت في عصره على علاقاته بهذه البلاد. وسنذكر أهمَّ هذه المصادر فيما يلي:

أوَّلًا: وُجِدَ له نقش مختصر على صخرة بالقرب من «كرسكو» عند مدخل «وادي جرجاوي» يدل على وصول جيوش الفرعون إلى هذه البقعة في السنة التاسعة والعشرين من حكم ملك القطرين القبلي والبحري «سحتب أب رع» «أمنمحات الأول» عاش مخلدًا. لقد جئنا لنهزم أهالي «واوات».٢٧ وهذه هي الجملة الوحيدة المؤكدة التي وصل إلينا عنها متن. ولا نعلم إذا كان هذا الفرعون قد قاد الجيش بنفسه في هذه الحملة أو ذهب جيشه بقيادة أحد عظماء رجال دولته، والمرجَّح هو الرأي الأخير لأن «أمنمحات» كان قد تقدم في السن في هذه الآونة. هذا ويوجد في بلاد النوبة كذلك نقوش أخرى من عهد «أمنمحات الأول» ولكنها ليست كثيرة كما هي الحال في عهد الملوك المتأخرين من هذه الأسرة.
فمن المحتمل أن اسم هذا الملك قد ذكر في نقش بالقرب من «ماريه» الواقعة شمالِي «جرف حسين».٢٨
وكذلك يوجد نقش بين «أسوان» و«الفيلة» على الصخر مؤرخ بالسنة الثالثة والعشرين من حكمه.٢٩ يضاف إلى ذلك أن اسمه قد نُقِشَ في المحاجر الواقعة في الشمال الغربي من «توشكى». وقد ذكر هنا مع وارثه لعرش الملك «سنوسرت الأوَّل» ولكنه نعت بالعبارة التالية: «مُعطى الحياة أبديًّا» مما يدل على أن ابنه «سنوسرت الأول» هو الذي نقشها.
وقد وجد «ريزنر» في «كرمة» من بين الأواني المصنوعة من المرمر التي وجدت مهمشة في «دفوفة» قطعة عليها: «أمنمحات الأول»، وكذلك قطعة عليها اسم خلفه. وفي عهد «أمنمحات الثالث» عثر على نقش يتحدَّث عن جدار «أمنمحات» ويذكر لنا أنه قد أسس مبنى في «كرمة» وعلى ذلك فمن الجائز أنه يُنسب إلى «أمنمحات الأول» ومن المحتمل أن هذا المبني يُنسب إلى «أمنمحات الثاني»،٣٠ على أنه من الجائز أن الآنية التي عليها اسمه قد جلبت فيما بعدُ إلى «كرمة» عن طريق التجارة.

ولا نزاع في أن العثور ثانية على المحاجر النوبية الواقعة في الصحراء في الجهة الشمالية الغربية من بلدة «توشكى» وقطع الأحجار منها وإرسالها عن طريق النيل في السفن إلى مصر يدل دلالة واضحة على أن الحكومة المصرية كان لها سلطان عظيم على سكان بلاد النوبة في تلك الفترة؛ وذلك لأن المصري كان عندما يقابل صعوبات في بلاد النوبة السفلى من هذه الناحية يرسل الأحجار عن طريق الصحراء مباشرة إلى «أسوان».

ويدل نقش «كرسكو» الذي يقول: «لقد أتينا إلى «واوات» لنقهرها» على أن العلاقات بين البلدين لم تكن علاقات ودٍّ ومصافاة، بل كانت هناك حرب مع النوبيين كما نوَّه «أمنمحات» إلى ذلك في تعاليمه، وفضلًا عن ذلك نعلم أن خلف «أمنمحات الأول» وهو «سنوسرت الأول» قد سار على رأس حملة لاحتلال بلاد النوبة. وقد كان همُّ المصري في بلاد النوبة منحصرًا في استغلال موادها الغفل وبخاصة مناجم الذهب التي كانت تزخر بها تلك الجهات، وكان على المصري للحصول على ذلك إما أن يستغل النوبي بطريقة منظمة فيستولي على ما لديه من مواد غفل باعتبارها ضريبة يدفعها له أو كان يعمل بالتعاون معه لاستخراجها أو على الأقل كان لا يمنع من الحصول على هذه المنتجات.

وكان السكان الوطنيون الذين يمثلون ثقافة مجموعة C كما قلنا من قبل أكثر مدنية وأشدَّ بأسًا بدرجة عظيمة من مجموعة ثقافة B التي تحدثنا عنها فيما سبق. إذ نجد أنهم قد وقفوا في وجه أطماع المصريين بقوَّة وبأس شديدين، فقد رأى النوبيون في مطامع المصريين خطرًا يهدد استقلالهم وخشُوا أن يتسلط المصريون عليهم ويخضعوهم لسلطانهم التام وبذلك يُقْضَى على حريتهم كلية. وتدل الأحوال على أنهم في عهد الأسرة الحادية عشرة كانوا يئنون من ضغط المصريين عليهم مما جعلهم يدفعون جزية كما كانوا يوردون لهم السلع أو يبيعونها، غير أن هذا النظام قد ظهر في أعينهم عدم جدواه. ومن الجائز أنه قد حدثت أعمال غير مرضية من كلا الجانبين ممَّا أدى إلى سوء التفاهم واضطراب العلاقات بين البلدين، ولا أدل على ذلك من أثنا لم نجد في هذا الوقت تبادلًا تجاريًّا بين البلدين يسير على طريق الودِّ والمهادنة، كما يبرهن على ذلك ثقافة مجموعة C إذ لم نجد تقريبًا أي عنصر من عناصر التجارة المصرية قد ورد إلى بلاد النوبة، وعلى ذلك لم يكن لمصر أمام هذا الموقف إلا أن تحتل بلاد النوبة احتلالًا عسكريًّا. وذلك لأن المصري كان يرى بقاء الطريق مفتوحة إلى الأماكن التي يمكنه أن يصرف فيها تجارته من الأهمية بمكان، وعلى ذلك فلا بد من تهدئة الأحوال في كل بلاد النوبة السفلى والإشراف عليها إشرافًا قويًّا حتى يتسنى بذلك سير القوافل التجارية دون عائق أو مناقس. وعلى الرغم من أنه لا يمكننا القطع بأنه في عهد «أمنمحات الأول» كانت توجد مستودعات تجارية في «كرمة» فإن التجارة في هذا الإقليم كانت قد بدأت تترعرع، مما جعل المصري يري لزامًا عليه أن يُخضع سكان بلاد النوبة السفلى لإرادته حتى تسير تجارته وتنمو.

سنوسرت الأوَّل وبلاد النوبة (١٩٨٠–١٩٣٦ق.م.)

والظاهر أن «أمنمحات الأوَّل» عند توليته عرش الملك كان طاعنًا في السن فرأى أن يُوَكِّلَ أمر قيادة الحروب مع بلاد النوبة وغيرها لابنه وخلفه على العرش «سنوسرت الأوَّل». والواقع أنه لما حضرت الوفاة «أمنمحات الأول» كان «سنوسرت» ابنه يقود جيشه في موقعة حربية مع بلاد «لوبيا» وتتضح لنا سياسة «سنوسرت» الخارجية بعد تولية عرش الملك مما لمح به في قصة «سنوهيت»٣١ إذ يقول في متن هذه القصة «إنه هو الذي أخضع البلاد الأجنبية، والذي سيفتح البلاد الجنوبية».

محاجر صحراء النوبة الغربية:

يظهر أن أول من ممَّر محاجر صحراء النوبة الغربية في عهد الدولة الوسطى هو الملك «سنوسرت الأول». وقد كُشِفَ عن موقع هذه المحاجر حديثًا، وتقع على مسافة ٦٥ كيلو مترًا في الشمال الغربي من «أبو سمبل» أي على خط عرض ٢٢/٤٩ شمالًا وخط طول ٣١/١٦ شرقًا. وقد جاء كشفها عن غير قصد، فلقد كان رجال من شرطة الجيش المصري يمرون في هذا المكان، فلفت نظرهم قطعتان من الحجر عليهما نقوش ظهر أنها تحمل ألقاب بعض ملوك الدولة القديمة ومن بينها اسم الفرعون «زد فرع». وقد عثر في هذه المحاجر على حجر الديوريت الجميل الذي كان يستعمله «خفرع» لصنع تماثيله العظيمة، وقد كان مصدر هذا الحجر مجهولًا حتى كُشِفَ عنه كما ذكرنا، وكذلك عُثِرَ على أنواع أخرى من الحجر الصلب في هذه البقعة، مثل الجرانيت الوردي ذي الحبات الدقيقة وحجر الكوارتسيت الأبيض القاتم.

وقد عُثِرَ في هذا المكان على لوحة من الحجر الرملي الأسمر نُقِشَ عليها طُغْرَاءُ كل من «أمنمحات الأول» وابنه «سنوسرت الأول».

وفي محاجر الجرانيت الواقعة في هذه البقعة وُجِدَتْ لوحة لهذا الفرعون مؤرَّخة بالسنة العشرين، الشهر الثاني، فصل الحصاد والجزء الأسفل منها غامض. يُضاف إلى ذلك لوحة أخرى من الحجر الرملي الأصفر، أقامها لهذا الفرعون موظف يدعي «حننو» بن «منتوحتب» ويلقب أعظم عشرة الجنوب، وقد نقش عليها: «محبوب «حتحور» سيدة الصحراء له كل الحماية والحياة الخالدة».٣٢

بعوثه إلى وادي الهودي:

أرسل «سنوسرت الأول» عدة بعوث إلى «وادي الهودي» لاستحضار حجر الجمشت في السنوات العشرين، والحادية والعشرين، والثانية والعشرين، والرابعة والعشرين، والثامنة والعشرين، والتاسعة والعشرين من حكمه. وقد ترك لنا رجالُ هذه البعوث لوحات هامة عمَّا قاموا به في هذه الجهة، ففي السنة العشرين من حكم هذا الفرعون ترك لنا ثلاثة ممن قاموا بالبعثة ثلاث لوحات: الأول منها لأعظم عشرة الجنوب المسمى «منتوحتب» بن «حننو» بن «بيبي» وقد صنعت من الجرانيت الأسود.
  • (١) نص لوحة «منتوحتب»: السنة العشرون في حكم جلالة الصقر «الملك»، ملك الوجه القبلي والبحري «خبر كارع» بن «رع» «سنوسرت» حور العائش أبديًّا خادمه الحقيقي وعزيزه الذي يفعل كل ما يمدحه دائما وكل يوم، أعظم عشرة الجنوب، الذي يمثل «ماعت» (العدالة). «منتوحتب» بن «حننو» بن «بيبي» يقول: أرسلني سيدي له الحياة والصحة والسلامة لأحضر الجمشت من أرض النوبة، واستوليت من جديد على الأماكن التي كنت قد عملتها، وقد أحضرت منه كثيرًا جدًّا من منجم الأحجار التي من الجمشت، ولقد كانت قوة رب القصر وامتيازه هما اللذان رعياني، ولرهبته انحنى أهل الأراضي الأجنبية، وسيفه يُخضع كل الأراضي ليشتغلوا له، وأُعطي (أي الملك) الصحراء فيها بأمر «منتو» ساكن «أيون» (أرمنت) و«آمون» رب تيجان الأرضيين ليبقى خالدًا.

    وقد عاد «منتوحتب» هذا مرة أخرى في العام الرابع والعشرين من حكم هذا الفرعون، فكتب على نفس اللوحة ما يأتي: السنة الخامسة والعشرون من حكم جلالة «حور» (المسمى)، حياة المواليد، وصاحب الإلهتين، (المسمى) حياة المواليد، ملك الوجه القبلي والبحري (المسمى) «خبر كارع» (روح «رع» تأتي إلى الحياة) ابن «رع» (المسمى) «سنوسرت» الإله الطيب رب الأرضيين الحي إلى الأبد، العودة لمتابعة (استخراج) الجمشت إنه خادم سيده ومحبوبه إلخ.

  • (٢) لوحة قائد الجيش «أنتف»: وفي نفس السنة العشرين ترك لنا قائد الجيش «أنتف» لوحة لم يكمل كتابتها وقد جاء فيها: «السنة العشرون من حكم «حور» حياة المواليد، الإله الطيب، رب الأرضين، ملك الوجه القبلي والبحري «خبر كارع» عاش مثل «رع» مخلدًا. حامل الخاتم وقائد الجيش «أنتف» خادمه الذي يثق فيه، والذي يفعل كل ما يرضيه، وعشت خاليًا من الذنب «أنتف» المبرأ».
  • (٣) لوحة رئيس الخزانة «أنتف إقر»: وكذلك ترك لنا لوحة من الجرانيت الأسود رئيس الخزانة غير أن نقوشها متآكلة، وقد جاء عليها: «السنة العشرون رئيس الخزانة ووكيل حامل الخاتم «وني» عملت «هذه اللوحة» لقائد جيشه الذي يعمل كل ما يرضيه دائمًا، وكل يوم، حاكم المدينة (طيبة) والوزير، وكاتم أسرار بيوت الفرعون «أنتف إقر» له الحياة والصحة والسلامة، لقد أرسلني لأحضر الجمشت والذهب … وقد أحضرت منها (الكثير جدًّا) …».

    وفي السنة الواحدة والعشرين ترك لنا «منتونسو» لوحة من الجرانيت منقوشة نقشًا جميلًا جاء فيها: السنة الواحدة والعشرون من حكم جلالة «حور» حياة المواليد الإله الطيب «سنوسرت» الحي الخالد. إنه خادمه وموضع ثقته بحق الذي يفعل كل ما يرضيه دائمًا وكل يوم. لقد تبع خطوات سيده في الطرق المعبدة التي أحسن صنعها الخادم «منتونسو» بن «حتبي» بن «آدن» وفي نهاية اللوحة نجد رسم الملك.

    فهل هذا يُشعر بأن الفرعون نفسه قد زار هذه المناجم؟ وهذه اللوحة محفوظة الآن بمتحف «أسوان».

  • (٤) وفي السنة الثانية والعشرين ترك شخصان لوحتين من الجرانيت: أولهما يُدعى «سنوسرت» بن «وني» وقد جاء عليها ما يأتي: «السنة الثانية والعشرون، الخروج لإحضار الجمشت لحور (أي الملك) حياة المواليد الإله الطيب ابن «رع» ملك الوجهين القبلي والبحري «خبر كارع» بن «رع»، «سنوسرت» عاش أبد الآبدين خادمه «سنوسرت» ابن «وني»، مما يدل على أن خادمه كان معه في الرحلة. أما اللوحة الثانية فهي لشخص يُدعى «سبك» بن … وقد نقش عليها ما يأتي: «السنة الثانية والعشرون، ملك الوجهين القبلي والبحري «خبر كارع» بن «رع»، «سنوسرت» معطي الحياة مثل «رع» مخلدًا «سبك» بن … الممدوح … نزل في سلام».
  • (٥) وفي السنة الرابعة والعشرين قامت حملة خامسة يقول فيها قائدها: «إنه تابع البحث عن الجمشت» والظاهر أن كاتب اللوحة قد كتبها على عجل إذ نقش اسم «سنوسرت» بدون طُغْرَاءَ.
  • (٦) ولدينا لوحة من السنة الثامنة والعشرين باسم «وسدي»: ويلقب رئيس القوم، ولم يُذكر فيها شيء غير الألقاب الفرعونية والصيغ المعتادة في إخلاصه للفرعون، وكان معه خادمه المخلص الذي يثق فيه «حرور» قاطع الأحجار.

أما في السنة التاسعة والعشرين فقد وُجِدَ على ما يظهر لوحتان من عهده: الأولى أقامها موظف يدعي «حننو» وهي من الحجر الرملي وقد جاء عليها ما يأتي: في السنة التاسعة والعشرين خرج إلى هذه البلاد أعظم عشرة الوجه القبلي «حننو» ليته يعيش ويقوى ويصح. (ومعه) خادمه الأمين الذي يعمل كل ما يمدحه (سيده) في خلال كل نهار المسمى «سنب حا أشتف».

أما اللوحة الثانية فصاحبها كذلك «حننو» بن «منتوحتب» وهو نفس الموظف صاحب اللوحة السابقة وقد جاء عليها ما يأتي: «السنة التاسعة والثلاثون أعظم عشرة الوجه القبلي «حننو» بن «منتوحتب» ليته يعيش ويقوى ويصح (ومعه) خادمه الأمين الذي يعمل كل ما يمدحه (سيده) كل يوم «شمسو سعنخ». ومن ذلك نعلم أن اللوحتين قد عُمِلَتَا للموظف «حننو» ومعه خادماه أي إن الثلاثة كانوا قد ذهبوا سويًّا إلى هذه المناجم.

لوحة «حور»: وأعظم هذه اللوحات التي تُنْسَبُ إلى عهد هذا الفرعون لوحة أقامها موظف يُدْعَى «حور» أرسله «سنوسرت» لإحضار الجمشت من صحراء النوبة الجنوبية الشرقية من وادي «الهودي» وهذه اللوحة مصنوعة من الحجر الجيري الأبيض وهاك النص الذي نقش عيها: «يعيش «حور» حياة المواليد، صاحب السيدتين، (الصل والعقاب)، حياة المواليد، ملك الجنوب والشمال «خبر كارع» (روح «رع» تأتي للوجود) بن «رع» «سنوسرت» الإله الحسن، الذي يذبح «الأونتي» (سكان الصحراء الجنوبية الشرقية) ويقطع رقاب من في الأراضي الأسيوية، الملك الذي يطوق «حانبو» (أقوام الشمال) والذي يصل إلى نهاية حدود المقهورين وحدود السود، والذي يهشم رءوس الأسرة الثائرة، موسعًا تخوم مصر مفسحًا بذلك المجال (لبلاده)، وهو الذي وَحَّدَ بجماله الأرضين، رب القوة والحروب في البلاد الأجنبية، وسيفه قد أخضع الثوار، ومن ثاروا عليه ماتوا بسيف جلالته. وهو الذي وضع أعداءه في الأغلال، وهو أمير وديع الخلق لمن يخدمه، ومعطٍ نفس الحياة من يبتهل إليه، والبلاد تقدم له طعامها، و«جب» (إله الأرض) أفضى إليه بأسراره، والبلاد الأجنبية أصبحت تابعة (له)، والجبال صارت مبتهجة (به) وكل مكان قد أفضى إليه بأسراره، مبعوثوه عديدون في كل الأراضي، ورسله يفعلون ما يريد، وأملاكه هي السهل والحزن ويدين له ما يحيط به قرص الشمس، وإليه تجلب العين وما فيها (العين هنا عين حور وهي تعني كل شيء حسن)، وهي سيدة الموجودات مع كل ما خلقته.

ملك الوجه القبيل والوجه البحري. «خبر كارع» الذي يحب «حور النوبة»، والذي يمدح السيدة التي على رأس النوبة معطي الحياة والثبات والصحة مثل «رع» مخلدًا.

خادمه الأمين حقيقة، حامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد ومدير مخزني الغلال، ومدير حظيرتي الدجاج، ومدير بيتي التبريد، ومدير ذوات القرن، وذوات الحوافر، والطيور والسمك، ومدير البيت «حور» يقول: لقد أرسلني السيد (هذا الإله رئيس الأرضين) بأمر يتعلق بأعماله الطيبة في هذه الأرض وقد كان الجيش خلفي (أي يشد أزري) لأجل أن أقوم بما أراده خاصًّا بهذا الجمشت الذي في أرض النوبة وقد أحضرته من هناك بكميات عظيمة، وعندما جمعته مثل فم المخزنين (أي مثل القطع التي تسد فم المخزنين) جُرَّ بزحَّافات وحُمِلَ على نقالات، وكل «أنتيو» من أرض النوبة الذين سيدفعون الجزية يعمل خادمًا حسب رغبة هذا الإله سيبقى جنسه أبد الآبدين.٣٣
وفي جنوب الشلال الأول عُثِرَ له على لوحتين في معبد «بهين» ويُعَدَّانِ من أهم آثاره، وهذا المعبد قائم أمام بلدة «وادي حلفا»، أقامه هذا الفرعون تخليدًا لذكرى انتصاراته على أعدائه، واعترافًا منه بالجميل لآلهة هذه المنطقة.٣٤ وتوجد لهذا الملك آثار مؤرخة بسني حكمه من السنة الأولى حتى السنة الخامسة والأربعين.٣٥
وكانت أولى نتائج أول حرب شنها «سنوسرت» على النوبيين أن نظم من جديد العلاقات بينه وبين مقاطعة الشلال الأول فنصب أمير مقاطعة جديدًا في «إلفنتين» يدعى «سرنبوت» في «إلفنتين»٣٦ وقبر هذا الأمير بالقرب من قبة الهواء مقابل النهاية القصوى من جزيرة «إلفنتين» ويحمل رقم ٣٦ وهو ابن «سات ثني» ويعاصر الملك «سنوسرت الأول» وهذا القبر محفور في الصخر في هذه الجهة ويدل على ما كان له من مكانة عظيمة في تلك الفترة وقد كان سلطانه يمتد إلى الجهات التي خلف «الشلال الأول» ولذلك كان يُدعى المشرف على كل الأراضي الأجنبية والمشرف على التراجمة (رئيس القوافل). وقد خلف لنا ترجمته لنفسه فاستمع لما يقول: الأمير الوراثي والحاكم وحامل خاتم الملك للوجه البحري والسمير الوحيد، رئيس كهنة الإلهة «ساتيس» سيدة «إلفنتين» والمبجل من «أنوبيس» ومن أنجبه «سات ثني» يقول: أنتم يا من يعيشون على الأرض ومن سيمرون على القبر الصاعدين منكم في النهر والمنحدرين فيه، إذا أردتم أن تكونوا محبوبين من إلهكم فعليكم أن تصلوا إلى إلهكم من أجل قربان جنازي لروح الحاكم «سرنبوت».

وهو يقول: إني إنسان أرضيت قلب الملك في المعبد وإني فم «نخن» في معبد «ساتيس» ونخبت في معبد «بوتو» (معبد النار) والرئيس الأعلى للكهنة الجنازيين وحامل خاتم ملك الوجه البحري والسمير الوحيد، وكاتم سر الملك في الجيش، والذي يسمع ما يسمعه الواحد فقط، والذي يأتي إليه كل الأرض (أي كل واحد) إلى المكان الذي خضع فيه أعداء الملك. والواحد الذي يدخل في قلب الملك (ثقته) …

وإني إنسان حملت الخاتم الملكي في كل الأحوال الخاصة ببلاد «كوش» (؟) (وفي رواية أخرى كل البلاد الأجنبية) للزوجة الملكية والذي يقدم التقارير عن الضرائب من بلاد «مزا» (بجا) بوصفها جزية من أمراء البلاد الأجنبية. والذي يسهر الليل داخل المعبد في يوم العيد الكبير، والذي يتسلم الهدايا التي تحتوي على أحسن الأشياء الثمينة التي يقدمها الملك في قصره. والرئيس الأعلى للأعياد الثلاثينية في قارب الإله بوساطة كل الأعمال المدهشة (أي المحاصيل المدهشة) للنوبيين من «الشلال» وأمين القوم على الميناء وأعظم المشرفين على سفن بيت الملك، والذي يدير بَيْتَيِ المال بنظام والرئيس على بقاع «تاستي» (النوبة) والذي تحت إدارته من يبحر ومن يرسو.

والحاكم ورئيس الكهنة «سرنبوت» يقول: لقد أقمت قبري بحظوة الملك «خبر كارع». ولقد رفعني الملك في الأرض وكذلك كنت أعلى قدرًا من أمراء المقاطعات، ولقد غيرت (؟) قوانين الأزمان القديمة. ولقد رُفِعْتُ إلى السماء في لحظة عين (أي رُفِعْتُ إلى مرتبة عليا في لحظة عين). وعُيِّنْتُ صناع أحجار لعمل مقبرتي وقد مدحني جلالته لذلك كثيرًا جدًّا ومرات يخطئها العد في حضرة رجال البلاط والملكة. وقد جهزها بأثاث من القصر وزينها بكل ما يلزم وملأها بالحلي وأمدَّها بقربان الخبز وجهزها بكل ما كان صالحًا لها. ولم يكن ينقصني شيء مما يلزمني من الأشياء التي من بيت المال … وسمح لي جلالته أن أذهب (حرًّا) مثل كل موظف في مقر الملك (هل يعني أنه لم يكن مقيدًا بالبقاء في «إلفنتين» طوال الوقت؟) وكنت رجلًا يؤدي خدمات بجانب سيده وإنسانًا رفعته مميزاته».

يقول: «كنت رجلًا مستقيمًا في الحضرة الملكية، خاليًا من المين، وكنت ذكيًّا عندما يرسلني (في مأمورية). ولقد كنت ثاني اثنين وثالث ثلاثة في هذه الأرض، وكنت أعمل المديح كثيرًا جدًّا وكنت مملوءًا بالثناء حتى يعوز حنجرتي الهواء، وقد هللت عندما رُفِعْتُ إلى السماء ووصل رأسي إلى القبة الزرقاء. وقد كشطت أجسام النجوم وباشرت التهليل عندما لمعت كالنجم ورقصت مع الكواكب. وكانت مدينتي في عيد، وهلَّل رجالي وسمعت الناس ذلك الرقص …، والمسنون والأطفال كانوا في سرور. والآلهة الذين في «إلفنتين» قد أطالوا لي مدة بقاء جلالته ملكًا، فقد وَلَدُوا جلالته من جديد من أجلي حتى يكرر لي ملايين الأعياد الثلاثينية. وقد منحوه الأبدية بوصفه ملكًا حتى يبقى على عرش حور من جديد (؟) كما أحب، وكنت خادمه القريب من قلبه مؤديًا ما يحبه سيده، الأمير والمشرف على الكهنة «سرنبوت».

ويقول: «لقد حضرت من مدينتي ونزلت إلى مقاطعتي وعملت ما يحبه قومي وما يمدحه كل الآلهة».

والواقع أن الألفاظ المنمقة التي حاك بها قصة تاريخ حياته لا يمكننا منها الحكم تمامًا عليه واستنباط الحقائق التي قد اختفت وراء هذه التعابير البراقة، ومع ذلك تدل شواهد الأحوال على أنه على ما يظهر كان المؤسس لأسرته، وأن الفضل يرجع للملك «سنوسرت الأول» في تنصيبه في هذا المنصب الخطير، ولذلك لم نجده يحاول إخفاء ما حباه الملك به من فضل وإنهام. ومن ثَمَّ يجب علينا ألَّا نستخلص من فخامة مقابر أمراء هذا العصر أنهم كانوا على جانب عظيم من الأهمية بوصفهم حكامًا محليين مستقلين، بل على العكس تدلنا على خضوعهم لحكم أسرة قوية السلطان، وما كان يتبع ذلك من تقدم مادي.

وأهم ألقاب «سرنبوت» هي أنه كان كاهنًا في معبد «ساتيس» في «إلفنتين» كما كانت العادة أن يكون حاكم المقاطعة هو القيم على المعبد الرئيسي للمقاطعة، ولا أدل على ذلك من منزلة «زفاي حعبي» ﺑ«أسيوط».٣٧ هذا وقد أظهر الملك اهتمامًا بمعبد «إلفنتين» فقد ذكر على قطعة من الحجر محفوظة الآن بالمتحف المصري كيف أن الملك ذهب نحو الجنوب ليقدم لآلهة الجنوب مائدة قربان، وكذلك في نقش آخر وجد في معبد «هليوبوليس» أنه قد ذكر إقامة معبد لحور صاحب «تاستي» وكذلك أقام معبدًا لثالوث «الشلال» وهم «خنوم» و«ساتيس» و«عنقت».٣٨ هذا وقد جاء ذكر هذا الملك على قاعدة تمثال عُثِرَ عليه في «إلفنتين» محبوب «ساتيس» و«عنقت».٣٩
هذا ونجد أن الملك «سنوسرت» قد منح حاكم مقاطعة «إلفنتين» هذا عطفه إذ يقول: «وعندما ذهب جلالته ليضرب أهل «كوش» التعساء٤٠ أمر جلالته أن يُرْسَلَ إليَّ قطعة لحم (من ثور)». ومن هذا النقش نفهم أن الملك قد أسس لنفسه في «إلفنتين» قاعدة لأعماله الحربية، واهتم بأن تكون سفن التجارة في هذا المكان الصعب منظمة وأن يكون حاكم المقاطعة المسيطر فيها خادمًا أمينًا لبيت الملك. ولا نزاع في أن هذا العمل كان على جانب من الأهمية في زمن كان العهد الذي قبله هو عهد إقطاع، فلا بد أن يُعْزَلَ فيه أمراء المقاطعات وأصحاب الكلمة العليا في البلاد وأن يحل غيرهم من المخلصين لبيت الملك من الموظفين.

الحملة الكبرى التي أرسلها «سنوسرت الأوَّل» لفتح بلاد النوبة العليا:

وتعد الحملة التي قام بها «سنوسرت الأوَّل» حتى «الشلال الثالث» من أهم الحملات التي قام بها ملوك الأسرة الثانية عشرة. ولا نعلم على وجه التأكيد إذا كانت الحملة السالفة الذكر وهي التي كما قلنا ذهب فيها ليضرب أهل «كوش» التعساء هي نفس الحملة التي قام بها في السنة الثامنة عشرة من حكمه أم غيرها. وكان غرضه من هذه الحملة إخضاع قبائل السودان وتثبيت حدود مصر الجنوبية إلى نقطة تبعد نحو ٢٥٠ كيلو مترًا من جنوبي «وادي حلفا» التي تعتبر الآن الحد الشمالِي لبلاد السودان وبذلك تصبح كل بلاد النوبة السفلى وشمال السودان خالية من كل اعتداء أو غزو من جهة السود. وهذه الحملة التي قامت في السنة الثامنة عشرة من حكم هذا الفرعون كانت بقيادة قائد يُدعى «منتوحتب» الذي ترك لنا نقشًا في معبد «بهين» ﺑ«وادي حلفا» مُثِّلَ في أعلاه «سنوسرت الأوَّل» واقفًا أمام إله الحرب «منتو» الذي يقول للملك: «أحضرت كل أعمالك التي في النوبة تحت قدميك يأيها الإله الطيب». ويُشَاهَدُ بعد ذلك الإله يقود للفرعون عشرة أسرى من النوبيين كل منهم يمثل قبيلة.٤١ ونفهم من مغزى ما بقي من نقوش هذا المتن أن المقصود من هذه الغزوة هو قهر بلاد النوبة العليا وإذلالها، ويؤكد ذلك وجود هذه اللوحة في «بهين». وتدل نتائج أعمال الحفر في هذه الجهة على أنه من المرجح جدًّا أن المصريين كانوا قد أقاموا حصنًا في هذه الجهة. ويدل على ذلك أيضًا وجود نقش لمشرف على جنود ومشرف على مجندين وقائد جيش من عهد «سنوسرت الأوَّل» فنقرأ في سطوره الأخيرة الممزقة ذكر حصن ويحتمل كذلك الإشارة إلى حراسة حدود،٤٢ وتدل نتائج الحفر في حصون بلاد النوبة الأخرى وبخاصة حصن «كوبان» على أن بلاد النوبة كانت فعلًا محتلة عسكريًّا في عهد «سنوسرت الأوَّل» وكان مسيطرًا عليها بوساطة الحصون، وإنه لمن المعقول التسليم بأن هذه الحصون قد تم بناؤها في زمن هذه الحملة التي قهر فيها أهل بلاد النوبة.
ومن المحتمل أنه قد أقيمت لوحة على مسافة عشرين كيلو مترًا من الجنوب الغربي من «أسوان» عُثِرَ عليها في قلب الصحراء بأمر ملكي غير أنه لم ينقش على هذه اللوحة طُغْرَاءُ الملك وكل ما نقش عليها هو السنة الثامنة عشرة ورسم رجل مسلح بالقوس والنشاب يقود أمامه أسيرًا.٤٣ وتدل شواهد الأحوال على أن المصريين قد استعملوا العسف في فتح بلاد النوبة السفلى كما حدث ذلك في عهد الدولة الحديثة فيما بعدُ، فقد كان هَمُّ الفاتحين استغلال أهالي البلاد؛ ولذلك نجد النوبي الذي كان مستعدًّا لأن يعمل للمصري قد أصبح يُعَامَلُ معاملة العدو فيقول «سنوسرت الأوَّل»:٤٤ «إن كل نوبي سيدفع الجزية بمثابة خادم ويعمل على حسب مشيئة هذا الإله تمامًا ستبقى سلالته أبدية، وبعبارة أخرى على كل نوبي أن يسير سيرًا حسنا في تقديم محصولاته لمصر.
واللوحة التي جاء فيها هذا النص عُثِرَ عليها في «وادي الهودي» على مسافة ٢٨ كيلو مترًا في الجنوب الشرقي من «أسوان» وعلى مسافة ٢٦ كيلو مترًا شرقي وادي النيل على مقربة من «دبود» وهو خاص بحملة كان قد أرسلها الفرعون للحصول على حجر الأمتست.٤٥
وعُثِرَ كذلك على لوحتين أخريين بالقرب من السابقة لأفراد مُؤَرَّخَتَيْنِ بالسنة التاسعة والعشرين من حكم «سنوسرت الأوَّل». والظاهر أنه قد أُرْسِلَتْ حملتان في نفس هذه الجهة كما يدل على ذلك نقشان عُثِرَ عليهما في «دبود» و«دهميت» مما يدل على أن هذه الطريق كانت هي المفضلة إلى الجهات التي يمكن استغلالها من هذا الجزء من بلاد النوبة. ويرجع نقش «دبود» إلى عهد الملك «أمنمحات الثاني» والآخر أُرِّخَ بالسنة الحادية عشرة من عهد الملك «أمنمحات الثالث».٤٦ ومما يُؤْسَفُ له أن كلا النقشين وُجِدَ في حالة سيئة، غير أنه كان في الإمكان معرفة أنهما خاصَّان باستخراج الأمتست. وقد ذُكِرَ على كل منهما اسم رجل يُدْعَى «حنو». وهذا الرجل بعينه قد ذُكِرَ على صخور المحاجر الواقعة في الشمال الغربي من «توشكى» وكذلك يوجد فضلًا عن ذلك نقش آخر مُؤَرَّخٌ بالسنة العشرين الشهر الثاني من فصل «أخت» من حكم الملك «سنوسرت الأوَّل».٤٧ وكذلك جاء اسم «سنوسرت الأول» على قطعة مثقال وزن عثر عليها في حصن «كوبان».٤٨
وأخيرًا وُجِدَتْ مائدة قربان باسم هذا الفرعون عُثِرَ عليها في بيت في جزيرة «أرقو» وهي الآن بمتحف بمديرية «مروي»، ومن المحتمل أنه أتى بها من «كرمة» ولكن المرجح أنها من «جزيرة أرقو».٤٩

عهد «أمنمحات الثاني» حين اشتراكه مع «سنوسرت الأوَّل»:

ونجد في العهد الأخير من حكم «سنوسرت الأوَّل» عندما كان مشتركًا معه ابنه «أمنمحات الثاني» في الحكم سلسلة نقوش على الصخور في بلاد النوبة السفلى.

فعلى الصخور التي في الطريق من «أسوان» إلى «الفيلة» نقشان واحد منها باسم شخص يُدْعَى «منتوحتب» بن «ردي سبك» مؤرخ بالسنة الحادية والأربعين،٥٠ ويحتوي على صيغة قربان عادية. أما النقش الآخر فلشخص يدعى «أنتف» وهو مُؤَرَّخٌ بالسنة الثانية والثلاثين أو الثالثة والثلاثين.٥١ هذا ويوجد في «جناوي شما» (Gnawi Schema) التي تقع قبالة «خوردهميت» مجموعة من النقوش على الصخر نقشها موظفون مُؤْرَّخَةٌ بالسنة الثانية من عهد الملك «أمنمحات الثاني» (السنة الخامسة والأربعين من حكم «سنوسرت الأوَّل») وقد جاء عليها اسم شخص معروف يُدْعَى «أميني» بن «بيبي» ونُقِشَ معه الدعاء: «له الحياة والصحة والعافية المرحوم». وهذا الدعاء جاء على غرار ما كان يُكْتَبُ لحكام المقاطعات والوزراء. ويظن الأستاذ «ريدر» أن هذا الرجل هو نفس «أميني» الذي ذكرناه سابقًا في نقوش «بني حسن» وهو الذي مات في السنة الثالثة والأربعين من حكم «سنوسرت الأوَّل».٥٢ ولكن الأثري «سيف زودربرج» يشك في توحيد الاسمين.٥٣
وعلى مسافة أربعة كيلو مترات جنوبي معبد «أمدا»٥٤ نجد مجموعة أخرى من النقوش مدوَّنة على الصخر من عهد «سنوسرت الأوَّل» كما نجد نقوشًا على الصخر مُؤَرَّخَةً بالسنة الخامسة من عهد «أمنمحات الثاني» ومن عهد «سنوسرت الثالث». و«أميني» الذي ذُكِرَ في هذه النقوش بوصفه يحمل لقب أعظم عشرة الوجه القبلي لا يمكن تحديد تاريخه. وعلى أية حال فإنه ليس «أميني» الذي جاء ذكره في مقابر «بني حسن» بل يحتمل توحيده مع فرد يُدْعَى «أميني» جاء ذكره على لوحة محفوظة بالمتحف البريطاني مُؤَرَّخَةٍ بالسنة الثامنة من عهد «سنوسرت الثالث». والأمر الذي يلفت النظر في هذه النقوش أنها لا تدل على قيام حروب جديدة بين البلدين أو الشروع في حروب بعد السنة الثامنة عشرة من حكم «سنوسرت الأوَّل» بل على العكس يظهر منها أنها تدل على وجود نشاط عظيم في الأراضي النوبية للحصول على المواد الغفل.

حملات «سنوسرت» للبحث عن الذهب:٥٥

والواقع أن «أميني» قد ذكر لنا حملتين إلى بلاد النوبة كان الغرض منهما الحصول على الذهب. فقد قاد «أميني» حملة متأخرة إلى صحراء «قفط» (وكان قد مات في السنة الثالثة والأربعين من حكم «سنوسرت الأوَّل»)، وعلى ذلك لا ينبغي ألَّا نُؤَرِّخَ هذه الحملة بالسنين الأخيرة من حكم «سنوسرت الأوَّل»، هذا إلى أن ولي العهد أي «أمنمحات الثاني» كان قد رافقه في هذه الحملة.

ووصف هذه الحملة مُختصَر وليس مؤرَّخًا. فاستمع لما جاء فيه: «لقد سرت نحو الجنوب لأحضر التبر لجلالة «سنوسرت الأوَّل» العائش أبديًّا. وقد سرت إلى الجنوب مع الأمراء وولي العهد بكر أولاد الملك المحبوب «أميني» له الحياة والعافية والصحة. وسرت إلى الجنوب مع جمع يبلغ أربع مئة من خيرة رجال الجيش، وعدنا إلى الوطن سالمين دون أن يُفْقَدَ واحد منا، وقد أحضرت الذهب الذي كلفت به، وقد مُدِحْتُ من أجل ذلك في بيت الملك وشكرني ابن الملك».

ويدل عدد الجنود الذين رافقوا «أميني» على أنه لم يكن هناك ما يدعو إلى نشوب حرب بل كان لمجرد البحث عن مناجم الذهب التي بدأت تظهر في بلاد النوبة. والظاهر أن وادي النيل النوبي في ذلك الوقت قد سادته السكينة بعد الحروب الأولى، وأن المصريين قد أخذوا العدة لأنفسهم وأقاموا الحاميات في أنحاء طرقهم، ومع ذلك فقد اتخذ قائدنا لنفسه الحيطة خوفًا من قطاع الطرق من البدو الذين كانوا يتجمعون في الصحراء.

أما الصلات مع بلاد النوبة العليا أو بلاد «كوش» فسنتحدث عنها فيما بعدُ ويكفي أن نشير هنا إلى أنه قد وُجِدَ في عهد «سنوسرت الأوَّل» تماثيل للحاكم «زفاي حعبي»٥٦ وزوجته في بلدة «كرمة».٥٧
وقد بقيت العلاقات الودية بين مصر وبلاد النوبة سائدة ومستمرة في عهد كل من «أمنمحات الثاني» وخلفه «سنوسرت الثاني» وذلك لأن الاحتلال المصري كان على ما يظهر ناجحًا؛ ولذلك لم يكن هناك ما يدعو إلى إرسال حملات حربية إلى بلاد النوبة. ولدينا لوحة محفوظة بالمتحف البريطاني٥٨ لموظف يدعى «ساحتحور» مساعد مدير الخزانة وقد ذُكِرَ ضمن نقوشها أنه قام برحلة مماثلة لحملة «أميني» لإحضار الذهب، فاستمع لما يقول: «لقد زرت أرض المناجم «سيناء» وأنا شاب، وأجبرت العظماء والأمراء على غسل الذهب وأحضرت الفيروزج ووصلت إلى «تاستي» (النوبة) الخاصة بالنحسيو لأني أتيت إليها عندما كانت مقهورة أمام خوف سيد الأرضين وسرت نحو «حا» واخترقت جزيرتها (أو أرضها) وأحضرت محاصيلها (؟) وإني أقسم بسيدي — له الحياة والفلاح والصحة — أني أقول الصدق».

وهذا المتن يؤكد لنا ما تحدث به «أميني» في نقشه، ويضيف لنا تفاصيل أخرى عن استخراج الذهب، كما ذكر لنا استخراج الفيروزج من بلاد النوبة.

وتدل شواهد الأحوال على أنه في تلك الفترة قد تم نظام الحاميات كما تم بناؤها فقد وجد نقش على صخرة في «أسوان» مُؤَرَّخٌ بالسنة الخامسة والثلاثين من عهد أمنمحات الثاني خاص بتفتيش على هذه الحصون حيث يقول: «لقد أتى … «حنو» ليقوم بتفتيش على حصون «واوات».٥٩

وقد أرسل «أمنمحات الثاني» بعوثًا إلى «وادي الهودي» وقد وصلت إلينا لوحة من عهده غير مُؤَرَّخَةٍ أقامها رئيس البعثة المسمى «سنيبو» ويحمل لقب رئيس الخزانة ونُقِشَ عليها ما يأتي: «ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاورع» عاش أبد الآبدين محبوب «حنحور» سيدة الجمشت (حسمن). قريب الملك الحقيقي ومحبوبه وساكن قلبه رئيس الخزانة، وهو الذي وضعته «سبك رع» ورب الاحترام والذي استولى على قلب الملك باختراق الصحاري (في البعثة) التي قام بها لسيده بتفوق «سنيبو» رب الاحترام».

ولدينا لوحة أخرى من هذا المكان منحوتة من الصخر الرملي غير أن معظم كتاباتها قد محيت ويرجع عهدها إلى السنة السادسة من الحكم الذي اشترك فيه هذا الفرعون وابنه «سنوسرت الثاني».٦٠
ومما هو جدير بالذكر هنا أن حصن «عنيبة» قد أُصْلِحَ وزيد فيه في عهد «سنوسرت الثاني» وكذلك وُجِدَ اسمه مطبوعًا على لبنة في حصن «الكبانية».٦١
ووُجِدَ في محاجر الصحراء الواقعة شمال غربي «توشكى» بعض نقوش من عهد «سنوسرت الثاني» منها نقش مُؤَرَّخٌ بالسنة الثامنة (؟) من عهد هذا الملك٦٢ يحدثنا عن بعثة قام بها موظف كبير يُدْعَى «أميني» ويحمل لقب مدير هيئة الموظفين ولقب كاهن (سم) وهو من أكبر ألقاب الكهنة وفيه صلاة للإلهة «حتحور» سيدة «نخنت»؛ ومن بين الأسماء التي ذُكِرَتْ في هذه اللوحة اسم موظف يُدْعَى «حقا أب» بن «سنوسرت» ويحمل لقب المشرف على فرقة قطع الأحجار الأثرية، وهذا اللقب نادر جدًّا في الآثار المصرية وكذلك عُثِرَ على تمثال صغير منذور من الحجر الرملي نُقِشَ على صدره لقب «سنوسرت الثاني».٦٣

وقد ظل السلام مخيمًا في عهد كل من الفرعونين «أمنمحات الثاني» و«سنوسرت الثاني» على بلاد النوبة ومصر وازدهرت التجارة فيه ازدهارًا عظيمًا، ولكن ما لبث هذا السلام أن أعقبه اضطرابات وهجمات على القوافل في السنة الثامنة من عهد «سنوسرت الثالث» لأنه في هذه السنة قام هذا الفرعون بحملة على بلاد النوبة كما سنرى بعد، ومن المحتمل أن سبب قيام هذه الهجمات من جانب النوبيين يرجع إلى الخمول العسكري الذي ساد البلاد في عهد هذين الملكين السابقين وهو الذي شجع السكان في السودان على القيام بالهجرة في البلاد من الجزء الجنوبي من السودان مما أدى إلى طرد قبائل أخرى أمامها نحو الشمال.

«سنوسرت الثالث» وعلاقاته ببلاد النوبة (١٨٨٧–١٨٤٩ق.م.)٦٤

يعد «سنوسرت الثالث» عند المصريين من أكبر الغزاة الذين قاموا بحروب طاحنة دفاعًا عن حدود مصر من جهة الجنوب في وجه السودانيين، ومن جهة الشمال في وجه الأسيويين؛ غير أن الحروب التي قام بها جنوبًا كانت شغله الشاغل طوال مدة حياته، من أجل ذلك عَدَّهُ المصريون من أكبر غزاتهم حتى إنهم أَلَّهُوهُ وبقي اسمه تتناقله الأجيال ويذكرونه في خرافاتهم باسم «سوزستريس» كما سنشير إلى ذلك فيما بعد.

وقد كان أوَّل عمل قام به «سنوسرت الثالث» من الوجهة الحربية هو تأديب قبائل بلاد النوبة وهم الذين كانوا في حالة اضطراب وقلاقل بعض الشيء في عهد الفرعون السابق، بل كانوا مصدر خوف في داخل البلاد نفسها. ويقول «ريزنر»: «من الواضح تمامًا أنه في الجزء الأوَّل من عهد «سنوسرت الأوَّل» كانت التجارة الجنوبية مهددة جدًّا من رجال القبائل في مواضع بالقرب من «سمنة» وبخاصة على الشاطئ الغربي. وكان ذلك هو السبب الرئيسي في تدخل «سنوسرت الثالث» لتحرير طريق التجارة الموصلة إلى «كرمة». ويعضد الرأي القائل إن بدو الصحراء عند الشلال كانوا هم العدو الرئيسي لمصر ما أُقِيمَ هناك من حصون في هذا الإقليم وكذلك ما ذُكِرَ على لوحة النصر التي أقيمت في «سمنة».

ولقد كان لزامًا على الفرعون للقيام بحملة على هؤلاء المغيرين أن يكون لديه أسطول عظيم لنقل الجنود ولإمدادهم بالغذاء والمهمات باستمرار. وقد كان العائق أمامه صخور الشلال التي تعوق مرور هذا الأسطول إلا في وقت الفيضان. ومنذ خمس مئة عام من هذا التاريخ تغلب فراعنة الأسرة السادسة على هذه العقبة بحفر سلسلة ترع حفرها القائد «وني» لعوامل تجارية،٦٥ ولكنها بعد هذا الزمن الطويل هُدمت ولم تعد صالحه لما يتطلبه الموقف وقتها؛ ولذلك رأي «سنوسرت الثالث» ضرورة حفر قناة عند الشلال الأوَّل ليعبر فيها إلى أعالي الشلال، وقد لا يكون المقصود من ذلك حفر قناة بالمعني الصحيح الذي نفهمه نحن الآن، بل قد يكون القصد تعميق الممر الموجود الآن شرقي «جزيرة سهيل» ليساعد على جر السفن فيه بدون كبير عناء، وذلك بدلًا من معارضة التيار القوي في الممر الغربي، وعلى أية حال فإن هذه الترعة قد تم تعميقها في بداية حكم هذا الفرعون كما تُحَدِّثُنَا بذلك نقوش «سهيل» وفيها نشاهد «سنوسرت» واقفًا أمام الإلهة «عنقت» إحدى إلهات «الشلال» وأسفل هذه الصورة نقرأ: «لقد صنعها أثرًا للإلهة «عنقت» ربة النوبة إذ شق لها ترعة تُسَمَّى «أجمل طرق» «خع كاورع» «سنوسرت الثالث» الحي الخالد». ولم نجد تاريخًا لهذا النقش، ولكن لما كان من الضروري أن تطهر هذه الترعة من الغرين في السنة الثامنة من حكم هذا الفرعون ليسير منها بحملته؛ رجحنا أنها كانت موجودة منذ بعض سنين قبل ذلك العهد ويمكننا أن نتصور بعد ذلك جيش الفرعون يمر في هذه الترعة الجديدة في السنة الثامنة من حكمه لغزو بلاد النوبة.
والواقع أن «سنوسرت الثالث» قد فكر كما فكر من قبله جده «سنوسرت الأوَّل» في أن يتخذ لحملاته الحربية التي أراد شنها على بلاد النوبة مدينة «إلفنتين» قاعدة لجيوشه ومؤنه وأن يعدَّها لذلك، ولأجل أن يصل إلى هذه القاعدة بسرعة بوساطة السفن أمر بحفر قناة في الشلال. وقد دون هذا العمل على صخور «سهيل»، فنرى في لوحة هناك الفرعون واقفًا وعلى رأسه التاج المزدوج أمام الإلهة «ساتت» إلهة «الشلال» وتقدم له رمز الحياة وخلفه رئيس بيت المال ومدير الأشغال ثم يلي ذلك النقش الآتي: «السنة الثامنة من حكم جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاروع» «سنوسرت الثالث» عاش مخلدًا. أمر جلالته بعمل قناة جديدة اسمها «طرق» خع كاورع «جميلة» عاش أبديًّا، وبذلك عندما سار بجيشه إلى أعالي النهر ليهزم الكوشيين الخاسئين»، وطول هذه القناة خمسون ذراعًا وعرضها عشرون ذراعًا وعمقها خمس عشرة ذراعًا أي إن هذا الممر كان كافيًا لمرور أية سفينة لمثل هذه البعثة. وقد حُفِرَتْ هذه القناة حفرًا جيدًا إذ بقيت مستعملة حوالي ثلاث مئة سنة أو أربع مئة سنة تقريبًا بعد حفرها، وقد طهرت في عهد «تحتمس الأوَّل» وكذلك في عهد «تحتمس الثالث» عندما قاما بالغزو في هذه الجهات، وقد كان لزامًا على صيادي السمك تطهيرها سنويًّا.٦٦
وعندما كان مارًّا نحو الجنوب وجه الفرعون عنايته إلى حصن «إلفنتين» كما ذكرنا من قبل قاصدًا بذلك تحسين مدخله وقد ترك لنا أحد الموظفين المحليين نقشًا يدل محتوياته على إتمام هذا العمل الذي انتهى في السنة التالية: «السنة التاسعة الشهر الثالث من حكم جلالة ملك الوجهين القبلي والبحري «خع كاورع» محبوب الإلهة «ساتت» سيدة «إلفنتين» عاش مخلدًا. أمر ملكي موجه لعظيم العشرة للوجه القبلي المسمى «أميني» … في حصن «إلفنتين» محجر (؟) لأجل حاكم الجنوب ليعمله … وأناس على شاطئ «إلفنتين» عندما كان جلالته له الحياة والفلاح والصحة ذاهبًا لقهر «كوش» الخاسئة.٦٧ ومما تبقى من هذا المتن نرى أن الجملة الهامة الخاصة بحصن «إلفنتين» قد هشمت، ولذلك أصبح الحكم في هذا الموضوع غير ممكن على الوجه الأكمل. وإذا كان هذا الأمر له علاقة بإعداد الحملة وأن أهل «إلفنتين» الذين ذُكِرُوا في هذا المتن قد جندوا لها فإن ذلك لا يمكن استنباطه من هذا النقش المهشم.
وقد كان من نتائج هذه الحملة أن تقدم المصريون في زحفهم نحو سبعة وثلاثين ميلًا جنوبي «وادي حلفا» ولكنهم كانوا لا يزالون بعيدين عن «كرمة» التي اتخذها «زفاي حعبي» مقرًّا لحكم هذه الجهات في عهد «سنوسرت الأوَّل» بنحو مئتي ميل كما يظن بعض المؤرخين، وكان الفرعون «سنوسرت الثالث» مصممًا على أن يحافظ على ما فتحه فأقام نصبًا في «سمنة». وهذا الأثر معروف بلوحة الحدود. وقد نقش عليها المتن التالي: «الحدود الجنوبية التي عُمِلَتْ في السنة الثامنة من عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاروع» معطى الحياة أبديًّا ليمنع أي نوبي (نحسي) أن يتعداها في ذهابه نحو الشمال سواء أكان ذلك على البر أم بسفينة أم بحيوانات من أي نوع من النوبة إلا إذا أتى إلى «أقن» بقصد التجارة أو معه رسالة ما، فإنه يُعَامَلُ حينئذٍ معاملة حسنة (أي تُعطى له كل التسهيلات) على شرط ألا يسمح لسفينة فيها سود أن تتخطى «حح» (سمنة) ذاهبة نحو الشمال قط».٦٨ ومن ثَمَّ أقام «سنوسرت الثالث» حاجزًا لمنع هجرة أهل السودان إلى مصر.
الحملة الثانية: غير أن هذه الحملة الأولى لم يكن لها أثر فعال، ومن المحتمل أنه قد قامت حملة ثانية في السنة العاشرة من حكمه. والمصدر الوحيد الذي لدينا عنها هو نقش على الصخور الواقعة على الطريق بين «أسوان» و«إلفنتين» وهو السنة العاشرة (؟) الشهر الثاني من فصل الزرع في عهد جلالة ملك الوجه القبلي والوجه البحري «خع كاورع» معطي الحياة المحبوب من «خنوم» رب «الشلال»: «لقد سار جلالته لهزم الكوشيين».٦٩ وبقية هذا النقش مهشم وغير مفهوم، هذا إلى أن التاريخ الذي في أوله غير مؤكد. ويظن «ريزنر» أن هذا النقش مرتبط بنقش الحملة الأولى التي قام بها في السنة الثامنة. غير أنه ليس لدينا ما يمنع قيام حملة في السنة العاشرة على الرغم من أنه لا يمكننا أن نجزم بذلك بسبب تهشيم المتن.٧٠
الحملة الثالثة: والواقع أن بلاد «كوش» هذه قد تطلبت من الفرعون غزوات عدة على ما يظهر قبل أن تخضع وتُذْعن تمامًا للحكم المصري، إذ إنه بعد انقضاء ستة أعوام على الحملة الأخيرة كان «سنوسرت» يزحف بجيشه كرة أخرى، ولدينا عن هذه الحملة لوحتان عند الحدود واحدة منهما نصبها في «سمنة» والثانية وُجِدَتْ في «ورنرتي» وتقع تحت بلدة «سمنة» مباشرة وتمتاز لوحة «ورنرتي» بأنها تعطينا بعض معلومات لم تُدَوَّنْ على لوحة «سمنة». فقد جاء فيها أن حصن «ورنرتي» قد بني في هذه السنة أيضًا، إذ بعد ذكر الملك نقرأ: «لوحة أقيمت في السنة السادسة عشرة الشهر الثالث من الفصل الثاني عندما بُنِيَ الحصن المسمى «طرد النوبيين».٧١ ومن المحتمل أن الحصون الأخرى التي أُقِيمَتْ في هذه الجهة قد بُنِيَتْ في نفس هذا الوقت وأهمها هو حصن «سمنة» كما كان يسميها المصريون («سمنة» التابعة للملك «خع كاورع»)، وقد كانت قلعة عظمية بنيت باللَّبِنْ في موقع حصين وقد زيد في حصانتها الطبعية بالتحصين الصناعي، وكانت تُشرف على النهر الذي لا يزيد عرضه في هذه الجهة عن أربع مئة متر. وفي الجهة الشرقية من النهر قبالة «سمنة» أقيمت قلعة أخرى صغيرة تعرف باسم «قمة»٧٢ بنيت على قلعة طبعية فكان من الصعب مرور أي جيش في النهر من هذه الجهة. وخرائب هاتين القلعتين لا تزال باقية للآن.
آلهة بلاد النوبة العليا وتأليه «سنوسرت الثالث»: وكان في كل من الحصنين معبد. ففي «سمنة» كان معبد الإله «ددون» وهو الإله المحلي لهذه الجهة وفي «قمة» معبد للإله «خنوم» معبود شلال «أسوان» و«إلفنتين»، وفي هذين المعبدين احتفل بعيد عظيم ابتهاجًا بالانتصار على السود وكان يُسْمَّى «طرد السود»، وكان يحتفل بعده بِعيد آخر يسمى «شد وثاق المتوحشين»، وفي خلال كانت تقدم القرابين للملكة «مرسجر» العظيمة زوجة الفرعون «سنوسرت الثالث»، وهذه الأعياء قد بقيت ذكراها إلى أزمان بعيدة حتى إن «تحتمس الثالث» عندما أعاد بناء معبد سلفه بعد مضي ثلاث مئة وسبعين سنة تقريبًا، أحيا الاحتفال بها مع أعياد أخرى، يضاف إلى ذلك أنه أَلَّهَ الملك «سنوسرت» وجعله ثالث آلهة الحدود التي أسسها، ولا نستغرب أن يصدر هذا العمل الصالح من رجل عظيم مثل «تحتمس الثالث» الذي لم يحمل حقدًا لأحد بخلاف «رعمسيس الثاني» الذي كان يغتصب كل شرف ليس له فيه أدنى نصيب، ونجد في معبد «إمدا» ببلاد النوبة أن الفرعون «تحتمس الثالث» كان يتعبد للإله «سنوسرت الثالث».٧٣ وفي معبد «الليسية» نراه كذلك يعبد، ونرى «تحتمس الثالث» يتعبد إليه كذلك في «بهين» (وادي حلفا).٧٤ ولم تكن عبادة «سنوسرت الثالث» قاصرة على الملوك بل تعدتهم إلى عامة الشعب، إذ عُثِرَ على نقش جهة «توشكى» شمالِي «أبو سمبل» على إحدى الصخور المطلة على النهر وهذا النقش يمثل منظر أسرة تتألف من رجل يُدْعَى «سلبي» وزوجه وأولادهما وقد أحضروا قربانًا لصورة «حور معام» الذي مُثِّلَ جالسًا ثم «سنوسرت الثالث» والإله «رشب».٧٥
وتعد نقوش لوحة «سمنة» الثانية التي سجلت لنا حملة السنة السادسة عشرة من أهم النقوش التي وصلت إلينا من هذا العصر،٧٦ ولا تنحصر أهميتها في أنها حددت لنا التخوم المصرية في هذا العهد في بلاد النوبة، بل لأن جُمَلَهَا المنمقة تذكرنا بالخطب التي ذكرها «ديدور» والذي يقول عنها إنها كُتِبَتْ على لوحة نقشها «سوزستريس» الخرافي تذكارًا لفتوحه، وتعد هذه النقوش بحق من أهم ما تركه لنا قدماء المصريين في كل عصورهم، إذ يتمثل لنا فيها قوة إرادة هذا الفرعون وشدة حرصه على مجد بلاده، وإذكاؤه نار الغيرة في نفوس أخلافه للمحافظة على فتوحاته، والدفاع عن حدودها بالنفس والنفيس، وهاك ترجمتها حرفيًّا لتكون مثلًا حيًّا لأبناء هذا الجيل من المصريين في وقت أحوج ما تكون فيه البلاد لمثل هذه العظات الخالدة.
نص لوحة الحدود الخالدة: في «السنة السادسة عشرة في الشهر الثالث من الفصل الثاني عندما مَدَّ جلالته الحدود لغاية «حح» (سمنة)». لقد جعلت تخوم بلادي أبعد مِمَّا وصل إليه أجدادي، ولقد زدت في مساحة بلادي على ما ورِثته، وإني ملك يقول وينفذ، وما يختلج في صدري تفعله يدي، وإني طموح إلى السيطرة، وقوي لأحرز الفوز، ولست بالرجل الذي يرضى لبه بالتقاعس عندما يُعْتَدَى عليه، أهاجم من يهاجمني حسب ما تقتضيه الأحوال، وإن الرجل الذي يركن إلى الدعة بعد الهجوم عليه يُقَوِّي قلب العدو. والشجاعة هي مضاء العزية، والجبن هو التخاذل، وإن من يرتد وهو على الحدود جبان حقًّا، ولما كان الأسود يحكم بكلمة تخرج من الفم، فإن الجواب الحاسم يردعه، وعندما يكون الإنسان ماضي العزيمة في وجهه (الأسود) فإنه يولي مدبرًا، أما إذا تخاذل أمامه فإنه يأخذ في مهاجمته، على أن السود ليسوا يقوم أشداء ولكنهم فقراء كسيرو القلوب، ولقد رآهم جلالتي، وإني لست بخاطئ في تقديري، ولقد أسرت نساءهم، وسقت رعاياهم. واقتحمت آبارهم، وذبحت ثيرانهم، وحصدت زرعهم، وأشعلت النار فيما بقي منها، وبحياتي وحياة والدي لم أنطق إلا صدقًا، دون أن تخرج من فمي فرية، وكل ولد أنجبه ويحافظ على هذه الحدود التي وصل إليها جلالتي يكون ابني، وولد جلالتي، وألحقه بنسبي، وإن من يحافظ على تخوم الذي أنجبه، يكون منتقمًا لأبيه حقًّا، أما من يتخلى عنها، ولا يحارب دفاعًا عن سلامتها فليس ابني ولم يولد من ظهري، والآن تأمل فإن جلالتي قد أمر بإقامة تمثال عند هذه الحدود التي وصل إليها جلالتي حتى تنبعث فيكم الشجاعة من أجلها، فتحاربوا للمحافظة عليها».
وهذا الروح الحربي نشاهده في الصور التي تنطق بها التماثيل الكثيرة التي تركها لنا هذا البطل العظيم، وبخاصة تلك التماثيل التي كُشِفَ عنها في ساحة معبد الملك «نب حبت رع» بجوار «الدير البحري» حيث أقامها لتكون تذكارًا لسلفه العظيم وهذه التماثيل تصور لنا «سنوسرت الثالث» في أطوار حياته الثلاثة المختلفة «الشباب- الكهولة-الشيخوخة»، وكلها موجودة بالمتحف البريطاني٧٧ وتلمح في تمثال شيخوخته وجهًا ينم عن القوة الساحقة والعظمة والكبرياء التي يمتاز بها عظماء الفاتحين.

وقد كان لانتصارات «سنوسرت الثالث» هذه في بلاد النوبة أثر عظيم في تاريخها وعاش اسم «سنوسرت» محرفًا باسم «سوزستريس» ومن ذلك نشأت خرافة «هردوت» عن «سوزستريس» إذ يقول لنا فيها «هذا الملك كان حينئذٍ هو الفرعون الوحيد الذي حكم «أثيوبيا» (بلاد النوبة)». وذلك طبعًا لا ينطبق على الواقع. ولكن من جهة أخرى يظهر لنا مقدار تأثيرات انتصارات «سنوسرت» في هذه البلاد، ولا نعلم إذا كان هذا الفرعون قد حَرَّمَ عبادة تمثاله الذي أقامه عند الحدود أم لا، ولكنا نعرف أن هذا التحريم — إذا كان قد حدث — نُسِخَ بعد مدة قصيرة، وأصبح «سنوسرت» من بين الآلهة الذين يعدون أربابًا لبلاد النوبة، وقد رأينا فيما سبق أن عبادته أصبحت على قدم المساواة مع عبادة الإله «ددون» والإله «خنوم» في قلعة «سمنة» في عهد «تحتمس الثالث»، ولما تولى «تهرقا» الفرعون النوبي حكم البلاد بعد انقضاء ألف ومئتي سنة من حكم «سنوسرت» أعاد معبد «سمنة» وعبادة فاتح النوبة العظيم «سنوسرت الثالث». كما سنرى ذلك بعد.

آخر حملاته إلى السودان: وعلى الرغم من هزائم «سنوسرت» المتتالية للسود فإنهم قاموا في وجهه كَرَّةً أخرى، ويظهر أنها كانت الأخيرة وكان قد مضى على إخضاعهم وكسر شوكتهم ثلاث سنوات، ولم تصلنا عن حملته الأخيرة معلومات شافية سوى نقش لرئيس إدارة موظفيه الذي يُدْعَى «ساتت» وهي لوحة عُثِرَ عليها في «العرابة المدفونة» وهي الآن بمتحف «جنيف» فيقول فيها: «حضرت إلى «العرابة» وبصحبتي كبير بيت المال «أخرنفرت» لينحت تمثالًا للإله «أوزير» «رب العرابة» عندما كان ملك القطرين «خع كاورع» الحي المخلد سائرًا ليهزم الكوش الخاسئين في السنة التاسعة عشرة».

ولم تحدثنا الوثائق عن الحد الذي وصل إليه «سنوسرت الثالث» في داخل بلاد النوبة ولكنه ثبت الحدود في «سمنة» تمامًا ومن ثَمَّ أصبح في مقدوره أن يتبع القبائل المغيرة في عقر دارها؛ ومن هنا كان تأثير هذه الحملة عظيمًا في إلقاء الرعب والهلع في قلوب أهالي السودان.

وقد حدثنا الأستاذ «ريزنر» عن حملات «سنوسرت الثالث» من وجهة نظره فيقول ما مضمونه:٧٨ يظهر أولًا أن الحملة أو الحملات التي جاء ذكرها في النقوش التي تركها لنا «سنوسرت الثالث» لم تكن حملات حربية جدية شُنَّتْ لمقاومة كبيرة من قبل النوبيين بل كانت في الواقع حملات تأديبية من الصعب أن تجد من تؤدبه؛ وذلك أن القبائل المجرمة كانت تهرُب على ما يظهر إلى الصحراء وكان المصريون يحطمون كل الممتلكات التي لم يكن في مقدور الهاربين حملها ويستولون على العبيد والنساء الذين تُرِكُوا خلف الفارين. وكان يتتبع المجرمين إلى أماكن بعض الآبار في الصحراء، وعندما كان المصريون ينسحبون كان رجال القبائل يعودون إلى سلب محاطِّ القوافل. وكانت مجموعة الحصون التي بنيت أو التي كانت موجودة بين «سمنة» و«حلفا» تظهر بوضوح الإقليم الذي كان تقوم فيه الاضطرابات، وقائمة الحصون (التي سنتحدث عنها فيما بعد) التي نشرها «جاردنر» تقدم لنا اثني عشر حصنًا جنوبي «بيجه»، ثمانية منها تقع في المسافة التي بين «بهين» و«سمنة» وكلها عدا واحدة على الشاطئ الغربي أو في جزر النهر. وحصون «سمنة» تحرُس النهر من هجمات الجنوب وهي مع كل الحصون الأخرى يظهر أنها قد أقيمت للحماية من الهجمات الآتية من الغرب. ونعلم أنه كان على الأقل «لسنوسرت الثالث» حصنان بالقرب من «سمنة» وواحد عند «مورجيس» وأن الباقي كان موجودًا قبل عهده. ومن الواضح أنه في الجزء الأوَّل من عهد «سنوسرت الثالث» كانت التجارة قد شُلَّتْ على يد رجال القبائل في نقاط بالقرب من «سمنة» وبخاصة على الشاطئ الأيمن.

والواقع أن الأعمال التي كانت تجري عند «إلفنتين» وأعني بذلك القناة والمباني كانت تحسينات دائمة لطريق المواصلات مع الجنوب، ولم تكن متصلة بأية حملة خاصة يقوم بها الملك، فالذهب أو السام الذي ذكر في السنة التاسعة عشرة أن الملك أحضره من بلاد «كوش» يمكن أن يكون قد أحضر بطرق التنجيم العادية من المناجم أو بالسلب وفرض الغرامات على الأهلين. وهذا لم يكن يستلزم حروبًا طاحنة.

والآن يتساءل المرء نتيجة لذلك عن عدد الحملات التي قام بها «سنوسرت الثالث» في بلاد «كوش» من هذا النوع. وإذا فهمنا النقوش حرفيًّا وجدنا ثلاث حملات: الأولى حدثت في السنة الثامنة، والثانية في السنة السادسة عشرة، والثالثة في السنة التاسعة عشرة.

وحملة السنة الثامنة ترتكز على نقش القناة الذي ذُكِرَ فيما سبق ولوحة المتحف البريطاني السابقة أيضًا. ولوحة «سمنة» الأولى السالفة الذكر لا تحتاج إلى استنباط أن الملك كان في بلاد «كوش» ولكن نفهم منها بطبيعة الحال وجوده هناك. والبيان الوحيد فيها بالنسبة لصفة هذه الحملة هو أن الملك صعد في النيل ليهزم «كوش» الخاسئة ومن المحتمل كما سيظهر أن شعر لوحة «سمنة» الثانية وترجمة حياة «خوسبك» يشير كل منهما إلى هذه الحملة.

وحملة السنة السادسة عشرة ترتكز فقط على لوحة «سمنة» الثانية غير أن هذه اللوحة لا تذكر لنا بيانًا محددًا عن هذه الحملة فتقول فقط: «عندما عمل جلالته حده الجنوبي عند «حح» (سمنة)» غير أنه ينبغي أن يلحظ أن الملك على حسب ما جاء في لوحة «سمنة» الأولى كان قد عمل حده الجنوبي عند «حح». فاللوحة المزدوجة التي عُثِرَ عليها في «ورنرتي» تقول: «عندما أقيم الحصن المسمى «طرد الأونتيو» والشعر الذي نقش على هاتين اللوحتين وهو الذي يصف لنا أخلاق العبيد ويدعي الانتصار عليهم يستند بطبيعة الحال على حقيقة تاريخية، غير أن أساس الحقيقة قد يرجع إلى عدة سنين قبل السنة السادسة عشرة كالسنة الثامنة مثلًا. وإقامة الحصن على «ورنرتي» (جزيرة «ورو») وكذلك إقامة الحدود بنصب حجر تذكاري جديد ليست إلا حقائق قد حددت السنة السادسة عشرة. ولا نزاع في أن إقامة الحصن يدل بوضوح على أن شيئًا قد حدث بين السنة الثامنة والسنة السادسة عشرة يحتم ضرورة زيادة حصن جديد. ومن المحتمل أن سبب ذلك يرجع إلى أن القبائل الغربية قد عبروا النهر إلى الجزيرة وهاجموا القوافل الذاهبة إلى «كرمة» على الشاطئ الشرقي في أسفل حصون «سمنة» وإذا كانت نقوش «خوسبك» وهي التي تذكر أن الملك ذهب جنوبًا ليهزم قبائل «أونتيو» لها علاقة بإقامة هذا الحصن فإن الملك يكون قد أتى بنفسه وقَوَّى الحاميات وأقام الحصن الجديد ليمنع تكرار الغارات عند هذه النقطة.

ومن الجائز أن حصن «مرجيس» الذي يحتوى على معبد للملك «سنوسرت الثالث» كان قد أقيم في نفس الوقت. وليس من المؤكد أن ترجمة حياة «خوسبك» تشير إلى السنة السادسة عشرة بقدر ما يمكن أن تدل على السنة الثامنة، وهي التي قيل عنها في نقش إلفنتين قد قامت فيها حملة لهزم الكوش توصف كذلك بأنها كانت حملة لهزم «أونتيو» أرض «ستي» (بلاد النوبة). وعلى ذلك فإني أشعر ببعض الشك في حضور الملك إلى بلاد «كوش» في السنة السادسة عشرة.

وحملة السنة التاسعة عشرة ترتكز على نقش لوحة «ساتت» السالفة الذكر والحقائق الخاصة بهذه الحملة كما ذكرها «إخرنفرت» و«ساستت» في لوحتيهما هي كما يأتي: «أرسل «أخرنفرت» بأمر الملك ليعمل في «العرابة» مستعملًا السام الذي أحضره الملك بنصر من بلاد «كوش». وقد حضر معه «ساستت» وكان ذلك في السنة التاسعة عشرة عندما ذهب «سنوسرت الثالث» ليهزم «كوش» الخاسئة». ومما تجدر ملاحظته أننا لا نعرف شيئًا قَطُّ عن الوقت الذي أقيمت فيه هذه اللوحة ولا يمكن أن نكون متأكدين من أنها وثيقة معاصرة مثل لوحة القناة واللوحات الرسمية. ومن المحتمل أن هناك بعض خطأ؛ ولذلك فإن لوحة «ساستت» وحدها دون أن يعضدها برهان آخر لا يمكن أن تكون بذاتها برهانًا قاطعًا على قيام حملة في السنة التاسعة عشرة من حكم «سنوسرت الثالث».

وللأسباب السالفة نجد أن حملة السنة الثامنة هي التي ظهر قيامها بوضوح، أما الاستنباطات الخاصة عن الحملة أو الحملات الأخرى، وكذلك فيما يخص الأحوال السائدة في «كوش» فإنها لم تتأثر كثيرًا سواء أكان الملك قد قام برحلة أو اثنتين أو أكثر إلى بلاد «كوش». ولكن تبقى هناك حقيقة وهي أنه لم يذهب إلى بلاد «كوش» ليفرض بطشه على القبائل، أو أنه نهب قبائل الصحراء بدون جدوى، وأنه أقام على أقل تقدير ثلاثة حصون وأنه حافظ على استيراد المعادن الثمينة، ويحتمل كذلك محاصيل أخرى من بلاد «كوش» وإني لا أجد في الوثائق أي أثر لثورة قام بها أهل «كوش» الساكنون على شاطئ النهر كما لا يوجد أثر يدل على فتح بلادهم، بل نجد برهانًا واضحًا على أن «سنوسرت الثالث» قد مَكَّنَ أعماله الخاصة بالحماية على طول الطريق وزاد في الْمَحَاطِّ الحربية ليجعل التجارة في مأمن نسبيًّا.

هذا موجز ما ذكره «ريزنر» عن حروب «سنوسرت الثالث» وهو بذلك يريد أن يفرض علينا أنه لم يقم إلا بحملات قليلة لا تزيد عن حملتين وأنه لم يكن هناك في عهد حروب بالمعنى الحقيقي، هذا على الرغم من أن ملوك مصر العظام الذين قاموا بالفتوح العظيمة في عهد «تحتمس الثالث» قد أَلَّهُوا «سنوسرت الثالث» وجعلوه من كبار الفاتحين، بل كان يُعَدُّ في نظرهم أعظم ملك حربي، كما يرى القارئ فيما ذكرناه من قبل في هذا الصدد. وعلى أية حال فإن «سنوسرت الثالث» قد قام بحروب عظيمة في السودان لما كان من أهلها من عبث بالأمن ومناهضة المصريين، ولا تقل الحملات التي قام بها على حسب أحدث الكشوف التي قامت في الأزمان الأخيرة عن أربع حملات ونجد في كلام «ريزنر» بعض التشكك في عدد حملات «سنوسرت» هذا إلى أنه أهمل ذكر حملة.٧٩

أمنمحات الثالث٨٠

ويلحظ أن الإشارة إلى بلاد «كوش» من الوجهة الحربية في عهد من تبقى من ملوك الأسرة الثانية عشرة أي في عهد كل من «أمنمحات الثالث» و«أمنمحات الرابع» والملكة «سبك نفرو رع» كانت قليلة جدًّا، فنجد في «أسوان» تسعة نقوش على الصخر مؤرَّخَة بعهد الملك «أمنمحات الثالث». هذا وقد وصل إلينا عدد عظيم من مقاييس ارتفاع النيل في عهد هذا الفرعون مُدَوَّنَة في «سمنة» و«قمة».٨١ وكذلك لدينا من عصره بعض إشارات من أشخاص عاشوا في عهده من بينهم شخص يدعى «سيمنتو» يقول في نقش له: «السنة السادسة من عهد الملك «أمنمحات الثالث» العائش أبديًّا، الثقة الحقيقي للملك والمحبوب منه والقاضي وفم «نخن» «سيمنتو» سيد الاحترام ليت كل من يمر بهذا النقش يقول إذا أراد أن يعود إلى بيته ويرى زوجه سعيدة وأقاربه غير فقراء: قربانًا يقدمه الملك إلى القاضي وفم «نخن» «سيمنتو»»، والظاهر أن نفس هذا الرجل قد جاء ذكره على لوحة بالمتحف البريطاني من «سمنة».٨٢
وكذلك لدينا بعض النقوش من عهد هذا الفرعون وُجِدَتْ في المحاجر الواقعة في الشمال الغربي من «توشكى»٨٣ وكذلك وُجِدَ له لوحة في «كوبان».٨٤
ومن جهة أخرى وجدت أشياء في مقابر النوبة السفلى في حصن «ورنرتي» نقش عليها اسم الفرعون «أمنمحات الثالث»،٨٥ ولدينا بعض رسائل ترجع إلى عهد هذا الفرعون.٨٦ ولم نعثر على نقوش من عهد هذا الفرعون خاصة بحروب قام بها. والواقع أن البلاد في عصره وعصر خليفته «أمنمحات الرابع» والملكة «سبك نفرو رع» وكذلك العصر تلاهم أي في عهد الأسرة الثالثة عشرة كانت في سلام وكانت بلاد النوبة مرتبطة بمصر ارتباطًا وثيقًا من حيث العمل وتبادل التجارة. وقد عُثِرَ على بعض مقابر مصرية في بلدة «بهين» وفي بلدة «عنيبة» تبرهن على وجود مستعمرين مصريين فيهما.
وتدل أعمال الحفر على أنه في عهد «أمنمحات الثالث» حدث في «كرمة» إصلاح في سور «أنبو أمنمحات» على يد موظف مصري،٨٧ مما يدل على أنه في هذا العهد كانت وكالات التجارة التابعة للحكومة محمية وأن التجارة كانت مزدهرة بين السودان ومصر.

هوامش

(١) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٧ إلخ.
(٢) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٣٦.
(٣) راجع: Breasted, A.J.S.L. 21, p. 111.
(٤) راجع: Naville, Deir El Bahari (IIth Dy.), 1, 5.
(٥) راجع مصر القديمة الجزء الرابع ص ١٢٥، ٢١٢، ٢٤٣.
(٦) راجع: J.E.A., V., p. 288.
(٧) راجع: Naville, I, 55 and 50,
(٨) راجع: Naville, Ibid, III, pl XIII, 5.
(٩) راجع: A.J.S.L. (1940), p. 137.
(١٠) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٦٣ إلخ.
(١١) راجع: Debod bis Kalabasche, p. 103, f; Tafel 1. 6 ff.
(١٢) راجع: Kees, Kulturgesch., p. 345.
(١٣) راجع: MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, Vol I, Cambridge, 1922 p. 156, and 179.
(١٤) راجع: Die Ächtung feindlicher, Fürsten, etc.
(١٥) راجع: Posener, Princes et Pays d’Asie et de Nubie, Chronique d’Egypte, 14, p. 39 ff.
(١٦) راجع: Save, Ibid, p. 61 ff.
(١٧) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٤٠.
(١٨) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٦٩ إلخ.
(١٩) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٧٠ إلخ.
(٢٠) راجع: The Egyptian Expedition, Metropolitan Museum (1921-22), p. 12; comp.; Sethe, Die Thronwirren unter den Nachfolgern Königs Thotmosis I, p. I. anm. 4.
(٢١) راجع: Save, Ibid; P. 64
(٢٢) راجع: J.E.A., 7, p, 124, Anm. 2; cf. Junker and Delaporte, Die Völker des Antiken Orients, p 88; Winlock, J.E.A. 26, p. 119.
(٢٣) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٨٥ والأدب المصري القديم جزء أول ص ٢٠٤.
(٢٤) راجع: Urkunden Des Mittlerenn Reiches I, VII, 12.
(٢٥) راجع: Ed. Meyer, Gesch, Alt, 1, 2, p. 264.
(٢٦) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٨١–١٨٢.
(٢٧) راجع: A.Z., (1882), P. 30; Br. A.R.I., p. 473, etc
(٢٨) راجع: Weigall, Report, Pl. XXXII, 6
(٢٩) راجع: De, Morgan, Cat. Gen., I, p. 34, No. 81
(٣٠) راجع: Reisner, Kerma, 542 f.; 511 ff.
(٣١) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٠٥.
(٣٢) راجع: A.S., XXXIII, p. 65 ff.
(٣٣) راجع: A.S., XXXIX, p. 186 ff
(٣٤) راجع: Maclver and Woolley, “Bullen”, pp. 89, 95.
(٣٥) راجع: Petrie, History, p. 163.
(٣٦) راجع: Muller, Die Felsengräber du Fürsten Von Elephantine; Scharff, Aegyp. Forschungen, Heft. 9 (1940).
(٣٧) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٣٠.
(٣٨) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢١٣.
(٣٩) راجع: A.S., VIII, p. 47.
(٤٠) راجع: Urk., VII, p. 5. B ومصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٢٥ ملحوظة (١).
(٤١) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٢٣.
(٤٢) راجع: British Museum Hierog. Text, IV Pls, 2 and 3
(٤٣) راجع: A.S., 38, Pl. LV, 3, p. 389
(٤٤) راجع: A.S., 39, p. 187
(٤٥) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ١٤٩.
(٤٦) راجع: Berlin No. 1203; L.D. II p. 123 b.
(٤٧) راجع: A.S. 33, p-70 f.
(٤٨) راجع: Ibid, p. 32
(٤٩) راجع: Reisner, Kerma II, p. 545.
(٥٠) راجع: L.R., I, p. 270
(٥١) راجع: De Morgan, Cat, Gen. I, 19, No, 94; L D., II, 11 and G.
(٥٢) راجع: Roeder, Debod bis Bab Kalabsha, p. 114 pl. 108 d.
(٥٣) راجع: Save Soderbergh, Agypten and Nubien, p. 72,. Not b
(٥٤) راجع: Weigall, Report, PI, L III
(٥٥) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٢٤ إلخ.
(٥٦) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٢٧.
(٥٧) وهو المعروف باسم «حبزافي» أيضًا.
(٥٨) راجع: Brit. Mus. Stela, No, 569; texts II, 19, 20; Br. A.R., I, § 602; A. Z., 12. III ff.
(٥٩) راجع: L.D. II, 123 e; De Morgan, Cat Gen. I, p. 25, No. 178.
(٦٠) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٤٨.
(٦١) راجع: Aniba, II, p. 11; Emery-Kirwan, p. 55.
(٦٢) راجع: A.S., 33 p. 71 f. ومصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٧٣.
(٦٣) راجع: A.S. Vol. XXXIII, p. 72.
(٦٤) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٧٨–٢٨٩.
(٦٥) راجع مصر القديمة الجزء الأوَّل ص ٣٨٣.
(٦٦) راجع: Sethe, Lssestücke, p. 85; De Morgan Gat., I, 86, No. 20 and 86; Rec Trav., 13, p. 202. وكذلك راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٨٠ إلخ.
(٦٧) راجع: Br., 169 [852]; Hierog. Texts Vol. IV, 10 and Br. A.R., I, § 550
(٦٨) راجع: Berlin, No. 14753, Agyp. Inschrif, Konig, Mus, Berlin I, 255 f; L.D. II, 163, i and Sethe Lesestücke p-84. ومصر القديمة الجزء الثالث ص ٢٨١.
(٦٩) راجع: Petrie, Season Pl, XIII, No. 340
(٧٠) راجع: Br., A R. Vol. I, § 65; Reisner, Kerma, II, p. 547.
(٧١) راجع: L.D., II, P. 136, Sethe, Lesestucke, p. 83.
(٧٢) راجع: L. D. I, 111-112; Maspero, Larcheologie Egyptienne, p, 9, 29, 30
(٧٣) راجع: Weigall, Lower Nubia, p. 104
(٧٤) راجع: Maclver and Woolley, “Buhen” p. 41, 42
(٧٥) راجع: Dunbar, The Rock Pictnres of Lower Nubia, p. 15, 16.
(٧٦) راجع: L.D., II, 136.
(٧٧) راجع: Naville, 11th Dyn. Temple, Vol. I, Pl, XIX; Vol. II, Pl. II.
(٧٨) راجع: Reisner, Kerma, II. pp. 549-551.
(٧٩) راجع: Reisner, Kerma, II, p. 551.
(٨٠) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٣٠٩ إلخ.
(٨١) راجع: L.D. II, p. 139
(٨٢) راجع: B.M. Hierog. Texts IV. Pl. 16.
(٨٣) راجع: A.S. 33, p. 72.
(٨٤) راجع: L.D. II, 138g; L.D., Texts., V. p. 60.
(٨٥) راجع: Junker, Kubanieh Sud., p. 159.
(٨٦) راجع مصر القديمة الجزء الثالث ص ٤١٥ و٤١٩.
(٨٧) راجع: L.D. II, p. 114 f.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠