الأفعال في اللُّغَة العربية١

مَن قابل كُتبَ الصرفِ والنحوِ في اللُّغَة العربيةِ — على كثرتها بين قديمةٍ وحديثةٍ — بمثلها في اللُّغات الإفرنجية يجد هناك فروقًا كثيرة، أهمها أن الإفرنج قد طبقوا أحكام لُغاتِهم وقواعدها على ما وصلوا إليه من الحقائق في علم اللُّغَةِ أو فلسفتِها، وهو العِلْمُ الذي يبحث عن تاريخ الألفاظ وتنوعها ودلالتها مع ما طرأ عليها من التغير كما قال المرحوم جرجي زيدان في كتابه «فلسفةُ اللُّغةِ»، بحيث صارت أحكامُ لُغاتهم وقواعدها لا صناعة فقط كما هي عندنا بل عِلمًا أيضًا، ولهم في ذلك غرضان: الأول؛ تسهيل تلك الأحكام على الطالب وتقريب مَنالِها منه؛ لأن الأحكامَ المعقولةَ أسهلُ فهمًا وأقرب تناولًا مِن الأحكامِ غير المعقولةِ. الثاني؛ جعلُ الفائدةِ مِن تِلكَ الأحكامِ أتَمَّ.

•••

لِكلِّ موضوعٍ من موضوعات التعليم؛ كالقراءة، والكتابة، والحساب، والصرف، والنحو، وغير ذلك فائدتان: الأولى؛ ذاتية، أي: يتعلمه الطالب لأنه سيحتاج إليه في الحياة. والثانية؛ عرضية، أي أن درس ذلك الموضوع يساعد على توسيع إدراك الطالب وترويض قواه العقلية، وتعويده التفكير والملاحظة والاستنتاج، ولا تتم هاتان الفائدتان إلا إذا كانت حقائق كل موضوع معقولة صحيحة تُربط فيها الأسباب بنتائجها ويُرجع في النتائج إلى أسبابها مما خلت منه كُتبُنا الصرفيةِ والنحويةِ، بلى قد حاول الصرفيون والنحويون أن يُعللوا أحكامَهم ويربطوها بأسبابها، إلا أن أكثر الأسبابِ التي ذكروها واهيةٌ حتى ضُرِبَ المثلُ بضعفِ حُجَّةِ النحويِّ، والطالبُ الذي يتعلم على هذا الأسلوب السطحي الشاق، ويقتنع بتلك الأسباب والعلل الواهية، ويتعود أن يتلقاها بدون نكير ولا تفكير، تُظلم مع الأيام بصيرتُهُ، ويأفن رأيُه، وتضعف فيه أداةُ الحُكمِ بحيث يسهل استدراجه إلى تصديق كل خرافةٍ واعتقاد كل سخافة، فضلًا عمَّا يستغرقه الدرسُ على ذلك الأسلوب من الوقت الطويل عبثًا، فما أجرأنا والحالة هذه أن نتدارك الأمر فنجري على الطريقة الإفرنجية في بِناءِ أحكامِ لُغتِنا وقواعِدِهَا على مبادئ عِلميةٍ جديدةٍ؛ تسهيلًا على الطالب واقتصادًا في وقته وترويضًا لعقله، وهذا ما أحاول بسطه لديكم راجيًا أن تغتفروا خروجي عن المألوف المتعارف، وسأقتصرُ على الكلامِ عن الفعل في اللُّغَة العربية؛ لأن البحث في الفعل أهمُّ الأبحاثِ الصرفيةِ في كلِّ لُغةٍ.

•••

تعرفون أن الفعلَ لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه؛ بل لا بد له من فاعلٍ يفعله، فالجلوس لا بُدَّ له مِن جَالسٍ، والخروج لا بُدَّ له من خَارجٍ، وكذلك لا بُدَّ له من وقتٍ، فإذا وجد الفاعل ولم يكن وقت، أو وجد الوقت ولم يكن فاعل فلا يقع فعل. فإذا أردنا تصريف الفعل احتجنا إلى ثلاثةِ أشياءَ: صيغةٌ للفعلِ، وعلامةٌ للفاعِلِ، وعلامةٌ للزمانِ.

الصِّيغةُ

صِيغةُ الفعلِ مأخوذةٌ مِن المصدرِ، ومعنى ذلك أن العربَ كانوا يُصرفون المصدرَ مع الضمائر، ولا تزال آثار ذلك في اللُّغَة إلى اليوم؛ إذ لا نزال نستعمل المصدرَ أمرًا فنقول: صبرًا، مهلًا، رفقًا، ولم يكن في الأصلِ فرقٌ بين صِوَرِ المصدرِ وصِيغِ الفِعلِ، ولا تزال بعضُ الأفعالِ تُشبه المصدر، مثل: «طلب، والطلب» من الصحيح و«جر والجر» من المضاعف. وكانت صِوَرُ المصدرِ قليلةٌ على عد صيغ الفعل، فكان المصدرُ من الصحيح يجيء على وزن «طرق» بإسكان الأول والآخر؛ لأن أول ما وُضِعَ مِن أسماءِ الأحداثِ كان البعضُ مِنه مَحكيًّا عن الأصواتِ المسموعةِ من الحيوانِ أو الجمادِ، فإذا حاكينا الأصوات الخارجية في ذي ثلاثة أحرفٍ جِئنا به ساكن الأول والآخر. ولا يزال المصدرُ في السريانية كذلك على حكايته الأصلية، ثم حركنا الحرف الأول فيه في الماضي تفاديًا من خشيبة اللفظ وتعسر الابتداء بالساكن كما قال جبرُ ضومط في كتابه «خواطر في اللُّغةِ». وكانت حركته الفتح؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ، ورددناه إلى السكونِ في المضارع على ما كان عليه في الأصلِ؛ لانتفاء الابتداء بالساكن لوقوع حرفِ المضارعةِ قَبله. وكان المصدرُ من الناقص على وزن «رمى»، وأصل حِكايته من بابِ حكايةِ الصحيحِ، أي: الأصل فيه أن يكون ساكن الأول كما هو في اللُّغَة السريانية.

وكان المصدرُ من المضاعفِ على وزن «جر»، وهو إما أن تقصد به حِكاية الصوت، نحو: «فَحَّتِ الأفعى» و«أنَّ المريضُ» و«خرَّ الماءُ» و«شَقَّ الثوبَ» و«جَرَّ الحبلَ» و«مَصَّ الشرابَ» و«شمَّ الطِّيبَ»، وإما أن تراعى فيه حِكاية الحركةِ، مثل: «هَبَّ النائمُ» و«حَلَّ العُقدةَ» و«شَبَّتِ النارُ»، أو حِكاية صفةِ الشيءِ بما توهم في مقاطِعِ الحروفِ من الصِّفاتِ وما في اقترانها من الهيئاتِ، نحو: «رَثَّ الثوبُ» و«كَلَّ السيفُ» و«خفَّ الحِمْلُ» و«جَفَّ الغُصْنُ»، ومِن ذلك في لُغةِ الأطفالِ «دح» للشيءِ الحسن، و«كخ» للشيءِ القبيحِ؛ لما توهَّمُوا في اقتران الدَّالِ والحَاءِ مِن الحُسن واقتران الكَافِ والخَاءِ مِن القُبْحِ.

وكان المصدرُ من الأجوف على وزن «قام» وأكثر ما يُقصد به حِكاية الحركةِ؛ نحو: «سَالَ الماءُ» و«ذَابَ الجَامِدُ» و«مَاعَ السَّائِلُ» و«فَاحَ الطِّيبُ» و«حَامَ الطَّائِرُ» و«غَاصَ الحُوتُ» لِما بين المدِّ فِيه وحركةِ المَحكِي مِن المطابقة.٢

وعلى ذلك فصورُ المصدرِ الأصلية أربع على عددِ صِيغ الفعلِ، ثم مع كرورِ الزمانِ وتلاعبِ اللسانِ خرج المصدرُ عن الحِكايةِ الأصليةِ وتفرع إلى صِوَرٍ عديدةٍ كثيرةِ الأشكالِ مختلفةِ الحركاتِ بين مشبعةٍ وقصيرةٍ، مثل: كِتابة، ورجوع، وعلانية، وندامة، وعِرفان، وجولان، ورحيل، وقيام … إلى نحو اثنين وأربعين شكلًا كما هو مذكور في كُتبِ الصَّرفِ المطولة؛ ولذلك تكون «الكتابة» مثلًا صورة جديدة عن «كَتَبَ»، و«الجلوس» صورة جديدة عن «جَلَسَ».

ويظهر أن هذا التفرع نشأ بعد أن تولدت في اللُّغَة صيغُ الفعلِ، وإلا فكان يجب أن تكون صيغُ الفعلِ على قَدْرِ صيغِ المصدرِ الجديدةِ. وقد لَزمَنا في التصريفِ حِكايةُ المصدرِ الأصليةِ لِخِفَّتِها وحُسن وَقْعِهَا؛ لأننا لو صرفنا أشكالَ المصدرِ على اختلافِ صورها وكثرة مقاطعها مع الضمائر لجاءت ثقيلة طويلة. إذن ليست صيغ الفعل إلا صور المصدر القديمة. وإذا قلنا إن المصدرَ هو أصلُ الفعلِ عنينا بذلك صوره القديمة لا صوره الجديدة التي تفرعت عنها، وهذه الصور القديمة لا تزال محفوظة في صيغ الفعل كما تحفظ «الأحافير» في طبقاتِ الأرضِ مِمَّا قد يُوهم أن الفعلَ هو الأصل وأن المصدرَ هو الفرع.

الفَاعِلُ

المهم في بيان الفاعلِ معرفةُ جِنْسِه؛ أي: هل هو مذكرٌ أم مؤنثٌ؟ وعوده؛ أي: هل هو مفردٌ أم مثنى أم جمع؟ وشخصه؛ أي: هل هو متكلمٌ أم مخاطب أم غائب؟ وقد استعملنا الضميرَ المتصل لبيان ذلك في الماضي والمضارع والأمر، فمن أين أتينا بهذه الضمائر؟! لم يكن في الأصل إلا ضمائر منفصلة كما نرى في اللُّغات الإفرنجية، ولا بُدَّ أنه مرَّ زمانٌ طويلٌ على العربِ كانوا يستعملون فيه الضمائرَ المنفصلة في التصريف، فكانوا يقولون في تصريف الماضي: «ضرب هو»، «ضرب هما»، «ضرب هم»، «ضرب هي»، «ضرب هما»، «ضرب هن» … إلخ، وفي تصريف المضارع: «هو ضرب»، «وأنا ضرب»، و«نحن ضرب»، و«أنت ضرب» … إلخ، وفي تصريف الأمر: «اضرب أنت»، «اضرب أنتما»، «اضرب أنتم» … إلخ، ثم مع كرورِ الزمانِ وتلاعبِ اللسانِ نحتنا منها الضمائر المتصلة، وسنعود إلى هذا البحث عند كلامِنا عن صيغِ الفعلِ الماضي والمضارعِ والأمر.

الزَّمَانُ

الزَّمَانُ ثلاثةُ أنواعٍ: ماض، وحاضر، ومستقبل، وفي اللُّغَة العربيةِ ثلاث صيغ للفعل: صيغةُ الماضي: وهي موضوعة للماضي، وصيغة المضارع: وهي مشتركة بين الحال والاستقبال، وصيغة الأمر: وهي مختصة بالاستقبال، فما هي علامة الزَّمانِ في هذه كانوا يستعملون فيه الصيغةَ الواحدةَ بدلًا من الأخرى أحيانًا، ونرى مثل ذلك في اللُّغَة العبرية، فإنهم مع وجود صِيغِ الماضي والمضارعِ والأمرِ في لُغَتِهم قد يستعملون الصيغة الواحدة بدلًا من الأخرى، فهم يقولون مثلًا: «اذهب» و«قلت لهذا الشعب» كما هو وارد في الماضي للحاضر، نحو:

فلِلهِ يَوْمٌ أنت فيه مسلم
وهبت له جرم الزمانِ الذي خلا

أي: أهب؛ ونحو كما «يقول الشاعر» أي: كما قال، وﮐ «بعتك الدار» في الإنشاء الإيقاعي، أي: أبيعك. وقد نستعمل الماضي للمستقبل في الإنشاء الطلبي، نحو: «رحمك الله»، أي: يرحمك، وفي الشرط، نحو: «إن قمتَ قمتُ»، أي: إن تقم أقم، ونستعمل المضارعَ للماضي مع «لم» في النفي المنقطع، نحو: «لم أذهب» ومع «لما» في النفي المتصل بالحاضر، نحو: «جئت ولما تطلع الشمس»، وللمستقبل القريب مع السين في حالة الإثبات، نحو: «سأذهب»، ومع «لا» في حالة النفي، نحو: «لا أذهب»، وللمستقبل البعيد مع «سوف» في حالة الإثبات، نحو: «سوف أذهب»، ومع «لن» في حالة النفي، نحو: «لن أذهب».

ونستعمل الماضي والمضارع للأزمنة كلها؛ نحو: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ أي: مَن يُؤمِن دائمًا، وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ أي: يُحيي ويُميت دائمًا، إلا أن استعمالَ الصيغةِ الواحدةِ لغير الزَّمانِ الموضوعة له محصورٌ في مَواطن مخصوصة لا يتعداها، فصار استعمالها كذلك قياسًا، وفيما عدا ذلك لا يجوز استعمال الصيغة الواحدة إلا فيما وضعت له، فكيف تدل الصيغة على الزَّمانِ؟ إذا اعتبرنا الضمائر المتصلة علامات للفاعل فليس هناك إلا صيغة الفعل وعلامة للفاعل، وأما الزَّمان فليس له علامة.

وقد اختلف الصرفيون في دلالةِ الفعلِ على الزَّمان؛ فمنهم من قال إن الفعلَ يدل على الحدث والزَّمان معًا بالمطابقة؛ كدلالةِ الإنسانِ على الحيوانِ الناطق، فإنَّه تمام المعنى الموضوع له اللفظ، وهذا مذهبُ الجمهورِ، وقال آخرون؛ كالسيد: إنَّ دلالةَ الفعلِ على الحدث والزَّمان تضمن كدلالةِ الإنسانِ على الحيوانِ فقط أو الناطقِ فقط لِدخولِ الجزءِ ضِمن المعنى الموضوع له اللفظ، وقد اختار ذلكَ الصَّبَّانُ، وقال الشاطبيُّ: إنَّ الفِعلَ يدلُ على الحدثِ بالمادة، وعلى الزَّمانِ بالصيغةِ، نحو: «ضرب» فالضاد والراء والباء تدل على الحدثِ في المصدرِ، والفِعلُ واسمُ الفاعِلِ وسائر المشتقاتِ من هذه المادة، وبناؤها على وزن «فَعَلَ» يدل على الزَّمان؛ بل قالوا إن الفِعلَ يدل على الفاعل والمكان التزامًا كدلالةِ الإنسانِ على الضاحك، فالضاحك خارج عن الإنسان ليس كلًّا له ولا بعضًا منه، ولكنه لازم للمعنى الموضوع له اللفظ، هذا ما يقوله الصرفيون، ولكن إذا كان الفِعلُ يدلُ على الحدث والزَّمان بالمطابقة أو التضمن، وعلى الفاعِلِ والمكان بالالتزام كما يقولون، فلماذا لا يكون للمصدر وسائر المشتقات كل هذه الدلالات؟ على حين نرى أن البصريين جَرَّدوا المصدرَ مِن الدلالةِ على غير الحدثِ في احتجاجهم على الكوفيين؛ إذ قالوا إن مدلولَ المصدرِ واحدٌ وهو الحدث، ومدلول الفعل متعدد؛ لأنه يدل على الحدث والزَّمان بالمطابقةِ وعلى الفاعل والمكان بالالتزام، والواحد قبل المتعدد، وإذا كانت الصيغة تدل على الزَّمان كما قال الشاطبيُّ، فكيف نعرف الزَّمان إذا تساوت صورة الماضي والمضارع، مثل: «مسَّ يَمِسُّ»، و«خَافَ يَخَافُ»، لا بُدَّ إذن أن تكون هناك قرينة أخرى على الزَّمان، كان يجب أن تكون علامة خصوصية للزمان كما أن هناك علامة خصوصية للفاعل على ما نرى في بعض الأفعال في اللُّغَة الإنكليزية، مثل: he-wolk-ed فلفظة he علامة للفاعل، ولفظة wolk صيغة الفعل، ولفظة ed علامة للزمان، ولكنَّ العرب استخدموا علامة الفاعل للدلالة على الفاعل بلفظها، وعلى الزَّمان بموضعها، فإذا أرادوا الماضي وضعوا علامة الفاعل في الآخر.

فكانت صيغة الماضي، نحو: ضَربتُ وضَربْنا، وإذا أرادوا الحاضر وضعوا علامة الفاعل في الأولُ نحو: أضرِبُ ونضرِبُ، وإذا أرادوا المستقبل استخدموا صورة الحاضر مع قرائن أخرى كالسين وسوف وغيرهما، كما يفعل الأخرس؛ فإنه إذا أراد الإشارة إلى فِعلٍ فَعَلَهُ في الزَّمان الماضي فإنه يشير أولًا إلى الفِعلِ ثم إلى نفسه، وإذا أراد الإشارة إلى فِعلٍ يفعله في الحاضر أو المستقبل أشار أولًا إلى نفسه ثم إلى الفِعل. فالزَّمان إذن ليس له علامة خاصة به كالفاعِل ولكن له موضعًا، وعلامةُ الفاعِلِ تُستخدم لأمرين: للدلالة على الفاعِلِ بلفظها، وعلى الزَّمان بموضعها. ولنشرع الآن في الكلام على كلِّ صِيغة بمفردها.

المَاضِي

يَتميَّز المَاضي عن المضارعِ والأمرِ في الأصل بوضع علامةِ الفاعلِ في آخره، وسترى أن علاماتِ الفاعِلِ في آخِر المضارعِ والأمرِ ليست أصلية فيهما أولًا، وهي غير علاماتِ الفاعِلِ في آخر الماضي ثانيًا. وقد قلنا إن الضمائر المتصلة منحوتة من الضمائر المنفصلة، وإليك تصريف «ضَرَبَ» مثلًا مع الضمائر:
هُوَ ضَرَبَ ـَ.
هُمَا ضَرَبَ ا.
هُمْ ضَرَبَ و.
هِيَ ضَرَبَ ت.
هُمَا ضَرَبَ تا.
هنَّ ضَرَب ن … إلخ.

فالفتحة في «هُوَ ضَرَبَ» مأخوذة من «هُوَ»، والألف من «هُمَا» والواو من «هُمُو» التي لا نزال نستعملها أحيانًا في الشعر؛ مثل قولِه: «هُمُو رحلوا عنا لأمر لهم عنا»، والتاء في «هِي ضَرَبَتْ» أصلها هاء، أي إن العرب مرَّ عليهم زمانٌ طويلٌ كانوا يقولون في: «هِي ضَرَبَتْ»: «هِي ضَرَبَه»، ثم قلبوا الهاء تاء؛ لأن الهاء خفية، فصاروا تارة يقولون: «هِي ضَرَبَه» وتارة: «هِي ضَرَبَتْ»، ثم استقرت على التاء. ولا تزال اللُّغَة العبرية تستعمل تارة الهاء وتارة التاء، وقلب الهاء تاء مألوفٌ في اللُّغَة العربية؛ فإن الهاء في نحو «المدرسة» إذا تحركت تحولت تاءً، وإذا وقف عليها تحولت هاءً، و«تا» في: «هُمَا ضَرَبَتَا» مأخوذتان من «هُمَا» بعد حذف الميم وقلب الهاء تاءً، والنون في «هنَّ ضَرَبْنَ» مأخوذة من «هُنَّ»، والتاء من «ضَرَبت» مأخوذة من «أَنْت»، و«تُمَا» من «ضَرَبْتُما» مأخوذة من «أَنْتُمَا»، و«تُمْ» من «ضَرَبَتُمْ» مأخوذة من «أنتمْ»، والتاء في «ضَرَبت» مأخوذة من «أَنْت»، و«تُمَا» في «ضَرَبْتُمَا» مأخوذة من «أَنْتُمَا»، و«تُنَّ» في «ضَرَبْتُنَّ» مأخوذة من «أَنْتُنَّ»، و«نَا» في «ضَرَبْنَا» مأخوذة من «نَحْنُ»، وأما التاء في «أَنَا ضَرَبْتُ» فإنها ترجع إلى أصلٍ قديمٍ لا محل لبيانه هنا، فالفتحة في «هُوَ ضَرَبَ» ليست حركة بِنائية، والتاء في «هِي ضَرَبَتْ» ليست علامة للتأنيث كما تَوهَّم الصرفيون، وإنما هما ضميران، وعليه يكون الضميران في «هُوَ ضَرَبَ» و«هِي ضَرَبَتْ» ظاهرين لا مستترين. وكان هذا النحت في الضمائر؛ لأنها طويلة، بعضها من مقطعين وبعضها من ثلاثة، بخلاف الضمائر في اللُّغات الإفرنجية، فإنها قصيرة، فليس في استعمالها مع الفِعْلِ ثِقَلٌ على اللسانِ ولا طول … بقي هناك كلامٌ كثيرٌ عن تصريف الماضي مع الضمائر أضربنا عنه خوف الإطالة.

المُضَارِعُ

أهمُّ صيغِ الأفعالِ في اللُّغَة العربية صِيغةُ الفِعْلِ المضارعِ؛ لأنه يستعمل للحالِ المثبت والمنفي، والاستقبال المثبت والمنفي، والقريب والبعيد، وقد يستعمل خبرًا وطلبًا، نهيًا وأمرًا، ويستعمل للماضي المنفي المنقطع عن الحاضر ﺑ «لم»، والمنفي المتصل بالحاضر ﺑ «لما»، فلو دَلَّ على الماضي المثبت لأغنى عن صيغتي الماضي والأمر، وصيغة المضارع هي صيغة الماضي؛ فهي مأخوذةٌ من المصدرِ مثله، فكان يجب ألَّا يكون اختلافٌ في الصيغةِ بين الماضي والمضارع، لكن مع كرور الزمانِ وتلاعبِ اللسانِ، وقع الاختلافُ في الصيغتين في أفعالٍ كثيرة، فكانت أبوابُ الفِعْلِ الصحيح سِتَّة، وهي:
ضَرَبَ يَضْرِبُ.
نَصَرَ يَنْصُرُ.
عَلِمَ يَعْلَمُ … إلخ.

ويدلك على أن تلاعب اللسان هو سببُ هذا الاختلاف أنَّ الأبوابَ الثلاثةَ الأولى أكثر استعمالًا، وقد وقع هذا الاختلافُ في عين الفِعْلِ لأنها متحركة في أصل وضعها، فهي عُرضة لتلاعب اللسان، فجاءت تارة مفتوحة وتارة مكسورة وتارة مضمومة، ثم قد تتفق عينُ الماضي وقد تختلف، أما اتفاقها فلأن الصيغتين من أصلٍ واحد، وأما اختلافها فلا سَبَبَ له غير تلاعب اللسان، ويدلك على ذلك أن الفعلَ الواحد قد يجيء على بابين أو أكثر من هذه الأبواب، فلو كان هناك سببٌ طبيعي، أو قصدٌ اعتباري، لما جاز ذلك؛ بل إذا أخذنا فعلًا من الأفعال الثلاثية ولم نكن نعرف أصله فلا نستطيع أن نحكم أنه من هذا الباب أو ذاك؛ إذ ليس لدينا قياس نعتمد عليه، وهذه حالة في اللُّغَةِ لا تنطبق على مذهب النشوء والارتقاء، أي لو بقيت اللُّغَةُ مُطْلَقةٌ لصار لكلِّ بابٍ من هذه الأبوابِ معنى خاص لا تجيء عليه إلا أفعال خاصة كما وقع ذلك في البعض من هذه الأبواب قبل عهد التدوين، فإن الأفعال التي تدل على عيب في الخلقة لا تجيء إلا من باب «عَلِمَ يَعْلَم» مثل: «خَرِسَ يَخْرَس» و«طَرِشَ يَطْرَش»، وإن كان غيرها يجيء عليه أيضًا وعلى غيره، والأفعال التي تدل على الغرائز يجيء أكثرها على باب «كَرُمَ يَكْرُمُ»، مثل: «شَرُفَ يَشْرُفُ» و«حَسُنَ يَحْسُنُ»، والأفعال التي عينها أو لامها حرف حلق يجيء أكثرها على وزن «فَعَلَ يَفْعَلُ» بفتح العين في الماضي والمضارع لسهولة لفظ الحرف الحلقي مع الفتح، وباب «حَسِبَ يَحْسِبُ» أغلب ما يجيء عليه الأفعال المبدوءة بواو، مثل: «وَرِثَ يَرِثُ» و«وَلِيَ يَلِي» …

فأنت ترى أن الأفعال الثلاثية في اللُّغَة العربية مرَّت على دورين ووقفت عند الدور الثالث. أما الدور الأول فهو الذي كانت فيه صيغتا الماضي والمضارع متشابهتين، وأما الدور الثاني فهو الدور الذي وقع فيه الاختلاف بينهما، وأما الدور الثالث فهو أن يختص كل باب بمعنى أو معنيين أو أكثر، ولكن جاء التدوين فوقف في وجه الدور الثالث، وإن كانت قد ظهرت طلائعه حينئذٍ كما تقدم.

وتتميز صيغةُ المضارع عن صيغةِ الماضي بموضع علامة الفاعل؛ فإن كانت في آخر الفِعْلِ فالفِعْلُ ماضٍ، وإن كانت في أوله فالفِعْلُ مضارعٌ، ولا نستطيع أن نعتمد في التمييز بينهما على ما وقع في الصيغتين من الاختلاف؛ لأنهما قد تتشابهان كما تقدم.

•••

العلامات التي نضعها في أول المضارع أربع، فكيف تكفي لأربعة عشر شخصًا، كان يجب أن يكون لكل شخص علامة خاصة تميزه عن غيره كما رأينا في الماضي، وربما كان الفعل المضارع لأول عهده يصرف بالعلامات الأربع، وهي: الهمزة والنون والتاء والياء. أما الهمزة فمأخوذة من «أنا»، وأما النون فمن «نحن»، وأما التاء فمن «أنت»، أو الهاء من «هي» بعد أن قلبت تاءً، وأما الياء فمأخوذة من الهاء في «هو» بعد أن مرَّت على أدوار مختلفة مجهولة. ولما وقع الاشتراك بين عِدة أشخاصٍ في الياء؛ لأنه يشترك فيها أربعة أشخاص، وفي التاء؛ لأنه يشترك فيها ثمانية، لم يكن بُدٌّ من مُمَيِّزٍ آخر؛ لئلا يقع الالتباس، فوضعوا هذه المميزات في آخره، فجعلوا للمثنى ألفًا ونونًا، ولجمع المذكر العاقل واوًا ونونًا، ولجمع المؤنث نونًا، وللمخاطبة ياءً ونونًا، وكلها مأخوذة من أصول قديمة للضمائر المنفصلة لا تزال محفوظة في اللغتين العبرية والسريانية.

•••

عرفنا أن علامة الفاعل تستعمل لغرضين: للفَاعِلِ والزَّمانِ، والمقصود من بيان الفاعل معرفة جنسه وشخصه وعدده؛ فإذا كان المضارع بعلامة واحدة، مثل: اذهب، ونذهب، ويذهب، وتذهب، فكلُّ علامةٍ تدلُّ على أربعةِ أشياءَ: الزَّمان، وجِنس الفاعِل، وعدده، وشخصه؛ مثل: الياء في «يذهب»، والتاء في «تذهب»، فالياء تدل على أن الزَّمان حاضر، وأن الفاعِل مُذَكَّر، وأنه مفرد، وأنه غائب. والتاء في «أنتَ تذْهَب» تدل على أن الزمان حاضر، وأن الفاعل مُذَكَّر، وأنه مفرد، وأنه مُخَاطَب. إلا الهمزة والنون فإنهما تدلان على أن الزمان حاضر، وعلى عددِ الفَاعِل وشَخْصِهِ، ولا تدلان على جنسه؛ لأنهما تُستعملان للمذكر والمؤنث على السواء.

وإذا كان المضارع بعلامتين في أوله وآخره فما ينقص في الأولى تُكمله الثانيةُ، وعليه فالياء في «هُوَ يَذْهَبُ» و«هُمَا يَذْهَبَان» و«هُنَّ يَذْهَبن» ليست متساوية في الدلالة، فالياء في «يَذْهَبُ» تدل على أربعة أشياء: على الزَّمانِ، وجِنسِ الفَاعِل، وعدَدِهِ، وشَخْصِهِ. وفي «يَذْهَبَان» تدلُ على الزَّمان، وجِنسِ الفَاعِل، وشَخْصِهِ، ولكنها لا تدل على عدَدِهِ؛ لأنها موضوعة للمفرد، وهي هنا للمثنى، والياء في «يذهبن» تدل على شيء واحد وهو الزَّمان، ولا تدل على جنس الفاعل؛ لأنها موضوعة للمذكر، وهي هنا للمؤنث، ولا تدل على عدده؛ لأنها موضوعة للمفرد، وهي هنا للجمع، ولا تدل على شخصه؛ لأنها موضوعة للغائب، وهي هنا للغائبات، فأغنت عنها في ذلك كله النون في الآخر. وأما النون في «أنتن تذهبن» فلا تدل على ما تدل عليه النون في «هن يذهبن»؛ لأن التاء في «أنتن تذهبن» تدل على أن جنس الفاعل مؤنث؛ لأن التاء تستعمل للمذكر والمؤنث، وأن شخصه مخاطبه؛ لأن التاء تستعمل للمخاطب والمخاطبة، فلا يبقى إلا العدد فتدل عليه النون، فالنون في «هن يذهبن» تدل على جنس الفاعل وعدده وشخصه، والنون في «أنتن تذهبن» لا تدل إلا على العدد. ومع وجود العلامتين في أول المضارع وآخره فإن بعض صوره تتشابه، مثل: «أنتما تضربان» للمخاطبَيْن، و«أنتما تضربان» للمخاطبتين، و«هما تضربان» للغائبتين؛ لذلك لا بد من الاعتماد على القرينة في التمييز بين الصورة الواحدة والأخرى.

•••

وعلامة الفاعل في أول المضارع كانت في الأصل تحرك بالفتح، أو الكسر، أو الضم، بدون ضابط. ثم استقرت على الفتح؛ لأنه أخف الحركات، وإنما تُضم في الأفعال الرباعية؛ لتتميز عن الفعل الثلاثي، ولا يقع التباس في مضارع الثلاثي والرباعي إلا في وزن «أفعل»، فإن مضارع «رجع» «يرجِع»، ومضارع «أرجعَ» «يُرجع»، ولولا ضمة الياء في مضارع «أرجعَ» لالتبس بمضارع «رجع»، ثم ضمت مع بقية الأفعال الرباعية طردًا للباب.

وقد ورد في بعض لغات العرب كسر حرف المضارعة في باب «علم» وما افتتح بهمزة الوصل، وعليه يروى قول الراجز:

قُلْتُ لِبَوَّابٍ لَدَيْهِ دارُها
تِئْذَنْ فإني حَمَهَا وجارُها

وقرئ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ بكسر حرف المضارعة في الجميع، ولا يزال حرف المضارعة يُكسر في «إِخَال» على لغة طَيِّئ.

•••

ويُقسَّمُ الفِعْلُ المضارع باعتبار آخره إلى ثلاثةِ أقسام: الأفعال الأربعة: وهي الأفعال المجردة عن علامة في الآخر؛ وهي «يفعل، وتفعل، وأفعل، ونفعل»، والأفعال الخمسة: وهي الأفعال التي تلحقها الألف والواو والياء مع نون الإعراب؛ وهي: «يفعلان، تفعلان، يفعلون، تفعلون، تفعلين»، والفعلان وهما اللذان تلحقهما نون الإناث، وهما: «يفعلن، وتفعلن»، وكلها معربة إلا الفعلين، وقد اختلف في أسباب إعرابها مما لا حاجة إلى ذكره، والحقيقة أن الإعراب لم يقع في الفعل المضارع إلا عن تلاعب اللسان، فكان العرب يرفعونه وينصبونه ويجزمونه اتفاقًا، ثم جعلوا يرفعونه في مواضع مخصوصة، وينصبونه أو يجزمونه في مواضع أخرى، والفرق بينه وبين الاسم في الإعراب أن الاسم يخفض وأما الفعل فيجزم، فلماذا جُزم بدلًا من الخفض؟! جُزم بقصد التأكيد، ولذلك جُزم في الطلب، نحو: «ليذهب، ولا تذهب»؛ لأن الجزم أنسب للطلب وأدل على التأكيد، وإنما جزم في النفي ﺑ«لم» و«لما» مع أنه غير طلبي فلتأكيد النفي، ﻓ «لم يضرب» أدل على التأكيد من «ما ضرب»؛ ولذلك سُمي السكون في «ليذهب» و«لا تذهب» و«لم يذهب» جزمًا أي قطعًا، فالسكون على الطاء في «أطلب» سكون، وعلى الباء سكون وجزم، وبعبارة أخرى إن السكون لفظي — أي إبطال الحركة — والجزم معنوي أي تأكيد، ثم إن الجزم قد يكون بغير سكون كالجزم في الأفعال الخمسة والأفعال الناقصة؛ لأن حذف النون من الأفعال الخمسة واستبدال الحركة الطويلة بحركة قصيرة في الأفعال الناقصة، تقصير للكلمة، والتقصير يناسب الجزم والتأكيد، ومن هنا يظهر أن للجزم سببًا معقولًا لا نجده في الرفع أو النصب، والله أعلم.

الأمْر

لم يكن في اللُّغَةِ العربيةِ صِيغةٌ خاصةٌ للأمرِ؛ بل كنا نستعمل المصدر للأمر، كما لا نزال نستعمله إلى الآن، مثل: صبرًا، رفقًا … والمصدر المستعمل أمرًا لا يصرف مع الضمائر؛ بل يستعمل للجميع على السواء؛ لأن الفاعِلَ يُعرف من توجيه الكلامِ إلى المُخَاطَب. ثم مع الزَّمان تَولَّدَتْ في اللُّغَةِ العربيةِ صيغةٌ للأمرِ، وهي مأخوذة من المضارع. فلماذا أخذنا صيغة الأمر من المضارع ولم نأخذها من الماضي؟ لذلك سببان: الأول؛ أن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال، وأما صيغة الماضي فموضوعة للماضي؛ ولأن الأمرَ لا يدل إلا على الاستقبال، كانت صيغة المضارع أنسب له. الثاني؛ للمضارع ثلاث حالات إعرابية: «رفع، ونصب، وجزم»؛ ولأن الجزم أنسب للأمر أخذنا له المضارع المجزوم، وعلى ذلك يكون الأمر مُعْرَبًا لا مبنيًّا، وليس له إلا حالة واحدة وهي الجزم على رأي الكوفيين، وليس جزمه بناءً كما يقول جمهور الصرفيين.

ولم يكن للأمر في أصل استعماله علامة للفاعل، فكان يُعرف الفاعل من القرينة، وهي توجيه الكلام إلى المُخاطَب، فإذا قُلت لشخصٍ واقف أمامي «اذهب» عُرِفَ الفاعلُ بدون علامة خاصة له؛ لأن المقصود من العلامة بيان الفاعل، فإذا كان الفاعل معروفًا من توجيه الكلام استغنينا عنها. وكما استغنينا عن علامة للفاعل استغنينا عن علامة للزَّمان؛ لأن هناك قرينة تدل عليه، وهي الطلب؛ إذ العمل الذي نطلبه لا يكون إلا في المستقبل بعد الطلب، إذن فالفاعل في الأمر يُعرف من قرينة توجيه الكلام إلى المخاطب، والزَّمان يُعرف من قرينة الطلب، فلما أخذنا صيغة المضارع المجزوم حذفنا العلامة من أوله لاستغنائنا عنها، ثم لما تولدت هذه الصيغة في اللغة، وكان العرب يميلون إلى الدقة في البيان أضافوا إلى الأمر علامات للمثنى، ولجمع المذكر العاقل، ولجمع المؤنث، وللمخاطبة، وإن كانت هناك قرينة معنوية تغني عن هذه العلامات كما تقدم. وتركوا الأمر للمخاطب بدون علامة لفظية؛ اكتفاءً بالقرينة حسب الأصل. وقد اختصت صيغة الأمر بالشخص المخاطب في حالة الإثبات، ولكن إذا أردنا توجيه الأمر إلى غير المخاطب استعملنا صيغة المضارع المجزوم مع اللام للأمر المثبت، وإن جاز استعمال هذه الصيغة للمخاطب وغيره، ومع لا الناهية للأمر المنفي، فقلنا: «ليذهب» و«لا يذهب». وقد امتاز الأمر بأنواع كثيرة أجعل الكلامَ عنها خاتمة هذا البحث:
  • (١)

    الأمر بالصيغة، نحو: «قُمْ، اذْهَبْ، اشْرَبْ».

  • (٢)

    الأمر باللام، نحو: «لِيَقُمْ، لِيَذْهَبْ، لِيَشْرَبْ».

  • (٣)

    الأمر ﺑ «لا الناهية»، نحو: «لا تَقُمْ، لا تَذْهَبْ، لا تَشْرَبْ»، ويُقال له نهي.

  • (٤)

    الأمر بالمصدر، نحو: «رفْقًا، صبرًا، مهلًا».

  • (٥)

    الأمر المركب، نحو: «تعال نذهب، قُمْ ننطلق، قِفَا نبكِ».

    يقول النحويون: إنَّ المضارعَ جُزِمَ في هذه الجملِ على تقدير شرط، أي: «إنْ تَجِئ نذهب، إنْ تَقمْ ننطلق، إنْ تقفا نَبْكِ» على أن هذه الجمل لا يصح فيها الشرط؛ لأن الشرط يقتضي أن يكون الثاني نتيجة عن الأول، وهنا لا يصح هذا التقدير؛ لأن الذهاب ليس نتيجة المجيء؛ ولأن الانطلاق ليس نتيجة القيام؛ ولأن البكاء ليس نتيجة الوقوف. وإنما يصح تقدير الشرط في مثل: «ادرس تحفظ»، «اجتهد تنجح»؛ فإن الحفظ نتيجة الدرس، والنجاح نتيجة الاجتهاد، فالفرق واضح بين التمثيلين … ولم نجد في كتب النحو تنبيهًا على ذلك، وإنما جُزِمَ المضارعُ في: «تعال نذهب» و«قم ننطلق» و«قفا نبك» وأمثالها لأنه بمعنى الأمر؛ بدليل أنك تستطيع أن تستبدله بأمر فتقول: «لنذهب، لننطلق، لِنَبْكِ»، والجزم أنسب للأمر؛ لذلك يجب أن يجزم المضارع في مثل قول الشاعر:

    تعالوا بنا نطوِ الحديث الذي جرى

    أي: «لنطوِ»، وإن ورد هذا البيت في ديوان الشاعر بصورة الرفع.

  • (٦)

    اسم فعل: مرتجلًا ﮐ «صه» أي: «اسكت»، أو منقولًا عن مصدر ﮐ «رويد» أي: «أمهل»، أو عن ظرف ﮐ «دونك» أي: «خذ»، أو حرف جر نحو: «عليك» أي: «الزم».

  • (٧)

    اسم فعل على وزن «فعال» بكسر اللام، ﮐ «نزال» أي: «انزل»، و«حذار» أي: «احذر» للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، أي بدون علامة للفاعل حسب الأصل كما تقدم. وهو يبنى من كل فعل ثلاثي تام متصرف، وشذَّ من مزيد الثلاثي ﮐ «دراك» معدولًا عن «أدرك»، و«بدار» معدولًا عن «بادر»، وأشذ منه الرباعي، نحو: «قالت له ريح الصبا قرقار» أي: قالت ريح الصبا للسحاب قرقر بالرعد، أي: صب ما عندك من الماء مقرونًا بصوت الرعد.

  • (٨)

    التحضيض، وهو الطلب العنيف، نحو: «هلا تستغفر الله» و«ألا تستغفر الله» بالتشديد، و«لولا تقري الضيف»، و«لو ما تجيب الداعي».

  • (٩)
    العرض، وهو الطلب الليِّن، وأداته «ألا» المخففة، نحو: أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ، و«لو» نحو: «لو تنزل عندنا».
  • (١٠)

    الأمر بالهمزة، نحو: «أتأكل» أي: «كُلْ» … وقد جاء المضارع في التحضيض والعرض والأمر بالهمزة مرفوعًا مع أنه كان يجب أن يكون مجزومًا قياسًا على كون الجزم أنسب للأمر، ولعل ذلك لأن الجزم — أي التأكيد — تدل عليه الأداة، فلم تبق حاجة لجزمه، والله أعلم.

١  ألقيت هذة المحاضرة في الجامعة المصرية من شهر فبراير من سنة ١٩٢١ ونشرت في الجزء الرابع من المجلد الثامن والخمسين من المقتطف.
٢  راجع مقالة اللُّغَة والعصر لليازجي في مجلة البيان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤