الفصل الرابع

تفاوت الأفراد والعروق التدريجي

لا تمتاز العروق العليا من العروق الدنيا بصفاتها النفسية والتشريحية وحدها، بل تمتاز منها باختلاف العناصر التي تتألف منها أيضًا، وفي العروق الدنيا يكون جميع الأفراد من أيِّ الجنسين على مستوًى نفسي متماثل تقريبًا، وهؤلاء الأفراد؛ لما بينهم من تشابه، تجدهم عنوانًا للمساواة التامة التي يحلم بها الاشتراكيون في الوقت الحاضر، وبالعكس تجد السُّنَّةَ عند العروق العليا في تفاوت أفراد هذه العروق وجنسَيْها تفاوتًا عقليًّا.

وكذلك لا يُقاس مدى الفروق بين الأمم بالمقابلة بين طبقاتها الوسطى، بل بالمقارنة بين طبقاتها العليا، فالهندوس والصينيون والأوربيون لا يتفاوتون بطبقاتهم الوسطى إلا قليلًا، وهم بالعكس يتفاوتون بطبقاتهم العليا تفاوتًا عظيمًا.

وكلما تقدمت الحضارة سارت العروق، وكذلك أفراد العروق العليا على الأقل، نحو التفاوت شيئًا فشيئًا، وتؤدي الحضارة الحاضرة إلى تفاوت الناس بالتدريج، لا إلى تساويهم ذهنيًّا؛ وذلك خلافًا لنظرياتنا في المساواة.

والحق أن من أهم نتائج الحضارة من جهة هو تفاوت العروق بعمل ذهني تفرضه الحضارة على الشعوب التي بلغت درجة رفيعة من الثقافة فيعظُم كل يوم، وهو من جهة أخرى إحداث تفاوت تدريجي في مختلف الطبقات التي يتألف منها كل شعب متمدن.

وتقضي شروط التطور الصناعي الحديث على الطبقات الدنيا في الأمم المتمدنة بالعمل الضيق الذي يحطُّ ذكاءها بدلًا من تنميته، ومنذ مئة سنة كان العامل صانعًا حقيقيًّا قادرًا على صنع أية آلة كالساعة مثلًا، واليومَ غدا العامل صانعًا بسيطًا لا يصنع غير قطعة واحدة فيقضي حياته في ثَقْبِ الثُّقُوب المتماثلة، أو صَقْلِ الأداة ذاتِها، أو سَوْقِ الآلة نفسها، وهذا ما يوجب هزال ذكائه بسرعة، وعكسُ ذلك أمرُ المستصنِع أو المهندس الذي تضغطه الاكتشافات والمنافسة فتَحْفِزُه إلى جَمْعِ عدد من المعلومات وروح المبادرة والاختراع يزيد عما كان يجمعه منذ قرنٍ بدرجات، وإذ كان دماغه يعمل باستمرار على هذا الوجه فإنه يخضع للسُّنَّةِ المسيطرة على جميع الأعضاء؛ أي إنه ينمو مقدارًا فمقدارًا.

وكان توكڨيل قد أشار إلى ذلك التفاوت التدريجي بين الطبقات الاجتماعية في زمن كانت الصناعة فيه بعيدة من درجة التقدم التي انتهت إليها اليوم فقال: «كلما أُوغِلَ في تطبيق مبدأ توزيع الأعمال غدا العامل أشد ضعفًا، وأضيق عقلًا، وأقل استقلالًا مما كان عليه، وكلما تقدمت الصناعة تقهقر الصانع، فزاد ما بين العامل ورب العمل من فَرْق.»

واليومَ يمكن عدُّ الأمة العليا من الناحية الذهنية كهرم مدرَّج يتألَّف من أعرض أقسامه طبقات الشعب الدنيا، ويتألف من درجاته العليا طبقات الشعب الذكية،١ وتتألف ذِرْوَتُه من صفوة قليلة من العلماء والمخترعين والمتفننين والكتَّاب، وهذه الزمرة الأخيرة، وإن كانت صغيرة، إذا ما قيست ببقية الشعب، هي ما يقوم عليه وَحده مستوى البلد في سُلَّم الحضارة الذهني، وتكفي إزالتها لزوال كل ما فيه مَجْدِ الأمة، ومن الصواب قول سان سيمون: «إذا ما أضاعت فرنسة بغتة الخمسين الأُوَل من كلٍّ من علمائها ومتفننيها ومستصنعيها وزُرَّاعها غدت جسمًا بلا روح، وجثة بلا رأس، وهي إذا أضاعت جميع موظفيها لم يُصِبها من وراء ذلك غير ضرر يسير.»

وكلما تقدمت الحضارة زاد التفاوت بين أقصى طبقات الشعب، ويعظم هذا التفاوت على نسبة هندسية في زمن ما، ولو سار الزمن طليقًا ولم تَعُقْهُ عوامل الوراثة لَرُئِيَتِ المسافةُ بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا من الناحية الذهنية قد عظمت فغدت كالمسافة التي تفصل الأبيض عن الزنجي، أو التي تفصل الزنجي عن القرد.

بيد أن هنالك أسبابًا كثيرة تحول دون تمام ذلك التفاوت الذهني بين الطبقات الاجتماعية، مهما بلغ، بتلك السرعة التي يمكن القول بها نظريًّا، والواقع، وهو أول تلك الأسباب، هو أن التفاوت لا يكون إلا في الذكاء، وهو لا يتناول الخُلق أو يتناوله قليلًا، ونحن نعلم أن الخلق، لا الذكاء، هو الذي يمثل دورًا مهمًّا في حياة الشعوب. والسبب الثاني هو أن الجموع تهدف بنظامها وقوامها إلى أن تصير صاحبة السلطان في الوقت الحاضر، وإذ كانت الجموع بادية الحقد على الأفضليات الذهنية فإن كل أريستوقراطية ذهنية مقضيٌّ عليها، على ما يحتمل، بأن تُقَوَّضَ بعنف في ثورات دورية كلما نظَّمت الجموع الشعبية شؤونها، وذلك كما قُضي على طبقة الأشراف القديمة منذ قرن، وإذا ما قُيِّضَ للاشتراكية أن تقهر بلدًا كان بقاؤها بعض الزمن موقوفًا على إزالة جميع الأفراد الذين يحوزون أفضلية فيجاوزون المستوى المتوسط ولو قليلًا.

وإذا عَدَوْتَ ذينك السببين، المصنوعين لصدورهما عن مقتضيات الحضارة المتقلبة، وجدت سببًا ثالثًا أعظم أهمية منهما؛ لأنه عنوان سنَّة طبيعية ثابتة، ويقوم هذا السبب على منع خيار الأمة من الافتراق عن الطبقات الدنيا افتراقًا ذهنيًّا كبيرًا فضلًا عن افتراقهم عنها افتراقًا تامًّا، والحق أنك تجدُ، بجانب مقتضيات الحضارة الحاضرة العاملة على تفاوت أفراد العرق مقدارًا فمقدارًا، سُنَنَ الوِراثة الشديدة الوطأة التي تهدف إلى إزالة الأفراد الذين يجاوزون المستوى المتوسطَ مجاوزة جليَّة، أو إلى إعادتهم إلى هذا المستوى المتوسط.

وهنالك مشاهداتٌ قديمة نصَّ عليها جميع العلماء الذين عالجوا مسألة الوراثة فتُثبت هذه المشاهدات بالحقيقة أن أبناء الأُسر الرفيعة الذكاء تَفسد عاجلًا أو آجلًا (عاجلًا على الأرجح)، فيؤدي فسادها إلى زوالها التام.

إذن، لا ينال الرجل سموًّا ذهنيًّا كبيرًا إلا ليترك خلفه ذرية فاسدين، والواقع هو أن ذِروة الهرم الاجتماعي التي تكلمتُ عنها آنفًا لا تدوم إلا بما تستعيره من العناصر التي هي تحتها، ولو حدث أن جُمع الخِيار كلهم في جزيرة منفردة لأسفر توالدهم بسرعة عن ظهور عرق مصاب بضروب الفساد، ومحكوم عليه بالأفول من فوره، ويمكن تشبيه الأفضليات الذهنية العظيمة بالنبات الذي ضخَّمه البستاني بفنه فلا يلبث أن يموت أو يعود إلى مثال نوعه المتوسط إذا ما تُرك وشأنه؛ وذلك لما في نوعه المتوسط من السلطان القوي الذي يمثل سلسلة الأصول الطويلة.

وتدل دراسة مختلف الأمم دراسة دقيقة على أن أفراد العرق الواحد، إذا تفاوتوا في الذكاء كثيرًا، لا يتفاوتون إلا قليلًا في الخُلق الذي هو صخرة ثابتة على الرغم من الزمن كما بيَّنت، ولذلك يجب علينا أن ننظر إلى العرق من ناحيتين مختلفتين عند البحث فيه؛ فالعرق من الناحية الذهنية لا قيمة له إلا بصفوة قليلة من الناس يتمُّ بفضلها ما يتفق للحضارة من تقدم في العلوم والآداب والصناعات، والعرق من الناحية الخُلقية جدير بأن يُنظر إلى طبقته المتوسطة وحدها، والأمم مدينة في قوتها لمستوى هذه الطبقة المتوسطة على الدوام، والأمم يمكنها أن تستغني عن صفوتها الذهنية على التحقيق، لا عن درجة معينة من المستوى الخلقي، وهذا ما نوضحه عما قليل.

وبينما يتفاوت أفراد العرق في غضون القرون تفاوتًا ذهنيًّا تدريجيًّا على ذلك الوجه؛ ترى هؤلاء الأفراد في كل وقت يترجحون من الناحية الخلقية حول مثال ذلك العرق المتوسط، وإلى هذا المثال المتوسط الذي يُرْتَقَى إليه ببطء ينتسب معظم أفراد الأمة، وتجد هذا الأصل الأساسي مكسوًّا لدى الأمم العليا على الأقل بطبقة رقيقة من ذوي النفوس العالية ذات أهمية من ناحية الحضارة غير ذات أهمية من ناحية العرق، وتزول تلك الطبقة الرقيقة فتتجدد، دائمًا، على حساب الطبقة المتوسطة التي لا تتغير إلا رويدًا رويدًا؛ وذلك لأن التغيرات الدقيقة تتطلب تراكمًا نحو معنًى واحد في قرون كثيرة لتغدو دائمة.

وقد استعنتُ بمباحثَ تشريحيةٍ صرفة منذ بضع سنين، فانتهيت إلى أفكار في تفاوت الأفراد والعروق تفاوتًا أستند في إثباته هنا إلى أسباب نفسية، وإذ يؤدي كلا البحثين إلى نتائج واحدة فإنني أقتصر على ذكر بعض النتائج التي وصلتُ إليها في دراستي السابقة، وقد وُفِّقْتُ لهذه النتائج من المقابلة بين ألوف من الجماجم القديمة والحديثة الخاصة بعروق مختلفة، وإليك أهمَّ ما تمَّ لي:

إذا ما نظرت إلى سلاسلَ من الجماجم، غير ملتفتٍ إلى الأحوال الفردية، وجدت صلة وثيقة بين حجم الجمجمة والذكاء، وهنالك ترى أن الذي يميز العروق الدنيا من العروق العليا لا يقوم على الفروق الضئيلة في الحجم المتوسط لجماجمها، بل يقوم على الأمر الجوهري القائل: إن العرق الأعلى يشتمل على عدد من الأفراد ذوي الدماغ الكثير النمو، على حين تُبصر العرق الأدنى عاطلًا من مثل هؤلاء الأفراد، ولذلك تتفاوت العروق بمن فيها من الأفراد الذين يمتازون من جموعها، لا بمجموعها، وإذا عَدَوْتَ العروق الدنيا البالغة أقصى التأخر لم تجد فرْقَ الجماجم المتوسط عظيمَ الاتساع بين أمة وأمة.

وإذا قابلتَ بين جماجم مختلف العروق البشرية في الحال والماضي أبصرتَ أن العروق التي يتفاوت حجم جماجمها أكثرَ من تفاوت جماجم غيرها هي العروق التي تكون أعرق من سواها في الحضارة، وأن العرق كلما تمدَّن تفاوت حجم جماجم الأفراد الذين يتألف منهم، ومن هنا نستنتج أن الحضارة لا تقودنا إلى المساواة الذهنية، بل إلى تفاوت عميق على الدوام، ولا تكون المساواة التشريحية والفزيولوجية إلا في أفراد العروق الدنيا، وإذ يتعاطى أفراد القبيلة الوحشية أعمالًا واحدة فإن الفرق بينهم يكون ضئيلًا بحكم الضرورة، وبالعكس يكون الفرق عظيمًا بين الفلاح الذي لا يجاوز ما عنده من اللغة ثلاثمئة كلمة، والعالِم الذي يكون لديه مئة ألف كلمة وما يقابلها من الأفكار.

وما يؤدي إليه تقدم الحضارة من تفاوت بين الأفراد يتجلى بين الجنسين أيضًا، ولدى الأمم الدنيا أو في الطبقات السفلى من الأمم العليا يتقارب الرجل والمرأة من الناحية الذهنية، وبالعكس كلما تمدَّنت الأمم تفاوت الجنسان شيئًا فشيئًا.

وإذا قَصَرنا المقابلة على رجال ونساء متساوين سنًّا وطولًا ووزنًا، وذلك كما صنعتُ، وجدنا تفاوت الجنسين تفاوتًا مطَّردًا بنسبة درجة الحضارة، وتبدو هذه الفروق ضعيفة في العروق الدنيا، وتبدو عظيمة في العروق العليا، وفي الغالب لا تكاد جماجم النساء في العروق العليا تكون أكثر نموًّا من جماجم نساء العروق الدنيا، وبينما تجد متوسط جماجم الباريسيين من أضخم الجماجم تجد متوسط جماجم الباريسيات لا يزيد حجمًا على أصغر الجماجم التي تُشاهد، وهذه الجماجم النسوية هي في مستوى جماجم الصينيات تقريبًا، وهي لا تفوق جماجم كَلِدُونية الجديدة إلا قليلًا.٢

هوامش

(١) قلت الذكية، ولم أضِف إلى قولي كلمة المتعلمة؛ وذلك لأن من الخطأ الخاص بالأمم اللاتينية أن يفترض وجود مطابقة بين التعليم والذكاء، فالتعليم يقتضي حيازة مقدار من الذاكرة، وهو لا يقتضي لتحصيله أية صفة من صفات الحصافة والتأمل والمبادرة وروح الاختراع، وليس من القليل أن تجد أناسًا حاملين لشهادات كثيرة مع كبير غباوة، على حين تبصر أفرادًا كثيرين قليلي التعليم رفيعي الذكاء، ولذلك تكون طبقات الهرم العليا مؤلفة من عناصر مستعارة من جميع الطبقات، وتشتمل كل مهنة على عدد قليل من ذوي النفوس الممتازة، ومع ذلك يلوح، وفق سنن الوراثة، أن الطبقات الاجتماعية العليا هي أكثر الطبقات احتواءً على من هم ذوي النفوس الممتازة، وأن في هذا سر أفضلية هذه الطبقات.
(٢) انظر إلى الرسالة التي ألفها الدكتور غوستاف لوبون في سنة ١٨٧٩ فسماها «مباحث تشريحية ورياضية في فروق حجم الدماغ وفيما بين هذه الفروق والذكاء من صلات»، وقد قرَّظ مجمع العلوم وجمعية علم وصف الإنسان هذه المذكرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠