الفصل الثاني

كيف تتحول النُّظُم والديانات واللغات

بَيَّنَّا في مكان آخر أنه يستحيل على العروق العليا أن تفرض حضارتها على العروق المتأخرة أو تَحْمِل هذه العروق على اعتناق تلك الحضارة، ونحن حينما تناولنا أقوى ما لدى الأوربيين من وسائل التأثير، كالتربية والنُّظم والمعتقدات، أثبتنا عدم كفاية هذه الوسائل لتغيير الحال الاجتماعية في الأمم المتأخرة، ومما حاولنا صُنعه هو بياننا أن جميع عناصر إحدى الحضارات تلائم مزاجًا نفسيًّا معينًا نشأ عن وراثة طويلة فغدا من المتعذر تغيير هذه العناصر من غير أن يغير المزاج النفسي الذي تُشتق منه، والقرون وحدها، لا الفاتحون، هي التي تستطيع إنجاز مثل هذا العمل. ومما بيناه أيضًا أن إحدى الأمم تصعد في سلم الحضارة ببطء وعلى سلسلة من المراحل كالتي جاوزها هادمو الحضارة اليونانية الرومانية من البرابرة، ومن يحاول بالتربية أن يجنِّب الأمة هذه المراحل فإنما يربك مزاجها النفسي ويسوقها في نهاية الأمر إلى مستوى أدنى من المستوى الذي كانت تصل إليه لو تُرِكَت وشأنها.

وهذه البرهنة التي تطبَّق على العروق الدنيا تطبَّق على العروق العليا أيضًا، وإذا كانت المبادئ المعروضة في هذا الكتاب صحيحة عَلِمنا أن العروق العليا لا تستطيع كذلك أن تحوِّل حضارتها بغتةً، بل لا بد من مرور زمن طويل ومجاوزة مراحل كثيرة لبلوغ ذلك، وإذا ما ظهر اعتناق أمم عالية في بعض الأحيان لمعتقدات ونُظم ولغات وفنون تختلف عما عند أجدادها لم يكن ذلك بالحقيقة إلا بعد تحويل هذه العناصر تحويلًا بطيئًا عميقًا ملائمًا لمزاج تلك الأمم النفسي.

ويلوح أن التاريخ في كل صفحة من صفحاته يناقض ما عرضناه آنفًا، وما أكثر ما ترى في التاريخ من أمم تُغيِّر عناصر حضارتها وتعتنق أديانًا جديدةً وتنتحل لغات جديدة وتتخذ نُظمًا جديدةً، وفي التاريخ أمم تترك معتقداتها المتأصلة لتعتنق النصرانية أو البُدَّهِيَّةَ (البوذية) أو الإسلام، وفي التاريخ أمم تغيِّر نُظمها وفنونها تغييرًا أساسيًّا، وفي التاريخ يبدو أن فاتحًا أو رسولًا أو هَوَسًا يكفي لإتيان مثل تلك التحويلات بسهولة.

غير أن التاريخ حينما يَعرِض علينا قصة تلك الثورة المفاجئة لا يصنع سوى إنجاز عمل من أعماله المعتادة، وهو اختلاق الأغاليط ونشرها، ونحن حينما ندرس تلك التحولات عن كَثَب لا نُعتِّم أن نرى أن أسماء الأشياء هي التي تتغير، على حين نبصر أن الحقائق التي تستتر خلف الألفاظ تداوم على الحياة ولا تتحول إلا بأقصى البطوء.

ونحن، لكي نثبت ذلك، ولكي نبيِّن في الوقت نفسه كيف يتم تطور الأمم البطيء، نرى أن ندرس عناصر كل حضارة لدى مختلف الأمم؛ أي أن نجدِّد تاريخ هذه الأمم، وقد حاولتُ هذا العمل الشاق في عدة مجلدات، فلا أفكر في العودة إليه هنا، وإنني حينما أغضي عن العناصر الكثيرة التي تتألف منها إحدى الحضارات أختار أحدَها مثالًا؛ أي أختار الفنون.

وقبل أن أبدأ في فصل خاص بدراسة التطور الذي يعتور الفنون عند انتقالها من أمة إلى أخرى أقول بضع كلمات عن التحولات التي يعانيها مختلف عناصر الحضارة؛ وذلك لأثبت أن السنن التي تطبَّق على عنصر من هذه العناصر تطبَّق على جميعها، وأن فنون الأمم إذا كانت ذات نَسَب بمزاج هذه الأمم النفسي فإن اللغات والنُّظم والمعتقدات وما إليها ذات نَسَب بهذا المزاج أيضًا؛ أي إنها لا تتغير ولا تنتقل من أمة إلى أخرى من فَوْرها.١

وقد تظهر هذه النظرية غريبة في أمر المعتقدات الدينية على الخصوص، وفي تاريخ المعتقدات تجد أحسن الأمثلة لإثباتنا أنه يتعذَّر على الأمة أن تغيِّر عناصر حضارتها فجأة كما يتعذَّر على الشخص أن يغير قامته أو لون عيونه.

أجل، لا رجل يجهل أن جميع الديانات العظيمة؛ كالبرهمية والبُدَّهِيَّةِ والنصرانية والإسلام، أسفرت عن دخول الناس أفواجًا فيما يلوح أنه اعتنقها من عروق بأسرها، ولكن المرء إذا ما أوغل قليلًا في دراسة ذلك لم يَلْبَثْ أن يُبصر أن الذي غَيَّرَتْهُ الأمم على الخصوص هو اسم دينها القديم نفسه، وفي الحقيقة أن المعتقدات المُنْتَحَلَةَ عانت من التحولات الضرورية ما تكون به ذات صلة بالمعتقدات القديمة التي حلت محلها والتي لم تكن غير إدامة لها.

وما تخضع له المعتقدات من تحول عند انتقالها من أمة إلى أخرى هو من الشدة في الغالب ما يكون به الدين المنتحَل حديثًا غير ذي نَسَب واضح بالمعتقد الذي احتفظ باسمه، ولنا أحسن مثال بالبُدَّهية التي صارت دينًا مشوَّهًا بعد انتقالها إلى الصين فإلى اليابان، والحق أن العلماء عدوا البُدَّهية دينًا مستقلًّا أول وهلة فلم يعترفوا، إلا بعد زمن طويل، بأنها دين حوَّله العرق الذي اعتنقه، والحق أن البُدَّهية الصينية ليست بُدَّهية الهند، وأن بُدَّهية الهند نفسها تختلف عن بُدَّهية نيپال، وأن بُدَّهية نيپال تبتعد عن بُدَّهية سيلان، ولم تكن البُدَّهية في الهند سوى دين منفصل عن البُرْهُمِيَّة التي ظهرت قبلها والتي لا تختلف عنها إلا قليلًا، ولم تكن البُدَّهية في الصين أيضًا سوى دين منفصل عن المعتقدات السابقة التي تتصل بها اتصالًا وثيقًا.

وذلك المبدأ الثابت في أمر البُدَّهية ثابت في أمر البرهمية أيضًا، وبيان ذلك: أن عروق الهند إذا كانت شديدة الاختلاف فإن من السهل أن يُفترَض لها وجود معتقدات دينية شديدة الاختلاف مسماة بأسماء واحدة، وأن جميع الأمم البرهمية تَعُدُّ وِشْنُو وشِيوا أهمَّ آلهتها، كما تعد الويدا كُتُبها المقدسة، وأن هذين الإلهين الرئيسين لم يتركا في الديانة سوى اسميهما، وأن تلك الكتب المقدسة لم تترك سوى نصوصها، وأنك تجد بجانب ذلك ما لا يحصيه عدٌّ من العبادات التي تنمُّ على أشد المعتقدات اختلافًا؛ كالتوحيد والإشراك والوثنية ووَحدة الوجود وعبادة الأجداد والعفاريت والحيوانات إلخ، وأنك إذا لم تحكم في أمر عبادات الهند بغير ما جاء في كتب الويدا لم يكن لديك أقل فكر عن الآلهة التي تسود شبه جزيرة الهند الواسعة وعن معتقداتها. نعم، إن جميع البراهمة يقدِّسون عُنوان الكتب المقدسة، بيد أنه لم يبقَ على العموم شيء من الديانة التي تقول بها هذه الكتب.

وعلى ما في التوحيد الإسلامي من بساطة لم يشذَّ الإسلام عن هذه السنَّة، فترى فرقًا بعيدًا بين الإسلام في بلاد الفرس، وبينه في جزيرة العرب، وبينه في الهند، وقد وجدتْ بلادُ الإشراك، الهندُ، وسيلة في جعلها أكثر المعتقدات توحيدًا معتقدَ إشراك، فعاد محمدٌ وأولياء الإسلام يكونون آلهة جديدة مضافة إلى ألف إله آخرين؛ حتى إن الإسلام في الهند لم يوفَّق للمساواة بين جميع الناس مع أن المساواة كانت من أسباب فوزه في أماكن أخرى، فترى المسلمين في الهند يطبِّقون نظام الطبقات كما يصنع الهندوس، وقد بلغ الإسلام بين الدراويد في الدَّكَن من التشويه درجةً لا يمكن تمييزه بها من البرهمية مطلقًا، وهو لا يُميَّز منها بغير اسم محمد والمسجد الذي يُعبد فيه هذا النبي بعد أن أُلِّه.

ولا ضرورة إلى الذهاب حتى بلاد الهند لاستجلاء التحولات العميقة التي عاناها الإسلام بانتقاله من عرق إلى عرق، ولننظرْ فقط إلى الجزائر التي هي ممتلكتُنا الكبيرة لنبصر فيها عرقين شديدي الاختلاف، لنبصر فيها العرب والبربر الذين هم مسلمون أيضًا؛ لنبصر فيها أن الإسلام بين أولئك غيره بين هؤلاء؛ لنبصر فيها أن مبدأ تعدد الزوجات في القرآن تحوَّل إلى مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة لدى البربر، وليس الدين عند البربر غير مزيج من الإسلام والوثنية القديمة التي زاولوها منذ العصور البعيدة حين كان السلطان لقرطاجة.

ولم تتفلَّت ديانات أوربة نفسها من السنَّة العامة القائلة بتحول الأديان وفق روح العروق التي تعتنقها، وكما في الهند ترى في أوربة أن حرفية العقائد التي أثبتتها النصوص قد ظلت ثابتة، غير أن هذه النصوص صِيَغٌ لاغية يفسِّرها كل عرق على شاكلته. وفي أوربة ترى اسم النصارى الواحد يشتمل على وثنيين حقيقيين؛ كابن بريتانية الدنيا الذي يَعْبُدُ الأصنام، وكالإسپاني الذي يعبد التمائم، وترى ذلك الاسم يشتمل على مشركين؛ كالإيطالي الذي يقدِّس صور العذراء في كل قرية كما يقدس مختلف الآلهة. ونحن إذا ما أوغلنا في البحث سهل علينا أن نثبت أن الانفصال العظيم الذي أسفرت عنه ثورة الإصلاح الديني كان نتيجةً لازمة لتفسير كتاب ديني واحد من قبل عروق مختلفة، فكانت شعوب الشمال تهدف إلى المُحَاجَّة في عقائدها وتنظيم شؤون حياتها بنفسها، وكانت شعوب الجنوب تميل إلى البقاء متأخرةً من ناحية الحرية والروح الفلسفية، فلا مثال أدعى إلى الإقناع من ذلك.

ولكن شرح هذه الأمور يسير بنا إلى بعيد، ولذلك ترانا مضطرِّين إلى قول كلمة عابرة عن عنصرَيْن أساسيين من عناصر الحضارة؛ أي كلمة خاطفة عن النُّظُم واللغات التي يجاوز البحث في جزئياتهما الفنية حدود هذا الكتاب.

إن ما صحَّ عن المعتقدات يَصِحُّ عن النُّظم أيضًا، والنُّظم لا تنتقل من أمة إلى أخرى من غير أن تتحول، وإذ إنني راغب عن الإكثار من الأمثلة فإنني أرجو من القارئ أن يبصر فقط درجة تَغَيُّرِ النظم الواحدة التي تفرضها القوة أو الإقناع بحسب العروق مع بقائها مسماةً بأسماء واحدة، وسأبيِّن ذلك في فصل آتٍ عند الكلام عن مختلف البلدان الأمريكية.

وفي الحقيقة أن النُّظم نتيجة ضروراتٍ لا تؤثِّر فيها عزيمة جيل واحد من الناس، ولكلِّ عرق ولكل وجهٍ من وجوه تطور هذا العرق أحوالُ عيشٍ ومشاعرُ وأفكار وآراء ومؤثرات موروثة تستلزم نُظُمًا خاصة دون سواها، ولا كبيرَ أهميةٍ لاسم الحكومة في ذلك، ولم يُقيَّض لأمة أن تختار من النُّظم ما يلوح أنه أصلحُها، وإذا وقع من المصادفات النادرة ما يؤدي إلى اختيار الأمة نُظمًا صالحةً فإن هذه الأمة لا تستطيع أن تحفظ هذه النُّظم، وتتألَّف من الثورات الكثيرة، ومن تغيير الدساتير تغييرًا متعاقبًا منذ قرن، تجربةٌ يجب أن يستقر بها رأي أولياء الأمور عند ذلك الحد، ثم إنني أرى أن عقل الجماعات المعوج، وفكر بعض المتعصبين الضيق هما اللذان لا يزالان يحتفظان بالرأي القائل إن التغييرات الاجتماعية المهمة تتم بقوة المراسيم، والشأن المفيد الوحيد للنُّظم هو منحها تأييدًا قانونيًّا للتغييرات التي رَضِيتْ بها الطبائع وقَبِلَها الرأي العام في نهاية الأمر، والنُّظم تتَّبع تلك التغييرات ولكنها لا تتقدمها، وليس بالنُّظم ما تتغير الأخلاق ولا أفكار الناس، وليس بالنظم ما تُجْعَل الأمة متدينة أو ملحدة، وليست النظم هي التي تعلِّم الأمة قيادة نفسها بنفسها بدلًا من أن تطالب الدولة بأن تصنع لها قيودًا على الدوام.

ولا أُسهب في الكلام عن اللغات بأكثر مما أسهبت في النظم، وإنما أقتصر على القول بأن اللغة تتحول بحكم الضرورة عند انتقالها من أمة إلى أخرى، ولو أُثبتتْ كتابةً، وهذا ما يجعل الفكر القائل بلغة عامة أمرًا عقيمًا. أجل، إن الغوليين، مع كثرة عددهم، قد انتحلوا اللغة اللاتينية في أقل من قرنين بعد الفتح الروماني، غير أن الغوليين لم يلبثوا أن حوَّلوا هذه اللغة على حسب احتياجاتهم، ووفق منطق روحهم الخاص، ومن هذه التحولات خرجت لغتنا الفرنسية الحاضرة في آخر الأمر.

ولم يكن مختلف العروق ليتكلم بلغة واحدة طويل زمن، وقد تؤدي مصادفات الفتوح أو مصالح الشعب التجارية إلى انتحال هذا الشعب لغة غير لغته الأصلية لا ريب، ولكن هذه اللغة الجديدة تتحول في أجيال قليلة تحولًا تامًّا، ويزيد هذا التحول عمقًا كلما كان الذي استعار تلك اللغة مختلفًا عن العرق المُعِير لها.

ومن المحقَّق، على الدوام، أن نبصر لغاتٍ مختلفةً في بلدان مشتملة على عروق مختلفة، ولنا بالهند مثال رائع على ذلك، فشبه جزيرة الهند العظمى؛ إذ إنها معمورة بعروق كثيرة مختلفة، ليس من العجيب أن يجد العلماء فيها ٢٤٠ لغة، عدا احتوائها نحو ثلاثمئة لهجة، وأكثر هذه اللغات انتشارًا حديثة جدًّا ما دام زمن ظهورها لا يزيد على ثلاثمئة سنة، وهذه اللغة، التي تُعرف بالهندوستانية، مزيج من الفارسية والعربية اللتين كان يتكلم بها الفاتحون المسلمون، ومن الهندية التي كانت أكثر اللغات انتشارًا في البقاع التي استولى عليها أولئك الفاتحون، ولم ينشب الغالبون والمغلوبون في الهند أن نسوا لغاتهم الأصلية ليستعملوا هذه اللغة الحديثة الملائمة لاحتياجات العرق الجديد الذي هو نتيجة توالد أمم مختلفة متواجهة.

ولا أزيد في الإسهاب، بل أكتفي بالدلالة على الأفكار الأساسية، ولو استطعت أن ألتزم جانب التفصيل الضروري لذهبت بعيدًا فقلت إن الأمم إذا ما اختلفت دلَّت الكلمات المتقابلة عندها على طُرُز تفكيرٍ وشعورٍ تبلغ من التباعد ما تبدو لغاتها معه عاطلةً من المترادفات فتستحيل الترجمةُ من إحداها إلى الأخرى. وظاهرةٌ مثل هذه مما يُدْرَكُ أمره عند النظر إلى أن الكلمة الواحدة في البلد الواحد ولدى العرق الواحد تدل بعد بضعة قرون على أفكار مختلفة أشد الاختلاف عما كان لها قبل ذلك.

والكلمات القديمة وحدها هي التي تدل على أفكار الناس فيما مضى، والكلمات القديمة، بعد أن كانت في الأصل إشارات لأشياء حقيقية، لم يُعتِّم معناها أن تشوَّه بفعل تبدُّل الأفكار والطبائع والعادات. نعم، يداوم الناس على البرهنة بتلك الإشارات المستعملة التي يصعب تغييرها، ولكنك لا تجد أية صلة بين مدلولها الماضي ومدلولها الحاضر، وأنت، إذا ما رجعت البصر إلى أمم بعيدة منا كلَّ البعد منتسبة إلى حضارات لا شَبَهَ بينها وبين حضارتنا، وجدت الترجمة من لغاتها لا تسفر عن سوى ألفاظ مجردة من المعنى الحقيقي، وتُثير هذه الألفاظ في نفوسنا، إذن، أفكارًا لا صلة بينها وبين الأفكار التي كانت تثيرها في الماضي، وهذه الظاهرة تستوقف النظر، ولا سيما عند البحث في لغات الهند، وفي الهند؛ حيث الأفكار مذبذبة، وحيث المنطق لا يشابه منطقنا مطلقًا، لم يكن للألفاظ ذلك المعنى الدقيق المقرَّر الذي اتفق له في أوربة بفعل القرون وبفعل مزاجنا النفسي في نهاية الأمر. وفي الهند تجد كتبًا كالويدا قد تعذَّرت ترجمتها وذهبت كل محاولة في هذا السبيل أدراج الرياح،٢ ومن الصعب جدًّا أن نَنْفُذَ في فكر مَن نعيش معهم من الأفراد الذين نفترق عنهم سنًّا وجنسًا وتربية، ومن المتعذر على أي عالِم أن يَنفُذ في أفكار العروق التي اشتدت عليها وطأة أعفار العصور، ولا ينفع كل علم مُكْتَسَبٍ لغير إثبات عُقْم مثل هذه المحاولات.

وعلى ما في الأمثلة السابقة من اختصار وقلة شرح نراها تكفي لإثبات عمق ما تُحدِثه الأمم من تحول فيما تقتبسه من عناصر الحضارة، وهذا الاقتباس يبدو عظيمًا في الغالب لتغيُّر الأسماء فجأة في بعض الأحيان، مع أن هذا الاقتباس ضئيل جدًّا على الدوام، ولا يلبث العنصر المستعار أن يختلف في نهاية الأمر عن العنصر الذي قام مقامه، وذلك مع القرون وبعمل الأجيال البطيء، وبما يعتوره من إضافات متعاقبة. والتاريخ، إذ يبالي بالظواهر على الخصوص، لا يأبه لتلك التغيرات المتعاقبة أبدًا، ونحن، حين يقول لنا التاريخ، مثلًا، إن أمة اعتنقت ديانة جديدة، نتمثَّل من فورنا الديانة التي نعرفها اليوم، لا المعتقدات التي كانت قد اعتُنِقت في الحقيقة، ولا بد من استبار غَوْر تلك المطابقات البطيئة لإدراك تكوينها ولمعرفة الفروق الفاصلة بين الألفاظ والحقائق.

وهكذا يتألَّف تاريخ الحضارات من مطابقات متعاقبة وتحولات صغيرة متراكمة، وإذا بَدَتْ هذه التحولات لنا فجائية عظيمة فذلك لأننا، كما في علم الأرض، نغضُّ البصر عن التقلبات المتوسطة لنبصر التقلبات القصوى.

وفي الحقيقة أن الأمة مهما بلغت من الذكاء والمواهب فإن قدرتها على هضم عنصر جديد من عناصر الحضارة تكون في كل وقت محدودةً جدًّا.

وما كانت خليَّات الدماغ لتهضم في يوم واحد ما يجب لتمامه مرورُ عدة قرون، وما كانت لتهضم في يوم واحد ما يلائم المشاعر وما يلائم احتياجات مختلف الأمزجة، وهضمٌ كهذا لا يكون إلا بمتراكمات وراثية دائمة بطيئة، ونحن، عندما نبحث في تطور الفنون لدى الأغارقة الذين هم أذكى أمم القرون القديمة، نرى أن هذه الأمة تطلبت قرونًا كثيرة لتخرج من نقل نماذج آشور ومصر نقلًا غليظًا فتصل بالتدريج إلى صنع ما لا تزال البشرية تُعجب به من الآثار النفيسة.

وإذا عَدَوْتَ بعض الأمم العريقة في القدم كالمصريين والكلدانيين وجدت جميع الأمم التي تعاقبت في التاريخ لم تفعل غير هضم عناصر الحضارة التي يتألف منها تراث الماضي محوِّلة هذه العناصر وفق مزاجها النفسي، ولو لم تَسْطِعْ الأمم أن تستفيد من تطور الحضارات الذي تم سابقًا لكان تقدم الحضارات أبطأ مما هو عليه بمراحل، ولوجب أن يبدأ تاريخ مختلف الأمم بما بدئ به من قبل. وانظر إلى الحضارات التي أوجدتها مصر وكلدة منذ سبعة آلاف سنة أو ثمانية آلاف سنة تجدها قد أسفرت عن ينبوع موضوعات استقت منه جميع الأمم بالتتابع، وانظر إلى فنون اليونان تجدها قد نشأت عن الفنون التي ظهرت على ضفاف دِجْلة والنيل، وانظر إلى الطراز اليوناني تجد الطراز الروماني قد صدر عنه، ثم اختلط الطراز الروماني هذا بمؤثرات شرقية فاشتق منه الطراز البزنطي والطراز الرومَني والطراز القوطي؛ أي اشتقت منه طُرُز مختلفة باختلاف عبقرية الأمم التي نشأت فيها، وعلى حسب عمر هذه الأمم، ولكن مع وجود أصل واحد لهذه الطُّرُز.

وأقول مكررًا: إن ما بيَّناه آنفًا عن الفنون يطبَّق على جميع عناصر الحضارة من نظم ولغات ومعتقدات؛ ومن ذلك أن اللغات الأوربية تشتق من لغة أصلية كان يُتكلم بها في هضبة آسية الوسطى، ومن ذلك أنَّ فِقْهَنا وليد الفقه الروماني، وأن الفقه الروماني وليد فقه سابق له، ومن ذلك أن الديانة اليهودية صدرت رأسًا عن المعتقدات الكلدانية، وأن الديانة اليهودية اختلطت بعد ذلك بمعتقدات آرية فصارت هذه الديانة العظيمة التي تسيطر على أمم الغرب منذ ألفي سنة، ولم تكن علومنا نفسها لتبلغ ما بلغته اليوم لولا عمل القرون البطيء، وتبصر أعاظم مؤسسي علم الفلك الحديث، مثل كُوپِرْنِيك وكِپْلِر ونيوتن، مرتبطين في بطليموسَ الذي كان يُرجَع إلى كتبه حتى القرن الخامس عشر، وتبصر بطليموس هذا يرتبط في المصريين والكلدانيين من طريق مدرسة الإسكندرية، وهكذا نبصر، على الرغم من الفراغ الهائل الذي نراه في تاريخ الحضارة، تطورًا بطيئًا في معارفنا نَرْجِع به من خلال العصور والدول إلى فجر تلك الحضارات القديمة التي يحاول العلم الحديث في الوقت الحاضر ربطها بالأزمنة الأولى حين لم يكن للبشرية تاريخ، بيد أن الينبوع إذا كان واحدًا فإن ما تُحدثه كل أمة بحسب مزاجها النفسي من التحولات في العناصر المستعارة إقبالًا وإدبارًا مختلف إلى الغاية، ومن هذه التحولات يتألف تاريخ الحضارات.

وفيما تقدم بيَّنا أن العناصر الأساسية التي تتألف منها حضارة أمة ما خاصةٌ بهذه الأمة، وأن هذه العناصر نتيجة مزاجها النفسي وعنوان هذا المزاج، وأنها لا تنتقل من عرق إلى آخر من غير أن تخضع لتحولات عميقة جدًّا، ومما رأيناه أيضًا أن الذي يحجب مدى هذه التحولات هو، من ناحيةٍ، الضرورة اللغوية التي تحملنا على تعيين أمور مختلفة بألفاظ واحدة، وهو، من ناحية أخرى، الضرورة التاريخية التي لا تؤدي إلى غير البصر بأقصى وجوه الحضارة، لا إلى وجوهها المتوسطة، ونحن حين ندرس في الفصل الآتي السُّنَنَ العامة لتطور الفنون يمكننا أن نثبت، بما هو أدق من ذلك، تعاقب التحولات التي تعتور عناصر الحضارة الأساسية عند انتقال هذه العناصر من أمة إلى أخرى.

هوامش

(١) لا أذكر هنا حال اليابان، فمن المتعذر دراستها في بضع صفحات؛ ولذلك أرى إحالة القارئ إلى التأملات الرصينة التي نشرها سفير اليابان في بطرسبرغ، مسيو موتونو، في كتابه: «غوستاف لوبون وأثره».
(٢) ذكر أحد العلماء المتخصصين في أمور الهند — مسيو بارت — ما حدث من مساعٍ كثيرة في ترجمة كتب الويدا فقال: «هنالك نتيجة أسفرت عن جميع الدراسات المتنوعة، والمتناقضة أحيانًا، وهي عجزنا عن ترجمة تلك الوثائق بالمعنى الصحيح.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠