الفصل الثالث

كيف تتحول الفنون

بحثتُ في الصلات التي تصل بين مزاج الأمة النفسي ونُظمها ومعتقداتها ولغتها فاقتصرتُ على بيانات موجزة في ذلك؛ وذلك لما يتطلبه إيضاح مثل هذه الموضوعات من مجلدات.

وأهونُ من ذلك أن نأتي بشرح بيِّن للفنون، وأما النظام أو المعتقد فأمر مشكوك في تعريفه، ذو غموض في تفسيره، ولا بد من أن يبحث في الحقائق المتغيرة في كل دور والمستترة وراء التعابير الميتة، وأن يؤتى بعملٍ مضنٍ من البرهنة والنقد، وصولًا إلى نتائجَ مختلَفٍ فيها من حيث النتيجة.

وبالعكس ترى الآثار الفنية، ولا سيما المباني، بيِّنة الحد سهلة التفسير، والكتب الحجرية هي أوضح الكتب، وهي التي لا تكذب مطلقًا، وهي التي خَصَّصْتُ لها مكانًا فائقًا في كتبي عن تاريخ حضارات الشرق لهذا السبب، ولقد كنتُ شديد الحذر من الوثائق الأدبية لما تنطوي عليه من تضليل في الغالب ومن فائدة في النادر، والمباني لا تَخدع أبدًا، وهي تعلِّم دائمًا، والمباني هي التي تحفظ أحسن من سواها فكرَ الأمم الغابرة، ومما يرثى له عَمَى قلوب المتخصصين الذين لا يبحثون في المباني عن غير الكتابات.

والآن لندرس، إذن، كيف تعبِّر الفنون عن مزاج الأمة النفسي، وكيف تتحول بانتقالها من حضارة إلى أخرى.

وسأقتصر في هذا البحث على الفنون الشرقية وحدها؛ وذلك لأن بيان تطور الفنون لدى مختلف العروق يتطلب دخولًا في جزئيات لا يحتملها صدر هذا الكتاب، وإن كان تكوين الفنون الأوربية وتحولها خاضعَيْن لسنن واحدة.

ولنبدأ بفنون مصر لنبصر الحال التي كانت عليها بانتقالها انتقالًا متتابعًا إلى عروق ثلاثة مختلفة؛ وهي: زنوج إثيوبية، والأغارقة، والفرس.

لا ترى بين الحضارات التي ازدهرت على وجه الأرض حضارةً كالحضارة المصرية عُبِّر عنها بفنونها، وقد بلغ تعبير فنون تلك الحضارة عنها من القوة والوضوح ما لم تستطع معه المُثُل الفنية التي ظهرت على ضفاف النيل غيرَ ملاءَمةِ تلك الحضارة وما لم تنتحلها الأمم الأخرى معه إلا بعد خضوعها لتحولات عظيمة.

خرجت الفنون المصرية، ولا سيما فن البناء المصري، من مَثَلٍ عالٍ خاصٍّ ظل شغل الأمة الدائم خمسين قرنًا، وكانت مصر تحلم بأن تبتدع للإنسان مسكنًا خالدًا تجاه حياته الفانية، واحتقر العرقُ المصري الحياةَ وتملَّق الموت، وكان أول ما يبالي به هذا العرق هو تلك الموميا الصامتة التي تتأمل تأملًا أبديًّا بعينيها المينائيتين المُرَصَّعَتَيْنِ في وجهها الذهبي، وذلك من أعماق منزلها الأسود، تلك الخطوط الهيروغليفية الحافلة بالأسرار، وهذه الموميا، وهي في حِمًى من كل تدنيس في منزلها المأتمي الواسع كالقصر، كانت تجد كل ما يفتنها في حياتها الدنيوية القصيرة مصوَّرًا ومنقوشًا على جُدُر الدهاليز التي لا نهاية لها.

وفن البناء المصري هو، على الخصوص، فنُّ بناءٍ مأتميٍّ ودينيٍّ غايته الموميا والآلهة، وفي سبيل الموميا والآلهة كانت تُنحت السراديب وتُرفع المِسَلَّات والأساطين والأهرام، وفي سبيل الموميا كانت تقام التماثيل الكبيرة المفكِّرة على عروشها الحجرية فتعلوها سيما الحِلْم والجلال.

وكل شيء في ذلك الفن المعماري ثابتٌ متين ما دام الخلودُ غايته، ولو كان المصريون الأمة الوحيدة التي عرفناها من أمم القرون القديمة لأمكننا أن نقول إن الفن هو بالحقيقة أصدقُ دليل على روح العرق الذي أوجده.

ثم ظهرت أمم مختلفة أشد الاختلاف، ومنها أمم متأخرة؛ كالإثيوبيين، وأممٌ عالية؛ كالأغارقة والفرس، قد اقتبست فنونها من مصر وحدها أو من مصر وآشور، ولننظر إلى ما آلت إليه هذه الفنون بين أيدي تلك الأمم.

ولنرجع البصر، أولًا، إلى أحط الأمم المذكورة؛ أي الإثيوبيين.

نعلم في دور متقدم من التاريخ المصري؛ أي في عهد الأسرة الرابعة والعشرين، أن أمم السودان اغتنمت فرصة فوضى مصر وانحطاطها فاستولت على بعض ولاياتها فأقامت مملكة كانت عاصمتها نباتة، ثم مروا محافظة على استقلالها عدة قرون.

وقد بهرت حضارة المغلوبين هذه المملكة، فحاولت هذه المملكة نسخ مباني تلك الحضارة وفنونها، ولكن هذا النقل الذي نحوز نماذج له ليس إلا نقلًا غليظًا في الغالب، وعلة ذلك أن أولئك الزنوج كانوا من البرابرة المحكوم عليهم بألا يخرجوا من البربرية لانحطاطهم الدماغي، وهم لم يخرجوا من البربرية قط على ما كان من عمل المصريين على تمدينهم في عدة قرون، ولا تجد في التاريخ القديم أو الحديث مثالًا على ارتقاء أمة زِنْجِيَّة إلى مستوى الحضارة، وفي كل مرة تقع فيها حضارة راقية بين أيدي العرق الزنجي اتفاقًا لا تُعتِّم هذه الحضارة أن تعود إلى أطوار منحطة؛ وذلك كما حدث بإثيوبية في القرون القديمة وبهايتي في أيامنا.

وهنالك عرق آخر كان من البرابرة أيضًا، هنالك عرق الأغارقة المقيم بعرض آخر، ولكن من البِيض، فاقتبس من مصر وآشور نماذج فنونه الأولى، وفي البداءة اقتصر على نقلٍ ممسوخ أيضًا، وهو قد انتهت إليه نتائج فنون تَيْنِك الحضارتين العظيمتين بواسطة الفنيقيين الذين كانوا سادة الطرق البحرية بين شواطئ البحر المتوسط وبواسطة أمم آسية الصغرى التي كانت سادة الطرق البرية المؤدية إلى نينوى وبابل.

وكلٌّ يعلم درجة تفوق الأغارقة على أساتذتهم، غير أن الاكتشافات الأثرية الحديثة أثبتت أيضًا غلظة آثارهم الأولى، ودلت على ضرورة انقضاء زمن حتى إنتاجهم نفيسَ الآثار التي كُتب بها الخلود لهم، وقد مضى الأغارقة نحو سبعة قرون في ذلك الجهد الثقيل كي يبتدعوا فنًّا خاصًّا راقيًا مستعينين بفن أجنبي، ولكن ما حققوه من المبتكرات في القرن الأخير هو أعظم مما وصلوا إليه في جميع العصور السابقة، والحق أن أطول جهد تبذله الأمة لا يكون في مجاوزة أعلى مراحل الحضارة، بل في مجاوزة مراحلها الدنيا، وتدل أقدم منتجات الفن الإغريقي؛ أي نتائج كَنْز مِيسِين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، على عملٍ ابتدائي وتقليدٍ مشوَّه لأنصاب الشرق، ثم مضت ستة قرون وما فتئ الفن الإغريقي يكون شرقيًّا، فتجد بين أَپُولُونَ في تِينيَه وأپولون في أُورخُومِينَ وبين التماثيل المصرية شبهًا يقضي بالعجب، بيد أن التقدم يسير قُدُمًا، فلم ينقضِ قرن حتى انتهينا إلى فِيدياس وتماثيل الپارتِنون العجيبة؛ أي إلى فن تخلَّص من أصوله الشرقية وفاق النماذج التي استوحاها زمنًا طويلًا.

وقل مثل هذا عن فن البناء، وإن كان تعيين مراحل تطوره أصعب من ذلك، ونحن نجهل ما يمكن أن تكون قصور أبطال أوميرُس حوالَي القرن التاسع قبل الميلاد، ولكن ما يحدثنا عنه هذا الشاعر من الجُدُر النحاسية والمشارف اللامعةِ الألوانِ والحيوانات الذهبية والفِضَّية الحافظةِ للأبواب يُذكِّرنا في الحال بقصور الآشوريين المكسوة بصفائح برونز وبآجُرٍّ مطليٍّ بالميناء والتي يحرسها ثيران منحوتة، ومهما يكن من أمر فإن مثال أقدم الأعمدة الدورية الإغريقية التي يبدو أنها ترجع إلى القرن السابع مما نَجِدُه في الكَرْنَك وبني حسن، وإن في العمود اليُونِيِّ عدة أجزاء مقتبسة من آشور، بيد أننا نعلم أيضًا أن هذه العناصر الأجنبية المُنَضَّدة قليلًا في البُداءة والممزوجة بعد ذلك، والمتحوِّلة في نهاية الأمر، مما نشأ عن أعمدة جديدة مختلفة عن نماذجها الأولى اختلافًا كثيرًا.

وتَعرض علينا فارس في طرف آخر من العالم القديم انتحالًا مماثلًا وتطورًا مشابهًا لذلك، غير أن هذا التطور لم يبلغ غايته لِما كان من وَقْف الفتح الأجنبي له بغتة، ولم تُقَيَّض لفارس سبعة قرون كما قُيِّض للإغريق، بل تسنَّى لفارسَ قرنان فقط لإبداع فن. والعرب وحدهم هم الأمة الوحيدة التي وُفِّقَتْ، حتى الآن، لإبراز فن خاص في مثل ذلك الزمن القصير.

ولم يبدأ تاريخ فارس قط إلا بكورشَ وخلفائه الذين استطاعوا أن يستولوا على بابلَ ومصر قبل الميلاد بخمسة قرون؛ أي على مَرْكَزيِ الحضارة اللذين كان مجدُهما ينير العالم الشرقي في ذلك الحين، ولم يكن أمر الأغارقة الذين خبِّئ لهم أن يسيطروا على العالم ذات يوم ليخطر على البال آنئذٍ، فغدت الإمبراطورية الفارسية مركزًا للحضارة إلى الزمن الذي قُضي عليها فيه قبل الميلاد بثلاثة قرون من قِبَلِ الإسكندر الذي حوَّل بذلك مركز الحضارة ذلك دفعة واحدة.

وإذا لما يكن للفرس، بعد استيلائهم على مصرَ وبابلَ، فن خاص فإنهم استعاروا من هذين البلدين نماذج ومتفننين، وإذا لم يدُمْ سلطان الفرس غير قرنين لم يكن عندهم من الوقت ما يُحَوِّلون به هذه الفنون تحويلًا أساسيًّا، ولكن الفرس حين انهاروا كانوا قد بدأوا بتحويل تلك الفنون، ولنا في أطلال برسپوليس (إصْطَخْر) التي لا تزال ماثلةً خبرٌ عن تكوين تلك التحولات. أجل، إننا نجد خلطًا هنالك لا ريب، وإن شئت فقل نجد تنضُّد فنون مصر وآشور الممزوجة ببعض العناصر الإغريقية، غير أن عناصر جديدة تبدو هنالك، يبدو هنالك، على الخصوص، العمود الإصْطَخْري العالي الذي له تيجان ذات رأسين والذي نبصر من تيجانه هذه أن الزمان لو أمهل الفرس لأبدع هذه العرق الرفيع فنًّا خاصًّا، ولو لم يبلغ ما بلغه فن الأغارقة من السُّمو.

ولدينا دليل على ذلك فيما نلاقيه من مباني الفرس التي شِيدَتْ بعد عشرة قرون، وبيان الأمر أن الأسرة الكينية التي أسقطها الإسكندر قد خَلَفَتْهَا الأسرة السلوقية فالأسرة الأشكانية فالأسرة الساسانية التي قضى عليها العرب، وبالعرب اكتسب الفرس فنَّ بناءٍ جديد، وما يشيده الفرس من مبانٍ على أثر ذلك فذو طابعِ إبداعٍ ثابت ناشئ عن مزج الفن العربي بفن بناء الكينيين القديم المعدَّل بخلطٍ مع فن الأشكانيين ذي المسحة اليونانية كالأبواب الشاهقة التي تبلغ ذُرْوَةَ وجهة البناء، وكالآجُرِّ المطلي بالميناء، وكالأقواس ذات الزاوية في أعلاها إلخ، وهذا الفن الجديد هو الفن الذي نقله المغول إلى الهند محوَّلًا بعد ذلك.

وتدلنا الأمثلة السابقة على ما قد تحدثه الأمة من التحولات في فنون أمة أخرى، وذلك بحسب العرق وبحسب الزمن الذي يدوم فيه نفوذها.

ويرجع الفن المستعار — كما رأينا — إلى طور منحطٍّ لدى عرق متأخر كالإثيوبيين يحمل وراءه قرونًا مع اتصافٍ بقدرة دماغية ناقصة، وقد رأينا لدى الأغارقة؛ أي لدى العرق الرفيع وذي المجهود في عدة قرون، تحول الفن القديم إلى فن جديد أعلى منه تحولًا تامًّا، ولم نجد لدى عرق آخر؛ أي لدى الفرس الذين هم دون الأغارقة سُمُوًّا، والذين لم يمهلهم الزمن، غير حذق كبير في التركيب وبدء بالتحويل.

ولكننا إذا عَدَوْنَا تلك الأمثلة التي يرجع معظمها إلى زمن بعيد وجدنا من الأمثلة ما هو أحدث من تلك كثيرًا، وجدنا من نماذج هذه الأمثلة ما لا يزال قائمًا وما يدل على عِظَم التحولات التي يضطر العرق إلى إحداثها فيما يقتبسه من الفنون، وتلك الأمثلة تزيد بروزًا عند النظر إلى أمم تدين بديانة واحدة مع اختلاف أصولها، وأقصد بذلك المسلمين.

فلما استولى العرب في القرن السابع على معظم العالم اليوناني الروماني القديم وأقاموا إمبراطوريتهم العظمى التي لم تلبث أن امتدت من إسپانية إلى أواسط آسية مارَّة بجميع شمال إفريقية وجدوا أنفسهم أمام فن بناء واضح المعالم، وجدوا أنفسهم أمام فن البناء البزنطي، فانتحلوه على عِلَّاته في بدء الأمر، سواء أفي إسپانية أم في مصر أم في سورية، وذلك في شَيْدِ مساجدهم، ولدينا برهان على ذلك الانتحال في مسجد عمر بالقدس، ومسجد عمرو بالقاهرة، وفي غيرهما من المباني التي لا تزال قائمة، ولكن ذلك الانتحال لم يدُمْ طويلًا؛ فقد رُئِيَ أن المباني تتحول بين قطر وقطر وبين قرن وقرن بسرعة، وفي كتابنا «حضارة العرب» درسنا أمر هذه التحولات، فوجدناها بلغت من الاتساع ما لا تبصر معه أدنى شَبَهٍ بين بناء أقيم في بدء الفتح كمسجد عمرو بالقاهرة (٧٢٤) وبناء أقيم في آخر العهد العربي كمسجد قايتباي (١٤٦٨)، ومما أظهرناه بشروحنا وصُوَرنا في ذلك السِّفْرِ أن المباني القائمة في مختلف البلدان التي دانت لشريعة الإسلام بلغت من الاختلاف ما يتعذر معه جمعها تحت اسم واحد؛ وذلك خلافًا لما يمكن فعله، مثلًا، في أمر المباني القوطية البادية التشابه مع تنوعها.

ولا يمكن عزو تلك الفروق الأساسية في فن بناء البلدان الإسلامية إلى اختلاف المعتقدات ما دام الدين واحدًا، بل يُعْزَى إلى اختلاف العروق الذي يؤثر في تطور الفنون ومصاير الدول تأثيرًا عميقًا.

وإذا صحَّ ذلك القول وجب علينا أن ننتظر اطَّلاعَنا في البلد الواحد الذي تسكنه عروق مختلفة على مبانٍ متباينة أشد التباين، على الرغم من وَحْدَةِ المعتقدات ووحدة السلطان السياسي، وهذا ما يُشاهد في الهند بالضبط. وفي الهند يسهل أن تجد من الأمثلة ما يؤيد المبادئ العامة المعروضة في هذا الكتاب، فتراني أعود إليها على الدوام، ولنا في شبه جزيرة الهند الكبرى أكثر كتب التاريخ إغراء وحكمة، واليوم تمثل الهند، في الحقيقة، القطر الوحيد الذي يمكن بانتقال بسيط بين البقاع أن يُطاف به كما يُراد في غضون الزمان، وأن تُرَى فيه ماثلةً سلسلةُ المراحل المتعاقبة التي اضطُرت البشرية إلى مجاوزتها للوصول إلى مستوى الحضارة العالي، وفي الهند تشاهد جميع وجوه التطور، تشاهد فيه العصر الحجري كما تشاهد فيه عصر الكهرباء والبخار، ولا تجد في مكانٍ ما تجده في الهند من العوامل العظيمة التي تهيمن على تكوين الحضارات وتطورها.

وقد حاولتُ، مطبِّقًا المبادئ المشروحة في هذا الكتاب، أن أَحُلَّ مسألة بُحِث عنها منذ زمن طويل، حاولتُ اكتناه أصل فنون الهند، وهذا الموضوع إذ كان معروفًا قليلًا إلى الغاية، وإذ كان ينطوي على تحقيق طريف لأفكارنا في روح العروق، نرى تلخيصَ أهمِّ خطوطه هنا.١

لم تظهر الهند من ناحية الفنون إلا في زمن متأخر جدًّا من التاريخ، ولا يكاد أقدم آثارها؛ كأعمدة أشوكا ومعابد كارلي وبهارت وسانچي إلخ، يعود إلى ما هو أقدم من التاريخ الميلادي بقرنين، وعندما أقيمت تلك الآثار كان معظم حضارات العالم القديم المُسِنَّةِ؛ كحضارات مصر وفارس وآشور، قد أتمت دورها فأوغلت في ليل الانحطاط، وكانت حضارة رومة وحدها تحل محل الحضارات الأخرى، وكان العالَم لا يعرف غير رومة سيدًا.

واستطاعت الهند التي برزت من ظل التاريخ في زمن متأخر أن تقتبس، إذن، بعض العناصر من الحضارات السابقة، غير أن العزلة العميقة التي قيل إن الهند كانت تعيش فيها على الدوام، وأن ما في آثارها من إبداع عجيب لا قرابةَ ظاهرةً بينه وبين جميع الآثار التي ظهرت قبلها، مما أبعد، لطويلِ زمنٍ، كل افتراض لأي اقتباس أجنبي فيها.

وبجانب ما في آثار الهند الأولى من إبداع لا جدال فيه نرى هذه الآثار تَنِمُّ أيضًا على تفوُّق في الصنع لم يجاوَزْ في القرون التالية. نعم، لا بد من أن تكون الآثار المذكورة البالغة تلك الدرجةَ من الكمال قد سبقها تَحَسُّسٌ طويل في الظلام، بيد أنك لا تجد أي رسم أو أي أثر منحطٍّ ينمُّ على ذلك التحسس.

وما حدث في بعض البقاع النائية الواقعة في شمال شبه جزيرة الهند الغربي من اكتشاف جديد لبقايا من التماثيل والمباني التي تنمُّ على المؤثرات اليونانية الظاهرة حَمَلَ العلماء المشتغلين بأمور الهند على القول بأن الهند استعارت فنونها من الأغارقة.

وما كان من تطبيق للمبادئ المعروضة آنفًا، ومن البحث العميق في معظم المباني التي لا تزال قائمة في الهند، يسير بنا إلى حلٍّ معاكس لذلك معاكسة تامة، فعلى ما كان للهند من صلة عابرة بالحضارة اليونانية نرى أن الهند لم تقتبس أيَّ فنٍّ من فنونها، وأن الهند لم تكن قادرة على استعارة ذلك، فالعِرْقَانِ المتواجهان إذ كانا متباينين كثيرًا، وكانت أفكارهما مختلفة اختلافًا كبيرًا، وكانت عبقريتهما الفنية متنافية تنافيًا شديدًا، لم يكن أحدهما ليؤثِّر في الآخر.

ثم إن دراسة الآثار المنثورة في الهند تدل من فورها على عدم وجود أي نَسَب بين فنونها وبين فنون الأغارقة، وبينما ترى جميع آثارنا الأوربية مُشْبَعَةً من العناصر المقتبسة من الفن الإغريقي لا تجد في عناصر فنون الهند أيَّ عنصر من ذلك الفن، ويُثْبِت أبسط المباحث أننا تِجاه عروق مختلفة إلى الغاية، وأنه لم يوجد من العبقريات ما هو متباين، ولا متنافر، كتباين العبقرية الإغريقية والعبقرية الهندوسية وتنافرهما.

وكلما أوغلنا في دراسة مباني الهند وروح الأمم التي أوجدتها زادت تلك المعرفةُ جلاءً، ونحن لا نُعتِّم أن نرى أن العبقرية الهندوسية ذاتية كثيرًا، فلا تتأثر بمؤثر أجنبي بعيد من فكرها. أجل، يمكن هذا المؤثر الأجنبي أن يُفرَض فرضًا، بيد أنه يظل سطحيًّا موقتًا مهما طال أمده، والذي يظهر هو أن بين مزاج مختلف عروق الهند النفسي ومزاج الأمم الأخرى حواجز عاليةً عُلُوَّ الحواجز الهائلة التي جعلتها الطبيعة بين شبه جزيرة الهند الكبرى وبقاع العالم الأخرى، وقد بلغت العبقرية الهندوسية من الاستقلال ما تُحَوِّلُ به في الحال كل أمرٍ تقضي الضرورة عليها بتقليده فتجعله هندوسيًّا. حتى في فن البناء — حيث يصعب إخفاء ما هو مستعار — تجد ذاتية العبقرية الهندوسية الغريبة ومَلَكَتها في التغيير سافرتَيْن، ومن الممكن أن يقلد المهندس المعماري عمودًا إغريقيًّا، ولكن ذلك لا يحول دون تحويله إياه بسرعة إلى عمود يبدو عند أبسط الأبحاث أنه هندوسي، ومن الواقع أن مثل هذه التحويلات يُشاهَد اليوم في الهند حيث بلغ النفوذ الأوربي الغاية في الزمن الحاضر، وأعْطُوا أحد متفنني الهندوس أي نموذج أوربي لينقله تجدوه منتحلًا لشكله العام، ولكن مع مبالغة في صنع بعض أجزائه، ومع زيادة وتبديل في دقائق زخارفه، وهذا النموذج إذا ما نُقل مرة ثانية أو مرة ثالثة جرِّد من كل مسحة غريبة ليغدو هندوسيًّا خالصًا.

وظاهرةُ فن البناء الهندوسي الأساسية، وهي ظاهرة تبدو في الآداب القريبة من فن البناء لهذا السبب، هي الإفراط في المبالغة والغلو في الجزئيات والتعقيد الذي يعاكِس على خط مستقيم بساطة الفن الإغريقي البادية الباردة، ونطَّلع بدراسة فنون الهند، على الخصوص، على درجة ما بين آثار العرق الماثلة ومزاجه النفسي من صلة، وعلى تكوُّنِ أوضح اللغات منها لمن يعرف أن يفسرها، ولو كان الهندوس قد غابوا عن التاريخ غيابًا تامًّا كما غاب الآشوريون لكان في نقوش معابدهم البارزة وفي تماثيلهم ومبانيهم ما فيه الكفاية لاكتشاف ماضيهم، وكانت هذه الآثار تخبرنا على الخصوص أن روح الأغارقة الجلية المنظمة لم تَسْطِعْ أن تؤثِّر تأثيرًا دائمًا في خيال الهندوس الفياض العاطل من الترتيب، وكانت هذه الآثار توضح لنا السبب في أن تأثير الأغارقة في الهند لم يَبْدُ غيرَ عابرٍ مقتصرٍ على البقعة التي بسط عليها سلطانه بسطًا موقتًا.

حتى إن الدراسة الأثرية لمباني الهند تجعلنا نُوَكِّد، بوثائق دقيقة، ما تنمُّ عليه معارف الهند العامة وروح الهندوس في الحال، وقد أدَّت تلك الدراسة إلى تحقيقنا الأمر الطريف القائل إن ملوك الهندوس ذوي الصلات بملوك فارس الأشكانية، وقد كانت حضارة فارس متأثرة بالطابع اليوناني، أرادوا إدخال الفن الإغريقي إلى الهند في مرات كثيرة، ولا سيما في القرنين الأولين من الميلاد، فلم يُوَفَّقُوا لإبقائه في الهند.

ولم يلبث ذلك الفن المستعار الرسمي وغير الملائم لفكر الشعب الذي أُدخل إليه أن زال بزوال المؤثرات السياسية التي أوجبت ظهوره، ثم إن العبقرية الهندوسية كانت تكره ذلك الفن المستعار، فلم يكن ذا أثر في فن الهند القومي حتى في الزمن الذي فُرض فيه، والحق أنك لا تجد أثرًا إغريقيًّا في المباني الهندوسية المعاصرة لذلك الحين أو التي شِيدَتْ بعده كالمعابد المنحوتة تحت الأرض مثلًا، وهذا إلى أن من السهل تمييز الأثر الإغريقي فلا يمكن إنكاره، فإذا عَدَوْتَ المجموع البادي الإبداع على الدوام وجدتَ في الحال أن بعض الجزئيات الفنية، كعمل النُّسُج، قد صُنع بيد متفنن إغريقي.

وكان زوال الفن الإغريقي عن الهند مفاجئًا كظهوره فيها، وتُثْبِتُ هذه المفاجأة أمر فنٍّ صار استيراده وفرضه رسميًّا من غير أن تكون بينه وبين الأمة التي حُمِلَتْ على انتحاله أيَّةُ قرابة، والفنونُ لا تَمَّحِي على ذلك الوجه أبدًا، بل تتحول فيستعير الفن الجديد من الفن الذي ورثه شيئًا على الدوام. والفن الإغريقي؛ إذ جيء به إلى الهند بغتة على أثر المغازي، زال من الهند بغتة، وهو لم يتفق له غير تأثير ضعيفٍ ضَعْفَ تأثير المباني الأوربية التي يَشِيدها الإنكليز في الهند منذ قرنين.

وما كان من عدم تأثير الفنون الأوربية العتيد في الهند، مع مرور أكثر من مئة عام على ذلك السلطان المطلق، يمكن تشبيهه بقلة تأثير الفنون الإغريقية منذ ثمانية عشر قرنًا، ولا إنكار لما هنالك من تنافر بين مشاعر الفريقين الفنية، والدليل على ذلك ما حدث من تقليد الفنون الإسلامية في جميع أنحاء شبه جزيرة الهند، مع أنها غريبة عن الهند غُرْبَ الفنون الأوربية عنها، ومن النادر ألا تجد شيئًا من الزخرف العربي حتى في أي معبد من معابد أجزاء الهند التي لم يكن للمسلمين أيُّ سلطانٍ فيها. نعم، إننا نرى اليوم في الهند راجواتٍ مثل راجه غواليارَ أَغْوَتْهُم سيطرة الأجانب، كما في عهد الملك كنيشكا البعيد، فأنشأوا قصورًا أوربية على الطراز اليوناني اللاتيني، غير أن هذا الفن الرسمي المنضَّد على الفن الأهلي، كما في زمن كنيشكا، هو غير ذي تأثير في هذا الفن الأهلي.

ومما تقدم ترى أن الفن الإغريقي وُجِدَ بجانب الفن الهندوسي في الماضي كما ترى الفن الأوربي بجانب الفن الهندوسي في الوقت الحاضر، وذلك من غير أن يؤثِّر أحدهما في الآخر، ولا تجد بين مباني الهند الحقيقية واحدًا يمكنك أن تقول إنه يشتمل في مجموعه أو في جزئياته على أيِّ شَبَهٍ قريب أو بعيد بأي واحد من مباني الأغارقة.

وعجزُ الفن الإغريقي عن الرسوخ في الهند أمر يستوقف النظر، ويجب عَزْوُه إلى ذلك التنافر الذي ذكرنا وجوده بين روحَيْ ذَيْنك العرقَيْن، لا إلى عجز الهند الفطري عن هضم الفنون الأجنبية ما دامت الهند قد عرفت كيف تهضم الفنون الملائمة لمزاجها النفسي وكيف تحوِّلها.

وما استطعنا جمعه من الوثائق الأثرية يثبت في الحقيقة كيف أن فارس حبت الهند بمصدر فنونها، وليست فارسُ هذه هي فارسَ التي تأثرت بشيء من الفن اليوناني في عهد الأشكانيين، بل فارس التي ورثت حضارتي آشور ومصر القديمتين، ومما نعلم أن الإسكندر عندما أسقط أُسرة الملوك الكينية قبل الميلاد بثلاثمئة سنة كان الفرس حائزين لحضارة ساطعة منذ قرنين، والفرس هؤلاء لم يكونوا قد انتهوا إلى طراز جديد في الفنون لا ريب، غير أن مزجهم للفنون المصرية والآشورية التي ورثوها أدى إلى إنتاجهم آثارًا ممتازة، وذلك كما يُعلَم من أطلال برسپوليس (إصْطَخْر) التي لا تزال شاخصة، فهنالك ترى أن الأبواب المصرية الشاهقة وثيران آشور المجنحة وبعض العناصر اليونانية دالةٌ على تقابل جميع فنون الحضارات السابقة الكبرى في تلك البقعة الآسيوية الصغيرة.

وفارس هي التي استوحتها الهند، ولكن الهند لم تَسْتَقِ في الحقيقة سوى فنونِ كَلْدَةَ ومصرَ التي كانت فارس قد اقتصرت على تقليدها.

وتنمُّ دراسة مباني الهند على ما استعارته الهند في الأصل، بَيْدَ أن تحقيق هذه الاستعارات يتطلب بحثًا في أقدم تلك المباني، ومن صفات الروح الهندوسية أن تخضع الاقتباسات عندها لتحولات تغدو بها غير معروفة الأصل؛ وذلك لتلائم مداركَ تلك الروح.

وما السبب في أن الهند التي بَدَتْ عاجزة عن اقتباس شيء من اليونان استعارت من فارس بسهولة ما عَنَّ لها؟ يرجع سبب ذلك إلى أن فنون فارس ملائمة لمزاجها النفسي لا رَيْب، على حين ترى فنونَ الأغارقة لا تلائم تلك الروح مطلقًا، ويرجع سبب ذلك إلى أن ما في المباني الإغريقية من أشكال بسيطة ووجهات قليلة الزخرف لا يناسب الروح الهندوسية، على حين ترى الأشكال المركبة وفرطَ الزينة وغنى الزخرف في مباني فارس تُغْوِي تلك الروح.

على أن تأثير فارس بفنونها في الهند، وذلك حين تمثيل فارسَ لمصرَ وآشورَ، لم يقتصر على ذلك الدور البعيد الذي هو أقدم من التاريخ الميلادي، فلمَّا ظهر المسلمون بعد ذلك بقرون كثيرة في شبه جزيرة الهند أُشْبِعَت حضارتهم في أثناء قَطْعِها لفارس من العناصر الفارسية، فكان ما جاءت به تلك الحضارة إلى الهند فارسيًّا مُشْرَبًا بأثر التقاليد الآشورية القديمة التي أدامها الملوك الكينيون فعُدَّت أبواب المساجد الهائلة وما يستر هذه الأبواب من الآجُرِّ المطليِّ بالميناء من بقايا الحضارة الكلدانية الآشورية، وقد عرفت الهند أن تهضم هذه الفنون أيضًا لملاءمتها عبقرية عرقها، مع أن الفن الإغريقي في الماضي والفن الأوربي في الحاضر منافيان لشعورها وتفكيرها، فظلَّا غير مؤثرَيْن فيها على الدوام.

إذن، ترتبط الهند في مصر وآشور من طريق فارس كما نرى، لا في الإغريق كما يذهب إليه بعض علماء الآثار، ولم تأخذ الهند من الإغريق شيئًا، ولكن الهند والإغريق قد استقتا من ينابيعَ واحدةٍ، من كنز واحد هو أساس جميع الحضارات التي أنضجتها شعوب مصر وكلدة في قرون كثيرة، وقد اقتبست الإغريق ذلك الكنز بواسطة الفنيقيين وأمم آسية الصغرى، وقد اقتبسته الهند بواسطة فارس، وهكذا ترى أن حضارتي الإغريق والهند تُرَدَّان إلى ينبوع واحد، مع العلم بأن المَجْرَيَيْنِ اللذين تفرعا من هذا الينبوع لم يلبثا أن اختلفا في كلا البلدين اختلافًا كليًّا وفق عبقرية كلٍّ من عرقيهما.

بيد أن الفن إذا كان ذا علاقة وثيقة بمزاج العرق النفسي كما قلنا، وإذا كان الفن الذي تقتبسه عروق مختلفة يكتسب وجوهًا متباينة لذلك السبب، فإنه يجب علينا أن ننتظر حيازة الهند التي تسكنها عروق مختلفة أشد الاختلاف فنونًا متباينة وطرز بناء غير متشابهة على الرغم من وحدة العقائد.

ويؤيد البحث في مباني مختلف بقاع الهند ذلك المبدأ، وما بين مباني الهند من فروق بلغ من بُعْدِ الغَوْر ما نُقَسِّمها معه بحسب البقاع؛ أي بحسب العرق، لا بحسب دين الشعوب التي شادتها، وإنا لا نجد أي شبه بين مباني شمال الهند ومباني جنوبها التي أقيمت في دور واحد من قِبَل أمم تدين بدين متماثل على الخصوص، حتى في أيام سلطان الإسلام، في ذلك الدور الذي بلغت الوحدة السياسية فيه حدها، والذي وصلت السلطة المركزية فيه إلى غايتها، تبصر اختلاف المباني الإسلامية الصرفة بين بقعة وبقعة اختلافًا كبيرًا، فلا ترى بين مساجد أحمد آباد ولاهور وأغره وبيجاپور سوى نَسَب ضعيف، سوى نَسَبٍ أقل مما بين عمارة أقيمت في عصر النهضة ومباني العصر القوطي مع أن تلك المساجد خاصة بدين واحد.

وليس فن البناء وحده هو الذي يختلف في الهند بين عرق وعرق، بل تجد صُنع التماثيل يختلف في مختلف بقاعها أيضًا؛ لا من حيث الأمثلة التي تُعرض وحدها؛ بل من حيث الوجه الذي تُعمَل به أيضًا، فقابِلوا تماثيل سانچي أو نقوشها البارزة بما في بَهارَت تجدوا الفرق واضحًا، مع أن ما فيهما صُنع في زمن واحد تقريبًا، ويشتد هذا الفرق عند المقابلة بين تماثيل ولاية أوريسة ونقوشها وبين ما في بُنْدِيل كَهَند، أو عند المقابلة بين تماثيل مَيْسور وما في المعابد الكبرى بجنوب الهند، وهنالك يبدو تأثير العرق في كل مكان، ثم هو يبدو في أقل الأدوات الفنية، ولا أحد يجهل درجة اختلاف هذه الأدوات بين ناحية وناحية من أنحاء الهند، ولا احتياج إلى كبير خبرة للتفريق بين صندوق صغير مصنوع من الخشب المحفور في ميسور وصندوق صغير مصنوع من الخشب المحفور في الكَجَرات، كما أنه لا احتياج إلى كبير خبرة للتفريق بين حِليةٍ صُنعت في ساحل أوريسة وحليةٍ صُنعت في ساحل بَمْبِي.

أجل، إن فن بناء الهند فن ديني على الخصوص كفن بناء جميع الشرقيين، ولكن مهما كان المؤثر الديني كبيرًا في الشرق خاصة تجد التأثير العرقي أعظم منه بدرجات.

وروح العرق التي تسيِّر مصير الأمم توجِّه معتقداتها ونظمها وفنونها إذن، ومهما يكن عنصر الحضارة الذي نبحث عنه نجد فيه تلك الروح على الدوام، وتلك الروح هي القدرة الوحيدة التي لا تغلبها قدرة، وهي تمثل وطأة الأجيال وخلاصة أفكارها.

هوامش

(١) أحيل القارئ، الذي يود أن يطَّلع على ما لا يمكن الإلمام به هنا من الدقائق الفنية، إلى كتابي «آثار الهند» المصوَّر وفق الصور الفوتوغرافية التي التقطتها ووفق ما صنعته من رسم وتخطيط، فنشره فيرمان ديدو، وقد نقلت كثيرًا من تلك الصور في كتابي «حضارات الهند» المشتمل على ٨٠٠ صفحة من القطع الكامل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠