الفصل الثاني

تطبيق المبادئ السابقة على البحث المقارن في تطور الولايات المتحدة بأمريكة والجمهوريات الإسبانية الأمريكية

تثبت الملاحظات المختصرة السابقة أن نُظُم الأمة تعبِّر عن روحها، وأن الأمة إذا سهُل عليها أن تغيِّر شكل هذه النُّظم لا تقدر على تغيير أساسها، والآن نبين بأمثلة واضحة درجة سيطرة روح الأمة على مصيرها، كما نبين الشأن الضئيل الذي تمثله النُّظم في ذلك المصير.١

وإنني آخُذُ هذه الأمثلة من بلدٍ تعيش فيه جنبًا لجنب؛ وذلك في بيئة ذات أحوال قليلة الاختلاف، عروق أوربية متماثلة في الحضارة والذكاء، غير مختلفة في سوى الأخلاق؛ أي آخذها من أمريكة. وتؤلَّف أمريكة من قارتين يجمعهما برزخ، وتتساوى تانك القارتان مساحة تقريبًا، وتتشابهان ترابًا تشابهًا كبيرًا، والعرق الإنكليزي كان قد استولى على إحداهما، والعرق الإسپاني كان قد استولى على الأخرى، وكلا العرقين ذو دساتيرَ متشابهةٍ ما دامت جمهوريات أمريكة الجنوبية قد نقلت دساتيرها من دستور الولايات المتحدة، وهنالك لا ترى، إذن، غير اختلاف عروق متقابل نستعين به على إيضاح مختلف مصاير تلك الأمم، وإليك نتائج هذا الاختلاف:

لنبدأ بتلخيص أخلاق العرق الأنغلوسكسوني الذي عَمَرَ الولايات المتحدة، وذلك في بضع كلمات، وفي العالم لا تجد عرقًا أكثر تجانسًا منه مع اختلاف أصله، وفي العالم قد لا تجد عرقًا ذا مزاج نفسي أسهل تعريفًا من مزاجه في خطوطه الكبرى.

ومن الناحية الخلقية يمتاز ذاك المزاج النفسي بإرادة قلما اتفقت لأمة خلا الرومان، وبهمَّةٍ لا تُقهر، وبقوةٍ مبادرةٍ نامية إلى الغاية، وبضبط نفس وباستقلال يخرج عن حد الأُنس، وبنشاط قوي وبشعور ديني شديد، وبأدب ثابت وبمعرفة جلية للواجب.

ومن الناحية الذهينة لا نجد ما يسهُل بيانه من الصفات الخاصة؛ أي من العناصر الخاصة التي لا يُشاهَد مثلها لدى الأمم المتمدنة الأخرى، ولا نرى غير ذكر ذلك التمييز الصادق الذي تُدرك به ناحية الأمور العملية الإيجابية، ولا يُضل به في المباحث الوهمية، وغيرَ ذكر ذلك الذوق الممتاز للوقائع وذلك التذوق الهزيل للمبادئ العامة، وغير ذكر ذلك البصر الضيق الذي يحول دون تبيُّن ما في المعتقدات الدينية من نواحٍ ضعيفة، والذي يجعل هذه المعتقدات في حمى من الجدل.

وإلى تلك الصفات العامة تُضاف صفة التفاؤل التام التي تبدو بها طريق الرجل في الحياة ممهدة فلا يفترض أنه يقدر على اختيار ما هو أحسن منها، وهو يعلم، دائمًا، ما يطلب منه وطنه وأسرته وآلهته. ويبلغ هذا التفاؤل من الشدة درجة يعد بها كل عنصر أجنبي محتقرًا، والحق أن احتقار الأجنبي وعاداته يجاوز في إنكلترة الحد الذي كان الرومان في إبَّان عظمتهم يحتقرون البرابرة به، ولهذا الاحتقار تبصر زوال كل مقياس أدبي تجاه الأجنبي، واحتقار الأجنبي هذا ينمُّ على شعور متأخر من الناحية الفلسفية لا ريب، غير أنه بالغ الفائدة في تقدُّم الأمم، ومن الإصابة قول القائد الإنكليزي وُلْسلي: إن ذلك الاحتقار من عوامل قوة إنكلترة، ومن الإصابة أن قيل: إن الإنكليز يُعْنَوْن كالصينيين بمنع تسرب أي نفوذ أجنبي فيهم؛ وذلك بسبب رفضهم الصائب إنشاء نفق تحت المانش تَسْهُل العلائق بينهم وبين القارة به.

وتجد الأخلاقَ المذكورة فيما تقدم في مختلف الطبقات الاجتماعية، ولا تبصر عنصرًا من عناصر الحضارة الإنكليزية إلا وعليه طابع قوي من تلك الأخلاق، وتلك الأخلاق تقف نظر الأجنبي الذي يزور إنكلترة ولو لبضعة أيام. ومما يراه هذا الأجنبي ذلك الاحتياج إلى الحياة المستقلة في كوخِ أدنى مستخدم، وهذا الكوخ منزل ضيق لا ريب، ولكنه في حمى من كل ضغط، وفي منتأى من كل جوار، ويرى الأجنبي ذلك الاحتياج إلى الاستقلال في المحطات المطروقة حيث يطوف الجمهور في كل ساعة من غير أن يُزْرَبَ كقطيع من الغنم الطَّيِّعِ خلف حاجز يحرسه موظف كما لو وجب عليه حفظ سلامة الناس الذين لا يجدون في أنفسهم من الانتباه الضروري ما يصونون به أنفسهم من الدَّوْس، ويطَّلع ذلك الأجنبي على نشاط ذلك العرق في عمل العامل القاسي كما يطَّلِع عليه في عمل الطالب الذي وُضِعَ حبلُه على غاربه منذ صباه فيتعلم السير وحده عالمًا أنه لا أحد غيره يُعْنَى بمصيره، ويطَّلع ذلك الأجنبي على نشاط ذلك العرق لدى الأساتذة الذين يكتفون بقليل تعليم ويبالون بكثير أخلاق، عادِّين الخُلق من أقوى العوامل المحركة في العالم،٢ وإذا ما رجع ذلك الأجنبي بصرَه إلى حياة المواطن العامة أبصر أنه يعتمد، دائمًا، على قوة المبادرة الفردية لا على الدولة، لا فرق في ذلك بين إصلاح ينبوع قرية وإنشاء مرفأ بحري، ومد خط حديدي، وحين يتابع ذلك الأجنبي بحثه لا يلبث أن يعترف بأن تلك الأمة هي الأمة الحرة الوحيدة حقًّا على الرغم من معايبها التي تجعلها في نظر الأجنبي أكثر الأمم جفاء؛ وذلك لأنها وحدها هي التي استطاعت أن تعرف كيف تسير طليقة فلا تترك لحكومتها غير أدنى حد من العمل، وإذا ما تصفَّح الباحث تاريخ تلك الأمة وجد أنها أول من عرف أن يتخلَّص من كل سيطرة للكنيسة أو للملوك، وكان الفقيه فُورتِسْكُو يعارض في القرن الخامس عشر «القانون الروماني — الذي هو تراث الأمم اللاتينية — بالقانون الإنكليزي؛ فيقول: إن الأول هو من صنع الأمراء المطلقين فيعمل على التضحية بالفرد، وإن الثاني هو من عمل الجميع فيعمل على حماية الفرد».

وإذا ما هاجرت أمةٌ تلك هي حالها إلى أية بقعة من بِقاع الدنيا لم تُعتِّم أن تصير ذات شوكة وأن تؤسِّس دولًا قوية، وإذا كان العرق الذي تغزوه على جانب كبير من الضعف فلا يُنتَفع به، كأصحاب الجلود الحمر (الپوروج) بأمريكة مثلًا، أبادته بانتظام، وإذا كان العرق المقهور كثير العدد وكان يمكن استغلاله، كأهل الهند، أُكرِه على العمل في سبيل سادته، واستُثمر بمهارة مع تركه حرًّا في عاداته ونُظمه.

ويجب، في بلد جديد كأمريكة، تَتَبُّع التقدم العجيب المدين لمزاج العرق الإنكليزي النفسي، ولا أحد يجهل ماذا أصبح هذا العرق، وهو المعتمد على نفسه، فيما نُقل إليه من تلك البقاع العاطلة من الفلاحة والتي لم يكد يسكنها بعض المتوحشين؛ فقد كفاه قرن واحد لينال إحدى المراتب الأولى بين دول العالم العظمى حتى قلَّ من يقدر على مكافحته في الوقت الحاضر، وتراني أوصي بقراءة كتب مسيو روزيه عن الولايات المتحدة أولئك الذين يرغبون في الوقوف على مقدار المبادرة العظيمة والنشاط الفردي اللذين يبذلهما أبناء تلك الجمهورية القوية، فهنالك يبصرون استعداد الناس إلى أقصى حد لإدارة أنفسهم بأنفسهم وللاشتراك في إنشاء المشاريع الكبيرة وبناء المدن وشَيْدِ المدارس والمرافئ والخطوط الحديدية إلخ، وهنالك يبصرون عمل الدولة إلى أدنى حد حتى يمكن القول بعدم وجود سلطات عامة تقريبًا، وما يكون نَفعُ تلك السلطات فيما خلا الشرطة والجيش والتمثيل الدِّبْلُمِيَّ.

ثم إنه لا يُكتب في الولايات المتحدة فلَاحٌ إلا لمن هو حائز للصفات الخُلقية المذكورة سابقًا، ولذلك ترى المُهاجَرَات الأجنبية لا تغيِّر روح العرق العامة أبدًا، ومن شروط الحياة هنالك أن الذي يكون عاطلًا من تلك الصفات يغدو محكومًا عليه بالزوال السريع، والأنغلوسكسوني وحده هو الذي يَقْدِرُ على العيش في ذلك الوسط المُشْبَع من الاستقلال والإقدام، وأما الإيطالي فيموت فيه جوعًا، وأما الإيرلندي والزنجي فيعيشان في الخِدَم الدنيا.

وتمثِّل تلك الجمهورية الكبرى أرض الحرية لا ريب، وهي ليست أرض المساواة والإخاء، ذَيْنَك الوهمين اللاتينيين اللذين لا تعرفهما سنَّة التقدم، ولا تجد في العالم مثل ذلك القطر قطرًا أنشب الانتخاب الطبيعي فيه أظفاره. نعم، يبدو ذلك الانتخاب الطبيعي فاقد الرحمة هنالك، وهو، لِعَطَلِه من الرحمة، حافَظَ العرق الذي أوجب تكوينه على قوته وإقدامه، ولا مكان في الولايات المتحدة للضعفاء ومتوسطي الحال والقاصرين. ولعامل الانحطاط وحده تجد الأشخاص المنحطين مُعَرَّضين للهلاك هنالك، شعوبًا ومنفردين، وأصحاب الجلود الحمر أُبيدوا برَصاص البنادق أو بالموت جوعًا لعدم نفعهم، وسيكون للعمال الصينيين الذين تشتد وطأة مزاحمتهم مثلُ ذلك النصيب في نهاية الأمر، ولم ينفَّذ القانون الذي سُنَّ لطردهم جملةً بسبب ما يقتضيه من النفقات العظيمة.٣ ومن المحتمل أن يُستبدل به استئصالٌ منظَّم كالذي بُدئ به في كثير من المديريات ذات المناجم. ومما سُنَّ حديثًا قوانينُ لحظر دخول البلاد الأمريكية على المهاجرين الفقراء، وأما الزنوج الذين اتُّخِذُوا حُجَّةً لحرب الانفصال (وهي الحرب التي اشتعلت بين الأمريكيين الذين يملكون عبيدًا، والأمريكيين الذين أرادو منع أولئك من اقتناء العبيد لعجزهم عن أن يملكوا مثلهم) فلم يُنظر إليهم بعين التسامح تقريبًا إلا لاقتصارهم على خِدَمٍ منحطة يُعرِض عنها أي أمريكي كان، وللزنوج هؤلاء جميع الحقوق نظريًّا، والزنوج هؤلاء يعامَلون عمليًّا كحيوانات ذات نفعٍ فيُتخلص منهم إذا ما أضْحَوْا خَطِرين، وقد وُجدت الكفاية في الأساليب الحاسمة التي تقول بها طريقة لِنْش على العموم، فيُعدم بها الزنوجُ رميًا بالرصاص، أو شنقًا عند أول جُرم مزعج يقترفونه.
وتلك هي النواحي السود في الصورة لا ريب، وما في هذه الصورة من بهاء يَحْمِلُ على احتمالها، وإذا ما وجب تعريف الفرق بين أوربة البرية والولايات المتحدة بكلمة واحدة أمكننا أن نقول إن أوربة البرية تمثل الحد الأقصى لما يمكن أن يؤدي إليه التنظيم الرسمي الذي يقوم مقام المبادرة الفردية، وإن الولايات المتحدة تمثِّل الحد الأقصى لما يمكن أن تؤدي إليه المبادرة الفردية المستقلة عن كل تنظيم رسمي، وفروق أساسية كهذه هي من نتائج الخُلق وحده، ولا حظَّ للاشتراكية الأوربية في التأصُّل في أرض تلك الجمهورية الصلد، والاشتراكية الأوربية؛ إذ كانت آخر عنوان لطغيان الدولة، لا تزدهر إلا عند العروق المسنَّة الخاضعة منذ قرون لنظام نَزَع منها كل استعداد لحكم نفسها بنفسها.٤

وفيما تقدم رأينا ماذا أحدثه في قسمٍ من أمريكة شعبٌ حائز لمزاج نفسي تغلَّب عليه الثبات والإقدام والعزم، فبقيَ علينا أن نبين ماذا آل إليه بلد مماثل لذلك تقريبًا على أيدي عرق آخر ذكي على الخصوص، ولكن مع عطل من الصفات الخُلقية التي قرَّرتُ نتائجها.

حقًّا إن أمريكة الجنوبية هي من أغنى بقاع الدنيا في حاصلاتها الطبيعية، وأمريكة الجنوبية هذه هي أكبر من أوربة مرتين، وأقل منها سكانًا عشر مرات، وهي لا تعوزها الأرضُ، وهي لمن يثيرها إذن. وأهلوها السائدون هم من أصل إسپاني، ويقسَّمون إلى عدة جمهوريات، ومن هذه الجمهوريات: الأرجنتين والبرازيل والشيلي والپيرو إلخ، وجميعها قد انتحل دستور الولايات المتحدة السياسي، وله قوانين تماثل قوانينها لهذا السبب، والآن، وقد ظهر عرق تلك الجمهوريات مختلفًا عن العرق الذي يَعْمُرُ الولايات المتحدة عاطلًا من صفاته، فإن هذه الجمهوريات كلها تبدو طعمة للفوضى الدامية على الدوام، وهي، مع كنوز أرضها العجيبة، تراها غارقة في ضروب التبذير، غارقة في الإفلاس والطغيان.

وتجد أسباب ذلك الانحطاط كلها في المزاج النفسي لعرق من المولَّدين عاطل من الإقدام والعزم والأدب، وفقدان الأدب على الخصوص يجاوز جميع ما نعرفه من قبائح في أوربة، وقد أوردَت. شيلد مدينةَ بوينوس إيريس، التي هي إحدى المدن المهمة، مثالًا، فصرَّح بأنها لا تصلح لسُكْنَى مَن هو على شيء من رقة الشعور ومن الأدب، وقصد ذلك الكاتب جمهورية الأرجنتين التي هي من أقل تلك الجمهوريات انحطاطًا بقوله: «ليدرس الباحث تلك الجمهورية من الناحية التجارية؛ حتى يظل مبهوتًا من عدم الذمة البادي في كل مكان منها.»

ولا ترى مثالًا أحسن من ذلك دلالة على كون النُّظم وليدة العرق وعلى استحالة نقل هذه النظم من أمة إلى أخرى، ومن الطريف أن يُعلَم ما تصير إليه نظم الولايات المتحدة الحرة بانتقالها إلى عرق متأخر، قال مسيو شيلد مُحَدِّثًا إيانا عن الجمهوريات الإسپانية الأمريكية: «يَقْبِضُ على زمام تلك البلاد رؤساء لا يَقِلُّون استبدادًا عن قيصر روسية، بل هم أشد إطلاقًا منه؛ لبُعْدهم من مُزْعجات الرَّقابة الأوربية ونفوذها، وما الموظفون الإداريون إلا من صنائعهم … ويصوِّت المواطنون كما يَرَوْنَ، ولكن من غير أن يُلتفت إلى أصواتهم، وليست الأرجنتين جمهورية إلا بالاسم، والحقيقة أنها حكومة أناس يجعلون من السياسة تجارة.»

والبرازيل هي البلد الوحيد الذي كان قد نجا من ذلك الانحطاط العميق؛ وذلك بفضل نظام مَلَكي كان يضع السلطة في مأمن من المنافسات، وإذ كان هذا النظام من الحرية كثيرًا على عروق فاقدة الإقدام والإرادة فإنه لم يلبث أن انهار، فغدا ذلك البلد فريسة الفوضى التامة، ولم يمضِ غيرُ قليلِ سنواتٍ حتى بلغ أولياء الأمور من تبديد أموال بيت المال ما قضت الضرورة معه بزيادة الضرائب على نِسَب عظيمة.

ومن الطبيعي ألا يتجلَّى انحطاط العرق اللاتيني الذي يعْمُر جنوب أمريكة في السياسة وحدها، بل يتجلَّى في جميع عناصر الحضارة، وتلك الجمهوريات التعيسة إذا ما تركت هي وشأنَها عادت إلى الهمجية الصِّرْفَة؛ ولذلك أصبحت الصناعة والتجارة فيها قَبْضة الأجانب من إنكليز وأمريكيين وألمان، فصارت ڨالپاريزو مدينة إنكليزية، ولولا الأجانب ما بقي شيء للشِّيلي، وبفضل الأجانب وحدهم تحافظ تلك البقاع على طلاء خارجي للحضارة لا يزال يخدع أوربة.

وإذا ما قيس هذا الانحطاط الهائل الذي يبدو في أولئك السكان، المولَّدين من العرق الإسپاني وأهل البلاد الأصليين، برقي العرق الإنكليزي المقيم ببلد مجاور ظهر من أكثر التجارِب سوادًا وإثارة للحسرة، وكان من أمتع التجارب التي يُستشهد بها لتأييد السُّنَنِ التي عرضتُها.

هوامش

(١) كان العالم الاجتماعي الشهير هربرت سپنسر قد ترك في كتبه الكبيرة، جانبًا، تأثير أخلاق الأمم في مصيرها، وقد ساقته نظرياتة الجميلة في بدء الأمر إلى نتائج تدعو إلى التفاؤل الكثير، فلما تقدم في السن رأى أن ينظر إلى شأن الأخلاق الأساسي، فاضطر إلى تغيير نتائجه الأولى تغييرًا تامًّا، فاستبدل بها نتائج داعية إلى تشاؤم عظيم، ونجد ذلك في خطبته التي نقلتها مجلة المجلات، وإليك بعض ما جاء فيها:

ضعف إيماني بالنُّظم الحرة ضعفًا كبيرًا في هذه السنوات الأخيرة بعد أن كان متينًا في البداءة … ونحن نرجع إلى نظام اليد الحديدية الذي يتجلى في الاستبداد القرطاسي لنظام اشتراكي، ثم يتجلى في الاستبداد العسكري الذي يخلف الاستبداد القرطاسي ما لم يأتنا هذا الاستبداد العسكري فجأة بفعل انقلاب اجتماعي.

(٢) عهدت ملكة إنكلترة إلى الأمير ألبرت في تعيين شروط المكافأة السنوية التي تمنحها لكلية ولنغتن، فقرر هذا الأمير أنها ستعطى لأعلى الطلاب أخلاقًا، لا لأكثرهم تعلمًا، ولو كان الأمر لدى إحدى الأمم اللاتينية لكانت المكافأة نصيب الطالب الذي يفوق غيره في استظهار ما تعلمه في الكتب، فالحق أن جميع تعليمنا، حتى التعليم الذي نصفه بالعالي، يقوم على استذكار الشبيبة للدروس، والشبيبة تحتفظ بعد ذلك بعادة الاستذكار في بقية حياتها.
(٣) لم يؤجل المؤتمر (الكونغرس) الثالث والخمسون تنفيذ قانون جيارى القائل بإخراج الصينيين إلا بعد أن وجد أن إعادة مئة الألف الصيني إلى بلادهم يتطلب ثلاثين مليون فرنك، على حين كان المال المخصص في الميزانية لطرد العمال الصينيين مئة ألف فرنك فقط.
(٤) تلك هي أمريكة الأمس واليوم، لا أمريكة الغد على ما يحتمل، فسنرى في فصل آتٍ أن أمريكة عرضة لحرب أهلية ولانقسام إلى عدة دول مستقلة متقاتلة على الدوام كدول أوربة؛ وذلك بفعل ما يصدر من الغزو الجديد عن عناصر منحطة لا يمكن هضمها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠