الفصل الأول

من الفتح الإسلامي إلى سقوط الدولة الأموية

وُجِد الشعر العربي بمصر كما وجد في غيرها من الولايات الإسلامية، ولكن الذي وصلنا منه قدر يسير، لا يكفي لأن نعرف منه خصائص الشعر المصري، ولا أن نفرق بينه وبين الشعر في الأقطار الأخرى، قد نجد في هذه الأبيات القليلة التي وصلتنا بعض المعاني المصرية، وبعض الحواث المصرية، التي تفرق الشعر المصري عن الشعر في البلاد الأخرى ويعطيه الصبغة الإقليمية المصرية، ولكن هذه الأبيات أو المقطوعات لا تكفي لأن تدلنا على مدى تأثر الشعر العربي بالبيئة المصرية، وإن كانت تدلنا على أنه كان بمصر شعر تأثر بالحياة المصرية، وأن هذا الشعر فُقد، ولم يبق منه إلا مقطوعات قليلة متناثرة في كتب الأدب والتاريخ.

وأُرجِّح أن أسباب ضياع الشعر المصري في هذا العصر هي نفس الأسباب التي جعلت الكتابة الفنية؛ أي كتابة الرسائل والإنشاء تتأخر في مصر حتى قدوم أحمد بن طولون، ففي عصر الخلفاء الراشدين وعصر الأمويين والعباسيين كانت مصر ولاية ليس لها شأن مقر الخلافة، وإذا نبغ شاعر أو كاتب كان يُحمَل إلى الخليفة أو يرحل هو إلى دار الخلافة؛ لينال من العطاء والهبات ما كان يأخذه شعراء الخليفة، أضف إلى ذلك عدم اكتراث المصريين في أول الأمر بدراسة الأدب والعلوم الأدبية، بل كان جلُّ اهتمامهم يكاد ينصرف إلى الدراسة الدينية الخالصة، مما أضعف رواية الشعر ودراسته في مصر، وسبب ضياع أكثر شعر المصريين.

وإذا أردنا درس تاريخ الشعر في مصر الإسلامية في العصر الذي نؤرخه في هذا الكتاب، فسنرى ثلاثة أدوار تطوَّر فيها الشعر المصري تطورًا بيِّنًا.

ففي الدور الأول الذي يبتدئ بالفتح إلى سقوط الدولة الأموية لم يصلنا في هذا العصر الذي يَنُوف على مائة عام إلا عدة أبيات قليلة جدًّا، لا نستطيع أن نتحدث بها عن الشعر كله، ولم تصلنا قصيدة كاملة، إلا إذا استثنينا شعر الشعراء الوافدين على مصر، والذين كان لهم أثر كبير في ازدهار الحياة الأدبية في مصر، ومع ذلك فهذه الأبيات القليلة التي وصلتنا إنما تدلنا على أنه كان في مصر شعر، وأنه لم يُعْنَ أحد بروايته وحفظه ففُقِد.

ولعل أول قصيدة رويت في مصر هي قصيدة أبي المصعب البلوي التي هجا بها أشراف مصر، وقد أُعْجِب بها الخليفة معاوية بن أبي سفيان فكان إذا قدم عليه أحد من أهل مصر سأله أن ينشده هذه القصيدة.١

فالشاعر في هذه القصيدة يعيب عرب مصر أنهم حضرميون، ليس لهم شرف ولا مجد وأنهم متكبرون، ولست أدري سبب هذا الهجاء لكن يُخيَّل إليَّ أنه طلب نوالهم فرفضوا عطاءه.

وظلت أنادي اللكعاء قيسًا
ليدخلنى وقد حضر الغذاء
وليس بماجد الجدات قيس
ولكن حضرميات قماء
وأعرض نفحه اليربوع عني
يزيد بعد ما رفع اللواء
أشار بكفه اليمنى وكانت
شمالًا، لا يجوز لها عطاء
أكلم عائذًا ويصد عني
ويمنعه السلام الكبرياء
وجرف قد تهدم جانباه
كريب ذاكم البرم العياء
وأما القحزمي فذاك بغل
أضر به مع الدبر الحفاء
وهذاك القصير من تجيب
ولو يسطيع ما نفض الخلاء٢

يريد يزيد بن شرحبيل، وقيس بن كليب الحاجب، وعائد بن ثعلبة البلوي الذي قُتِل بالبرلس سنة ٣٥، والقحزمي هو عمرو بن قحزم، وكريب بن أبرهة، وأشار بالقصير إلى زياد بن حناطة التجيبي صاحب القصر المعروف باسمه.

ولهذا الشاعر قصيدة أخرى مدح بها عبد الرحمن بن قيسية بن كلثوم التجيبي الذي وهب أبوه داره؛ ليكون مسجدًا بالفسطاط، وقد ضاعت هذه القصيدة ولم يبق منها سوى بيت واحد:

وأبوك سلَّم داره وأباحها
لجباه قومٍ ركع وسجود٣

وهذا الشعر صدر من رجل لا نعرف إلا اسمه وهو قيس بن سلمة المُكنَّى بأبي مصعب البلوي، ولا ندري أكان يقطن مصر كغيره من بطون «بلي» أم وفد عليها كباقي الشعراء الذين أكثروا من الوفود على مصر لمدح ولاتها.

ومن الأشعار التي وصلتنا أيضًا في تصدُّق عبد الرحمن بن قيسية على المسلمين بداره؛ لبناء مسجد الفسطاط، ما قاله أبو قبان بن نعيم بدر النجيبي:

وبابليون قد سعدنا بفتحها
وحزنا — لعمر الله — فيئًا ومغنما
وقيسية الخير بن كلثوم داره
أباح حماها للصلاة وسلما٤

وفي ولاية مسلمة بن مخلد، سنة ثلاث وخمسين من الهجرة هدم ما كان بناه عمرو بن العاص من مسجد الفسطاط وأمر بالزيادة في المسجد الجامع وبناء منار المساجد كلها، فقال عابد بن هشام الأزدي:

لقد مدَّتْ لمسلمة الليالي
على رغم العدات مع الأماني
وساعده الزمان بكل سعد
وبلَّغه البعيدَ من الأماني
أمسلم فارتق لا زلتَ تعلو
على الأيام مسلم والزمان
لقد أحْكَمْت مسجدنا فأضحى
كأحسنَ ما يكون من المباني
فتاه به البلاد وساكنوها
كما تاهت بزينتها الغواني
كأنَّ تجاوب الأصوات فيها
إذا ما الليل ألقى بالحران
كصوت الرعد خالطه دوي
وأرعب كل مختطف الجنان٥
وكان بين الولاة من يحب الشعر ويرويه، ومنهم من كان شاعرًا كالوالي عقبة بن عامر الذي كان شاعرًا ولكن منعه شدة حرصه على دينه من أن يكثر من إنشاد الشعر.٦

ولعل أكثر ولاة مصر في هذا الدور حبًّا للشعر والشعراء هو الأمير عبد العزيز بن مروان الذي ولي من سنة خمس وستين، إلى أن تُوفِّي بمصر سنة ست وثمانين هجرية، فقد اتصل به كثير من الشعراء النابهين ومدحوه هو وآل بيته، ولا غرو في ذلك فعبد العزيز كان إليه أمر الخلافة بعد أخيه عبد الملك، فكان الشعراء يقصدونه وهو على مصر حتى يكون لهم شأن بعد أن تصير إليه الخلافة، وكان عبد العزيز جوادًا يبذل العطاء لكل من يقصده؛ فوفد عليه الشعراء، وهؤلاء الذين جاءوا مصر لم يُقِيموا بها إلا لأيام معدودة، على أن يعودوا إلى مواطنهم.

فممن جاء لمدح عبد العزيز بن مروان الشاعر أيمن بن خريم الأسدي، أقام هذا الشاعر عند الوالي وأكثر من مدحه حتى قَدِم الشاعر نصيب بن رباح فأُعْجِب الأمير بشعره، وبينما نصيب ينشد مدحه جاء الحاجب يقول: إن أيمن بن خريم بالباب. فأذن له عبد العزيز، فلما دخل قال له الأمير: يا أيمن، كم ترى ثمن هذا العبد؟ وأشار إلى نصيب، فنظر أيمن إليه وقال: «لنعم الغادي في إثر المخاض، هذا، أيها الأمير، أرى ثمنه مائة دينار.» قال: فإن له شعرًا وفصاحة، فسأل أيمن نصيبًا: أتقول الشعر؟ فأجابه نصيب: نعم! فقال: قيمته ثلاثون دينارًا. فقال الأمير: يا أيمن، أرفعه وتخفضه أنت! قال: لكونه أحمق أيها الأمير، ما لهذا وللشعر! أمثل هذا يقول الشعر أو يحسن شعرًا؟! فأمر عبد العزيز نصيبًا أن ينشده فأنشده، فقال عبد العزيز: كيف تسمع يا أيمن؟ قال: شاعر أسود، هو أشعر أهل جلدته.

قال الأمير: «هو — والله — أشعر منك.» وكرَّر ذلك؛ فغضب أيمن وقال: «والله أيها الأمير، إنك لملول ظرف.» قال الأمير: كذبت والله، ما أنا كذلك، ولو كنت كذلك ما صبرت عنك، تنازعني التحية، تواكلني الطعام، وتتَّكئ على وسادتي وفرشي وبك ما بك.٧ فاغتاظ أيمن واستأذن الأمير في الخروج إلى العراق فأذن له، وسار أيمن إلى بشر بن مروان والي العراق ومدحه بقوله:
ركبت من المقطم في جمادى
إلى بشر بن مروان البريدا
ولو أعطاك بشر ألف ألف
رأى حقًّا عليه أن يزيدا
أمير المؤمنين، أقم ببشر
عمود الحق؛ إن له عمودا
ودع بشرًا يقوِّمهم ويُحْدثْ
لأهل الزيغ إسلامًا جديدا
كأن التاج تاج بني هرقل
جلوه لأعظم الأيام عيدا
على ديباج خدي وجه بشر
إذا الألوان خالفت الخدودا٨

فأنت ترى أن الشاعر هنا عرَّض بعبد العزيز في قوله: «إذا الألوان خالفت الخدودا»، فإن عبد العزيز كان بوجهه نمش.

أما نصيب بن رباح فيقول الرواة إنه كان لبعض العرب من بني كنانة فاشتراه عبد العزيز بن مروان منهم، وقيل: بل باعه عمه بعد أن مات أبوه إلى عبد العزيز، وقيل: إن نصيبًا رأى في نفسه مقدرة على الشعر، فحادث أمه أو أخته في الرحيل إلى عبد العزيز بمصر عساه يعتق أهل بيته، فضحكت هذه ساخرة منه، ولكنه أنشدها شعرًا أُعْجِبت به، واطمأنت إلى قدومه مصر فحضر باب عبد العزيز ولكنه لم يستطع الدخول، حتى رأى رجلًا حسن البزة، فحادثه نصيب في التوسط له بالدخول على الأمير، وعرَّفه أنه شاعر فاستنشده الرجل، فلما أنشده نصيب شيئًا من شعره استملحه الرجل، ولكنه شك أن يكون مثل هذا الشعر لمثل هذا الأسود، فطلب إليه أن ينشد شعرًا يذكر فيه جوف مصر وبعض فضائلها، ووعده أن يستمع إليه في الغد، فلما جاء الغد أنشد نصيب الرجل:

سرى الهم تثنيني إليك طلائعه
بمصر وبالجوف اعترتني روائعه
وبات وسادي ساعد قل لحمه
عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه

إلى أن قال:

وكم دون ذاك العارض البارق الذي
له اشتقت من وجه أُسِيل مدامعه
تمشي به أفناء بكر ومذحج
وأفناء عمرو وهو خصب مرابعه
إذا اكتحلت عينا محب بضوئه
تجافت به حتى الصباح مضاجعه
وما زلت حتى قلت إني لخالع
ولائي من مولًى نمتني قوارعه
ومانح قوم أنت منهم مودتي
ومتخذ مولاك مولًى فتابعه٩

فأيقن الرجل صدق شاعرية نصيب، وقدمه إلى الوالي، فجرى له مع أيمن ما ذكرناه سابقًا. على أن هناك رواية أخرى تقول: إن نصيبًا كان يرعى إبلًا لمواليه، فأضلَّ منها بعيرًا، فخرج يبحث عنه حتى أتى الفسطاط وبه عبد العزيز، فرغب في الاتصال به، فاستأذن في الدخول فمُنِع، وبعد لأْيٍ طلبه الأمير واستنشده فأنشده:

لعبد العزيز على قومه
وغيرهم نعم غامرة
فبابك ألين أبوابهم
ودارك مأهولة عامرة
وكلبك آنس بالمعتفين
من الأم بالإبنة الزائرة
وكفك حين ترى السائليـ
ـنَ أندى من الليلة الماطرة
فمنك العطاء ومني الثناء
بكل مُحَبَّرة سائرة١٠
فسُرَّ به الوالي وأعطاه واشترى ولاءه، ولكنهم مع هذا كله فالمؤرخون يروون روايات كثيرة عن خروج نصيب إلى عبد العزيز، ومهما يكن من شيء فإن الشاعر اتصل بعبد العزيز حتى لُقِّب بمولى عبد العزيز بن مروان، ولكنه لم يقم عند الأمير عبد العزيز بمصر، بل كان كثير التنقل متكسبًا بشعره كغيره من شعراء العرب، ولم يزل نصيب يتردد على مصر بين الفينة والفينة، ويمدح عبد العزيز حتى تُوفِّي الأمير متأثرًا بالطاعون، وكان قد هرب إلى قرية في الصعيد تسمى «سكر»؛ خوفًا على نفسه من المرض، ولكنه تُوفِّي بها.١١

فلما أتى نصيب نَعْي الأمير أنشد:

أصبت يوم الصعيد في سكر
مصيبة ليس لي بها قِبَل١٢
تالله أنسى مصيبتي أبدًا
ما أسمعتني حنينها الإبل
لم يعلم النعش ما عليه من
العرف، ولا الحاملون ما حملوا
حتى أجنوه في ضريحهم
حين انتهى من خليلك الأمل١٣

وقد رثاه بقصيدة رائية أخرى منها:

عرفت، وجربت الأمور فما أرى
كماضٍ تلاه الغابر المتأخر
ولكن أهل الفضل من أهل نعمتي
يمرون أسلافًا أمامي وأغبر
فإن أبكه أُعْذَر، وإن أغلب الأسى
بصبر، فمثلي عندما اشتد يصبر
وكانت ركابي كلما شئت تنتحي
جماحًا فتقضي نحبها وهي تضمر
فقد عَرِيتْ بعد ابن ليلي فإنما
ذراها لمن لاقت من الناس منظر
ولو كان حيًّا لم يزل بدفوفها
مرادًا لغربان الطريق ومنقر
فإن كن قد نلن ابن ليلى فإنه
هو المصطفى من أهله المتخير
وقد أُعْجِب بهذه القصيدة الخليفة عبد الملك بن مروان، وكان يطلب من نصيب أن ينشدها أمامه.١٤
ووفد الشاعر عبد الله بن الحجاج١٥ على عبد العزيز بن مروان بمصر ومدحه، فأجزل عطاه، وأمر أن يقيم عنده، ولكن طال مقامه واشتاق إلى ذويه بالكوفة، فاستأذن الأمير في السفر فلم يأذن له، فاضْطُر الشاعر إلى أن يعصي أمر الأمير، فقد غلبه الشوق، فرحل بدون إذن، فاضْطُر الأمير عبد العزيز إلى أن يكتب إلى أخيه بشر والي العراق أن يمنع عطاء بن الحجاج، واضْطُر الشاعر إلى أن يعود إلى مصر مادحًا عبد العزيز معتذرًا، فصفح عبد العزيز عنه بعد أن استمع لقصائده التي منها:
تركت ابن ليلى ضلة وجريمة
وعند ابن ليلى١٦ معقل ومعول
سأحكم أمري إذ بدا لي رشده
وأختار أهل الخير إن كنت أعقل
وأترك أوطاري وألحق بامرئ
تحلب كفاه الندى حين يسأل١٧

ثم أمر عبد العزيز أن يطلق عطاء الشاعر وأن يوصل، وسمح له أن يقيم أنَّى شاء.

وجاء مصر الشاعر كُثيِّر عزة وتردد عليها مرارًا يمدح الأمير عبد العزيز بن مروان، ويقال إنه دخل على عبد العزيز يعوده في مرضه وأهله يتمنون أن يضحك، فلما وقف عليه قال: «لو أن سرورك لا يتمُّ إلا بأن تَسْلَم وأَسْقَم، لدعوت ربي أن يصرف ما بك إليَّ، ولكني أسأل الله تعالى لك العافية ولي في كنفك النعمة.» فضحك عبد العزيز وسُرَّ أهله،١٨ وبينما كثير يتأهب للرحيل من مصر لقيته عزة في طريقها هي وقومها إلى مصر، قيل: فحادثها طويلًا ثم افترقا فقدمت هي مصر وسافر هو إلى الحجاز على أن يلحق بها بمصر، ويحدثنا الحصري قال: وروى المداني: خرج كثير من الحجاز يريد مصر فلما قرب منها نزل بمنزل فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب، فأسرع الرحيل ومضى لوجهه، فلقيه رجل من بني نهد، فقال: يا أخا الحجاز، ما لي أراك كاسف اللون؟ قال: ما علمت إلا خيرًا. قال: فهل رأيت في طريقك شيئًا أنكرته؟ قال: لا والله، إلا في منزلي هذا، فإني رأيت غرابًا ينتف ريشه على بانة ينعب. قال: أما إنك تطلب حاجة لا تدركها. فقدم كُثيِّر مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال:
رأيت غرابًا ساقطًا فوق بانة
ينتف أعلى ريشه ويطايره
فقلت، ولو أني أشاء زجرته
بنفسي، للنهديِّ: هل أنت زاجره؟
فقال: غرابٌ، لا غراب من النوى
وفي البان بينٌ من حبيب تجاوره
فما أعيف النهدي! لا درَّ درُّه
وأزجره للطير، لا عزَّ ناصره!١٩

ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة، ثم رحل وهو يقول:

أقول ونضوي واقف عند رأسها
عليك سلام الله والعين تسفح
فهذا فراق الحق لا أن تُزيرَني
بلادك فتلاء الذراعين صيدح
وقد كنت أبكي من فراقك حية
وأنت، لعمري، اليوم أنأى وأنزح٢٠
وهكذا شاء القدر أن تدفن عزة بمصر، وأن يبكيها كُثيِّر بها، والرواة يقولون: إن شعره تغيَّر بعد موتها، وسأله أحدهم: ما بال شِعْرك قد قصرت فيه؟ فقال: ماتت عزة فلا أطرب، وذهب الشباب فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان فلا أرغب، وإنما الشعر عن هذه الخلال.٢١

وقَدِم جميل بن معمر إلى عبد العزيز مادحًا، فأذن له وسمع قصائده وأحسن جائزته، وسأله عن حبِّه لبُثَيْنة فذكر ولعه بها، وأمره الوالي أن يقيم معه في مصر وهيَّأ له منزلًا وأجرى عليه رزقًا فما أقام إلا قليلًا حتى وافته منيته بمصر سنة اثنتين وثمانين من الهجرة، ويقال إنه أنشد وهو يحتضر:

بكر النعي وما كان بجميل
مثوى بمصر ثواء غير قفول
قومي بثينة فاندبي بعويل
وابكي خليلك قبل كل خليل٢٢

وكذلك وفد عبيد الله بن قيس الرقيات على مصر ومدح عبد العزيز وأشاد بذكر مدينة حلوان التي بناها الأمير واتخذها مسكنًا له:

سقيًا لحلوان ذي الكروم وما
صنف من تينه ومن عنبه
نخل مواقير بالفناء من الـ
ـبرني غلب تهتز في شربه
أسود سكانه الحمام فما
تنفك غربانه على رطبه٢٣

ومدح عبد العزيز بأشعار كثيرة جدًّا نجدها في ديوانه، من ذلك ما قاله لما خرج عبد العزيز خرجته الثالثة إلى الإسكندرية سنة إحدى وثمانين من الهجرة:

غدوا من مَدْرج الكرْيَو
ن حيث سفينهم حزقُ
فلما أن علون النيـ
ـل والرايات تختفق
رأيت الجوهر الحكميَّ
والديباج يأتلق
سفائن غير مُقرفةٍ
إلى حلوان تستبق
محل من يحل به
لذيذٌ عيشه غدق
يحل به ابن ليلى والنـَّ
ـدى والحلم والصدق٢٤

ونلاحظ أن الفرزدق لم يكن يحب الوفود على الأمراء، ولكنه كان يود أن يفد على مصر، وعمل شعرًا في مدح عبد العزيز بن مروان، وهمَّ الفرزدق أن يزور مصر ولكن جاءه نعي عبد العزيز فبقي مكانه ولم يأت مصر.

وقد رثى الأمير عبد العزيز بن مروان كثير من الشعراء؛ من ذلك ما قاله ذو الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط يرثي عبد العزيز وابنه الأصبغ الذي تُوفِّي سنة ست وثمانين من الهجرة قبل وفاة أبيه بنحو شهرين:

نقول غداة قطعنا الجفا
ر والعين بالدمع مغرورقةْ
مقال امرئ كاره للفرا
ق تاع البلاد وباع الرقة
أبعد الخليفة عبد العزيز
وبعد الأمير كذا وابقة
فما مصر لي بعد عبد العزيـ
ـز والأصبغ الخير بالمونقة
سقى الله قبريهما والصدى
وما جاورا ديمة مغدقة
فإن تك مصر أشارت بها
إلى الشر يومًا يدٌ موبقة
فقُدْمًا تقر بمصر العيو
نِ في لذة العيش محدودقة٢٥

فأنت ترى كيف استطاع الأمير عبد العزيز بن مروان أن يجمع حوله عددًا من الشعراء البارزين، وأن يجعلهم يتجشمون صعاب الطريق من بلادهم إلى مصر.

وكذلك نقول عن الوالي عبد الله بن عبد الملك بن مروان الذي ولي مصر سنة ست وثمانين، فقد وفد عليه الحزين الكناني، ويُكنَّى سليمان أبا الشعثاء ومدح الوالي بقوله:

الله يعلم أن قد جُبْتُ ذا يمن
ثم العراقين لا يثنيني السأم
ثم الجزيرة أعلاها وأسفلها
كذاك تسري على الأهوال بي القدم
ثم المواسم قد أوطأتها زمنًا
وحيث تُحلَق عند الجمرة اللمم
قالوا دمشق ينبيك الخبير بها
ثم ائت مصر فثمَّ النائل العمم
لما وقفت عليها في الجموع ضحًى
وقد تعرَّضت الحُجَّاب والخدم
حييته بسلام غير مرتفق
وضجة القوم عند الباب تزدحم
في كفه خيزران ريحها عبق
من كف أروع في عرنينه شمم٢٦
لم تعدم القبائل التي قطنت مصر أن يظهر بينهم شعراء، وقد هُيِّئت الأسباب التي تدعو إلى وجود الشعراء؛ تلك هي الفتن التي كانت في مصر إذ ذاك، كما كان الحال في جميع البلاد الإسلامية. من ذلك أن عبد الرحمن بن جحدم ولي مصر من قبل ابن الزبير، فلما أن بويع مروان بن الحكم سنة أربع وستين من الهجرة أراد أن ينتزع مصر من الزبير؛ فسيَّر ابنه عبد العزيز إليها فحفر ابن جحدم خندقًا حول الفسطاط سنة خمس وستين من الهجرة، وأرسل جيشًا عليه زهير من قيس البلوي إلى أيلة؛ ليمنع عبد العزيز من المسير، وسار مروان أيضًا إلى مصر، ولكن هُزِم الجيش المصري وتقدمت جيوش المروانيين.٢٧ ففي هذه الحروب قال بعض عرب مصر شعرًا، ولكن هذا الشعر لم يصلنا منه إلا النزر اليسير، من ذلك ما قاله زرعة بن سعد بن أبي زمزمة الحشني يمدح ابن جحدم:
وما الجد إلا مثل جد ابن جحدم
وما العزم إلا عزمه يوم خندق
ثلاثون ألفًا هم أثاروا ترابه
وخدوه في شهر حديث مصدق٢٨

وما زال هذا الشاعر ينقم على الأمويين، حتى كانت ولاية عبد الله بن عبد الملك بن مروان، وشاءت الظروف أن ترتفع الأسعار بمصر فيتشاءم المصريون بالوالي الجديد، وخرج الوالي سنة ثمانٍ وثمانين إلى أخيه الوليد، فهجاه ابن أبي زمزمة بقوله:

إذا صار عبد الله من مصر خارجًا
فلا رجعت تلك البغال الخوارج
أتى مصر والمكيال وافٍ مغربل
فما سار حتى سار والمُدُّ فالِج٢٩

فغضب عليه الوالي وأهدر دمه، فاضْطُر الشاعر أمام هذا الوعيد إلى أن يهرب من مصر إلى بلاد المغرب؛ حيث كتب إلى الخليفة:

ألا لا تنه عبد الله عني
كما قد قال يجعلني نكالا
ولم أشتم لعبد الله عرضًا
ولم آكل لعبد الله مالا٣٠

وقيل إن عبد الله طلب الشاعر ابن أبي زمزمة فهرب منه، فبلغ الوالي أن عمران بن عبد الرحمن قاضي مصر أوى الشاعر وأن القاضي هجا الوالي بأبيات له منها:

أنا ابن أبي بدر بهجرة يثرب
وهجرة أرض للنجاشي أفخر
أمثلي على سني وفضل أبوتي
نسيت وهذا نجل مروان يذكر٣١

فعزله عبد الله عن القضاء والشرطة سنة تسع وثمانين، فقال عمران يهجو عبد الله ويعرِّض بالقاضي الجديد عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية، وكان حدثًا غير أنه كان فقيهًا:

لَحَى الله قومًا أمَّروك، ألم يروا
بأعطافك التخنيث كيف يريب
أتصرفني جهلًا عن الحكم ظالمًا
ووليته عجزًا فتاة تجيب٣٢
ثكلتك من والٍ وأيضًا ثكلته
ألم يك في الناس الكثير نصيب٣٣
واستمرت الحروب التي كانت بين الزبير وبين الأمويين في مصر طويلًا، وكانت تُعرَف هذه الحروب بأيام الخندق أو «التراويح»؛٣٤ لأن أهل مصر كانوا يقاتلون نُوَبًا، يخرج هؤلاء ثم يرجعون ويخرج غيرهم، وقتل من المصريين عدد كثير لا سيما من «المعافر»، وفي هذه الحروب قال عبد الرحمن بن الحكم وكان مروانيًّا:
ألا هل أتاها على نأيها
نباء التراويح والخندق
بلغنا بفيلق يغشى الظراب
بعيد السمو لمن يرتقي
وسدت معافر أفق البلاد
بمرعد جيش لها مبرق
ونادى الكماة: ألا فابرزوا
فحتام حتى ولا نلتقي٣٥

وقام بعض المصريين بالصلح بين المروانيين والمصريين، ولكن المعافر لم يقبلوا أن يبايعوه، فقُتِل من المعافر نحو ثمانين رجلًا بينهم الأكدر بن حمام سيد لخم وشيخها، فلما علم المصريون ذلك، لم يبق أحد حتى لبس سلاحه، واجتمع على باب مروان أكثر من ثلاثين ألفًا؛ فخاف مروان وأغلق بابه، وكاد المصريون يفتكون به لو لم يُجِرْه كريب بن أبرهة، وفي رثاء الأكدر قال زياد بن قائد اللخمي:

كما لقيت لخم ما ساءها
بأكدر، لا يبعدن أكدر
هو السيف جرد من غمده
فلاقى المنايا وما يشعر
فلهفي عليك غداة الردى
وقد ضاق وردك والمصدر
وأنت الأسير بلا منعة
وما كان مثلك يستأثر٣٦

ونرى شاعرًا آخر لا نعرف اسمه يخاطب الخليفة الوليد بن عبد الملك لما عزل أخاه عبد الله بن عبد الملك عن مصر وولَّى عليها قرة بن شريك سنة ٩٠ﻫ:

عجبًا ما عجبت حين أتانا
أن قد أمَّرت قرة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا
ثم فيلت فيه رأي أبيك٣٧

كذلك لم يصلنا شعر الشاعر المسور الخولاني، وقد كان في أواخر أيام الأمويين، ووصلنا من شعره بيتان من قصيدة يخاطب ابن عم له يحذره من الخليفة مروان بن محمد الذي قتل بعض أشراف مصر؛ لأنهم خلعوه وأرادوا غيره.

فإياك لا تجني من الشر غلظة
فتُودى كحفص أو رجا بن الأشيم٣٨
فلا خير في الدنيا ولا العيش بعدهم
فكيف وقد أضحوا بسفح المقطم!

وقال الشاعر مرسل بن حمير يبكي حفصًا وأصحابه:

يا عين لا تبقي من العبرات
جودي على الأحياء والأموات
يا حفص، يا كهف العشيرة كلها
يا أخا النوال وساتر العورات
إما قتلت فأنت كنت عميدهم
والكهف للأيتام والجارات
أودى رجاء لا كمثل رجائنا
رجل، وعقبة فارِج الكربات
وشبابنا عمرو، وفهد ذو الندى
وابن السليط وعامر الغارات
قُتِلوا ولم أسمع بمثل مصابهم
سروات أقوام بنو سروات
ظلت دماؤهم فلم يعرج لهم
بَيْنٌ ولم يطلب لهم بجناة٣٩

ولما قدم مروان بن محمد مصر في شوال سنة اثنتين وثلاثين ومائة من الهجرة وجد أن أكثر أهل مصر قد سُوِّدوا، فعزم على تعدية النيل، فأمر بالدار المذهبة أن تحرق، وكانت تسمى بالدار البيضاء، وهي التي بناها مروان بن الحكم حين دخل مصر سنة خمس وستين هجرية، فبكى شعراء مصر هذه الدار، فمن ذلك ما قاله عيسى بن شافع:

يا طللًا أقوى وحلَّ البِلى
منه لدى العلو وفي السفل
قد كنت مغنًى لعيون المَها
وكنت مأوى لظبي الرمل
وكان أربابك ما إن لهم
في الناس من نوع ولا شكل٤٠
وكان لبعض الولاة ولع باللهو والمجون وشرب الخمر، كالوالي قرة بن شريك الذي هدم الجامع العتيق بالفسطاط وأعاد بناءه، فكان الصناع إذا انصرفوا من البناء دعا قرة بالخمور والزمور والطبول فيشرب الخمر في المسجد طول الليل، وهو يقول: «لنا الليل ولهم النهار.»٤١ وعن هذا الوالي قال السيوطي: «كان قرة ظلومًا عسوفًا قيل كان يدعو بالخمر والملاهي في جامع عمر.»٤٢ ولقد أغضب هذا الوالي جماعة العرب بمصر، فقال أحدهم فيه الشعر الذي ذكرناه،٤٣ ويحدثنا صاحب الأغاني أن الأبجر المغني كان متصلًا بالخليفة الوليد بن يزيد، فلما قتل الوليد خرج الأبجر إلى مصر وما زال بها حتى مات،٤٤ ولكنا لا نعلم أنه كان في خدمة أحد من ولاة مصر، وربما اضطره فنه إلى أن يطرب المصريين ويشجيهم.

وقد فُقِد كل الشعر الغزلي، وكل ما أنشد في وصف حياة اللهو والمجون في مصر، كما فقد غيره من الشعر في هذا العصر.

هوامش

(١) فتوح مصر لابن عبد الحكم: ص١٢٤.
(٢) فتوح مصر لابن عبد الحكم: ص١٢٣.
(٣) خطط المقريزي: ج٤، ص٥.
(٤) خطط المقريزي: ج٤، ص٥.
(٥) شرحه: ج٤، ص٧.
(٦) الولاة والقضاة للكندي: ص٣٧.
(٧) يقصد بذلك أن أيمن بن خريم كان به وضح.
(٨) الأغاني: ج١، ص١٢٧.
(٩) الأغاني: ج١، ص١٢٧.
(١٠) الأغاني: ج١، ص١٢٩.
(١١) هكذا في الأغاني: ج١، ص١٣٩، ولكن الكندي يقول: إنه تُوفِّي في حلوان.
(١٢) يُروَى هذا البيت في كتاب الولاة للكندي ص٦٦ منسوبًا إلى كثير في رثاء عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وأبي بكر بن عبد العزيز بن مروان.
(١٣) الأغاني: ج١، ص١٣٩.
(١٤) الأغاني: ج١، ص١٢٩.
(١٥) الأغاني: ج١٢، ص٢٩.
(١٦) كان الأمير عبد العزيز يغتبط إذا ذكر أحد الشعراء اسم والدته «ليلى» في شعره، حتى روي أنه قال: «لا أعطي شاعرًا شيئًا حتى يذكرها في مدحي لشرفها.» (الأغاني: ج١، ص١٣١) وكانت من بني كلاب.
(١٧) الأغاني: ج١٢، ص٣٠.
(١٨) ابن خلكان: ج١، ص٤٣٣.
(١٩) زهر الآداب: ج٢، ص١٦٩.
(٢٠) حسن المحاضرة للسيوطي: ج١، ص٣٢٢.
(٢١) حسن المحاضرة للسيوطي: ج١، ص٣٢٢.
(٢٢) شرحه.
(٢٣) خطط المقريزي: ج١، ص٢٠٩، وديوان قيس الرقيات، والكندي: ص٥٠.
(٢٤) ديوان ابن الرقيات: ص٣٣٩.
(٢٥) الكندي: ص٥٦.
(٢٦) الأغاني: ج١٤، ص٧٦، وقيل: إن هذه القصيدة للحزين في رثاء عبد العزيز بن مروان، ومهما يكن من أمر هذا الاختلاف فقد قيلت هذه القصيدة في مصر وكان الحزين بها.
(٢٧) الكندي: ص٤١-٤٢.
(٢٨) الكندي: ص٤١-٤٢.
(٢٩) شرحه: ص٥٩.
(٣٠) شرحه.
(٣١) الكندي: ص٣٢٨.
(٣٢) أراد بفتاة تجيب القاضي عبد الواحد بن عبد الرحمن بن معاوية بن حديج التجيبي.
(٣٣) الكندي: ص٣٢٨.
(٣٤) الكندي: ص٤٤.
(٣٥) شرحه.
(٣٦) الكندي: ص٤٦.
(٣٧) الكندي: ص٩٣.
(٣٨) هكذا في الكندي ص٩١، ولكن عجر هذا البيت مكسور، ولعل الصحيح «أو رجاء بن أشيم»، وحفص المذكور هو حفص بن الوليد الذي ولي على مصر مرارًا، وكان رجاء عامله على الصعيد، قتلهما حوثرة الباهلي سنة ١٢٨ﻫ.
(٣٩) الكندي: ص٩١-٩٢.
(٤٠) الكندي: ص٩٥.
(٤١) النجوم الزاهرة: ج١، ص٢١٨.
(٤٢) حسن المحاضرة: ج٢، ص٧.
(٤٣) ص١٢٣.
(٤٤) الأغاني: ج٣، ص١١٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١