الفصل الثالث

الشعر في عهد الطولونيين والإخشيديين

نستطيع أن نقدر لهذا العصر قيمته الأدبية إذا عرفنا أن الدولة العباسية اضمحل أمرها، وفقدت سلطانها، وانقسمت إلى دويلات صغيرة صار الأمر فيها إلى حكامها، ولم يبق للخلفية العباسي إلا الدعاء في الخطبة، بل كثيرًا ما كان الولاة يقطعون خطبة الخليفة العباسي، فصار أمير كل دويلة مستقلًّا في شئون دويلته، وتنافس الأمراء فيما بينهم، فكان بينهم حروب، وأراد كل أمير أن يُعرَف فضله، وتُعلَى كلمته، فشجع الأمراء العلم، وحبب كل أمير إلى العلماء أن يفدوا عليه، واتخذ الأمراء من الشعراء وسيلة لنشر سلطانهم وازدياد نفوذهم فأغروا الشعراء بالأموال والهبات، وتنافس الشعراء في خدمة الأمراء، فكانت في الأقطار الإسلامية نهضة شعرية كبيرة، وابتدأ ظهور الشعر الإقليمي — إن صح أن نسميه كذلك — إذ ظهر في الشعر عناصر الأقاليم المختلفة، ومميزات الدول المتباينة، وأصبح في كل إقليم شعراء، وحفظ كل إقليم الشعر الذي أُنْشِد فيه، فبعد أن كانت بغداد هي مركز الحياة الأدبية وقلبها النابض، صار الشعراء يقصدون الأقاليم المختلفة كما كانوا يقصدون بغداد من قبل، وأصبحت النهضة الأدبية متفرقة في الأقاليم، وكثرت الرحلات العلمية إلى مختلف الأمصار، وأكثر الأمراء عطاءً ونوالًا هو أعظمهم حظًّا من وفود الشعراء والعلماء.

وكان الطولونيون بمصر أهل كرم وبذخ، يعطون الأموال الكثيرة، ويهبون الهدايا، ويمدون السمط لكل طارق، واستقدموا الشعراء والأدباء، وقربوهم ووصلوهم، فكوَّنوا حولهم بلاطًا أدبيًّا أشبه ما يكون ببلاط خلفاء العباسيين، فأنتجت هذه الحياة في مصر، أيام الطولونيين، شعرًا كثيرًا، واجتمع في مصر عدد من الشعراء قلَّ أن يجود الدهر بمثلهم حتى بالغ القاضي أبو عمرو عثمان النابلسي في عددهم؛ إذ نقل عنه المقريزي أنه قال في كتابه «حسن السيرة في اتخاذ الحصن بالجزيرة»: رأيت كتابًا قدر اثنتي عشرة كراسة مضمونة فهرست شعراء الميدان الذي لأحمد بن طولون. قال: فإذا كان أسماء الشعراء في اثنتي عشرة كراسة، كم يكون شعرهم؟!١ ومع ما في هذا القول من مبالغة فإن بني طولون جمعوا حولهم عددًا كبيرًا من الشعراء فكثر بذلك الشعراء المتكسبون، فلم يأت الأمير أمرًا إلا ظهر في شعر الشعراء، فمثلًا في الخلاف الذي كان بين أحمد بن طولون والموفق العباسي سنة تسع وستين ومائتين نجد شعراء ابن طولون قد دافعوا عنه ومدحوه؛ لأنه خلع الموفق عن ولاية العهد، وأمر بجهاده وحربه، من ذلك ما قاله قعدان بن عمرو:
طال الهدى بابن طولون الأمير كما
يزهو به الدين عن دين وإسلام
قاد الجيوش من الفسطاط يقدمها
منه على الهول ماضٍ غير محجام
في جحفل للمنايا في مقانبه
مكامن بين رايات وأعلام
يسمو به من بني سام غطارفة
بيض وسود أسود من بني حام
لو أن روح بني كنداج معلقة٢
بالمشتري لم يفته أو ببهرام
حاط الخلافة والدنيا خليفتنا
بصارم من سيوف الله صَمْصَام
يا أيها الناس، هبوا ناصرين له
مع الأمير بدهم الخيل في اللام
ليست صلاة مصليكم بجائزة
ولا الصيام بمقبول لصيَّام
حتى يرى السيد الميمون ذبَّكم
عن الإمام بأطراف القنا الدامي٣

وكقول الشاعر منصف بن خليفة الهذلي:

يا غرة الدنيا الذي أفعاله
غرر بها كل الورى تتعلق
أنت الأمير على الشام وثغرها
والرقتين وما حواه المشرق
وإليك مصر وبرقة وحجازها
كل إليك فؤاده متشوق
هتك الخلافة «صاعد»٤ وخليله
«إسحاق» لعبًا والحسود الأخرق
أسيافنا بيض المنون فليتها
بنجيع من خذل الإمام تخلق
تمسي وتصبح ضاربًا من دونه
بمهنَّد منه الحتوف تفرق
يتلوك «سعد» والمقدم «تيتك»
و«اللاذقي» وذو الحفيظة يلحق٥

وفي أيام خمارويه بن أحمد بن طولون خرج خمارويه لحرب إسحاق بن كنداج سنة ثلاث وسبعين ومائتين فهزم ابن كنداج وتبعه خمارويه حتى بلغ «سر من رأى» فمدحه القاسم بن يحيى المريمي:

أتانا أبو الجيش الأمير بيُمْنه
فشرد عنا الجور وافتقر العسر
فإن يكُ أرضُ الرقتين به اكتست
ضياءً وإشراقًا لقد أظلمت مصر
فسائِلْ به إسحاق إذ سار نحوه
بجيش كعرض النيل يقدمه النصر
فأبلس إذ قيل الأمير ببالس
وأضحى ضعيف العقد إذ عقد الجسر
ولما رأى الجيش ابن كنداج مقبلًا
أرته المنايا الحمر أعلامه الحمر
فولَّى شديدًا ذا ارتياع كأنه
بكل بلاد طائر ما له وكر
لئن سرَّ إسحاقَ النجاةُ بنفسه
لقد ساءه في جمعه القتل والأسْر
فلا يغبطنْ بالعيش من بعد هذه
فقد كسرته كسرة ما لها جبر٦

وقد خص القاسم بن يحيى بن معاوية المريمي شعره في مدح خمارويه، وقال فيه كل مدائحه حتى سُئِل مرة أن يرحل عن مصر فقال:

وكيف رحيلي عن بلاد غدا بها
أبو الجيش والنيل الذي ملا الأرضا٧

وما كادت تدول دولة الطولونيين، وتعود مصر مرة أخرى إلى حكم العباسيين سنة اثنتين وتسعين ومائتين حتى رأينا الشعراء يرثون الطولونيين، ويأسفون على أيامهم الزاهرة، بل نجد شاعرًا هو سعيد القاص ينظم تاريخهم في قصيدة أرى أن أثبتها هنا؛ لما فيها من إشادة بأفعال الطولونيين ومنشآتهم:

جرى دمعُهُ ما بين سحْر إلى نحر
ولم يجْر حتى أسلمته يد الصبر
وبات وقيدًا للذي خامر الحشا
يئنُّ كما أنَّ الأسير من الأسر
وهل يستطيع الصبر من كان ذا أسى
يبيت على جمر ويُضحِي على جمر
تتابُعُ أحداث يُضيِّعْن صبره
وغدر من الأيام، والدهر ذو غدر
أصاب على رغم الأنوف وجدعها
ذوي الدين والدنيا بقاصِمة الظَّهْر
طوى زينة الدنيا ومصباح أهلها
بفقد بني طولون والأنجم الزهر
فبادُوا وأضحوا بعد عِزٍّ ومنعة
أحاديث لا تخفى على كل ذي حِجْر
وكان أبو العباس أحمد ماجدًا
جميل المحَيَّا لا يبيت على وتر
كأن ليالي الدهر كانت لحسنها
وإشراقها في عصره ليلة القدر
يدُلُّ على فضل ابن طولون هِمة
مُحلِّقةٌ بين السماكين والغفْر
فإن كنت تبغي شاهدًا ذا عدالة
يخبِّرُ عنه بالجليِّ من الأمر
فالبجبل الغربي خطة يشكر
له مسجد يغني عن المنطق الهذر
يدل ذوي الألباب أن بناءه
وبانيَه لا بالضنين ولا الغمر
بناه بآجرٍّ وساج وعرعر
وبالمرمر المسنون والجص والصخر
بعيد مدى الأقطار سام بناؤه
وثيق المباني من عقود ومن جدر
فسيح الرحاب يحسر الطرف دونه
رقيق النسيم طيب العرف والنشر
وتنور فرعون الذي فوق قلة
على شاهق عالٍ على جبل وعر
بنى مسجدًا فيه يروق بناؤه
ويهدى به في الليل إن ضل من يسري
تخال سنا قنديله وضياءه
سهيلًا إذا ما لاح في الليل للسفر
وعين معين الشرب عين زكية
وغير أجاج للرواة وللطهر
كأن وفود النيل في جنباتها
تروح وتغدو بين مدٍّ إلى جزر
فأرقأها٨ مستنبطًا لمعينها
من الأرض من بطن عميق إلى الظهر
بناء لو انَّ الجن جاءت بمثله
لقيل: لقد جاء بمستفظع نكر
يمر على أرض المعافر كلها
وشعبان والأحمور والحي من بشر
قبائل لا نوء السحاب يمدها
ولا النيل يرويها ولا جدول يجري
ولا تنس مارستانه واتساعه
وتوسعة الأرزاق للحول والشهر
وما فيه من قوَّامه وكفاته
ورفقهم بالمُعْتَفِين ذوي الفقر
فللميِّت المقبور حسن جهازه
وللحي رفق في علاج وفي جبر
وإن جئت رأس الجسر فانظر تأملًا
إلى الحصن أو فاعبر إليه عن الجسر
ترى أثرًا لم يبق من يستطيعه
من الناس في بدو البلاد ولا حضر
مآثر لا تبلى وإن باد ربها
ومجد يؤدي وارثيه إلى الفخر
لقد ضمن القبر المقدر ذرعه
أجل إذا ما قيس من قبتي حجر
وقام أبو الجيش ابنه بعد موته
كما قام ليث الغاب في الأسَل السمر
أتته المنايا وهو في أمن داره
فأصبح مسلوبًا من النهي والأمر
كذاك الليالي من أعارته بهجة
فيالك من باب حديد ومن ظفر
وورث هرون ابنه تاج ماجد
كذاك أبو الأشبال ذو الناب والهصر
وقد كان جيش قبله في محله
ولكن جيشًا كان مستنقص العمر
فقام بأمر المُلْك هرون مدة
على كظظ من ضيق باعٍ ومن حصر
وما زال حتى زال والدهر كاشح
عقاربه من كل ناحية تسري
تذكرتهم لما مضوا فتتابعوا
كما ارفضَّ سلك من جمان ومن شذر
فمن يبكِ شيئًا ضاع من بعد أهله
لفقدهم فليبك حزنًا على مصر
لِيبك بني طولون إذ بان عصرهم
فبورك من دهر وبورك من عصر٩

ولهذا الشاعر أيضًا عدة قصائد في مدح الطولونيين يصف فيها ازدهار الحياة في مصر، وقوة البلاد في عصرهم وما كانت ترتع فيه من نعيم ورخاء.

على أن هؤلاء الشعراء الذين أكثروا من مدح الطولونيين، وخلعوا عليهم هذه الصفات والألقاب الشعرية التي نراها دائمًا في مدح شعراء العرب، لم يلبثوا أن تحولوا إلى مدح الأمراء والولاة العباسيين الذين أبادوا ملك الطولونيين، وأخرجوا قوادهم ومواليهم فخلت منهم الديار المصرية وأحلوا بالطولونيين التطريد والتشريد، فنرى شاعرًا كإسماعيل بن أبي هاشم قد مدح الطولونيين بعدة قصائد كقوله بعد أن دالت دولتهم:

قف وقفة بفناء باب الساج
والقصر ذي الشرفات والأبراج
وربوع قوم أزعجوا عن دارهم
بعد الإقامة أيما إزعاج
كانوا مصابيحًا إذا ظلم الدجى
يسري بها السارون في الإدلاج
وكأنْ وجوههم إذا أبصرتها
من فضة مصبوغة أو عاج
كانوا ليوثًا لا يرام حماهم
في كل ملحمة وكل هياج
فانظر إلى آثارهم تلقى لهم
علمًا بكل ثنية وفجاج
وعليهم ما عشت لا أدع البكا
مع كل ذي نظر وطرف ساج١٠
هذا القول يظهر فيه الوفاء للطولونيين والإخلاص لهم ونراه قد استمر على وفائه وإخلاصه، يدلنا على ذلك شعره في ثورة محمد بن علي الخليجي،١١ وكان أحد جند الطولونيين الذين أسَرَهم محمد بن سليمان القائد، وسار بهم إلى الشام، وفي دمشق حدَّثت نفس ابن الخليجي أن يعود إلى مصر، ويعيد الطولونيين إلى ملكهم، وكاشف بذلك بعض أصفيائه فأجمعوا كلمتهم على ذلك، وساروا معه حتى استولوا على الرملة باسم إبراهيم بن خمارويه، واجتمع إليه خلق كثير سار بهم إلى مصر وهزم جيوش عيسى النوشري الوالي حتى استطاع ابن الخليجي أن يستولي على الفسطاط في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأرسل الخليفة المكتفي بالله جيشًا لقتاله وعليهم أبو الأغر خليفة بن المبارك وغيره، فقاتلهم ابن الخليجي بمنية الأصبغ وهزمهم سنة ثلاث وتسعين ومائتين،١٢ فمدحه الشعراء منهم إسماعيل بن هاشم بقوله:
أميرنا يابن البهاليل الغرر
شفيت من عدونا أبي الأغر
صدورنا وقيت من كل حذر
إذ جاء في الشوك إلينا والشجر
في جحفل كموج بحر قد زخر
يتبعه أهل البوادي والحضر
صبرتَ إذ لاقيتَه وما صبر
فمر في أسرع من لمح البصر
يقطر منه بَوْلُه قطر المطر
أحدث فوق سرجه وما شعر
شفيتنا من تركهم مع الخزر
ثم عفا أميرنا لما قدر١٣

فهو هنا قد حفظ وفاء الطولونيين ولكن من الجائز أن يكون الشاعر قد مدحه خوفًا منه، ومع ذلك فقد مدح أحد صنائع الطولونيين وهو بخلاف الشاعر سعيد القاص، فقد رأينا قصيدته التي تحدث فيها عن الطولونيين، ومع ذلك فقد مدح القائد بدر الحمامي الذي هزم ابن الخليجي سنة ثلاث وتسعين ومائتين بقوله:

حالت معارفهم إلى إنكار
وغدا الخميس لهم بيوم بوار
وتقاطعوا وتدابروا وتنافروا
وتلاعنوا فيها كأهل النار
وأتوك بين معذر في عذره
خجِل وبين مصرح الإقرار
وتزعزعت تلك الرماح فصوَّرت
ركن المقطم في شفير هار
طلعت نجوم في الرماح يروحها
فسقطن إذ طلعت نجوم قدار
لما انجلى ذاك الغبار رأيتهم
صرعى وقد لبسوا بريم غبار
فاسعد بنصر الله والفتح الذي
عظُمت به النعمى على الأبرار١٤

فهذا الشاعر متقلب في مدحه يمدح ذا السلطان والإمرة دون نظر إلى مبدأ أو عقيدة، مثله في ذلك مثل الشاعر أحمد بن محمد الحبيشي الذي مدح القائد محمد بن سليمان الكاتب لما دخل مصر وانتزعها من أيدي الطولونيين، فقد أنشد هذا الشاعر قصيدة بائية تكاد تكون نفس قصيدة أبي تمام التي مطلعها:

السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب

فالشاعر المصري في قصيدته أخذ معاني قصيدة أبي تمام وأودعها شعره بل أخذ ألفاظ أبي تمام وصنع منها قصيدته، وفيها يقول:

الحمد لله إقرارًا بما وهبا
قد لمَّ بالأمن شعب الحق فانشعبا
الله أصدق هذا الفتح لا كذب
فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا
فتح به فتح الدنيا محمَّدها
وفرَّج الظلم والإظلام والكربا
لا ريب رُبَّ هياج يقتضي دعة
وفي القصاص حياة تذهب الريبا
رمى الإمام به عذراء غادرة
فاقتض عذرتها بالسيف واقتضبا
محمد بن سليمان أعزهم
نفسًا وأكرمهم في الذاهبين أبا
سرى بأسد الشرى لو لم يروا بشرًا
أضحى عرينهم الخطي لا القضبا
حُمَّ القضاء على اليحموم حين أتوا
مثل الدبى يمتحون الدبة الدأبا
إيهًا علوت على الأيام مرتبة
أبا علي ترى من دونها الرتبا
لما أطال بنو طولون خطبتهم
من الخطوب وعافت منهم الخطبا
هارت بهرون من ذكراك بقعته
وشيَّب الرعب شيبانًا وقد رعبا
وكم ترى لهم من جنة أنف
ومن نعيم جنى من غدرهم عطبا
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم
كأنها من زمان غابر ذهبا١٥

ولأترك مقارنة هذه القصيدة المصرية بقصيدة أبي تمام المعروفة التي أنشدها في مدح المعتصم ويذكر فيها عمورية؛ إذ ليس هنا مجال البحث عن ذلك وأكتفي بالإشارة إليها، وأعود إلى الشاعر أحمد بن محمد الحبيشي فأقول: إنه كغيره من الشعراء الذين يمدحون أصحاب السلطان ويتغيرون بتغير الولاة والأمراء فهو في هذه القصيدة مدح عدو الطولونيين فلما استولى ابن الخليجي على مصر وأراد أن يعيد ملك الطولونيين نراه قد مدح الأمير لانتصاره على جيوش العباسيين بقوله:

غضبْتَ لمصر وما نالها
وشردت بالحوف من غالها
تلافيتَها بعد إدبارها
وأقبلت تطلب إقبالها
وكادت تؤوِّه شوقًا إليك
وتظهر بالشوق بلبالها
وما شوقها كان من طبعها
ولكن ربَّك أوحى لها
لقد فرَّج الله كرب النفوس
وبَلَّغها فيك آمالها
ولما رأيناك في مصرنا
منحنا الإمارة إجلالها
وما زلت تطلبها همة
وتركب بالسيف أهوالها
وتعلم نفسك أن الأمور
إما عليها وإما لها
تمنوا لقاك فلما رأوك
رأوا للمنية إظلالها
ومروا يطيعون في كل شيء
رأوه المنايا وإنزالها
وكان أبوك خليج العفاة
وبحر الثغور التي عالها
به كانت الروم في أمنها
تفزِّع للذنب أطفالها١٦

نستطيع من ذلك كله أن ندرك أن عددًا كبيرًا من الشعراء ظهروا في هذا العصر، وأنشدوا شعرًا في مدح الأمراء وأن كثيرًا منهم تقلب في المدح بتقلب الأحوال السياسية في البلد؛ إذ لا همَّ لأمثال هؤلاء الشعراء إلا إرضاء الأمير مهما كان هذا الأمير.

على أنه وجد بعض الشعراء الذين اتخذوا لأنفسهم رأيًا خاصًّا، ومذهبًا دافعوا عنه غير آبهين بأمير أو سلطان، ففي الوقت الذي كان فيه أحمد بن طولون في منتهى قوته واتساع سلطانه، وفي الوقت الذي تقرب فيه الشعراء إليه وحاولوا إرضاءه وطمعوا في نواله وتحدثوا عن نعمه وأياديه على البلاد، في هذا الوقت نجد شاعرًا من شعراء الطولونيين هو محمد بن داود قد أكثر من هجاء ابن طولون فلم يأت الأمير عملًا إلا هجاه هذا الشاعر حتى إذا أقام الأمير المنشآت النافعة نجد الشاعر قد اتخذ هذه المنشآت وسيلة لهجاء الأمير دون خوف، فمثلًا بنى الأمير المارستان سنة تسع وخمسين ومائتين فهجاه الشاعر محمد بن داود بقوله:

ألا أيها الأغفال إيهًا تأملوا
وهل يوقظ الأذهان غير التأمل
ألم تعلموا أن ابن طولون نقمة
تسير من سفل إليكم ومن عل
ولولا جنايات الذنوب لما علت
عليكم يد العلج السخيف المجهَّل
فيا ليت مارستانه نِيط باسته
وما فيه من علج عُتُل مقلل
فكم ضجة للناس من خلف ستره
تضج إلى قلب عن الله مغفل١٧

ولما بنى أحمد بن طولون المراكب الحربية واتخذ الحصن في الجزيرة هجاه الشاعر بن داود بقوله:

لما ثوى ابن بغا بالرقتين ملا
ساقيه زرقًا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنًا يستجن به
بالعسف والضرب والصناع في تعب
وراقب الجيزة القصوى فخندقها
وكاد يصعق من خوف ومن رعب
له مراكب فوق النيل راكدة
فما سوى القار للنظار والخشب
يرى عليها لباس الذل مذ بنيت
بالشط ممنوعة من عزة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبًا
لكن بناها غداة الروع للهرب١٨

وظل هذا الشاعر يهجو أحمد بن طولون حتى تُوفِّي الأمير فلم يقلع عن هجائه بل رماه بأشد أنواع الهجاء ولم يتورع عن بسط لسانه في الأمير حتى بعد وفاته، من ذلك قوله:

مضى غير مفقود وما كان عمره
سوى نقمة للخلق شنعاء صيلم
لقد زيد في اليحموم بالرجس لعنة
ولم يسقِ بالمرجوس ترب المقطم
ولم تبكه الأرضون لكن تبسمت
سرورًا ولولا موته لم تبسم
يبشره إبليس عند قدومه
عليه بأحمى بقعة في جهنم
لقد طهرت الأرض من سوء فعله
ومن وجهه ذاك الكريه المورم
فلا سقيت أجداثه صوب مزنة
وأنى وفيها شر أولاد آدم١٩

ولا أدري سبب هذا الهجاء الذي لا أكاد أعرف مثيلًا له في الهجاء العربي؛ فإن الشعراء كانوا أمام حرمة الموت يتورعون عن هجاء الموتى، ولكن هذا الشاعر المصري كان موتورًا — كما يُخيَّل إليَّ — فلم يكفه أن يُظْهِر فرحه لموت الأمير بل هجاه بهذه الأبيات وبغيرها مما يدل على أن المصريين في هذا العصر اتخذوا الشعر وسيلة لهجاء الموتى، وهو الأمر الذي لم نره في شعر المصريين قبل ذلك العصر.

وفي هذا العصر أيضًا ظهر في الشعر المصري فنٌّ لم نجد له مثيلًا في العصور السابقة، بل لا نجد له مثيلًا في الشعر العربي إلا في شعر الأندلسيين، فمؤرخو الأدب العربي قالوا إن الأندلسيين امتازوا برثاء الممالك والبلدان كلما اختطف عدوهم منها شيئًا، وأشاد مؤرخو الأدب بقصيدة ابن عبدون الأندلسي التي رثا بها دولة بني الأفطس والتي مطلعها:

الدهر يفجع بعد العين بالأثر
فما البكاء على الأشباح والصور

ومن يقرأ الشعر المصري في هذا العصر يجد أن هذا الفن كان معروفًا في مصر، وأن شعراء مصر أكثروا في الحديث عنه، فبعد أن دالت دولة الطولونيين، وعاد الأمر إلى الخليفة العباسي ودمرت القطائع، وخرب الميدان قام شعراء مصر يرثون أيام الطولونيين، وما بنوه، ويعددون مفاخرهم، ويصفون دورهم، ويأسفون على ما لحق هذه المنشآت الجليلة من التدمير والخراب، والترحم على الأيام الجميلة التي قضوها بين هذه المباني مثل قول الشاعر محمد بن طشويه:

من لم ير الهدم للميدان لم يره
تبارك الله ما أعلاه واقْدَره
لو أن عين الذي أنشاه تبصره
والحادثات تعاديه لأكبره
كانت عيون الورى تغشى لهيبته
إذا أضاف إليه الملك عسكره
أين الملوك التي كانت تحل به
وأين من كان بالإتقان دبره
وأين من كان يحميه ويحرسه
من كل ليث يهاب الليث منظره
صاح الزمان بمن فيه ففرقهم
وحط ريب البلى فيه فدعثره
وأخلق الدهر منه حسن جدته
مثل الكتاب محا العصران أسطره
دكت مناظره واجْتُث جوسقه
كأنما الخسف فاجاه فدمَّره
أو هبَّ إعصار نار في جوانبه
فعاد معروفه للعين منكره
كم كان يأوي إليه في مقاصره
أحوى أغن غضيض الطرف أحوره
كم كان فيه لهم من مشرب غدق
فعب طرف الردى فيه فكدره
أين ابن طولون بانيه وساكنه
أماته الملك الأعلى فأقبره
ما أوضح الأمر لو صحت لنا فكر!
طوبى لمن خصه رشد فذكره٢٠

وقال إسماعيل بن أبي هاشم:

يا منزلًا لبني طولون قد دثرا
سقاك صوب الغوادي القطر والمطرا
يا منزلًا صرتُ أجفوه وأهجره
وكان يعدل عندي السمع والبصرا
بالله عندك علم من أحبتنا
أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا؟٢١

وكقصيدة سعيد القاص التي مر ذكرها، فمن ذلك نستطيع أن ندرك أن الشعراء المصريين أخذوا بنصيب وافر من هذا الفن الذي لم يُكْثِر فيه غيرهم من شعراء الشرق، كما يدلنا أيضًا على تطور الشعر في مصر، فبعد أن كان الشعر المصري في العصور السابقة يكاد يكون صورة من الشعر العربي في الأقطار الأخرى من حيث المعاني والخيال مع اختلاف المعاني والخيال باختلاف الحياة المصرية، وبعد أن كان الشعر شعر مناسبات — إن صح هذا التعبير — أصبح الشعر في عصر الطولونيين والإخشيديين يأخذ مظهرًا آخر لم نعرفه من قبل، وقد رأينا الشعراء في العصر السابق يأخذون مظهرًا آخر لم نعرفه من قبل، وقد رأينا الشعراء في العصر السابق يأخذون بحظٍّ وافر من الثقافات المختلفة، وبعضهم صاحبوا أئمة الفقه وأخذوا عنهم، تطور الشعراء في عصر الطولونيين فقد ترك أكثرهم العلم، واهتموا بالفن الشعري والتكسب به، حقيقة وُجِد بعض الشعراء في ذلك العصر أتقنوا كثيرًا من فنون العلم، فكان منهم الكتَّاب أمثال جعفر بن محمد بن جدار وصالح بن رشدين وغيرهما، وكان منهم المؤلفون أمثال ابن الداية الذي تحدثنا عنه، والحسن بن علي الأسدي صاحب كتاب الأنيس الذي وصفه بقوله:

فيه ما يشتهي الأديب من العلـ
ـم وفيه جلاء هم النفوس
فيه ما شئت من بدور معان
ضاحكات إلى وجوه شموس٢٢
كما كان بين شعراء ذلك العصر بعض الفقهاء أمثال منصور الفقيه والحداد القاضي، ومنهم المتكمون كابن الجبي الشهير بسيبويه المصري، وبالغ بعضهم في إطالة القصائد كالذي يُروَى عن قصيدة محمد بن أحمد بن الربيع بن سليمان الأسواني التي لا يُعلَم في الوجود أطول منها، سُئِل قبل موته بسنتين: كم بلغتْ قصيدتك إلى الآن؟ قال: ثلاثين ومائة ألف بيت، وقد ضمَّن قصيدته هذه كثيرًا من الأخبار وقصص الأنبياء وبعض العلوم والآراء الفقهية وعلوم الطب،٢٣ وبالرغم من وجود هؤلاء الشعراء العلماء كان أكثر شعراء ذلك العصر يهتمون بالشعر دون غيره.

وفي الشعر المصري في هذا العصر كثير من الحكم والأبيات التي جرت مجرى الأمثال، وكثير من أشعار الزهد كالتي نراها في أشعار منصور الفقيه وابن طباطبا وغيرهما.

(١) أثر اللهو في الشعر

والظاهرة التي يجب أن نلاحظها على شعراء هذا العصر هي انغماس الشعراء في تيار اللهو والمجون، فقد غمرهم الترف، فأخذوا بحظٍّ وافر منه، وكثر المجون في هذا العصر وازداد بازدياد ثروة البلاد، فرغب الشعب المصري في هذه الحياة الماجنة، والمصري بطبيعته ميَّال إلى الفكاهة والدعابة، وإذا ذُكِر في العراق جماعة أبي نواس ففي مصر جماعة محمد بن عاصم وسعيد بن فاخر قاضي البقر شاعر الإخشيد، وأبي هريرة بن أبي العصام وغيرهم.

وقد ساعد على وجود هذه الحياة بمصر بذخ الأمراء وإسرافهم وأخْذِهم بحياة النعيم وشرب الخمر والإسراف في شربها وسماع الغناء واللهو بالجواري والقيان، كما كان يفعل خلفاء بني العباس.

فأحمد بن طولون مع تمسكه بأهداب الدين، وكثرة علمه، وما كان يُؤثَر عنه أنه كان يُبكِّر كل يوم فيخرج لسماع قراءة الأئمة في المحراب٢٤ كان مع ذلك كله يشرب الخمر ويسمع الغناء، ويقرِّب المغنين.

حدثنا ابن الداية قال: قال أحمد بن أيمن: كنا عند أحمد بن طولون فقال لكنيز المغني: أشتهي صوتًا ما سمعته منذ خرجت من «سر من رأى»، فقال: وما هو يا سيدي؟ فقال هذا البيت:

ألا شفيتم غليلًا لا أفارقه
نفسي فداؤك من ذي غلة صادي
فحملني النبيذ وما استهواني من تقريب أحمد بن طولون وإيناسه على أن قلت: أنا أُحْسِنه! ففرح ابن طولون، واندفعت أغنيه إياه — وكان أحمد بن أيمن ذا جثة عظيمة، وعقيرة جهيرة حسنة الإيقاع — فطرب طربًا شديدًا ثم صفق بيديه، فسبقته إلى سخف الطرب، وقمت فرقصت على إيقاع اللحن فزاد سروره.٢٥
وعُرِف خمارويه بن أحمد بن طولون باللهو والمجون، والبذخ في الحياة والإسراف في الشراب حتى حدثنا التنوخي أن خمارويه كان إذا قعد للشرب يشرب أربعين رطلًا من نبيذ مصر المعروف بالشبروي، ومن يشرب منه رطلًا يستطيع أن يشرب من غيره أرطالًا،٢٦ وهذا، لا شك، إسراف من التنوخي أيضًا، ولكنه يدلنا على أن خمارويه كان كلفًا بالشراب، ووُجِد بعض البلدان عرفت بصنع الخمور كمدينة أبوان (بالقرب من دمياط) كان أهلها نصارى ويُعمَل فيها الشراب الفائق فينسب إليها فيقال بوني.٢٧
ولا ننسى الأديرة الكثيرة التي كان ينزح إليها الشعراء وغيرهم من أصحاب اللهو والمجون، فكما كان العراقيون يذهبون إلى دير عبدوس وغيره من الأديرة، كذلك ذهب المصريون إلى دير القصير ودير نهيا ودير مارحنا وغيرها، وكان خمارويه يذهب إلى دير القصير؛ إذ بنى لنفسه غرفة في أعلى الدير ذات أربع طاقات إلى أربع جهات، وكان يذهب إلى هذا الدير مظهرًا إعجابه بصورة مريم العذراء التي كانت في هيكل الدير، ويشرب على النظر إلى هذه الصورة.٢٨ وكان الشعراء يذهبون إلى هذا الدير، ووصفوه في شعرهم، وذكروا طيبه ونزهتهم به، ثم لهوهم ومجونهم وأيامهم التي قضوها فيه؛ من ذلك قول أبي هريرة بن أبي العصام وكان من شعراء الإخشيديين وعاش حتى أوائل حكم الفاطميين:
كم لي بدير القصير من قصف
مع كل ذي صبوة وذي ظرف
لهوت فيه بشادن غنج
تقصر عنه بدائع الوصف٢٩
ويحدثنا المقريزي أن الحاكم بأمر الله الفاطمي أمر بهدم هذا الدَّيْر في رمضان سنة أربعمائة. أما دَيْر مارحنا فقد كان على شاطئ بركة الحبش وبقربه بئر تُعرَف ببئر نجاتي عليها جميزة يجتمع الناس إليها ويشربون عندها.٣٠ ومن الشعراء الذين كانوا يذهبون إلى هذا الدير الشاعر العباس بن البصري، قال عنه الشابشتي: وكان ابن البصري هذا من الخلعاء المجان، وله شعر يجري مجرى الهزل والطيب، وخدم أبا القاسم أونوجور بن الإخشيد فأحسن إليه وكساه، وصار يركب معه، وكان يلبس طيلسانًا أزرق يتشبه بالقضاة، وكان أونوجور قد حمله على برذون أصفر غليظ بطيء السير، فكان إذا سار مع أقوام من إخوانه قال لهم: صفوا لى موضعكم حتى ألحق بكم! وكان مليح المجالسة كثير النادرة، وكان يبيع الصيدلة في مسجد عبد الله بمصر.٣١ وقد قال هذا الشاعر في دير مارحنا:
يا حامل الكأس أدرها واسقني
قد ذعر الشوق فؤادي فانذعر
أما ترى البركة ما أحسنها
إذا تداعى الطير فيها فصفر
أما ترى نوارها، أما ترى
حسن مسيل مائها إذا انحدر
كأنما صفر الدنانير بها
مبذولة ليس بها من متجر
كأنما الجوهر في ألوانه
نُثِر في تلك النواحي فانتثر
كأنما كف جواد ولعت
في ذلك الروض بتبديد البدر
وأبيض النرجس في أجفانه
دمع الندى لولا التشاجي لقطر
ونظرة الورد إلى أترابه
نظرة معشوق بلحظ منكسر
دعني فما أهلك إلا بالجوى
ما عيشة العاشق إلا في كدر٣٢
ولابن البصري شعر كثير في الأديرة التي كانت بمصر لا سيما في دَيْر نهيا بالقرب من الجيزة، قال ابن فضل الله العمري عن هذا الدَّيْر: «وديرها — أي دير نهيا — هذا من أطيبها موضعًا، وأجلها موقعًا، عامر برهبانه وسكانه، وله في النيل منظر عجب؛ لأن الماء يحيط به من جميع جهاته، ويزيد في حسن متنزهاته، فإذا تصرف الماء أظهرت أرضه غرائب النوار، وعجائب الزهور المشرقة الأنوار وله خليج ينساب انسياب أرقم، وعليه شطوط كأنها بالديباج ترقم.»٣٣ وفي هذا الدير قال ابن البصري:
يا من إذا سكر النديم بكأسه
غريت لواحظه بسكر الفيق
طلع الصباح فأسقني تلك التي
ظلمت فشُبِّه لونها بالزنبق
والْقَ الصباح بنور وجهك إنه
لا يلتقي الفرحان حتى نلتقي
قلبي الذي لم يبق فيه هواكم
إلا بقية نار شوقٍ قد بقي
أوما ترى وجه الربيع وقد زهت
أنواره بنهاره المتألق
وتجاوبت أطياره وتبسمت
أشجاره من ثغر زهرٍ مورق
لم يغدها طل الرذاذ ببرده
حتى تفتح كل جفنٍ مطبق
والبدر في وسط السماء كأنه
وجهٌ مليحٌ في قناع أزرق
يا للديارات الملاح وما بها
من طيب يوم مر لي بتشوق
أيام كنت وكان لي شغلٌ بها
وأسير شوق صبابتي لم يطلق
يا دير «نهيا» ما ذكرتك ساعةً
إلا تذكرت الشباب بمفرقي
والدهر غضٌّ والزمان مساعدٌ
ومقامنا ومبيتنا بالجوسق
يا دير «نهيا» إن ذكرت فإنني
أسعى إليك على الخيول السبق
وإذا سئلت عن الطيور وصيدها
وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق
فالغر، فالكروان، فالقارور إذ
يشجيك في طيرانه المتحلق
أَشَهِدتَ حرب الطير في غيطانه
لما تجوَّق منه كل مجوَّق؟
والزُّمَّج الغضبان في رهط له
ينحط بين مرعدٍ ومبرق
ورأيت للبازي سطوة موسر
ولغيره ذل الفقير المملق
كم قد صبوت بغرتي في شرتي
وقطعت أوقاتي برمي البندق
وخلعت في طلب المجون حبائلي
حتى نسبت إلى فعال الأخرق
ومهاجر ومكاسر ومنافر
قلق الفؤاد به وإن لم يقلق
لو عاين التفاح حمرة خده
لصبا إلى ديباج ذاك الرونق
يا حامل السيف الغداة وطرفه
أمضى من السيف الحسام المطلق
ارفق بعبدك لا تُطلْ أشجانه
وارفق به يا صاحب الثغر النقي٣٤
ولم يقتصر اللهو على أن يصف الشعراء هذه الأديرة بهذا الوصف الجميل الرقيق، وذكر الطرد والصيد كالذي رأيناه في قصيدة ابن البصري السابقة، بل نجد كثيرًا من الشعراء يصفون مجالس الخمر ويذكرون مجونهم وفحشهم ويعرضون بالدين، فمثلًا الشاعر سعيد بن فاخر المعروف بقاضي البقر وكان شاعر الإخشيد وابنه،٣٥ قال:
حي على الكأس في الصباح
مطَّرحًا نصح كل لاح
وانتهب العيش ما تأتَّي
فأنت منه على جناح
وأجرني من عقول قوم
عموا عن الشرب والملاح
يا رب دعني بلا صلاح
يا رب ذرني بلا فلاح
يدي مدى الدهر فوق ردف
وراحتي تحت كأس راح٣٦

فهذا الشاعر المصري الذي أنشد مثل هذا الشعر لا يقل في الفجور والعبث عن أشد شعراء العراق مجونًا وفسقًا، فهو هنا قد تهكَّم بالدين ودعا الله أن يديم عليه ذلك التهاون بالدين؛ مما يدل على أن حياة اللهو كان لها أثر كبير في شعراء ذلك العصر.

لم يكن قاضي البقر وحده الذي أنشد مثل هذا المجون والفحش، بل نجد الشاعر أبا هريرة أحمد بن أبي العصام وهو من شعراء أواخر الدولة الإخشيدية، وقيل إنه عُمِّر حتى شاهد عصر الحاكم بأمر الله الفاطمي، قد انهمك في اللذات، وأسرف في اللهو، وأدمن على الشراب، فوصف الخمر ومجالس اللهو، وكان كزميله قاضي البقر متهاونًا في دينه، لم يخش صاحب زندقة، ولا سلطان أمير، وكان كزميله يتهكم بالدين، بل هو أشد تهكمًا من زميله بفرائض الإسلام:

مجلس لا يرى الإله به غيـ
ـر مصلٍّ بلا وضوء وطهر
سُجَّد للكئوس من دون تسبيـ
ـح سوى نغْمة لعود وزمر٣٧

إذن ظهر اللهو والمجون في الشعر المصري في هذا العصر، ولم يبال الشاعر المصري بالشعور الديني الذي كان يسود البلاد، ونعجب إذا عرفنا أن مثل هذا الشعر صدر عن شعراء على اتصال وثيق بالأمراء، فهل نفهم من ذلك أن أمراء مصر في هذا العصر تهاونوا بالدين إلى حد أنهم سمحوا للشعراء المتصلين بهم أن يعبثوا وينشدوا مثل هذا الأشعار؟

الواقع أن أمراء مصر في ذلك العصر قد أكثروا من الترف والنعيم، وأرادوا أن يتمثلوا بخلفاء العباسيين في لهوهم ومجونهم، وشاركهم الشعراء والكتاب في اللهو، وإن كان الشعور الديني، والتمسك بأهداب الدين يعم البلاد، يحدثنا المقريزي أن أحمد بن طولون كان قد اتخذ حجرة بقربه فيها رجال سمَّاهم المكبرين، يبيت منهم في كل ليلة أربعة يتعاقبون الليل، ويكبرون ويسبحون، ويقرءون القرآن تطريبًا بألحان، ويتوسلون بقصائد زهدية، فلما ولي خمارويه أقرهم على حالهم، وأجراهم على رسمهم، وكان يجلس للشرب مع حظاياه في الليل وقيانه تغنين، فإذا سمع أصوات هؤلاء يذكرون الله والقدح في يده، وضعه بالأرض وأسكت مغنياته، وذكر الله معهم حتى يسكت القوم، لا يضجره ذلك، ولا يغيظه أن قطع عليه ما كان فيه من لذة بالسماع،٣٨ مما يدل على أن الشعور الديني كان متغلغلًا في نفس الأمير ولكنه كان يأخذ بحظه من اللهو، وشارك الشعراء أمراءهم في هذا اللهو وأخذ الشعراء يدعون بعضهم بعضًا على مجالس اللهو كما كان يفعل شعراء العراق؛ فالشاعر المصري عبد الله بن محمد بن أبي الجوع — وكان من شعراء الإخشيديين وعاش إلى أوائل الدولة الفاطمية، وصادق أبا الطيب المتنبي في مصر وروى عنه، وكان من أكبر علماء اللغة في عصره — دعا بعض إخوانه بقوله:
شعبان قد صار نضوا
ولم نفد فيه لهوا
وليس ذلك منا
جهلًا ولا كان سهوا
فبالمودة إلا
بكرت للقصف عدوا
حتى نقوم فنَرْفُوا
ما خرَّق الدهر رفوا
من بعد تقديم جدي
مسمَّن ظل يُشْوَى
له ثلاثون يوما
يحبو إلى الضرع حبوا
لما انتزعت حشاه
عوضته البقل حشوا
وقد عنيت بجام
ملأته لك حلوى
وقهوة بنت كرم
صفت من الذم صفوا
ما شعشعت قط إلا
سطت على الهم سطوا
جنبتها كل وغد
يمحو المحاسن محوا
إلا إذا ما اقتنصنا
عذب الخلائق حلوا
وشادن ذي دلال
يشدو فيلهيك شدوا
إما غناء وإما
عجائبًا عنه تُروَى
حتى تظل بما فيـ
ـه من وقارك خلوا
وعندنا لك ورد
يحدو المسرة حدوا
ريحانه لا يُوازَى
لونًا وعطرًا وسروا
فما اعتذارك في أن
تفني زمانك صحوا
وأنت بعد قليل
بالصوم والله تُطوَى٣٩

وهكذا أصبح الشعر المصري أداة للمراسلة بين الأصدقاء.

وبالشعر وصف الداعون ما أعدوا للزائرين من ألوان الأكل والشرب وما يتبع ذلك من ألوان اللهو والطرب، وهذا كله يدلنا على تطور الحياة المصرية، وتطور الشعر بتطور الحياة نفسها.

(٢) الطبيعة في الشعر المصري

ويظهر تطور الشعر المصري في هذا الفن الذي أجاده كثير من شعراء مصر في ذلك العصر، وهو فن الوصف، فالطبيعة وما فيها من جمال بعثت على إغراء الشعراء على وصفها، وشعراء مصر الذين لم يكن لهم نصيب في وصف جمال الطبيعة قبل عصر الطولونيين، أو قل إنه لم يصلنا عنهم شيء في الوصف قبل عصر الطولونيين، أصبح عندهم وصف الطبيعة فنًّا يُقصَد لذاته، بعد أن صقلت الحياة الجديدة مزاج الشعراء وصفتْ قريحتهم، ولعل الشاعر ابن طباطبا العلوي كان أقدر شعراء مصر في هذا العصر على الوصف، وكان له من فنه بل من حياته ما جعله في طليعة شعراء الوصف، فهو شاعر قال الشعر حبًّا في الفن الشعري، وعن طبيعة رجل فنان، ولم يقصد لغرض آخر سوى اللذة الفنية، فاستطاع أن يمتع نظره وحواسه بما حوله من الطبيعة، وما فيها من جمال وبهاء فتأثر بما رآه، وأنشد الشعر تحت تأثير جمال الطبيعة الذي فُتِن به، وأخذ في تشبيه الموصوف وسبغ عليه من الخيال، وألبسه ثوبًا يتفق مع مزاجه الشعري الفني، ففي وصفه للهلال قال:

وكأن الهلال لما تبدَّى
شطر طوق المرآة للتذهيب
أو كقوس قد انحنت أو كنُؤي٤٠
أو كنون في مهرق مكتوب٤١

ووصف البركة بقوله:

كم ليلة ساهرت أنجمها التي
عرصات٤٢ أرضٍ ماؤها كسمائها
قد سُيِّرت فيها النجوم كأنما
فلك السماء يدور في أرجائها
أَحْسِنْ بها بحرًا إذا التبس الدجى
كانت نجوم الليل من حصبائها!
ترنو إلى الجوزاء وهى غريقة
تبغي النجاء، ولات حين نجائها
تطفو وترسب في اصطفاق مياهها
لا مستعان لها سوى إنمائها
والبدر يخفق وسطها فكأنه
قلب لها قد ريع في أحشائها٤٣

وقد ذكرنا كيف كان شعراء مصر يذهبون إلى الأديرة وغيرها من أماكن اللهو، وكيف كانوا يصفون هذه البقاع، ويتحدثون بطيبها وجمالها، ويترنمون بجمال طبيعتها، مما يدلنا على أن شعراء هذا العصر قد دقت شعورهم، ورق فنهم، فوصفوا الطبيعة وجمالها، ولا أشك أن شعرًا كثيرًا قد أنشد في الوصف، ولكن هذا الشعر فُقد، ولم يبق منه إلا أبيات قليلة، وهي إن دلت على شيء فهي تدل على أن الشاعر المصري نظر حوله فرأى ما لم يره غيره، فأوحي إليه الشعر، ووصف ما رآه وما جال في خاطره، وصفا قربه إلى الطبيعة فأدركها، وفي هذا اللون من الفن يتجلَّى فن الشاعر المرهف الحس، الدقيق الشعور، الطبيعي الشعر، وهذا اللون نجده يغلب على شعراء هذا العصر مما يميزهم عن شعراء العصور السابقة فإنا لم نعهد شاعرًا من شعراء العصور السابقة قال مثل الذي أنشده الشاعر صالح بن موسى في وصف البركة:

أو ما ترى حسن الريا
ض وما اكتسين من الزهر
وجه الربيع، وحبذا
وجه الربيع إذا ظهر
الوشي ينشر، والملا
حف والمطارف، والحبر
هذا البنفسج في الحدا
د بغير حزن قد ظهر
وأتى البهار بصفرة
فلكل حسن قد بهر
وكأن آذريونه
كاسات خمر تبتدر
وكأنما المنثور عقـ
ـد في جوانبه انتشر
والأقحوان فضاحك
عن عسجد فيه درر
وشقائق النعمان كالـ
أعلام ثم لمن نظر
وتورد الورد الذكيُّ
وفاح مسكًا في السحر
وتجاوبت طير الغصو
ن بكل لحن مشتهر
فمغرد حسن الغنا
ءِ شدا وآخر قد زمر
وتسرقت أنفاسنا
بنسيم أنفاس السحر٤٤

من ذلك كله نستطيع أن ندرك إلى أي حد تطور الشعر في مصر في هذا العصر. كما نلاحظ أن الشعراء عنوا بالمعاني كما أنهم عنوا بالألفاظ وتنسيقها وأكثروا من التشبيهات الرائعة التي أضافت إلى شعرهم جمالًا، كما نجد بعض الشعراء قد كلف بالزينة اللفظية وتعمَّدها كما كان يتكلفها أصحاب مسلم وأبي تمام، وفي حديثنا عن الشاعر ابن جدار سنجد كيف تلاعب هذا الشاعر باللفظ تلاعبًا غريبًا لم نجد له مثيلًا عند شعراء البديع.

(٣) أغراض أخرى للشعر

أما فنون الشعر التي طرقها شعراء مصر في هذا العصر فقد تحدثنا عن أكثرها كما أننا نجد شعرًا كثيرًا في الرثاء كقصيدة محمد بن الحسن بن زكريا في رثاء الإخشيد التي أولها:

في الرزايا روائع الأوجال
والبرايا دريئة الآجال
وكذا الليل والنهار اعتبار
للورى في تفكر الأحوال
كل شيء وإن تمادى مداه
قصره للفناء أو للزوال٤٥

وكقول مهلهل بن يموت في رثاء الإخشيد أيضًا:

أي عز مضى من الإسلام!
أي ركن أضحى حديث انهدام!
ذاق موتًا محمد بن طغج
هو ليث الشرى وغيث الغمام
فقد الناس مُولي الإنعام
فهمُ سائمون كالأنعام
مات رب العلا وراعي الرعايا
والسرايا وكافل الأيتام٤٦
أما الهجاء فقد ذكرنا هجاء ابن أبي دؤاد في ابن طولون، وظهر في هذا العصر الهجاء بين الشعراء، كالذي كان بين صالح بن مؤنس، وعبد الله بن أبي الجوع،٤٧ وفي هجائهما نرى شيئًا من الفحش كالذي في هجاء جرير والفرزدق، وهناك لون آخر من الهجاء لم يكن بين الشعراء، إنما كان هجاء بين العلماء كالذي رأيناه في العصور السابقة، وبخاصة هجاء القضاة، فابن سكرة الشاعر هجا الحسين بن أبي الشوارب القاضي المُتوفَّى سنة ٣٤٩ﻫ بقوله:
ولقد جنى قاضي القضا
ة حسين نجل أبي الشوارب
هذا الذي هتك الشرا
ئع بالبدائع والمثالب
هذا المضمِّر للفرو
ج وللدماء بغير راكب٤٨
وبالرغم من أن القاضي محمد بن أحمد بن الحداد — الذي ولي قضاء مصر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة — كان عالمًا فقيهًا حتى قال عنه ابن زولاق: كان فقيهًا متعبدًا يُحْسِن علومًا كثيرة منها علم القرآن وعلم الحديث والأسماء والكنى والرواة والنحو واللغة واختلاف العلماء وسير الجاهلية وأيام الناس والأنساب ويحفظ شعرًا كثيرًا، غير مطعون عليه في قول ولا فعل، مجموعًا على صيانة وطهارة، وكان من محاسن مصر، حاذقًا بعلم القضاء، حسن التوقيعات،٤٩ بالرغم من ذلك كله فلم يتركه خصومه من الهجاء فقد رُميَت في ولايته رقعة في الجامع فيها أبيات شعر منها:
قولوا لحدادنا الفقيه
العالم الماهر الوجيهِ
وليت حكمًا بغير عهد
وغير عقد نظرت فيه
ثم أبحت الفروج لما
وقعت فيها على البديه
هذي فعال حملت فيها
وزرك مع وزر من يليه
وهل ترى ذا ولست فيه
بجائز من مخالفيه
أنكرت حالًا من ابن عمرو
ما أنت فيه ومرتضيه
والمكر في الناس داء سوء
والعُجْب أيضًا لمرتديه٥٠

ولم بلغت هذه الأبيات محمد بن موسى المعروف بسيبويه المصري مدح ابن الحداد بقصيدة جاء فيها:

ما يضر البحر أمسى زاخرًا
إن رمى فيه صبي بحجر

والقاضي محمد بن بدر الذي ولي قضاء مصر ثلاث مرات آخرها سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، هجا زميله القاضي ابن الوليد — الذي عُزِل عن القضاء سنة ست وثلاثين وثلاثمائة — بقصيدة طويلة منها:

لو كنت تخشى قضيات المعاد لمَا
ألفيت في كل أمر فاضح علما
أعمى عن الرشد في كل الأمور فقد
أصبحت في الدين بين الناس متَّهما
يا ابن الوليد تدبَّرْ ما أتيتَ به
ولا تكن للهوى مستكملًا عمما
لو كنت تعلم قول الحق معتقدًا
أو كنت تخشى عذاب الله معتصما
لمَا استعنت بحماد اللعين وما
رأيت أنت له في صالح قدما
جعلته كاتبا يمضي الأمور ولم
يمسَّ في العلم قرطاسًا ولا قلما٥١

فهذا الهجاء يكاد يكون صورة لهجاء العلماء الذي رأيناه في العصر السابق للعصر الطولوني.

من هذا كله نستطيع أن ندرك تطور الحياة العامة في مصر، وتطور الحياة العقلية والأدبية فيها، وأن نقول إن مصر كانت عظيمة الحظِّ من العلوم الإسلامية والأدبية العربية، وساهمت في هذه الألوان المختلفة من الثقافات، فظهر الأدب المصري مصطبغًا بالصبغة المصرية الخالصة فاختلف الأدب المصري عن الأدب في الأقطار الإسلامية الأخرى.

(٤) الشعراء الوافدون

وكانت الحياة في مصر أيام الطولونيين والإخشيديين تجذب إليها شعراء وعلماء الأقطار الأخرى، وتحبب إليهم المقام في مصر أو الرحلة إليها، وسأحاول أن ألم ببعض هؤلاء الشعراء الذين وفدوا على مصر في ذلك العصر.

المتنبي في مصر

إذا تحدثت عن المتنبي في مصر فلن أتحدث عن وفوده على كافور الخشيدي ومدحه لهذا الأمير ثم هجائه له، هذا كله معروف متداول، حدَّث عنه كثير من الأدباء والمؤرخين، وألموا بجميع نواحيه، ولكني سأحاول الحديث عما تركه الأدباء والمؤرخون ولم يتحدثوا عنه وهو أثرُ مصرَ في المتنبي وأثر المتنبي في مصر، فلا أشك أن المتنبي كانت له صلة ببعض المصريين وأنه أنشد شعرًا في بعض الشخصيات المصرية غير كافور الإخشيدي وفاتك، كما تحدِّثنا بعض الروايات أن من شعراء مصر من نقد المتنبي وعاب شعره، وإذن فحياة المتنبي في مصر تكاد تكون حلقة من سلسلة حياته في حلب، وأن العلماء والشعراء الذين كانوا في خدمة سيف الدولة الذين هاجموه واضطروه إلى الرحيل عنهم، وجد أمثالهم في خدمة أمير مصر فهاجموه واضطروه إلى الرحيل أيضًا.

وجد المتنبي في مصر خصمًا قويًّا في شخص الوزير جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، الذي وزر لأنوجور بن الإخشيد ثم لأخيه أبي الحسن علي ثم لكافور إلى أن انقضت دولة الإخشيديين، وكان عالمًا محدثًا كما كان مكرمًا لأهل العلم والحديث وقد رحل إليه أبو الحسن الدارقطني وصنف له مسندًا، وكتب الدارقطني عنه مجالسه،٥٢ كان يطمع ابن حنزابة في أن يمدحه المتنبي كغيره من الشعراء، وروى ابن خلكان أن المتنبي نظم قصيدته التي أولها:
بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا
وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى
في مدح الوزير ابن حنزابة، فلما لم يُرْضِه صرفها عنه ولم ينشده إياها، فلما توجه إلى عضد الدولة حوَّل القصيدة إلى مدح ابن العميد،٥٣ فمعنى هذا أن الوزير كان حاقدًا على المتنبي؛ لأن الشاعر لم يمدحه، وكان الشاعر حاقدًا على الوزير؛ لأن الوزير لم يرضه، فكانت نتيجة ذلك أن أخذ الوزير يغري الشعراء والعلماء بمعارضة المتنبي، وكانت فرصة للشعراء المصريين الذين كانوا يحقدون على المتنبي ما بلغه من قوة الشعر وذيوع الصيت؛ فكثر حساد المتنبي في مصر، منهم أبو القاسم بن أبي العفير الأنصاري الشاعر، الذي قيل إنه كان في حضرة كافور الإخشيدي والوزير ابن حنزابة وأبي بكر بن صالح، وكان المتنبي حاضرًا ذلك المجلس، فعارض المتنبي قول الأنصاري:
نظر المحب إلى الحبيب غرام
… … … …

فقال المتنبي: إن العرب لا تقول إليه غرام، وإنما تقول له.

فقال الأنصاري: تقول: إليه، ولديه، وله، وحروف الخفض ينوب بعضها عن بعض!٥٤ ويُخيَّل إليَّ أن أبا بكر بن صالح وابن حنزابة انتصرا للشاعر المصري؛ لأنه مدحهما وعرَّض بالمتنبي قوله:
أما الثناء فصادر بك وارد
بادٍ بما تسدي إلي وعائد
لك يا أبا بكر إليَّ صنائع
أيقظن أحوالي وجدي راقد
أَوْلَيْتني نعمًا متى أنكرتها
شهدت علي مواهب وفوائد
وقصائد لي فيك لولا أنها
كلم شهدت بأنهن مشاهد
ولهن في عين الولي شواهد
تَتْرى وفي عين العدو جلامد
لما تعرَّض لي بمقت حاسدٍ
أبدى الملام، وكيف يرضى الحاسد؟!
ما زال ينشد قائما حتى إذا
أنشدتُ عارضني؛ لأني قاعد
في مجلس، أما الوزير فمنكب
فيه يؤيده وأنت الساعد
ولى ولا أنا شاكر لسؤاله
فيه ولا هو للإجابة حامد٥٥

وورد في كتاب الصبح المنبي وكتاب أخبار سيبويه المصري لابن زولاق أن محمد بن موسى الملقب بسيبويه كان يقول: مدح الناس المتنبي على قوله:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بد

ولو قال: ما من مداراته أو مداجاته بد لكان أحسن وأجود، واجتاز المتنبي به، فوقف عليه وقال: أيها الشيخ، أحب أن أراك. فقال له: رعاك الله وحياك. فقال له: بلغني أنك أنكرت عليَّ قولي: «عدوًّا له ما من صداقته بد.» فما كان الصواب عندك؟ فقال له: الصداقة مشتقة من الصدق في المودة، ولا يُسمَّى الصديق صديقًا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في هذا الموضع، ولو قلت: ما من مداراته أو مداجاته لأصبت، هذا رجل منا (يريد نفسه) قال:

أتاني في قميص اللاذ يسعى
عدو لي يلقب بالحبيب

فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال: نعم.

وقد عبث الشراب بوجنتيه
فصيَّر خده كسنا اللهيب
فقلت له: متى استعملت هذا
لقد أقبلت في زيٍّ عجيب
فقال: الشمس أهدت لي قميصًا
مليح اللون من نسج المغيب
فثوبي والمُدام ولون خدي
قريب من قريب من قريب٥٦
فتبسم المتنبي وانصرف، وسيبويه يصيح عليه: أبكم الرجل وجلائل الله …٥٧ وهذا الشاعر الذي عارض المتنبي هو أبو بكر محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندي، وُلِد بمصر سنة أربع وثلاثين ومائتين، وتُوفِّي في صفر سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة. كان عالمًا بعلوم القرآن والحديث أخذ عن النسائي وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي والطحاوي وغيرهم، وكان يعرف من النحو والغريب ما لُقِّب بسببه بسيبويه، وتفقه على مذهب الشافعي وتَلْمذ لأبي بكر بن الحداد، وأخذ علم الاعتزال عن الواسطي وجه المتكلمين بمصر إذ ذاك، وكان يظهر الكلام في الاعتزال في الطرق والأسواق فيحتمل لما هو عليه، وكان شاعرًا من فحول الشعراء جالس أنوجور بن الإخشيد أمير مصر، والحسين بن محمد المادرائي وزير مصر، ونادمهما، كما كان محبوبًا عند جميع المصريين.٥٨
وبجانب هؤلاء الشعراء الذين عارضوا المتنبي، وُجِد آخرون صحبوا المتنبي وأخذوا عنه، وحدثنا الثعالبي عن كثير منهم أمثال عبد الله بن محمد بن أبي الجوع،٥٩ وصالح بن رشدين الكاتب وكان أحد أئمة الكتَّاب المهرة في سائر الآداب، صَحِب المتنبي وروى شعره.٦٠

إذن انقسم الشعراء في مصر بين حاسد للمتنبي وبين صديق له يروي عنه، كما انقسم أمراء مصر في أمره، فكان ابن حنزابة الوزير ساخطًا عليه؛ لأن الشاعر لم يمدحه؛ ولذلك هجاه المتنبي مع هجائه لكافور، فقد قيل إن المتنبي قصد الوزير بقوله:

وكم ذا بمصر من المضحكات
ولكنه ضحك كالبكا
بها نَبَطيٌّ منَ اهل السواد
يدرِّس أنساب أهل الفلا٦١

أراد بالنبطي الوزير ابن حنزابة، بينما مدح المتنبي رجلًا من قيس هو عبد العزيز الخزاعي زعيم أهل الحوف، وهو الذي هيَّأ للمتنبي وسائل الهروب من مصر؛ ولذلك قال فيه المتنبي:

لئن مر بالفسطاط عيشي فقد حلا
بعبد العزيز الماجد الطرفين
تناول ودي من بعيد فناله
جرى سابقًا في المجد ليس برين
إذن اتصل المتنبي بالمصريين، كما ألقى عليهم بعض العلوم في مصر، ويحدثنا الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام أن المتنبي قرأ كتاب «المقصور والممدود» لابن ولاد، وأنه أخذ على مؤلفه غلطات وأن المتنبي أملى على المصريين ما أخذه على ابن ولاد من أخطاء. فإن صح هذا الخبر فإنه يدل على أن المتنبي لم ينقطع عن المصريين كما زعم القدماء بل كان يشارك في الحياة العلمية والأدبية في مصر.٦٢ وتحدث الأستاذ الدكتور طه حسين بك طويلًا عن أثر مصر في شعره، المتنبي،٦٣ فذهب إلى أن مصر اضطرت المتنبي إلى أن يعرف شيئًا من الهدوء، وإلى أن يكثر التفكير وإمعان النظر في الحياة وإلى أن يحاول أن يستقصي أسرار الحياة، فظهر في شعره في مصر رنة حزن وشكوى الدهر ثم ينتهي به الأمر إلى لون من السخرية بالدهر وحوادثه وإلى الاستهزاء بكل ما يمر به في الحياة، وأن يهزأ بالناس وبالمجتمع وبأمير مصر الذي كان رفعه في شعره، وقد أسهب أستاذنا الجليل الدكتور طه بك في ذلك كله فلْيُرجَع إلى كتابه الممتع ففيه كل غناء.

الناشئان الأكبر والأصغر

أما الناشئ الأكبر، فهو أبو العباس عبد الله بن محمد المعروف بابن شرشير أو الناشئ الأكبر، ولد بالأنبار، وأقام زمنًا طويلًا ببغداد، وبها أنشد جلَّ شعره، وتلقى علومه التي عُرِفَ بها، وتكسَّب بهذه العلوم؛ فذاع فضله، وانقاد له الشعر وفنونه، حتى استطاع أن يعارض أشعار القدماء، وباتساع علمه في الكلام استطاع أن ينقض علل النحاة، فرماه أعداؤه بالوسوسة، ووشوا به، فخاف قوة أعدائه، فخرج إلى مصر يتَّجر بعلومه.٦٤ لم نعلم أن الناشئ الأكبر اتصل بأمير من أمراء مصر؛ إذ أخذ من علمه وقوة فطنته مكتسبًا يغنيه عن سؤال الأمراء، فمكث في مصر يعلِّم ما حَذِقه حتى سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
كان هذا الشاعر قليل الحظ بعد مماته كما كان بائسًا في حياته، فلم يُعنَ بشعره أحد حتى ضاع ديوانه، ولم يصلنا من شعره إلا النزر اليسير، مع أن الرواة أجمعوا على أن الناشئ الأكبر يُعدُّ في طبقة ابن الرومي والبحتري وأنظارهما،٦٥ ثم هو يمتاز عن غيره من الشعراء بسعة اطلاعه في العلوم، وكان أستاذ أبي الحسن الأشعري المعتزلي صاحب المذهب المعروف، وقد وصلنا شيء من نظمه في الكلام يدلنا على مقدرته واطلاعه، فمن ذلك قوله:
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا
بألسننا زينت صدور المحافل
تنير وجوه الحق عند جوابنا
إذا أظلمت يومًا وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مجالًا لصامت
وقلنا فلم نترك مقالًا لسائل٦٦
ويروي البغدادي في تاريخه أن للناشئ قصيدة واحدة في فنون من العلم على رويٍّ واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وروى ابن كثير في «البداية والنهاية» قصيدة للناشئ في نسب الرسول وهي طويلة تبلغ نحو ألف بيت، ووصفها ابن كثير بقوله: «وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته، وعلمه وفهمه، وحفظه وحسن لفظه، واطلاعه واضطلاعه، واقتداره على نظم النسب الشريف في سلك شعره، وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره.»٦٧ وأورد الحصري في كتابه «زهر الآداب» مقالًا من كتاب للناشئ في الشعر، أوضح فيه معنى الشعر وأغراضه.٦٨

ولست أدري أي شعر الناشئ قيل في مصر، وأي كتبه التي ذكرها المؤرخون أُلِّفت بها، ولا شك أن الحياة العقلية والحياة الأدبية في مصر كان لها أثر كبير في هذا الشاعر، وربما أنشد الناشئ بمصر بعض أشعاره في الصيد، فقد رأينا شعراء مصر في هذا العصر كانوا يذهبون إلى الصحراء وتلال المقطم للمطاردة والصيد، وقالوا أشعارًا في ذلك، فربما قلدهم الناشئ وتحدَّث في جوارح الصيد وآلاته، وما يتعلق به، وربما أخذ كشاجم شيئًا من أشعار الناشئ مستشهدًا بها عندما وضع كتابه في المصايد والمطارد.

أما الناشئ الأصغر فهو علي بن عبد الله بن وصيف، وكان متكلمًا بارعًا كسميه،٦٩ أخذ علم الكلام عن أبي سهل بن نوبخت المتكلم، كما كان من كبار الشيعة، وفد على الكوفة سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وأملى شعره بجامعها، وكان المتنبي وهو صبي يحضر مجلسه،٧٠ ووفد على سيف الدولة بحلب ومدحه، ويحدثنا ياقوت أن الناشئ الأصغر قصد كافورًا بمصر وامتدحه، وامتدح ابن حنزابة وكان ينادمه،٧١ ولكن لم يصلنا شيء من شعره في مصر، وتُوفِّي سنة ست وستين وثلاثمائة ببغداد.

كشاجم

وفد على مصر في ذلك العصر الشاعر الأديب أبو الفتح محمود بن الحسين المعروف بكشاجم، وهو من أهل إقليم الرملة الذي كان تابعًا لمصر في ذلك العصر، ونفهم من ديوانه أنه جاء مصر عدة مرات، وكان كلما بعد عنها حنَّ إليها، وإلى ما بها من رياض وحوائط، وإلى حياة اللهو والمجون مما تصبو إليه نفس كشاجم الماجنة:

قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني
فاليوم عدت وعادت مصر لي دارا
أغدو إلى الجيزة الفيحاء مصطحبًا
طورًا وطورًا أرجي السبر أطوارا
بينا أسامي رئيسًا في رئاسته
إذ رحت أحسب في الحانات خمارا
أما الشباب فقد صاحبت شرهم
وقد قضيت لباناتٍ وأوطارا
من شادن من بني الأقباط يعقد ما
بين الكثيب وبين الخصر زنارا٧٢

أخذ كشاجم بحظ وافر من حياة اللهو التي كانت بمصر، وذهب كما ذهب شعراء مصر إلى الأديرة، ففي دير القصير كان كشاجم يتصيد الظباء لطعامه، أو ليتخذ من لحمها ما يأكله مع شرابه، بين عزف القيان وغنائهن.

سلامٌ على دير القصير وسجنه
فجنات حلوان إلى النخلات
منازل كانت لي بهن مآرب
وكانت مواخيري ومنتزهاتي
هنالك تصفو لي مشارب لذتي
وتصحب أيام السرور حياتي٧٣

فهذا يدلنا على أن الشاعر اختلط بالمصريين، ولها كما لهوا، والتمس من مجونهم ما تحدَّث به في هذا الشعر، وتأثر بالبيئة المصرية الخالصة فوصفها في شعره.

تدلنا حياة كشاجم على أن الشاعر كان مكتسبًا بشعره، ولا ندري بمن اتصل من المصريين، وإن كنت أرجح أنه مدح كافورًا ثم عاد فهجاه، وعرَّض به في أشعاره، فقد قيل إن الشاعر كان له غلام اسمه كافور فكان يهجو غلامه ويعرِّض بالأمير:

حكيت سميك في برده
وأخطأك اللون والرائحة

كذلك هجا القاضي عبد الله بن محمد بن الخصيب المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وكان القاضي قد اشترى دارًا كبيرة، وعمرها، وأقام فيها دعوة عظيمة فقال كشاجم:

اشترى الدار الكبيرة
ودعا فيها الوكيره
صغَّر الباب وفي تصـ
ـغيره أشأم طيره
قبره لاشك فيها
بعد أيام يسيره٧٤

وقال فيه أيضًا:

قبح الله الخصيبي
فما أقبح أمره!
اشترى الدار التي كا
نت قديمًا لابن شعره
وهي الدار التي يبـ
ـتز فيها الله عمره
لا يتم الحول حتى
يجعل المجلس قبره٧٥

ومهما يكن من شيء فإن كشاجمًا كان فقيرًا، متكسبًا بشعره، ولكنه لم يستطع أن يفوز بالمال الذي كان يريده، ولعل غروره واعتقاده بأنه نابغة عبقري، وأنه أشعر خلق الله وأكثرهم تأدبًا، لعل هذا كله كان سببًا في شقائه، فقد زعم أنه نبي الشعر:

على أني نبي الشعـ
ـر قد جئت على فتره

ويخيل إلي أن كشاجمًا اتخذ مصر مقرًّا له، فقد ترك بها أولاده وأسرته، فقد روى الثعالبي أن الشاعر المصري الهجاء صالح بن مؤنس هجا ابني كشاجم أبا النصر وأبا الفرج بقوله:

يا ابني كشاجم أنتما
مستعملان مجربان
مات المشوم أبوكما
فخلفتماه على المكان
وقرفتما في عصرنا
ففعلتما فعل القران
لغلاء أسعار الطعا
م وميتة الملك الهجان٧٦

ووفد على مصر في ذلك العصر أبو الفيض سوار بن شراعة الشاعر الذي اتصل ببعض أدباء مصر وشعرائها، وقد ذكرنا أنه كان صديقًا وفيًّا لابن الداية، وكان سبب انتشار شعر ابن الداية في العراق.

كما وفد على مصر عدد كبير غير الذين تحدثنا عنهم، وقد يطول بنا الأمر لو تحدثنا عنهم جميعًا، كما رحل عدد كبير من شعراء المصريين إلى الأقطار الأخرى، فالشاعر المغنم المصري أبو الحسن محمد بن سلمى الشيباني كان من شعراء سيف الدولة،٧٧ ورحل كثير من العلماء في طلب العلم كغيرهم من علماء وشعراء الأقطار الأخرى، فكانت الرحلة في طلب العلم من أكبر المؤثرات التي ساعدت على انتشار الثقافات المختلفة، وألوان المذاهب الأدبية والعلمية.

(٥) لمحة عن أشهر شعراء ذلك العصر

ابن جدار

هو أبو القاسم جعفر بن محمد بن أحمد بن جدار، ذكره الصولي في كتاب «أخبار شعراء مصر» وقال: لم يكن بمصر مثله، كثير الشعر حسن البلاغة، عالم، له ديوان شعر، ومكاتبات كثيرة حسنة …٧٨ كان كاتبًا من كتاب الطولونيين، وشاعرًا من شعرائهم، واختص بالعباس بن أحمد بن طولون، فكان ينهي إليه كل ما كان يسمعه من الأخبار، وينقل إليه ما يدور بقصر ابن طولون، ويروي الحصري: أن أبا حفص عمر بن أيوب، كاتب أحمد بن طولون، قال لابن جدار: يا أبا جعفر، إنما مجلس المُدام مجلس حرمة، وداعية أنس، ومسرح لبانة، ونداؤهم، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتهم غيبه، ولا يخشى عتبه، وقد اتصل بي ما تنهيه إلى أميرنا أبي الفضل، أعز الله أمره، من أخبار مجالستي، فلا تفعل! … فاعتذر ابن الجدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه.٧٩

وكان لشعر ابن جدار أثر كبير في عصيان العباس بن أحمد بن طولون، فقد قيل إن العباس لما همَّ بالانخلاع عن طاعة أبيه، كان مرتبك الرأي، ولكن ابن جدار أنشده قصيدة يحرِّضه فيها على العصيان، وجاء في هذه القصيدة:

إذا هممت فلا ترجع وقم وثب
فأنت أرفع من يسمو إلى الرتب٨٠
ولما استبد العباس بالسلطان استوزر ابن جدار، وخرج معه إلى برقة، ولكن ظفر به أحمد بن طولون حين سيق له ولده الثائر وأصحابه الذين أيَّدوه في حركته، بل الذين دفعوه إليها، فبُنيَت دكة عظيمة رفيعة السمك، وأحضر ابن جدار من خاصة العباس، فضرب ثلاثمائة سوط، وقطعت يداه ورجلاه، وألقى من الدكة سنة ثمانٍ وستين ومائتين.٨١

كان ابن جدار صاحب لهو، يميل إلى المجون، مع أن غزله الذي وصلنا يدلنا على أنه عفيف، مع رقة وعاطفة، من ذلك قوله في قَيْنَة أُعْجِب بها وفتن بجمالها وطرب لصوتها:

جاءت بوجه كأنه قمر
على قوام كأنه غصن
ترنو بعينين من ليانهما
من وسن في جفونها وسن
غنَّت فلم يبق فيَّ جارحة
إلا تمنت لو أنها أذن٨٢

ومع ميله إلى اللهو نراه قد أظهر شدة تدينه في بعض أشعاره، فكان يطلب العفو، ويستغفر ربه، حتى نكاد نشك أن هذه الأشعار في الزهد هي من قول ابن جدار:

يا رب لي ألف ألف ذنب
إن تعف يا رب فاعف جما
فابرد بعفو غليل قلب
كأن فيه رسيس حمى٨٣
ويمتاز شعر ابن جدار بكثرة تلاعبه بالألفاظ وتشبيهاته، ولكن لم يصلنا من ديوانه الذي حدَّثنا عنه ياقوت عن الصولي إلا عدة أبيات قليلة مبعثرة في الكتب، ومن شعره الذي أظهر فيه صنعته البيانية، وتكلفه في قول الشعر حتى إن ابن عبد ربه قال عندما روى هذا الشعر: وقد يأتي من الشعر ما هو خارج عن طبقة الشعر منفرد في غرائبه وبديع صنعته، ولطيف تشبيهه كقول جعفر بن جدار كاتب ابن طولون:٨٤
وطفلة رخْصة المرائي
ليست تجلى ولا تسمَّى
إلَّا وسلك من اللآلئ
تعجز من يخرج المعمَّى
من طفلة بضَّة لعوب
تلقاك بالحسن مستتما
منهن ريا وكيف ريا
ريا إذا لاقت المشمَّى
تسحب ذيلين من خلوق
قد أفنيا زعفران قما
كأنما أحنيا عليها
من طِيب ما بشرا وشما
فألفيا زعفران قم
فانغمسا فيه واستحما
فهل تظن اسمها المريا
يفوح لا مرطها المذما
هيهات يا أخت أهل يما
غلطت في الاسم والمسمى
لو كان هذا وقيل سم
مات إذا من يقول سما
قد قلت إذ أقبلت تهادى
كطلعة البدر أو أتما
لو كنت ممن لكنت مما
لكنني قد كبرت مما
عاتبني الدهر في عذاري
بأحرف فارعويت لما
قوِّس ما كان مستقيما
وابيضَّ ما كان مُدْلهما
وكيف تصبو الدمى إلى من
كان أخًا ثم صار عما
لي عنك يا أخت أهل يم
شغل بما قد دنا وحما
فلست من وجهك المُفدَّى
ولست من قدك المحمَّى
أذهلني عنك خوف يوم
يحيا له كل ما أرما
ما كسبته يدي رهينا
خيرًا وشرًّا أصبت ثما
تحشر فيه الجنان زفا
وتحشر النار فيه زما
تقول هذي لطالبيها
هيت، وهذي لهم هلما
نفسيَ أولى بأن أذما
من أمرها كل ما استذما٨٥

ففي هذه القصيدة ظهر تلاعب ابن جدار باللفظ مما أضعف المعنى وشوَّهه، كما تظهر لنا وحدة القصيدة في الشعر المصري، وعدم استقلال المعنى في كل بيت كما ظن القدماء في الشعر العربي.

منصور الفقيه

هو منصور بن إسماعيل بن عمر أبو الحسن التميمي المصري الضرير، كان إمامًا في الفقه، وفقه الشافعي على الأخص،٨٦ ووضع مؤلفات في المذهب الشافعي منها «الواجب والمستعمل» والمسافر والهداية وغير ذلك.٨٧ اتفق ابن خلكان وياقوت٨٨ على أن الشاعر ولد في رأس العين بالجزيرة وأنه قدم مصر صغيرًا، وأخذ فيها جميع علومه كما أنه أنشد بها جل أشعاره، وصار له منزلة رفيعة عند القاضي أبي عبيد، بل صار من خواصه الذين كان يخلو بهم للمذاكرة والمحادثة، ولكن حلَّ البُغْض محلَّ هذا الود، وانقطع الإخاء بسبب المناقشات الفقهية، فقد قيل إن أبا عبيد كان له كل عشية مجلس يذاكر فيه رجلًا من أهل العلم، وفي عشية منصور حدث بينهما مجادلات، انتهت بخصام العالمين، فتعصب الأمير «ذكا» وجماعة من الجند لمنصور، وتعصب جماعة من العلماء على رأسهم ابن الربيع الجيزي للقاضي، ثم حدث أن شهد ابن الربيع الجيزي على منصور بكلام زعم أنه سمعه منه، فقال القاضي: إن شهد عليه آخر بمثل ما شهد به ابن الربيع ضربت عنقه، فخاف منصور خوفًا شديدًا حتى اعتل ومات سنة ست وثلاثمائة،٨٩ وقيل إنه كان حول نعشه آلاف من الجند، أظهروا سب القاضي، وقذفوه، وندم القاضي نفسه على ما كان منه وتأسَّف على ما فاته من منصور.

رحل منصور إلى العراق؛ حيث اتصل بالخليفة المعتز العباسي ومدحه بقوله:

ما واحد من واحد
أولى بمجد أو مروة
ممن أبوه وجده
بين الخلافة والنبوة٩٠
وكل الرواة يجمعون على جزالة شعره وجودته، وأنه لم ينشد قصائد مطولة، بل كل شعره مقطعات، روى الحصري عن شعره: «وهو عالي المقطعات، لا تزال تندر له الأبيات مما يستظرف معناه ويستحلى مغزاه، ويبقى سناه.»٩١ وأورد له الثعالبي كثيرًا من الأبيات التي جرت مجرى الأمثال؛ لدقة معانيها كقوله:
شاهدِ ما في مضمري
من صدق ودي مضمرك
فما أريد وصفه
قلبك عني يخبرك٩٢

وكقوله:

من قال لا في حاجة
مطلوبة فما ظلم
وإنما الظالم من
يقول لا بعد نعم٩٣

وعاب عليه بعض المصريين التفقه فأجابهم:

عاب التفقه قوم لا عقول لهم
وما عليه إذا عابوه من ضرر
ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر٩٤

ويُخيَّل إلي أن الشاعر كان يكذِّب التنجيم الذي كان منتشرًا بين طبقات الناس، وظهر ذلك في شعره:

من كان يخشى زحلا
أو كان يرجو المشتري
فإني منه وإن
كان أبي منه بري٩٥

وكقوله:

إذا كنت تزعم أن النجوم
تضر وتنفع مَنْ تحتها
فلا تنكرنَّ على من يقول
بأنك بالله أشركتها٩٦

من ذلك يظهر شدة حرصه على دينه، وعلومه الإسلامية الخالصة التي تنكر مثل هذه الأقوال التي انتشرت بين الناس، ولا شك أن مثل هذا الرجل كان بعيدًا كل البعد عن حياة اللهو التي جرفت أكثر شعراء مصر، فكان هذا الشاعر يمثل طبقة الشعراء العلماء الذين لم يأخذوا بنصيب من تطور الحياة في عصره.

(٦) ابن طباطبا

كان بمصر بعض سلالة علي بن أبي طالب، وأقاموا بها مكرَّمين معززين، وكانوا على اتصال حسن بالولاة والأمراء، لا يعنيهم من أمر البلد السياسي شيء، فركنوا إلى الآداب والعلوم، وأخذوا من هذه وتلك، وأنشدوا الشعر ورووه، فمن أعظمهم شأنًا في ذلك أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب،٩٧ كان عالمًا فاضلًا، وإليه كانت نقابة الطالبيين بمصر،٩٨ كما كان شاعرًا، وكان ابناه أبو محمد القاسم بن أحمد وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد شاعرين،٩٩ وكان ابن ابنه الحسين بن إبراهيم شاعرًا، وقد روى لهم صاحب يتيمة الدهر بعض أشعارهم، وإذن نستطيع أن نعد أسرة بني طباطبا في مصر من أسرات الشعر، ولكن أكثر شعراء هذه الأسرة لم يكونوا في عصرنا هذا الذي نؤرخه — وسنعرض للحديث عنهم في بحثنا عن الأدب المصري في عهد الفاطميين — ويكفي أن نتحدث عن أبي القاسم أحمد بن محمد. درس هذا الشاعر الآداب وأكثرَ من إنشاد الشعر، وظهر أثر دراساته في شعره، فكان يميل إلى الأخذ بمذهب مسلم وأبي تمام في الإكثار من الزينة البديعية، والتشبيهات وما إلى ذلك من ألوان الصنعة البيانية، وأكثر شعره الذي وصلنا في الغزل، والغزل المبني على القصص حتى يُخيَّل إلينا أن الشاعر كان متأثرًا بمذهب عمر بن أبي ربيعة، ولكنه يختلف عن عمر، فقد كان عفيفًا في شعره، وهذا أمر طبيعي لمن كان في مثل مكانته الأدبية والدينية، فغزله يقوم على الوصف والحوار دائمًا كقوله:
عيَّرتني بالنوم جورًا وظُلما
قلت: زدت الفؤاد همًّا وغما
لم أنم لذة، ولا نمت إلَّا
طمعًا في خيالكم أن يلما١٠٠

وكقوله أيضًا:

قالت: أراك خضبت الشيب، قلت لها:
سترته عنك يا سمعي ويا بصري
فاستضحكت ثم قالت من تعجُّبها
تكاثر الغش حتى صار في الشعر!١٠١

ويُخيَّل إلي أن ابن طباطبا أُصِيب بفقد حبيب عزيز لديه؛ إذ ظل يذكره حينًا بعد حين، ويكثر من الحديث عنه في شعره، فقال مرة:

خليلي إني للثريا لحاسد
وإني على صرف الزمان لواجد
أيبقى جميعًا شملها وهي سبعة
وأفقد من أحببته وهو واحد
كذلك من لم تخترمه منية
يرى عجبًا فيما يرى ويشاهد١٠٢

وقال مرة أخرى:

لا والتي تركتْني يوم فرقتها
كأنما الرمل في عينيَّ منثور١٠٣

وقال مرة ثالثة:

ما اخترت تبديل المودة ساعة
بعد الذي هجر الحمى وجفاني١٠٤

ومن يدري لعل هذه الأشعار قيلت في زوجه التي تكون قد تُوفِّيت وتركته ينشد مثل هذه الأشعار فيها.

ولابن طباطبا بعض المقطعات في الخمر كقوله فيها:

يا بدر بادر إليَّ بالكأس
فرُبَّ خير أتى على يأس
ولا تقبل يدي فإن فمي
أولى بها من يدي ومن رأسي
لا عاش في الناس من يلوم على
حبي وعشقي لأحسن الناس١٠٥

وكقوله:

قل للذي حسنت منه خلائقه
باكر صبوحك واسبق من تسابقه
أما ترى الغيم مجموعًا ومفترقًا
يسير هذا إلى هذا يعانقه
كعاشق زار معشوقًا يودعه
قبل الفراق فآلى لا يفارقه١٠٦

وقد ذكرنا أن ابن طباطبا يعد من أقدر شعراء مصر في هذا العصر في وصف الطبيعة ومحاكاتها، ولعل ما قاساه من فراق من أحب جعله يهيم إلى أحضان الطبيعة يناجي من غاب عنه؛ ليأخذ من الطبيعة سلوة، انظر إلى قوله:

رب ليل صحبته كاسف البا
ل كئيبًا حليف همٍّ شتيت
تحت سقف من الزمرد قد رصـ
ـع حسنًا بالدر والياقوت
اختلف المؤرخون في وفاة ابن طباطبا، فذكر ابن سعيد عن القرطي أنه تُوفِّي سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة،١٠٧ ونقل ابن خلكان عن المسبحي أنه تُوفِّي سنة خمس وأربعين وثلاثمائة،١٠٨ وقال صاحب «مطالع البدور في منازل السرور»: إنه تُوفِّي سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمائة.١٠٩

هوامش

(١) خطط المقريزي: ج٢، ص١٢٤.
(٢) يقصد الشاعر هنا إسحاق بن كنداج الذي أسر الخليفة المعتمد أثناء فراره من الموفق في طريقه إلى ابن طولون.
(٣) الكندي: ص٢٢٧.
(٤) هو صاعد بن مخلد الذي ساعد ابن كنداج في أسر المعتمد.
(٥) الكندي: ص٢٢٨، وقد وردت الأبيات الثلاثة الأولى في النجوم الزاهرة: ج٢، ص٢٠، غير منسوبة لأحد في رثاء ابن طولون، وهذا خطأ كما يفهم من الشعر.
(٦) الكندي: ص٢٣٦-٢٣٧.
(٧) الجزء الثالث من كتاب المغرب (نسخة خطية بدار الكتب المصرية).
(٨) في القاموس أرقأ: أصلح وفسد من الأضداد.
(٩) خطط المقريزي: ج٢، ص١١٩.
(١٠) الخطط: ج٢، ص١١٩ والكندي: ص١٣٢–٢٥٣.
(١١) سُمِّي هذا الرجل في الكندي ص٢٥٩ بابن الخيلج وفي المقريزي: ج٢، ص١٢٤، ولكن صاحب النجوم الزاهرة: ج٣، ص١٩٢ سمَّاه الخلنجي، وفي مروج الذهب: ج٤، ص٢١٧ سُمِّي بالخليجي وكذلك في تاريخ الطبري: ج١١، ص٣٩٣، والذي يصح عندي أنه ابن الخليج أو الخليجي لقول الشاعر في مدحه:
وكان أبوك خليج العفاة
وبحر الثغور التي عالها
(١٢) النجوم الزاهرة: ج٣، ص١٥١ وما بعدها.
(١٣) الكندي: ص٢٥٩.
(١٤) الكندي: ص٢٦١.
(١٥) خطط المقريزي: ج٢، ص١١٨ والكندي: ص٢٤٨.
(١٦) الكندي: ص١٦٠.
(١٧) شرحه.
(١٨) خطط المقريزي: ج٣، ص٢٩٣ والكندي: ص٢١٨.
(١٩) الكندي: ص٢٣٢.
(٢٠) خطط المقريزي: ج٢، ص١٢١ والكندي: ص٢٦٣.
(٢١) شرحه: ج٢، ص١٢٢ والكندي: ص٢٦٦.
(٢٢) يتيمة الدهر للثعالبي: ج١، ص٣٢٧.
(٢٣) فوات الوفيات للصفدي: ج١، ص٤٤٤ نسخة خطية بالمكتبة التيمورية.
(٢٤) الأذكياء لابن الجوزي: ص٤٩ (طبع سنة ١٢٧٧ﻫ).
(٢٥) سيرة ابن طولون لابن الداية: ص٤٩.
(٢٦) نشوار المحاضرة للتنوخي: ص٢٦١.
(٢٧) معجم البلدان: ج١، ص٩٣.
(٢٨) ورقة رقم ١٢٤ من كتاب الديارات لأبي الحسن الشابشتي نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
(٢٩) يتيمة الدهر للثعالبي: ج١، ص٣٢١.
(٣٠) ورقة ١٢٦ من كتاب الديارات.
(٣١) ورقة ١٢٠ من كتاب الديارات.
(٣٢) ورقة ١٢٨ من كتاب الديارات.
(٣٣) مسالك الأبصار: ج١، ص٣٦٢.
(٣٤) ورقة ١٢٩ و١٣٠ من الديارات.
(٣٥) المغرب في حلى أخبار المغرب: ص١٠٣.
(٣٦) المغرب: ص١٠٣.
(٣٧) المغرب: ص١٩٤.
(٣٨) الخطط: ج٢، ص١٠٩.
(٣٩) يتيمة الدهر: ج١، ص٣١٤.
(٤٠) النؤي: الحفير حول الخباء أو الخيمة لمنع السيل.
(٤١) المغرب: ص٥٠.
(٤٢) عرصات وعراص وأعراص: جمع عرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
(٤٣) حلبة الكميت: ص٣٣٩ (مطبعة الوطن ص١٢٩٩ﻫ).
(٤٤) الديارات للشابشتي ورقة ١٢٨ وما بعدها.
(٤٥) هذه القصيدة بأكملها في نهاية الأرب للنويري: ج٥، ص١٨٤.
(٤٦) هذه القصيدة بأكملها في نهاية الأرب للنويري: ج٥، ص١٨٦.
(٤٧) يتيمة الدهر: ج١، ص٩٠٣ وما بعدها.
(٤٨) الكندي: ص٥٤٦.
(٤٩) شرحه: ص٥٥١.
(٥٠) شرحه: ص٥٥٦.
(٥١) الكندي: ص٥٧٠.
(٥٢) راجع ترجمته في ياقوت: ج٧، ص١٦٣ (طبعة فريد رفاعي بك) وابن خلكان: ج١، ص١١٠.
(٥٣) ابن خلكان: ج١، ص١١١.
(٥٤) يتيمة الدهر: ج١، ص٣٣٣.
(٥٥) شرحه.
(٥٦) يفهم من كتاب الصبح المنبي أن هذه الأبيات لسيبويه المصري، ولكن هذه الأبيات وردت في يتيمة الدهر: ج١، ص٣٣٨ منسوبة إلى محمد بن عباس البصري.
(٥٧) الصبح المنبي: ص٦٣، وأخبار سيبويه المصري لابن زولاق نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقم ١٢٠ ع تاريخ.
(٥٨) راجع أخبار سيبويه المصري في معجم الأدباء، ويتيمة الدهر، وكتاب أخبار سيبويه المصري.
(٥٩) يتيمة الدهر: ج١، ص٣١٤.
(٦٠) شرحه: ص٣١٧.
(٦١) مسالك الإبصار للعمري نسخة خطية بدار الكتب المصرية، وابن خلكان: ج١، ص١١٢.
(٦٢) راجع ذكرى أبي الطيب للأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام ص٣٠٧ وما بعدها.
(٦٣) مع المتنبي للأستاذ الدكتور طه حسين بك من ص٥١١ إلى ٦٤٦.
(٦٤) ابن خلكان: ج١، ص٢٦٣.
(٦٥) شرحه.
(٦٦) زهر الآداب: ج٤، ص٣.
(٦٧) البداية والنهاية نسخة فتوغرافية بدار الكتب المصرية.
(٦٨) زهر الآداب: ج٣، ص٤٩.
(٦٩) ابن خلكان: ١، ص٣٥٤.
(٧٠) شرحه.
(٧١) معجم الأدباء: ج٥، ص٢٣٥ (طبعة مرجوليت).
(٧٢) ديوان كشاجم طبع بيروت سنة ١٣١٣ﻫ.
(٧٣) ديوان كشاجم.
(٧٤) الكندي: ص٥٧٨.
(٧٥) شرحه.
(٧٦) يتيمة الدهر: ج١، ص٣١٢.
(٧٧) الفهرست: ص٢٤٠.
(٧٨) معجم الأدباء: ج٥، ص٤١٥.
(٧٩) زهرة الآداب: ج٢، ص١٤٣.
(٨٠) المغرب: ص٨٦.
(٨١) المقريزي: ج٢، ص١١٥ والكندي: ص٢٢٤.
(٨٢) معجم الأدباء: ج٥، ص٤١٥.
(٨٣) العقد الفريد: ج٣، ص٤٢٨.
(٨٤) العقد الفريد: ج٣، ص٤٢٦.
(٨٥) هذه القصيدة بأكملها في العقد الفريد: ج٣، ص٤٢٦.
(٨٦) طبقات الشافعية الكبرى: ج٢، ص٣١٧.
(٨٧) ابن خلكان: ج٧، ص١٢٥.
(٨٨) معجم الأدباء: ج٧، ص١٨٥.
(٨٩) ابن خلكان: ج٢، ص١٢٦.
(٩٠) المغرب: ص٩٤.
(٩١) زهر الآداب: ج٣، ص٣٢١.
(٩٢) لطائف المعارف نسخة خطية بمكتب الأزهر رقم ٥٦٢.
(٩٣) شرحه.
(٩٤) طبقات الشافعية: ج٢، ص٣١٧.
(٩٥) معجم الأدباء: ج٧، ص١٨٥.
(٩٦) شرحه.
(٩٧) ابن خلكان: ج١، ص٣٩.
(٩٨) المغرب: ص٤٩.
(٩٩) يتيمة الدهر: ج١، ص٣٣٠.
(١٠٠) شرحه: ج١، ص٣٢٩.
(١٠١) شرحه.
(١٠٢) المغرب: ص٤٩.
(١٠٣) المغرب: ص٤٩.
(١٠٤) شرحه: ص٥١.
(١٠٥) يتيمة الدهر: ج١، ص٣٢٩.
(١٠٦) شرحه.
(١٠٧) المغرب: ص٥١.
(١٠٨) ابن خلكان: ج١، ص٤٠.
(١٠٩) ج١، ص٣٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١