مقدمة

كانت الفلسفة الأكاديمية في إنجلترا لبعض الوقت مقصورةً إلى حدٍّ كبيرٍ على المنطق ونظرية المعرفة، ويوجد اتجاه لقصر الفلسفة على هذا الفهم واعتبار ارتباطها التقليدي بالنُّظم الأخلاقية والفكرية العامة خطأً. كانت هذه عادةً طاغيةً ولكنها كانت محليَّةً للغاية.

ريموند ويليامز، «كلمات أساسية»

في الخامس من أكتوبر عام ١٩٩٩، عندما ضُغط على مارجريت تاتشر لتُعبِّر عن رأيها حيال إمكانية إنشاء اتحاد أوروبي، قالت: «أتت جميع المشاكل التي صادفتُها في حياتي من أوروبا القارية، وجاءت كل الحلول من العالم الناطق بالإنجليزية.» وعلى الرغم من البهتان الواضح في هذا التصريح، فإنه يعبِّر عن حقيقة عميقة؛ وهي أنه بالنسبة إلى كثير من سكان دول العالم الناطق بالإنجليزية — وفي الواقع، بالنسبة إلى بعض الذين يعيشون خارجه — يوجد اختلاف حقيقي بين عالمهم ومجتمعات أوروبا القارية ولغاتها ونُظُمها السياسية وتقاليدها وجغرافيتها. تتحدد السياسة البريطانية خصوصًا — ولكن ليس بصفة حصرية بأيِّ نحو فيما يتعلق بتيار اليمين السياسي — في سياق التمييز بين «المحبين» و«الكارهين» لأوروبا القارية؛ وهذا يعني أنه يوجد اختلاف ثقافي — يراه البعض انقسامًا، وربما حتى فجوةً كبيرةً — بين أوروبا القارية وكل ما يعارضها؛ ما أطلقت عليه البارونة تاتشر، بنبرة تذكِّرنا على نحو متعمد بِونستون تشرشل، «العالِم الناطق بالإنجليزية». وتعد الفلسفة القارية تعبيرًا عن هذا الاختلاف الثقافي. ويسعى هذا الكتاب القصير إلى تفسير سبب حدوث ذلك، وسبب أهمية هذه الحقيقة، وما قد يترتب عليها حيال النشاط الفلسفي في الحاضر والمستقبل.

تعد مسألةُ ما إذا كانت الفلسفة القارية أحد فروع الفلسفة مكتملة الأركان أم لا مسألةً خلافيةً، وإذا رأى المرء أنها كذلك، فإن من مواضع الخلاف أيضًا ما إذا كان مصطلح «الفلسفة القارية» يصف هذا الفرع على أفضل نحو أم لا (بدلًا — مثلًا — من مصطلح «الفلسفة الأوروبية الحديثة»، الذي كثيرًا ما يستخدم كبديل). دعنا نقُل فقط إن الفلسفة القارية مفهوم مثير للجدل. وبوضع هذا في الاعتبار، فإن لهذا الكتاب ثلاثة أهداف؛ وهي:
  • (١)

    إظهار السبب في كون الفلسفة القارية مجالًا خلافيًّا من خلال إلقاء نظرة على تاريخ ومعنى هذا المصطلح وكيفية تمييزه وتوضيحه من خلال ما يُزعم أنه يعارضه، وهو الفلسفة التحليلية أو الأنجلو أمريكية.

  • (٢)

    إظهار كيف أن مفهوم الفلسفة القارية يمكن أن يُعرَّف، في الواقع، بوضوحٍ ويتضمن مجموعة مميزة من التقاليد والممارسات الفلسفية التي تتناول مجموعة جذابة من المسائل التي عادةً ما يتجاهلها أو يرفضها التقليد الأنجلو أمريكي.

  • (٣)

    إظهار كيف يمكننا في المستقبل — على الرغم من هذا — التحدُّث عن الفلسفة بعيدًا عن مثل هذه الخلافات الأكاديمية حول ما هو قاريٌّ أو تحليلي.

أبدأ باتخاذ مسارٍ مختلفٍ قليلًا وتوضيح مشكلةٍ أكبر تُواجه الفلسفة المعاصرة؛ وهي: العلاقة بين الحكمة والمعرفة؛ إذ توجد فجوة في جانبٍ كبيرٍ من الفلسفة بين المسائل النظرية الخاصة بكيفية معرفة المرء ما يعرفه، والمسائل الأكثر واقعية أو وجودية حيالَ ما قد يعنيه عيش حياة بشرية جيدة أو مُرضية. لقد تخلى جانب كبير من الفلسفة عن مهمة محاولة دمج المعرفة والحكمة في رؤية شاملة واحدة. وسوف أحاول أن أبين كمَّ الجاذبية الذي يكمن في الفلسفة القارية بسبب محاولتها سد أو تقليص هذه الفجوة بين المعرفة والحكمة (أو النظرية والتطبيق)؛ ومن ثم الإبقاء على بعضٍ من صدى التعريف القديم للفلسفة بأنها حب الحكمة. ولكن، كما سنرى، فإنه في هذا العالم الذي يتشكل على نحو متزايد اعتمادًا على عمليات العلوم الطبيعية، هذه الرؤية لا تخلو من مشاكل خاصة بها.

يمكن تقسيم الفصول التالية في ضوء تمييزٍ فلسفيٍّ كلاسيكيٍّ آخر: التاريخي والمنهجي. يقدم الفصل الثاني طرقًا تاريخية مختلفة للتمييز بين الفلسفة القارية والتحليلية، فأُرجع بدايات الفلسفة القارية إلى استقبال أعمال إيمانويل كانط في أواخر القرن الثامن عشر، الذي يعد في نواحٍ كثيرةٍ الشخصيةَ العظيمةَ الأخيرةَ المشتركةَ لدى التقليدَين: القاري والتحليلي، وهو أيضًا الذي أعلن بدء انفصال هذين المنهجين أحدهما عن الآخر، وسوف أتناول السبب في هذه الحالة من خلال مقارنة المنهجين مع منهج كانط. كما سأتناول أيضًا ببعض التفصيل الجدلَ الذي نتج عن أعمال كانط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الثامن عشر، وبعد ذلك سأوضح كيف أن هذا الجدل حدَّد القضية الرئيسية للمثالية الألمانية لدى جيه جي فيشته وَجي دابليو إف هيجل. وهذه القضية على نحو بسيط هي: هل يقوِّض نقد كانط للعقل في نهاية المطاف، على النقيض تمامًا من نيَّته المعلنة، أساسَ المعتقدات الأخلاقية والدينية؟ بعبارة أخرى، ألا يؤدي نقد العقل، الذي لا بد أن يكون نقدًا لكل المعتقدات، إلى كابوس الشك التام والعدمية؟ سوف نتتبع الآثار الكبيرة لهذا الأمر في الفلسفة القارية في القرنين التاسع عشر والعشرين.

يبدأ الفصل الثالث بتناول بعض مشاكل التمييز بين الفلسفة القارية والتحليلية، قبل تناول بعض التمثيلات النمطية إلى حدٍّ ما — والمثيرة للاهتمام حقًّا — لذلك في الأدبيات الفلسفية. وبعد ذلك أناقش معنَيَيْن للفلسفة القارية؛ الأول: باعتبارها وصفًا ذاتيًّا أكاديميًّا يستخدمه الفلاسفة، والثاني: باعتبارها سمة ثقافية ذات تاريخ معين يستخدمها عدد أكبر من الأشخاص، من بينهم مارجريت تاتشر. وأرى أن معظم العداء وسوء الفهم فيما يتعلق بالفلسفة القارية من قِبل الفلاسفة التحليليين يكمن في حقيقة أن هذين المعنيين يتم الخلط بينهما على نحو غير مفيد، وأن الوصف الذاتي الأكاديمي يخفي السمة الثقافية بطرق ضارة في أغلب الأحيان. وبعد ذلك ألقي نظرة على التاريخ والسياق الثقافي للفلسفة القارية في العالم الناطق بالإنجليزية، مقدِّمًا الأطروحة القائلة بأن الصراع بين التقليدَين القاري والتحليلي يُفهم على نحو أفضل في سياق نموذج سي بي سنو الشهير الخاص ﺑ «الثقافتين»؛ بمعنى أن الحياة الثقافية في العالم الناطق بالإنجليزية تتَّسم بانقسام بين العلم من جانب، والأدب أو الفهم الإنساني على الجانب الآخر. بعبارة أخرى، الفلسفة القارية ليست شيئًا أجنبيًّا يحدث «هناك»، بل هي تعبير عن عداء في جوهر شيء مثل «الإنجليزية». أركز على المثال التاريخي المفيد لِجون ستيوارت مِل في هذا الصدد وتأملاته الرئيسية حول الانقسام الثقافي الإنجليزي بين طرق التفكير التجريبية والتأملية، الذي يصل مداه في الصراع بين رومانسية صامويل تيلور كولريدج ونفعية جيرمي بنثام. وأتطرق في الختام إلى تعبيرات أخرى أكثر حداثة عن الصراع بين هاتين الثقافتين.

وأحاول في الفصل الرابع أن أبيِّن ما هو مميز وجذاب في الفلسفة القارية على نحو منهجي أكثر؛ فبعد تقديم بعض الملاحظات حول كيف أن المرء يمكن أن يفسر اختلاف الممارسة بين الفلاسفة، أركِّز على مفهومَي التقليد والتاريخ وإيضاح كيفية فهم هذين المصطلحين على نحو مثير للاهتمام لدى اثنين من الفلاسفة هما إدموند هوسرل وَمارتن هايدجر. وأقترح نموذجًا لوصف الممارسة الفلسفية في التقليد القاري، والذي يتمحور حول ثلاثة مصطلحات رئيسية؛ هي: «النقد» و«الممارسة» و«التحرر». يهدف هذا إلى إيضاح كيفية اهتمام جانب كبير من الفلسفة القارية بتقديم نقد للممارسات الاجتماعية للعالم المعاصر والسبب في ذلك؛ وهو النقد الذي يطمح لتحقيق هدف التحرر الفردي والمجتمعي.

بعد ذلك أعود إلى المفهوم الأساسي المتمثل في العدمية — أي انهيار أو انخفاض قيمة القيم السامية، مثل الإيمان بوجود إله أو خلود الروح — والذي تجد التفصيل المُحدد له في أعمال فريدريك نيتشه، وأتناول السياق الروسي المثير للاهتمام لفهم نيتشه للعدمية. أحاول بعد ذلك إيضاح كيف يمكن لدراسة الأمراض الثقافية والفكرية التي أدت إلى تشخيص نيتشه للعدمية أن تتشعب بعده إلى حداثة رجعية وتقدمية، وكيف أن هذا يقود إلى الفهم المحدد للعلاقة بين الفلسفة والمجالات غير الفلسفية في التقليد القاري.

يتناول الفصل السادس دراسة حالة معينة. إذا كان هناك صراع واحد يجسِّد جوانب الخلاف بين الفلسفة القارية والتحليلية، فإنه ذلك الذي حدث في الفترة من أوائل ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها بين هايدجر وَرودولف كارناب. وهذا الصراع هو أساسًا صراع بين التصور العلمي للعالم الذي قدَّمه كارناب وحلقة فيينا، والتجربة الوجودية أو «التأويلية» للعالم عند هايدجر. ويمكن إرجاع الكثير من جوانب الخلاف الحديثة بين فلاسفة التقليدَين التحليلي والقاري إلى المواجهة اللافتة للنظر بين هايدجر وَكارناب؛ لذا فإن الأمر يستحق النظر في الأخطاء التي حدثت بالضبط.

في الفصل السابع، قمت بتوسيع مناقشة العلاقة بين التصوُّرَين العلمي والتأويلي للعالم عن طريق تناول مسألة «العلموية» في مقابل «الظلامية». إن حقيقةَ أن جانبًا كبيرًا من الفلسفة في التقليد القاري يمكن أن يقال إنه استجابةٌ للشعور بالأزمة في العالم الحديث، ومحاولةٌ لإنتاج وعي نقدي للحاضر بتوجُّه تحرُّري؛ تساعد إلى حد كبير في تحديد الفارق الأكثر بروزًا وإثارةً الذي يميزه عن جانبٍ كبيرٍ من الفلسفة التحليلية؛ ألا وهو «مناهضة العلموية». يكمن نقد التقليد القاري للعلموية في الاعتقاد بأن نموذج العلوم الطبيعية لا يمكن — وعلاوة على ذلك، لا «ينبغي» — أن يقدِّم نموذجًا للمنهج الفلسفي، وأن العلوم الطبيعية لا توفِّر للبشر السبيل الأساسي والأكثر أهمية لفهم العالم. يجد المرء هذا الاعتقاد معلنًا عنه لدى مجموعة كبيرة من مفكري الفلسفة القارية، مثل هنري برجسون وَهوسرل وَهايدجر والفلاسفة المرتبطين بمدرسة فرانكفورت منذ ثلاثينيات القرن العشرين وما بعدها. هذا القلق حيال العلموية مشروع، ولكنه أيضًا تعرض في العقود الأخيرة لخطر الانصهار في توجُّه مناهض للعلموية، هذا الخطر هو خطر «الظلامية». ومن وجهة نظري، القطبان اللذان يجب تجنبهما في الفلسفة هما العلموية والظلامية، ويعكسان ميولًا ضارة داخل كلٍّ من الفلسفة التحليلية والقارية، وذلك كما أوضح الصراع بين كارناب وهايدجر على نحو بليغ. وأقترح كبديل لطرفي النقيض هذين «سبيلًا ثالثًا» بينهما.

وأختتم الكتاب ببعض التأملات حول ما أرى أنه وعد الفلسفة. التقسيمات الحالية في دراسة الفلسفة ناتجة عن وصف ذاتي أكاديمي معين غير مناسب ومذهبي (هل أنت فيلسوف متَّبِع للتقليد التحليلي، أم التقليد ما بعد التحليلي، أم التقليد القاري، أم التقليد الأوروبي الحديث؟) إلى حدٍّ كبير، تعد الفلسفة التحليلية والقارية وصفين ذاتيين مذهبيين ناتجين عن إضفاء الطابع الأكاديمي على المجال؛ الأمر الذي في رأيي أدى إلى إضعاف الوظيفة النقدية للفلسفة والتهميش التدريجي لها في حياة الثقافة. ورأيي هو أن الفلسفة يجب أن تكون تعبيرًا حيويًّا عن تلك الحياة.

ثمة ملحوظتان وكلمة شكر قبل أن نبدأ. كان هدفي تقليل الإشارات المرجعية لأقصى حد من أجل التركيز على نقل الأفكار الرئيسية بأكبر قدر ممكن من البساطة؛ وهذا يعني أنني في كثير من المواضع أقتبس أو أستعير حججَ وأفكارَ فلاسفةٍ آخرين، بل وأحيانًا بعضًا من أفكاري التي نشرتُها من قبل. أرى أنه لا ضير في ذلك؛ إذ إن هذا الكتاب موجَّه للقارئ غير المتخصص المحب للاطلاع. وخَصَّصْتُ قسمَي «المراجع» و«قراءات إضافية» في نهاية الكتاب لعرض المصادر التي اعتمدت عليها في تأليف الكتاب وتقديم بعض الاقتراحات بشأن الكتب التي يمكن للقراء الرجوع إليها لمعرفة المزيد عن الموضوعات المعروضة في هذا الكتاب.

لن تجد في هذا الكتاب استعراضًا أو ملخصًا لجميع المفكرين والتقاليد والحركات الفلسفية التي تشكِّل ما نعتقد أنه الفلسفة القارية؛ من ثَمَّ توجد فجوات كبيرة في تغطيتي لهذا الموضوع. إن مثل هذه الكتب المُلخصة متوفرةٌ بالفعل، وبعضها جيد للغاية، ولكن لم يكن في نيتي أن أضيف واحدًا إلى قائمتها. بدلًا من ذلك، هذا الكتاب عبارة عن تأمل مدعم بالأدلة لطبيعة الفلسفة في التقليد القاري، والأسلوبُ المستخدمُ فيه يشبه الأسلوب المستخدم في كتابة مقال، لا كتاب. بعبارةٍ أخرى، ما يلي يمثِّل وجهة نظر ذاتية للأمور.

كتبتُ المسودة الأولى لهذا الكتاب بين مارس ومايو من عام ٢٠٠٠، عندما شرُفْت بالعمل كمحاضر زائر في الفلسفة في جامعة سيدني، ويعتمد النص النهائي للكتاب على الملاحظات التي كتبتُها عن محاضراتي هناك. أذكر هذا بسبب الصدفة التالية: في اليوم الذي وصلت فيه إلى سيدني — ١ مارس ٢٠٠٠ — أُعيدَ دمج قسمَي الفلسفة «العامة» والفلسفة «التقليدية والحديثة» في جامعة سيدني في قسم واحد للفلسفة بعد ٢٧ عامًا من الانفصال. والآن، على الرغم من أن هذا الانفصال — الذي لم يكن يخلو من الحدة كما يبدو؛ الحدة التي لا بد من القول إنها لم تختفِ دون ترك أثر — ترجع أصوله إلى الخلافات السياسية التي نجمت أساسًا عن مشاركة أستراليا في حرب فيتنام في أوائل سبعينيات القرن العشرين، فإنه كان ناتجًا أيضًا عن خلافات فكرية، أهمها العلاقة بين الفلسفة والسياسة، وخاصة الماركسية والنسوية. وعلى الرغم من أنه ليس من الدقة القول بأن فصل القسمين كان مُبرَّرًا في سياق التقسيم التحليلي-القاري، فإن هذا الأخير كسا بالتأكيد هذا الفصل بجميع أنواع الطرق السيئة بنحو أو بآخر. وأودُّ أن أشكر أصدقائي وزملائي، وبالطبع طلابي في جامعة سيدني لمساعدتي على إعادة النظر في هذا التقسيم. وأخيرًا، لم يكن هذا الكتاب فكرتي، ولكن كان فكرة محررتي الرائعة في مطبعة جامعة أكسفورد: شيلي كوكس. أود أن أشكرها على امتلاكها لمثل هذه الأفكار الرائعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠