الفصل الرابع

هل تستطيع الفلسفة تغيير العالَم؟ النقد والممارسة والتحرُّر

لا شيء يبدو لي عتيق الطراز أكثر من المثل التحرُّري الكلاسيكي.

جاك دريدا

بعد أن قدَّمتُ في الفصلين السابقين نوعًا من السرد التاريخي للفلسفة القارية، دَعْني الآن أحاول تقديم سرد أكثر منهجية للاختلافات بينها وبين الفلسفة التحليلية. وسوف يأخذنا هذا لاستعراض الدور المهم للتقليد والتاريخ وما يُسمَّى ﺑ «التاريخانية». وسأنهي الفصل باقتراح نموذج معين للممارسة الفلسفية يدور حول ثلاثة مصطلحات: «النقد» و«الممارسة» و«التحرر». وستبدأ هذه المجموعة من المفاهيم — كما آمل — في شرح السبب في كون جانبٍ كبيرٍ من الفلسفة في التقليد القاري يهتم بتقديم نقد فلسفي للممارسات الاجتماعية للعالم المعاصر، الذي يطمح نحو فكرة التحرر الفردي أو المجتمعي. بعبارة أخرى، يطلب جزء كبير من الفلسفة القارية منَّا أن ننظر إلى العالَم على نحو ناقد بقصد تحديد نوع من التحوُّل، سواء أكان شخصيًّا أم جماعيًّا. وفي رأيي، هذه هي مجموعة الافتراضات التي تعمل في الخلفية التي تربط الفلاسفة الكلاسيكيين مثل هيجل وَنيتشه، مع ورثتهم المعاصرين من أمثال يورجن هابرماس وَفوكو وَدريدا.

(١) شخصيات أم مشكلات؟

يُعَدُّ ريتشارد رورتي واحدًا من عدد قليل من الفلاسفة الناطقين بالإنجليزية، الذين حاولوا على نحو مستمر ومستميت إنهاءَ التقسيم بين الفلسفة التحليلية والقارية، من خلال العمل في كلا المعسكرين. ولذلك اتُّهِم وعلى نحوٍ غير مبرَّر من قِبَل كلا الجانبين أنه يفهم الأمور على نحوٍ خاطئ. وقد مال رورتي لإرجاع أصل كلٍّ من التقليدَيْن التحليلي والقاري إلى البراجماتية الأمريكية لِجون ديوي. ويشير رورتي إلى أن الفارق بين التقليدين يتمثَّل على نحو أساسي في حقيقة أن الفلسفة التحليلية تتعامل مع مشاكل، في حين أن الفلسفة القارية تتعامل مع شخصيات. يبدو أن هذا بنحو أو بآخر صحيحٌ لدرجة أن الفلسفة القارية عادةً ما تُمثَّل من قِبَل أشخاص مثلي على هيئة تسلسُل زمني لشخصيات تبدأ بِكانط، بدلًا من النهج القائم على المشاكل الذي يميل المرءُ إلى ربطه بالفلسفة التحليلية. ولكن يجب على المرء أن يكون حَذِرًا هنا؛ لأن معيار رورتي للتفرقة بين الفلسفتين يمكن أن يقال إنه نوع من التعميم الذي يؤكِّد الفكرة النمطية السخيفة، بأن الفلسفة القارية غير مهتمة إلى حد ما بالمشاكل والمحاججة الخاصة بها.

ومع ذلك تعكس ملاحظة رورتي شيئًا مثيرًا للاهتمام؛ فالكتب والأبحاث والمناقشات حول الفلسفة القارية المعاصرة — سواء أكانت في أوروبا القارية أم العالَم الناطق بالإنجليزية — لديها ميل للتركيز على نصوص فيلسوف رئيسي معين، أو تقديم دراسة مقارنة لنصوص اثنين أو أكثر من الفلاسفة. وهكذا، بدلًا من كتابة بحث بعنوان «مفهوم الحقيقة»، ربما يكتب المرء بحثًا حول «مفهوم الحقيقة عند هوسرل وَهايدجر»؛ وبدلًا من كتابة بحث حول «النقد الجماعاتي للِّيبرالية»، يمكن للمرء أن يكتب عن «علاقة نقد هيجل لِكانط بالنظرية السياسية المعاصرة»؛ وبدلًا من الكتابة عن «حدود النظرية الأخلاقية»، يمكن للمرء أن يكتب عن «العودة الدائمة لنقد نيتشه الجينيالوجي للأخلاق»؛ وبدلًا من الكتابة عن «مشكلة الهوية الشخصية»، ربما يكتب المرء حول «مفهوم الذات من كانط إلى دريدا»؛ وهكذا.

ومن الإنصاف أن نقول إن هذه الممارسة في كثير من الأحيان تُرْبِك وتُغْضب الفلاسفة الذين تدرَّبوا على التقليد التحليلي، الذين يصرُّون على أن فلاسفة التقليد القاري يقدِّمون تعليقات فحسب ولا يقدِّمون فكرًا جديدًا؛ أي إنهم يقدِّمون فقط «تفسيرًا للنصوص» ذا طابع فرنسي، وليس محاججة فلسفية دقيقة. ويرى كثيرون أن هناك ميلًا كبيرًا جدًّا نحو التعليق على حساب الأصالة في الفلسفة القارية المعاصرة في العالَم الناطق بالإنجليزية. ولكن ما ينقص مثل هذه الانتقادات (ومعيار رورتي)، هو تحديد معالم ممارسة مختلفة للفلسفة بإدراك مختلف تمامًا لأهمية الترجمة والتعليق والتأويل والتقليد والتأريخ للبحث الفلسفي المعاصر. ليس الأمر أن الفلسفة في التقليد القاري رافضة للتعامل مع المشاكل؛ بل على العكس من ذلك؛ غالبًا ما تُتناوَل المشاكل «من الناحية النصية والسياقية»؛ ومن ثَمَّ تتطلَّب أسلوبًا مختلفًا للتعامُل معها، النوع الذي قد يبدو غير مباشِر على نحوٍ أكبر.

(٢) النصوص والسياقات

ستانلي كافيل هو فيلسوف أمريكي كبير آخَر رفض على نحو دائم السماح بتصنيف أعماله تحت النهج التحليلي أو القاري في التفكير. مع ذلك، وعلى النقيض من رورتي، يرى كافيل أن أصول كلتا الفلسفتين تعود إلى تقليدِ الفلسفة المتعالية الأمريكية المهملِ فلسفيًّا، الذي يعبر عنه على نحو واضح في أعمال رالف والدو إيمرسون وَهنري ديفيد ثورو. وكتب كافيل في بداية أعظم أعماله «زعم العقل» (١٩٧٩) يقول: «كنت أرغب في فهم الفلسفة كمجموعة من النصوص وليس كمجموعة من المشكلات.» ومع ذلك، أعتقد أن هذا يوضِّح المقصد بقوة كبيرة. وأرى، بدلًا من ذلك، أن مختلف التقاليد الفكرية التي شكلت الفلسفة القارية المعاصرة تشكِّل كوكبة محددة، على الرغم من أنها متغيرة باستمرار من النصوص، سيسطع فيها نجم بعض النصوص على نحوٍ أكبر لفترة من الوقت ثم يخبو، لينجذب انتباهنا إلى ضوء نصوص أخرى. سوف يسطع نجم بعض هذه النصوص مثل النجوم العملاقة الحمراء لتغطي على كل شيء آخَر في مجالها، في حين أن البعض الآخر سوف يخبو مثل الثقوب السوداء ويفشل في إصدار أي ضوء. وكما نعلم جميعًا، فإن الطريقة التي تبدو عليها السماء ليلًا تتحدد عن طريق مكاننا في العالم، وشدة بريق بعض النصوص سوف تعتمد على السياقِ الذي يُنظَر إليها من خلاله، وعواملَ محتملةٍ أخرى مثل كمية التلوث الفكري في المناخ الثقافي.

ولاختيار صورة واقعية أكثر، نقول إن نصوص التقليد القاري تُشكِّل نوعًا من الأرشيف الوثائقي للمشاكل الفلسفية، مع وجود علاقة واضحة بينها وبين سياقها وسياقنا، وهي تتميَّز بوعي قوي بالتاريخ. وسوف نستخدم مصادر مختلفة من هذا الأرشيف في أوقات مختلفة، اعتمادًا على طبيعة المشاكل التي تواجهنا، والتي نسعى إلى إيجاد حلول لها. ولكن ما يميِّز العديد من النصوص في هذا الأرشيف هو أنها — على غرار أعمال هيجل، وَماركس، وَنيتشه — تتميز بوعي ذاتي تاريخي قوي لن يسمح بقراءتها دون الإشارة إلى سياقها أو سياقنا. وهذا النهج التاريخي هو النهج الذي اتبعتُه في الفصلين الثاني والثالث؛ حيث سعيتُ لتحديد الإشكالية الفلسفية لفكرِ ما بعد كانط، عن طريق توضيح التاريخِ النصي والسياقي لتلك الفترة في العالَم الناطق بالألمانية، والظروفِ التي وصل فيها هذا الفكر إلى العالَم الناطق بالإنجليزية. لا يتمتَّع هذا النهج فحسب بالميزة الكبيرة المتمثِّلة في تقديم تاريخ الفلسفة في صورة جيدة للقراءة تجعل المرء راغبًا في معرفة المزيد عنها، ولكنها تلمح أيضًا إلى أن النقاش الفلسفي المنهجي لا يمكن فصله عن الظروف النصية والسياقية لنشأته التاريخية.

اسمحْ لي أن أقدِّم أربعةَ أمثلة حديثة على ذلك:
  • (١)

    كان الاهتمام بكتاب كانط «نقد مَلَكة الحكم» في ثمانينيات القرن العشرين، وعلى وجه التحديد الاهتمام بمناقشة مفهوم التعالي؛ سببًا ونتيجةً للمشاكل التي طرحها خلاف الحداثة/ما بعد الحداثة. وعلى هذا النحو، اعتمدت النقاشات الحادة في كثير من الأحيان بشأنِ ما إذا كانت الحداثة انتهت (وهو موقف جان-فرانسوا ليوتار) أو ببساطة غير مكتملة (وهو موقف هابرماس)؛ على كيفية قراءة المرء لِكانط وأي أعماله يختار أن ينصبَّ تركيزه عليها. ولحسن الحظ أصبح هذا الخلاف مبتذلًا إلى حدٍّ كبير، وتخطَّتْه المناقشات.

  • (٢)

    عندما كنتُ طالبًا جامعيًّا في تخصُّص الفلسفة خلال أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كان شيلينج اسمًا لم نسمع به أو سمعناه فقط مرتبِطًا بنقد هيجل المبكر لعمله. ونشأت زيادة الاهتمام الحديثة بأعمال شيلينج من المشاكل الفلسفية الملموسة في الاستقبال الأنجلو أمريكي للفكر «ما بعد البنيوي» الفرنسي. وأصبح من الواضح أن شكل المحاججة لدى مفكِّرٍ مثل دريدا، يحمل أوجه تشابه مُلْفِتة للنظر لذلك الخاص بِشيلينج، وإذا كانت هذه هي الحال، فربما لم تكن «التفكيكية» طليعيةً جدًّا كما كان متصوَّرًا سابقًا.

  • (٣)

    يُعتبَر إيمانويل ليفيناس في الوقت الراهن عمومًا واحدًا من أعظم الفلاسفة الفرنسيين في القرن العشرين. مع ذلك، لاقت أعماله تجاهلًا على نحو كبير في فرنسا حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين. ويبدو أن الفيض الحالي للأعمال حول فلسفة ليفيناس كان نتيجةً مباشِرة للمعلومات الجديدة التي تمَّ الكشف عنها في شتاء عام ١٩٨٦-١٩٨٧ حول مدى تورُّط هايدجر المخزي مع النازية؛ لذلك، ينشأ الاهتمام بأعمال ليفيناس في سياق ضيق الأفق الأخلاقي والسياسي لتفكير هايدجر، وضمنيًّا التفكير الذي استلهم من هايدجر، لا سيما تفكيكية دريدا.

  • (٤)

    بالاستثناء الواضح للعمل الرائد لِتشارلز تيلور، كان هيجل حتى وقت قريبٍ بعض الشيء شخصيةً مغمورة نوعًا ما في الفكر الفلسفي الأنجلو أمريكي. والتجدد الحالي للاهتمام بأعمال هيجل ناتجٌ عن المناقشات في الفلسفة الأنجلو أمريكية المعاصرة في أعمال جون ماكدويل وَروبرت براندوم وغيرهما، حول قصور الفلسفة الطبيعية والحاجة إلى إيجاد وسيلةٍ لمواءمة الطبيعة مع الحرية أو العقل.

يمكن تقديم أمثلة أخرى من هذا النوع؛ حيث تعمل الفلسفة القارية كنوع من الأرشيف النصي الكبير لمشكلاتٍ فلسفية محددة السياق؛ فأية مشكلة فلسفية معاصرة مهمة سوف تؤدي بالمرء إلى استدعاء نصٍّ ومجموعةٍ من المفاهيم من هذا الأرشيف. وطريقة مضي المرء قدمًا من الناحية الفلسفية تكون بالنظر إلى الماضي بطريقة جديدة.

بعبارة أخرى، بالنسبة إلى الفلسفة القارية، فإن المشاكل الفلسفية لا تسقط من السماء جاهزة، ولا يمكن التعامل معها كعناصر في خيال لا تاريخي من «الفلسفة الدائمة». وقراءة المرء لنص فلسفي كلاسيكي من هذا التقليد لا تأخذ شكلَ نقاشٍ على العشاء في الجامعة، بقدر ما تكون في صورة اجتماع مع شخص غريب من أرض بعيدة بدأ المرء للتوِّ فهمَ لغته، وبصعوبة. أتذكر — بحرج شديد — تقديمَ بحثٍ إلى بعض الفلاسفة في إحدى الجامعات البريطانية الكبرى بعد بداية مسيرتي الأكاديمية بقليل، وعلى العشاء، وبعد تحمُّل حديثي الطويل حول تغيُّر معنى مفهوم الذات من أرسطو إلى ديكارت إلى هايدجر إلى دريدا، سُئِلت: «لماذا لا يمكنني قراءة أعمال ديكارت كما لو كنتُ أتناول العشاء معه، تمامًا مثلما أتناول العشاء معك؟» أجبتُ بأن ديكارت تُوفِّي قبل ٣٥٠ عامًا، بعد أن رأى رأي العين الفوضى الشديدة التي نتجتْ عن حرب الثلاثين عامًا، وأنه كتب باللاتينية والفرنسية، وأنه استخدم أجناسًا أدبية معينة مثل مقال السيرة الذاتية (في عمله «مقال عن المنهج»)، والممارسة الروحية (في عمله «تأمُّلات في الفلسفة الأولى»)؛ ولذلك، استنتجت أنه لا يمكن للمرء أن يطَّلِع ببساطة على كل تلك العوامل ليقرِّر ما إذا كانت حججه صحيحة أم لا. ولا حاجة بي إلى قول إنني فشلت في إقناع مُحدثي وغيره من الضيوف على العشاء، ولكن المشهد مع ذلك مفيد في توضيح وجود اختلافات بيننا في النهج الفلسفي.

وهذا يعني أن المشاكل الفلسفية — نصيًّا وسياقيًّا — «متجذرةٌ»، وفي الوقت نفسه «منفصلةٌ». وهذا المزيج من التجذر والانفصال ربما هو ما يفسِّر السبب في أن المشاكلَ التي تبدو هامشيةً، الخاصةَ بالترجمة واللغة والقراءة وفهم النص والتفسير وتأويل التاريخ، لها هذه الأهمية الكبيرة في التقليد القاري. بطبيعة الحال، هذا غالبًا ما يترك المرء معرَّضًا للتهمة الغريبة بأنه يسلك مسلكًا «أدبيًّا» بدلًا من المسلك «الفلسفي»، كما لو كانت افتراضاتُ الفيلسوف لها علاقة شفَّافة ودون وساطة بالتجربة؛ وهي الرغبة التي يبدو أنها تقوم على ما سمَّاه ويلفريد سيلرز «وَهْم المعرفة الموهوبة»، وهي فكرة أن المعرفة الفلسفية تقوم على نحو واضح وصريح على الأمور التي نكون على دراية بها على نحوٍ مباشِر أو تكون «مباشرةً أمام العقل».

(٣) التقليد والتاريخ

وهكذا، وعلى الرغم من أن الاعتماد في التفرقة بين التقليد التحليلي والقاري على اختلاف سطحي يتمثَّل في اعتماد الأول على المشكلات والثاني على الشخصيات، لا يُعَدُّ كافيًا؛ فهو يؤدِّي إلى أسئلة أعمق حول التقليد والتاريخ، وأهمية هذا الأخير بالنسبة إلى التقليد القاري. ربما أسهل وسيلة وأكثرها إيجازًا لتحديد الفارق بين الفلسفتين تكون من حيث ما تراه كلٌّ منهما على أنه شكل تقليدها الفلسفي والفلاسفة الذين يمثِّلون هذا التقليد؛ وهذا يعني أن ما يهم هو التقليد الذي «يشعر» الفيلسوف بالانتماء إليه، مع معرفة مَنِ الذي يُعتبَر سلفًا أو مرجعًا له (وربما الأهم من ذلك، معرفة مَن الذي لا يُعتبَر كذلك؛ وفي بعض الأحيان دون معرفة السبب). وهكذا، في حين أن فيلسوف التقليد التحليلي ربما يرى فريجه وَراسل وَجي إي مور باعتبارهم مرجعيات له، فإن فيلسوف التقليد القاري ربما يرى هيجل وَهوسرل وَهايدجر كذلك. وبهذا المعنى، يمكن التفرقة بين الفلسفة التحليلية والقارية من خلال أسلافهما، مثل بورتريهات وصور العائلة القديمة؛ حيث يمكن للمرء اكتشاف التشابه بين الوجوهِ القديمة الموجودة بتلك الصور ووَرَثَتِهم في الوقت الحاضر.

ولكن التفرقة بهذه الطريقة لا تدخل إلى صميم المسألة حقًّا؛ لأن ما هو مثير في الفلسفة التحليلية — من منظور الفلسفة القارية — هو أنها حتى وقت قريب جدًّا لم تكن لديها وعي ذاتي بتقليدها على نحو غريب. وبدأ هذا في التغيُّر، وقدمت أعمال مهمة حول أصول الفلسفة التحليلية، سواء فيما يتعلق بجذورها الألمانية لدى فريجه، كما رأينا بالفعل في حالة دوميت، أم فيما يتعلق بنقد راسل للمثالية البريطانية. ويمكن النظر إلى ظهور الفلسفة التحليلية في العقود الأولى من القرن العشرين على أنه يسير بالتوازي مع حركاتٍ حداثيةٍ أكبر في الشعر والفنون الجميلة والهندسة المعمارية. وبوضع هذا في الاعتبار، فإنه ربما ليس من قبيل المفاجأة أن فيتجنشتاين لم يكن فحسب مؤلف كتاب «رسالة منطقية فلسفية»، ولكنه صمَّمَ أيضًا وبنى منزلًا بأقل الأساليب الحداثية تكلفةً لأخته في فيينا.

ثمة عَرَضٌ مهم آخَر في «التأريخ» الحديث للفلسفة التحليلية يتمثَّل في أن السيرة الذاتية أصبحت مادةً للاهتمام الفلسفي المشروع والفضول الثقافي الكبير. والمثال هنا مرةً أخرى هو فيتجنشتاين في كتاب راي مونك الرائع «لودفيج فيتجنشتاين: واجب العبقري» (١٩٩٠)، وفي فيلم ديريك جرمان الأقل روعةً: «فيتجنشتاين» (١٩٩٣). وقد تعزَّز هذا التحول نحو السير الذاتية في عام ١٩٩٦ بالسيرة الذاتية لِبرتراند راسل التي كتبها مونك، والسير الذاتية الناجحة الحديثة التي كتبها أشعيا برلين وَإيه جيه آير. وعلى الجانب القاري، تُعَدُّ السيرة الذاتية الفكرية لهايدجر من تأليف روديجر زافرانسكي جديرةً بالذكر. وتكمن جاذبية السيرة الذاتية في أن إنتاج الفيلسوف الفكري يمكن النظر إليه باعتباره تعبيرًا عن توجُّه وجودي معين. وعلى هذا النحو — وهذا هو أهم عوامل جاذبية فكر فيتجنشتاين — يمكن النظر إلى الفلسفة على أنها متجسدة في صورة أسلوب حياة. وهكذا، فإن تأييد أو مناصَرة وجهات نظر فيلسوف معين قد تؤدِّي إلى محاكاة أو محاولة مضاهاة معينة لتلك الحياة، ويرى المرء كل هذا طوال الوقت على المستوى الأكاديمي؛ حيث لن يدافع طلاب فيلسوف شهير ذي كاريزما عن مذهبه فحسب، ولكنهم أيضًا سيقلِّدون إشاراتِ يديه، وتردده في الكلام، والمشكلات التي يعاني منها في الحديث، وحتى تدخينه، وشربه للخمور، وعاداته الجنسية. وليست كلمة التلمذة كلمة قوية بما يكفي للدلالة على ما يجري هنا. ولكن هذا ليس بالفكرة الجديدة؛ حيث إن السيرة الذاتية كانت أداة رئيسة في التعليم الفلسفي في العالَم القديم؛ وهي تتضح بمثال سقراط، وكذلك أيضًا في مختلف المدارس الهلينستية اللاحقة، مثل الرواقية والأبيقورية؛ ففي السيرة الذاتية، تندمج الفلسفة مع أسلوب للحياة.

(٤) التاريخانية والتحرُّر

وبقاءً مع مسألة التاريخ، أزعم أن جانبًا كبيرًا من التقليد القاري سيرفض صحة التمييز بين الفلسفة وتاريخ الفلسفة المطبَّق في جزء كبير من التقليد التحليلي. وهذا هو أيضًا السبب في أن التركيز على تقليدِ ما بعد كانط مهم للغاية بالنسبة إلى الفلسفة القارية؛ لأن مسألة التاريخ تصبح هنا محورية فلسفيًّا في أعمال هامان وَهيردر، وأهم من ذلك كله في أعمال هيجل، باستثناء ملحوظ لأعمال جيامباتيستا فيكو وَجان جاك روسو. ويمكن القول إن من أهم مزايا الفلسفة القارية هي أنها تسمح للمرء بالتركيز على الطابع التاريخي الجوهري للفلسفة كممارسة، والطبيعة التاريخية الجوهرية للفيلسوف الذي يقوم بهذه الممارسة. وهذا هو النظر فيما يُعرَف عادةً ﺑ «التاريخانية».

وهذا النظر في التاريخانية يترتَّب عليه أنه لم يَعُدْ من الممكن، على نحو مشروع، إحالة المسائل الفلسفية العميقة حول معنى وقيمة الحياة البشرية إلى الموضوعات التقليدية للميتافيزيقا التأملية — الإله والحرية والخلود — وهي المواضيع التي اعتبرها كانط خالية من المعنى على المستوى المعرفي، على الرغم من أنه يمكن الدفاع عنها أخلاقيًّا. بدلًا من ذلك، يعني إدراك التاريخانية الجوهرية للفلسفة (والفلاسفة) أمرين:
  • (١)

    «التناهي» الأساسي لِلذَّات الإنسانية؛ أي إنه لا توجد نقطة مرجعية أو نقطة استشراف تشبه تلك الخاصة بالإله خارج التجربة الإنسانية، يمكن من خلالها وصف خبرتنا والحكم عليها؛ أو إن كانت موجودة، فإننا لا نستطيع أن نعرف شيئًا عنها.

  • (٢)

    الطابع «العارض» أو «المبتدع» تمامًا للتجربة الإنسانية؛ أي إن التجربة الإنسانية بشرية تمامًا، فنحن مَن نصنعها ونعيد صنعها، وظروف هذه العملية بطبيعتها عارضة.

fig10
شكل ٤-١: هيجل وهو يؤلف كتاب «فنومينولوجيا الروح»، غافلًا عن معركة ينا الدائرة خارج نافذته، في ١٤ أكتوبر ١٨٠٦. (اللوحة بريشة فيليبس وارد.)

بمجرد أن يُنظَر للإنسان باعتباره ذاتًا متناهية متضمنة في شبكة عارضة جوهريًّا من التاريخ والثقافة والمجتمع، حينها يمكن للمرء أن يبدأ في فهم سمة مشتركة بين كثير من الفلاسفة في التقليد القاري؛ وهي المطالَبة بتغيير الأمور. إذا كانت التجربةُ الإنسانية صنعًا عارضًا، فيمكن إعادة صياغتها بطرق أخرى. وهذه هي المطالبة بتغيير ممارسة الفلسفة أو الفن أو الشعر أو التفكير بحيث تكون قادرة على التعامل مع الحاضر وانتقاده، وفي نهاية المطاف تحريره. وهكذا، فإن المطالبة التي تسري في جزء كبير من الفكر الفلسفي القاري، والتي تستمر في إلهام فلاسفة مثل هابرماس وَدريدا، هي أن «يحرر» البشر أنفسهم من ظروفهم الحالية، وهي الظروف التي لا تؤدي للحرية. وكما قال روسو، وكان هذا هو السعي الأساسي للرومانسيين الألمان والإنجليز الشباب في نهاية القرن الثامن عشر: «وُلِد الإنسان حرًّا، ولكنه مقيَّد في كل مكان.» لذا، فالنقد والتحرر عنصران أساسيان لا يمكن الفصل بينهما.

fig11
شكل ٤-٢: نسخة مصوَّرة من الصفحة الأولى من «البرنامج النسقي».

العبارة الأكثر إثارةً التي أعلمها حول العلاقة بين النقد والتحرر، يمكن أن نجدها في شكل غريب وبسيط على نحو رائع في نص قصير مكتوب على كلا وجهَيْ ورقة واحدة، يعود تاريخها على الأرجح إلى صيف عام ١٧٩٦؛ النص الذي يُطلق عليه «أقدم برنامج نسقي للمثالية الألمانية» (انظر الملحق في نهاية هذا الكتاب). وأثبتتِ الدراسات الفيلولوجية أن هذا النص مكتوب من قِبَل هيجل الشاب، على الرغم من أن الأفكار الواردة به تعبِّر أكثر عن أفكار شيلينج الشاب، وإلى حد أقل، عن أفكار الشاعر الألماني الكبير يوهان كريستوف فريدريك هولدرلين. في الواقع، قبل بضع سنوات من ظهور هذا النص، كان الثلاثة قد درسوا معًا في كلية اللاهوت في توبنجين بجنوب ألمانيا، وارتقى بعد ذلك شيلينج السلم الأكاديمي حتى أصبح أستاذًا جامعيًّا في جامعة ينا عام ١٧٩٨ في سن مبكرة مذهلة وهي الثالثة والعشرين. ولنص «البرنامج النسقي» هذا تاريخ غريب؛ فعلى الرغم من أنه اكتُشِف عن طريق محررَيْ أعمال هيجل غير المنشورة فورستر وَبومان، فإنه لم يتم تضمينه في مجموعتهما من الكتابات الهيجلية المتنوعة التي ظهرت في عام ١٨٣٤-١٨٣٥؛ ربما لأن النص لم يكن منسجمًا على نحو جيد مع وجهات النظر الأكثر تحفُّظًا لِهيجل الناضج. كان هذا النص واحدًا من آخِر نصوص هيجل التي عُرِضت للبيع بالمزاد في برلين في عام ١٩١٣، عندما اشترته مكتبة الدولة البروسية. وكان أول نشر للنص والتعليق عليه في عام ١٩١٧، عندما جذب انتباه الفيلسوف الألماني اليهودي الكبير فرانس روزنزويج، الذي منح النص عنوانه الشهير الآن، والذي بدأ النقاش الفلسفي الواسع الذي أثاره «البرنامج النسقي».

يُبَلْوِر النص بدقة عددًا من الموضوعات في فكرِ ما بعد كانط. وفيما يلي ثماني نقاط نقاشية رئيسية يثيرها، ولكن يوجد غيرها:
  • (١)

    الفكرة (التي عرضنا لها بالفعل في الفصل الثاني) التي تفيد بأن ما هو مطلوب فلسفيًّا بعد كانط هو المصالَحة بين ثنائيات النظام النقدي، مضافًا إليها الفكرة الرومانسية القائلة بأن العمل الفني هو الوسيلة لمثل هذه المصالحة. فالعمل الفني يقدِّم صورة حسية للحرية، ويصنع انسجامًا بين مجالَي الطبيعة والعقل.

  • (٢)

    فكرة أنه من أجل خلق هذا العمل الفني، يجب أن يصبح الفيلسوف مثل الشاعر، ويمتلك القدرات الجمالية نفسها. فيجب أن تصبح الفلسفة والشعر — اللذان انفصلا منذ كتاب أفلاطون «الجمهورية» — شيئًا واحدًا.

  • (٣)

    توحيد الفلسفة والشعر في عمل فني هو من النوع الذي يتطلَّب «ميثولوجيا العقل»، التي من شأنها أن تسمح للناس بأن يصبحوا عقلانيين، وتسمح للفلاسفة بأن يصبحوا حسِّيِّين. وعندما يحدث هذا، «سوف تسود الوحدة الأبدية بيننا». الفكرة هنا هي أنه من أجل أن تصبح أفكار العقل فعَّالةً اجتماعيًّا، يجب أن تصبح ملموسةً؛ ومن ثَمَّ، فإن الطريقة التي يجب بها تجنُّب شكلية العقلانية الكانطية، هي من خلال تجسد العقل في شكل ميثولوجيا. وهذا هو ما يُطلَق عليه أيضًا في النص «دين حسي».

  • (٤)

    بعد ذلك تعمل ميثولوجيا العقل بمنزلة ما يمكن أن نسمِّيه الأيديولوجية في السياسة؛ وهي الأيديولوجية التي تكون نقديةً وتحرريةً على حدٍّ سواء.

  • (٥)

    نقدية لأنه من أجل تحقيق الحرية علينا تدمير ما يقف في طريقها، وهو ما يُعرَف في النص بأنه آلية الدولة، التي تتعامل مع الشعب الحر مثل الآلات؛ ولذلك، ذكر في النص على نحوٍ تحذيري أنها «يجب أن تنتهي». وهذا التدمير للدولة يعني أيضًا ضمنيًّا القضاءَ على دين الدولة، الذي يتميَّز ﺑ «نظرة احتقار»؛ حيث يرتعد الشعب الحر «أمام حكمائه وكهنته».

  • (٦)

    وتحرُّرية لأن الهدف من ميثولوجيا العقل هو الوصول لتنظيمٍ جديدٍ للمجتمع قائمٍ على الحرية والمساواة: «وعندها فقط يمكن أن نتوقَّع النمو «نفسه» للقوى «جميعها».»

  • (٧)

    لذا، من خلال الطاقة الإبداعية للفن في شكل ميثولوجيا العقل يمكن أن نشير إلى أبعاد الحياة المتحولة سياسيًّا. وهذا يكشف ما يمكن أن نسمِّيه «روسوية» المثالية والرومانسية الألمانية المبكرة، التي أرادتْ وضْعَ شكل جديد من أشكال السلوك الاجتماعي الأخلاقي، مع وجود حرية ومساواة بين جميع الرجال والنساء. وبالنسبة إلى الرومانسيين على وجه الخصوص، في إنجلترا وكذلك في ألمانيا، فإن هذا كان يعني مجتمعًا قائمًا على الصداقة؛ حيث يكون كل الأصدقاء أحرارًا ومتساوين.

  • (٨)

    وهكذا، في اليوتوبية الساذجة على نحو رائع لهذا النص المنسي في السابق، يرى المرء إلهام نقد كانط للميتافيزيقا ممزوجًا بالروح التحررية للثورة الفرنسية لعام ١٧٨٩ لإنتاج بيان جمالي؛ حيث «تكون الحقيقة والخير أخوين فقط في الجمال». وكما قال الناقد الماركسي العظيم جورج لوكاش عن رومانسية ينا: «كانت كالرقص على فوهة بركان ثائر، كانت حلمًا متوهجًا بعيد الاحتمال.» كان بالفعل بعيدَ الاحتمال تمامًا، لكنه لا يزال متوهجًا.

fig12
شكل ٤-٣: لوحة لِأوجين ديلاكروا (١٧٩٨–١٨٦٣)، بعنوان «الحرية تقود الشعب»، ٢٨ يوليو ١٨٣٠.

(٥) تناول التقليد بطريقة غير تقليدية بالمرة

إذن، الفلسفة القارية جزء لا يتجزأ من علاقتها بتقليدها. في الواقع، هذه فكرة قابلناها بالفعل في تصنيف مِل لبنثام وَكولريدج في سياق التمييز بين التقدمية والمحافظة. ولكن مِل متسرِّع للغاية في ربطه بين التقليد والمحافظة. وفي واقع الأمر، صحيح أن العلاقة بالتقليد يمكن أن تكون محافظةً على نحوٍ اجتماعي، كما هي الحال في أعمال كولريدج الناضج أو في المحافظة السياسية الكلاسيكية لِإدموند بيرك؛ ومع ذلك، فإن تناول التقليد ليس من الضروري أن يكون تقليديًّا على الإطلاق، ما دام ما يحاول مفهوم التقليد استعادته هو شيئًا مفقودًا أو منسيًّا أو مكبوتًا في الحياة المعاصرة. وعلى هذا النحو، تناوُل التقليد ليس من الضروري أن يكون انصياعًا محافظًا في مواجهة الماضي، ولكن يمكن بدلًا من ذلك أن يأخذ شكلَ مواجَهةٍ «نقدية» مع تاريخ الفلسفة والتاريخ على ما هما عليه. وهذا التصوُّر النقدي للتقليد هو ما يسمِّيه هايدجر «تفكيك» أو «تجريد» تاريخ الميتافيزيقا؛ وهما الكلمتان اللتان حاوَلَ دريدا الشاب إدخالهما للفرنسية بكلمة déconstruction (أي التفكيكية). ينبغي تناول مفهوم التفكيكية المثير للجدل على نحو غير مثير للجدل، ثم يُنظَر إليه على أنه محاولة تفكيك نقدية للتقليد، من حيث ما لم يخضع للتفكير داخله وما يبقى للتفكير فيه من خلاله؛ وبهذا المعنى، يمكن للمرء أن يتحدَّث عن تجربة راديكالية للتقليد. اسمحْ لي أن أحاول جعل هذا الأمر ملموسًا على نحو أكبر باللجوء إلى طريقتين بارزتين للتفكير في التقليد راديكاليًّا؛ وهما طريقتا هوسرل وتلميذه الأكثر شهرةً، هايدجر.
يمكن القول إن التقليد له معنيان:
  • (١)

    شيء موروث أو منقول إلينا دون مناقشة أو استقصاء نقدي. هذا هو المفهوم المحافِظ للتقليد الذي يتحدَّث عنه مِل فيما يتعلَّق بِكولريدج.

  • (٢)

    شيء مُقدَّم أو مُنتَج من خلال التعاطي النقدي مع المعنى الأول للتقليد؛ أيْ تناوُل للتقليد ليس بأية حال من الأحوال تقليديًّا؛ تقليد راديكالي.

fig13
شكل ٤-٤: بورتريه لِإدموند هوسرل (١٨٥٩–١٩٣٨) وهو طالب.

وهذا المعنى الثاني للتقليد هو المعنى المشترك — ليس دون بعض الاختلافات الجوهرية، ولكن هذا موضوع آخَر — لدى هوسرل وَهايدجر. بالنسبة إلى هوسرل، في كتاب «أزمة العلوم الأوروبية» (١٩٥٤) الذي نُشِر بعد وفاته، يتوافق معنَيَا التقليد مع التمييز بين التجربة «المترسبة» والتجربة «المُنشَّطَة» للتقليد. ومن المفيد أن نفكِّر في الترسيب من الناحية الجيولوجية باعتباره عملية ترسيخ أو تثبيت. وبالنسبة إلى هوسرل، الترسيب يكمن في نسيان أصل حالة الأشياء. اسمحْ لي أن أستخدم مثالَ هوسرل الشهير حول الهندسة، الذي يظهر في مقاله الذي نُشِر في عام ١٩٣٦ بعنوان «أصل الهندسة»، كملحق لكتابه «أزمة العلوم الأوروبية»، ولا ينبغي أن ننسى أن هذا المقال كان موضوع كتاب دريدا الأول، الذي كان مجرد ترجمة وتعليق على مقال هوسرل. ببساطة، كانت حجة هوسرل الرئيسية هي أنه إذا ما نسي المرء أصل الهندسة، فإنه سينسى الطابع التاريخي لهذا المجال. ولكن لماذا يُعَدُّ هذا أمرًا مهمًّا؟ إنه مهم لأن الهندسة تُظهِر في أكثر أشكالها نقاءً ما يسمِّيه هوسرل «التوجُّه النظري»، وهو الموقف الذي تأخذه العلوم الطبيعية نحو أهدافها. تتمثَّل فكرة هوسرل في أن إعادة تنشيط المعرفة بأصل الهندسة يُعَدُّ تذكيرًا بالطريقة التي ينتمي من خلالها التوجه النظري للعلوم إلى سياق اجتماعي وتاريخي محدد، ما يطلق عليه هوسرل الاسم الشهير «عالم الحياة». هدف هوسرل النقدي والجدلي هو أن نشاط العلم، منذ جاليليو، أسفَرَ عمَّا يسمِّيه «إضفاء الطابع الرياضي على الطبيعة»، والذي يتغاضى عن الاعتماد الضروري للعلم على الممارسات اليومية لعالم الحياة؛ فتوجد فجوة بين المعرفة والحكمة، بين العلم والحياة اليومية. وهذا هو الموقف الذي يدعوه هوسرل «أزمة»، والذي يحدث عندما يحدد التوجه النظري للعلوم الطريقةَ التي يُنظَر بها إلى جميع الكيانات. ومهمة الفلسفة — بمعناها عند هوسرل (أي الفنومينولوجيا) — هي الانخراط في تأمُّل نقدي وتاريخي لأصل التقليد، يسمح بحدوث تجربة نَشِطة ومنشِّطة للتقليد لمواجهة الجوانب الساذجة في تصوُّرنا الحالي للماضي.

لا تختلف الأمور كثيرًا في تصوُّر هايدجر المبكر للتفكيكية؛ تفكيكية تاريخ الأنطولوجيا، التي ليست مطلقًا وسيلةً لتدمير الماضي، ولكنها وسيلةٌ للبحث عن الميول الإيجابية للتقليد، والعمل على مواجهة ما يصفه هايدجر ﺑ «تحيُّزاته الضارة». والتفكيكية هي نتاج لتقليد كشيء مصنوع ومصاغ من خلال عملية تكرار أو استرجاع. الفكرة هنا هي التوصُّل إلى علاقة أصلية مع التقليد من خلال عملية استرجاع أو تكرار؛ حيث يعيد المرء المعنى الأصلي لحالة الأشياء من خلال عملية تأمُّل نقدي وتاريخي. ويُعَدُّ المثال الرئيسي لدى هايدجر هو الطريقة التي يرتبط بها الوجود — الكينونة — بالزمان، وهو الارتباط الذي يدَّعِي أنه تم إخفاؤه في تقليد الميتافيزيقا الغربية منذ وقت الإغريق؛ لذلك، على المرء أن يدمِّر الإدراك المنقول والمبتذل حيال الماضي من أجل تجربة القوة الخفية والمدهشة للتاريخ. وفي الفترة التي ظهر فيها كتاب «الكينونة والزمان» (أيْ أواخر عشرينيات القرن العشرين)، يوضِّح هايدجر الفرقَ بين التقليد المستقبَل والتقليد المدمَّر في سياق التمييز بين التقليد والتراث؛ ومع ذلك، هذا لا يعني أن التقليد يندمج مع نوع من صناعة التراث، بل يلعب هايدجر على معنى الفعل الألماني Überliefern (أي يسلم، أو ينقل)، للإشارة إلى أن العلاقة الأصيلة بالماضي هي علاقة تُسلم إمكاناته الخفية وتكشف عنها. وعلى هذا النحو، بالنسبة إلى هايدجر، يتطلَّب الوجود الحقيقي كشرط مسبق له تجربةً راديكاليةً للماضي وليس تجربة منقولة.

من المهم أن نشير إلى أن الهدف من تأملات هوسرل وهايدجر حول التقليد — وهذا ينطبق أيضًا على تأملات هيجل حول تاريخ «الروح» ومفهوم نيتشه للعدمية كما سنوضِّح فيما بعدُ — ليس الماضي في حد ذاته، ولكن «الحاضر»، وعلى وجه التحديد «أزمة» الحاضر. يُشعَر بالأزمة الحقيقية للعلوم الأوروبية أو ما يطلق عليه هايدجر «محنة الغرب» في عدم وجود محنة: «أزمة، أيُّ أزمة؟» إن الأزمة الحقيقية تكمن في عدم وجود أزمة، والمحنة الحقيقية تكمن في عدم وجود محنة. وربما يشير دوستويفسكي ساخرًا إلى أنه في مثل هذه الحالة من النسيان، ننزل إلى مستوى الماشية السعيدة. وهكذا، فإن المعنى المنشِّط أو المحطِّم للتقليد — أيْ تقليد راديكالي — يتيح لنا وعيًا نقديًّا للحاضر.

(٦) الفلسفة كنتاج لأزمة

يمكن القول إن المسألة المحورية للفلسفة في التقليد القاري هي مسألة الممارسة؛ وهذا يعني حياتنا الراسخة تاريخيًّا وثقافيًّا كأنفس متناهية في عالَم من صنع أيدينا. وهذه المسألة هي التي تدفع الفلسفة نحو نقد الأوضاع الحالية؛ حيث إن الظروف لا تؤدي للحرية، ونحو المطلب التحرُّري المتمثِّل في تغيير وضع الأمور؛ الحاجة لإحداث تحوُّل في ممارسة الفلسفة أو الفن أو التفكير أو السياسة. ولعل هذه الحقيقة تبدأ في شرح ميزة للفلسفة في التقليد القاري ربما تكون محيِّرة، وهي موضوع «الأزمة» الذي يجري — بأشكال مختلفة — مثل نهر جوفي عبر تقاليد المثالية الألمانية والماركسية والفنومينولوجيا والتحليل النفسي ومدرسة فرانكفورت. ويمكن العثور على فكر الأزمة هذا أيضًا في مناطق ذاتية الوعي ثقافيًّا وسياسيًّا على نحوٍ أكبر في التقليد التحليلي؛ على سبيل المثال: يتضح هذا الفكر في البيان الرسمي الرائع الذي ظهر في عام ١٩٢٩ لحلقة فيينا، والذي سأناقشه في الفصل السادس. ويدعو كاتبو هذا البيان إلى تصوُّر علمي للعالم والتغلب على الميتافيزيقا، معتبرين ذلك عنصرًا أساسيًّا في التحول الديمقراطي الاجتماعي الراديكالي للمجتمع.

في جزء كبير من التقليد القاري، تُعَدُّ الفلسفة وسيلةً لنقد الحاضر، لتعزيز وعي تأملي للحاضر على أنه في أزمة، سواء أكان يُعبَّر عن ذلك كأزمة إيمان في عالم برجوازي متحفِّظ (عند كيركجارد)، أم أزمة العلوم الأوروبية (عند هوسرل)، أم أزمة العلوم الإنسانية (عند فوكو)، أم أزمة العدمية (عند نيتشه)، أم أزمة نسيان الكينونة (عند هايدجر)، أم أزمة المجتمع البرجوازي الرأسمالي (عند ماركس)، أم أزمة هيمنة العقلانية الأداتية وسيطرة الطبيعة (عند أدورنو وَماكس هوركهايمر)، أم أيًّا كان التعبير عنها. وتؤدِّي الفلسفة باعتبارها تأمُّلًا ثاقبًا حيال التاريخ والثقافة والمجتمع إلى إيقاظ الوعي النقدي؛ ما يسمِّيه هوسرل تنشيطَ تقليدٍ مترسبٍ. وبتوسيع هذا أكثر قليلًا، فإن مسئولية الفيلسوف — بصياغة هوسرل «خادم البشرية» — هي «إنتاج» الأزمة؛ ممَّا يؤدِّي إلى إرباك التراكم البطيء للرواسب القامعة للتقليد من أجل نقد تاريخي منشط، سيكون أُفُقه عالَمَ حياةٍ متحرِّرًا. والفلسفة في التقليد القاري لديها هدف تحرُّري. وبالنسبة إلى الفيلسوف، الأزمة الحقيقية ستكون الموقف الذي لا يتم فيه الوعي بوجود أزمة؛ وفي مثل هذا العالم، لن يكون للفلسفة أيُّ هدف بخلاف أن تكون نوعًا من الفضول التاريخي أو الإلهاء الفكري، أو وسيلةً فنية لشحذ المنطق السليم لدى الفرد.

لتوضيح الأمور أكثر، اسمحْ لي أن أقترح النموذج البسيط التالي للفلسفة في التقليد القاري، منظمًا حول المصطلحات التي تشكِّل العنوان الفرعي لهذا الفصل:

fig15
شكل ٤-٥: قبر جان جاك روسو (١٧١٢–١٧٧٨) في مقبرة العظماء بباريس.

وهذا يعني أن النقد هو نقد للممارسة القائمة لأنها تبدو جائرة أو غير حرة أو غير صحيحة أو أيًّا ما يكون. علاوة على ذلك، إنه نقد يهدف إلى التحرر من تلك الممارسة الجائرة نحو ممارسة أخرى فردية أو جماعية؛ طريقة مختلفة لتصوُّر الحياة الإنسانية، سواء أكان ذلك الحياةَ النيتشوية للنبل المنعزل، أم المجتمع الشيوعي الذي تصوَّرَه ماركس، أم الصيرورات المتعدِّدة التي وصفها دولوز وَجوتاري، أم شيئًا مختلفًا تمامًا عن كل ما سبق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠